أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مسعد عربيد - الفاتيكان في خدمة رأس المال: البابا بندكت السادس عشر نموذجا















المزيد.....



الفاتيكان في خدمة رأس المال: البابا بندكت السادس عشر نموذجا


مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 2166 - 2008 / 1 / 20 - 11:33
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


"يعتاش الاكليرك، وليس بقدر أقل من الطبقة الراسمالية ذاتها، على أكتاف الشعب وينتفعون من تدهور الاوضاع ومن جهل الشعب وقمعه. فرجال الدين والطفيليون الرأسماليون يكرهون الطبقة العاملة المنظمة، الواعية لحقوقها، والتي تكافح من أجل حرياتها".

روزا لكوسمبرغ
في "الاشتراكية والكنائس" (1905)

(1)

يحظى الفاتيكان، رغم صغر حجمه، بدور كبير في السياسة الدولية، كما يلعب دوراً لا يقل سطوة وتأثيراً على المستوى الشعبي حيث تنفذ سياساته ومواقفه الى عقول وقلوب ووعي الملايين. فتأثيرات الفاتيكان في دوره المزدوج كدولة ومرجعية دينية، لا تتوقف عند شؤون الايمان والعقيدة، بل تتعداها الى شؤون المجتمع والسياسية والاقتصاد.
نتناول في هذه المقالة الدور السياسي للفاتيكان، كدولة ونظام حكم، إنطلاقاً من أن سياسته واستراتيجيته تقومان على نسق من المصالح المادية تبلورت عبر قرون عديدة وتشابكت مع النظام الرأسمالي منذ نشأته، رغم تلبسها عباءة الدين واللاهوت. وعليه، فان ما نهدف اليه هو وضع مواقف البابا بندكت السادس عشر في دائرة الضوء كنموذج، لإستشراف الوظيفة السياسية للفاتيكان وتجليسها في سياق إستراتيجية الغرب الرأسمالي مع التركيز على أوضاع أميركا اللاتينية. ومن هذا المنظور، فان مواقف البابا التي تتجلى في تصريحاته ومحاضراته وكتاباته، وخصوصاً ما يتعلق بالراسمالية والماركسية واميركا اللاتينية، لا تعبر عن مواقف ذاتيه فحسب، بل تأتي في سياق مصالح الطبقة الحاكمة في الفاتيكان والمؤسسة الدينية الكاثوليكية، دون أن يعني هذا أو يستلزم، التنكر للعوامل والخلفيات الشخصية والذاتية. أما مسائل اللاهوت والايمان والمعتقدات الدينية فتبقى خارج نطاق هذه المقالة، وإن ورد التطرق اليها، فالبقدر الذي تؤثر فيه على قضايا المجتمع.
(2)
السياق التاريخي

دون العودة الى تفاصيل تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وهوحافل بالكثير من الوقائع والجرائم، نتوقف في هذه المقالة، لدى ثلاث محطات تاريخية فاصلة:
1) بداية الحقبة الكولونيالية الاوروبية ونشأة "عقيدة الاكتشاف".
2) الفاتيكان الثاني والتحول الكبير.
3) الحقبة الراهنة تحت قيادة البابا السابق يوحنا بولس الثاني والراهن بندكت السادس عشر.

الحقبة الكولونيالية: ثيولوجيا الاستعمار و"عقيدة الاكتشاف"
لم يكن كريتستوفر كولومبس في رحلاته "وبطولاته" ، من منظور الكنيسة الكاثوليكية، مجرد مكتشف للاراضي الجديدة أو محتلاً لاراضي شعوب اخرى. كما ان الكنيسة لم تعتبره خارجاً عن القانون أو مجرماً أباد الملايين من السكان الاصليين الذين كانوا يقطنون "العالم الجديد" لآلاف السنين قبل ان "تكتشفه" اوروبا المسيحية. بل كانت فتوحاته وجرائمه تحظى بمباركة بابا الفاتيكان، والأدق أن نقول أنها كانت تنفيذاً لاوامر هذا الأخير ومتناغمة مع استراتيجية ومصالح المؤسسة المسيحية الغربية. ولعل هذا ما قصد كولومبس تجسيده، ولو بشكل رمزي، عندما أقام شعائر تدشين اولى الاراضي التي إستولى عليها وإلان ضمها لأملاك "ملك وملكة إسبانيا" بعد أن حطت أقدامه شواطئ جزيرة جواناهاني Guanahani عام 1492.
كان كولومبس، من المنظور الكولونيالي، متسقاً مع تعاليم ومصالح الكنيسة الكاثوليكية، لان الإعداد للحملة الكولونيالية والفتوحات الكنسية، إن جاز التعبير، كان قد بدأ باربعة عقود قبل إبحاره في غزواته.
أصدر البابا نيكولاس الخامس، (الذي حكم الفاتيكان بين عامي 1447 و1455)، عام 1452 وثيقة وجهها الى ملك البرتغال الفونسو الخامس معلناً فيها الحرب على كافة "غير المسيحيين" في العالم وقد فوضت هذه الوثيقة الغزاة بصلاحية إستغلال الشعوب غير المسيحية وشرعنت إستعمار أراضيهم وإستعبادهم والاستيلاء على كافة ممتلكاتهم. كما منح البابا البرتغال الحق في أن "تغزو وتبحث عن وتأسر وتقهر كافة الوثنيين على سواحل أفريقيا الغربية وأن تستعبدهم وتستولي على ممتلكاتهم". هكذا، بكل الصلافة والوحشية والدموية التي تثيرها مثل هذه العبارات. وعليه، فان كولومبس عندما أبحر عبر الاطلسي، أو "بحر الظلام" كما كانوا يسمونه آنذاك، كان يستند الى مرسوم بابوي يمنحه الصلاحية التامة لفتح بلاد "العالم الجديد" وإستعمارها.
أما البابا الكسندر السادس (الذي حكم من عام 1492 الى 1503) فقد أصدر وثيقة انترسيتيرا Inter Cetera سيئة الصيت في 3 مايو 1493 (بعد عام من غزوة كولومبس الاولى) ومنح بموجبها إسبانيا الحق في إحتلال البلاد التي إكتشفها كولومبس في العام السابق إضافة الى الاراضي التي سيكتشفها مستقبلاً، شريطة ألاّ يكون "أحد الملاّك المسيحيون" قد سبقهم الى ذلك. بعبارة اخرى، تجاهل هذا الفرمان الفاتيكاني وجود شعوب وحضارات قطنت تلك الاراضي لآلاف السنين قبل مجيء المسيحية والحضارة الاوروبية. وعندما إستشاط الملك البرتغالي غضباً من هذا القرار وإعترض لدى البابا على التنازلات التي قدمها هذا الاخير لاسبانيا، قام البابا باصدار فرمان آخر في اليوم التالي (4 مايو 1493) متراجعاً عن قرار الامس حرّم فيه على إسبانيا السيطرة على الاراضي التي "كانت قد وقعت في أيدي مسيحيين آخرين". وفي قرارٍ هو الاشد وقاحة، حسم الحبر الاعظم، "ممثل المسيح على الارض"، المزاحمة الاستعمارية المحتدمة آنذاك بين البرتغال وإسبانيا المتعطشتين للمزيد من الفتوحات، بجّرة قلم قاسماً "العالم الجديد" من شماله الى القطب الجنوبي الى شطرين: تستولي إسبانيا، بغية "توسيع الحكم المسيحي"، على الاراضي الواقعة الى الغرب من الخط الذي رسمه البابا، أما البرتغال فقد نالت الشطر الشرقي من تلك القارة. وهكذا كان الحال، كما فعلت فرنسا وبريطانيا في وطننا خلال الحرب الامبريالية الاولى بجرة قلم سايكس ـ بيكو (1916)، إذ حسم البابا مستقبل القارة ومصير شعوبها لما ينوف على خمسة قرون. ولعل إرث الفاتيكان وتاريخه في استعمار الشعوب وشرعنة إبادتها والاستيلاء على أراضيها ومواردها، هو العبرة التي "تعلمتها" فرنسا وبريطانيا ونفذتاها في بلادنا وفي الهند وغيرها من البلدان المستعمَرة.
لم تتواني بريطانيا عن اللحاق بالركب الاستعماري، ففي عام 1496 منحت تفويضاً لمكتشفي الاراضي الجديدة بالاستيلاء عليها باسم ملك انكلترا. وحذت الولايات المتحدة حذو بريطانيا الام، حين تبنت المحكمة العليا الاميركية عام 1823 نظرية الاكتشاف المسيحية على أساس ان الولايات المتحدة أصبحت، بعد إستقلالها عن انكلترا عام 1776، الامة الوارثة لحق "الاكتشاف" هذا وإكتسبت حق امتلاك أراضي الشعوب الهندية الاميركية متذرعةً بان هذه الشعوب قد فقدت حقها في السيادة ولم يتبقى لها سوى حق "الاقامة" على أراضيها.
إن الغاية من سرد هذه التفاصيل التاريخية هي التأكيد على:
أ ـ أن الفاتيكان (المؤسسة الكاثوليكية الدينية والسياسية) كان المبادر في شرعنة الاستعمار وإستعباد الشعوب بل وإبادتها.
ب ـ أن الوثائق الفاتيكانية المذكورة صدرت عام 1452 أي أنها سبقت غزوة كولومبس الاولى (1492) بأربعة عقود.
ت ـ أما العبرة الأهم، فتكمن في نظرة الفاتيكان الى الشعوب الاصلية في "العالم الجديد"، وقياساً عليه الشعوب "غير المسيحية"، تلك النظرة التي أصبحت قانوناً مسيحياُ يعرف ب"قانون الامم" والذي يمنح الشعوب المسيحية حقاً آلهياً مستمداً من الانجيل في الملكية المطلقة للاراضي الجديدة "المكتشفة" والتي تقطنها شعوب غير مسيحية.
ث ـ تزامن هذه الوقائع مع نشأة النظام الراسمالي.
ج ـ مهدت هذه النظرية للحملات للنظريات الاستعمارية وغيرها من النظريات العنصرية الاوروبية البيضاء والمركزانية الاوروبية.
هكذا نشأت "عقيدة الاكتشاف" Doctrine of Discovery التي إستخدمتها إسبانيا والبرتغال وبريطانيا وفرنسا وهولندا وغيرها من البلدان الاوروبية المسيحية لقرون طويلة في إستعمار شعوب آسيا وأفريقيا و"العالم الجديد" في الاميركيتين. فهل لنا ان نتسائل بعد ذلك عن مصدر المفاهيم الاستعمارية في فتح الاسواق الجديدة ونهب المواد الخام وإستعمار الشعوب وإستعبادها؟ وهل لنا ان نتسائل، من أين أتت الايديولوجية الصهيونية التي نصبت اليهود "شعباً مختاراً" ومنحته حقاً تاريخياً في "أرض الميعاد" في فلسطين على اساس الإدعاءات التوراتية؟ بل هل لنا ألاّ نلحظ ان الفكرة الصهيونية ربما جاءت متلكأة بما يقارب أربعة قرون عن عقيدة الفاتيكان واوروبا المسيحية؟

المحطة الثانية: المجمع المسكوني الثاني والتحول الكبير
تركت التطورات والتحديات الجسمية التي وسمت القرن العشرين بصماتها العميقة على الفاتيكان، إذ لم تعد الكنيسة الكاثوليكية قادرةً، إزاء هذه التغيرات، على إدارة ظهرها للقضايا الاجتماعية والسياسية كما درجت عليه في الماضي، فاخذت، هي الاخرى، تواجه مع بدايات العقد الخامس من القرن المنصرم، العديد من الإشكاليات والتحديات:
1) معالجة آثار وتداعيات التجربة الانسانية الحديثة، بما فيها من حروب دامية ودمار شامل، على العقيدة المسيحية ومؤسستها الدينية التي ظلت آسنة لقرون طويلة. وقد شملت هذه الآثار كافة جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والحضارية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية.
2) ضرورة السعي نحو فهم متجدد للانجيل بالمقاربة مع الواقع الاجتماعي والانساني الجديد، مما يستدعي تحليلاً أكثر عمقاً وإعادة النظر بدور الكنيسة والكهنوت والشروع في حوار مع العالم حول إشكاليات العصر.
على هذه الخلفية، إلتئم المجمع المسكوني الثاني (المعروف أيضاً بالفاتيكان الثاني) وأقر العديد من الاصلاحات التي أصبحت ركناً أساسياً في سياسات الفاتيكان والعقيدة الكاثوليكية وبشّرت ببزوغ مرحلة جديدة في تاريخه واستراتيجيته. عقد الفاتيكان الثاني دوراته الاربع بين عامي 1962 ـ 1965 من أجل "البحث عن نهج" جديد حسب قول البابا يوحنا الثالث والعشرين الذي أشرف على تأسيس هذا المجلس.

نماذج من الجرائم
لم تتغير إستراتيجية الفاتيكان وسياساته إثر المجمع المسكوني الثاني رغم العديد من الاصلاحات التي وعد بها ولم يحدث أي تغيير جوهري في علاقاته وإرتباطه بالغرب الراسمالي. ودون الخروج عن موضوع المقالة، يكفي أن نذكر ان الفاتيكان قد إصطف تاريخياً مع قوى الثورة المضادة، وناصب الفكر والحركات الثورية والتقدمية العداء. وعلى مدى القرون الوسطى والحديثة، قمع الفاتيكان المحاولات والاجتهادات والحركات الفكرية والعلمية وحرم الكثير من النتاج الفني والثقافي والفكري:
• ندد الفاتكان بثورات 1848 التي عمّت اوروبا آنذاك، وحارب الشيوعية منذ صدور "البيان الشيوعي" عام 1848.
• تواطئ مع النازية والفاشية خلال الحرب الامبريالية الثانية (1939 ـ 1945) وتآمر على تغطية حروب وجرائم هتلر وأعوانه بل وساعد في تهريب العديد منهم.
• منذ إنتصار الثورة البولشفية (1917)، لم يتوقف الفاتيكان عن محاربة الاشتراكية والعمل على تدمير أنظمتها من بولندا الى الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا.
• أما النضالات الاجتماعية وبشكل خاص نضال المرأة، فقد تآمر الفاتيكان عليها بما توفر لديه من وسائل.
• شكلت السياسة الفاتيكانية في بلدان اميركا اللاتنية ركيزة داعمة للرجعيات السياسية والايديولوجية في تلك القارة وساندت الديكتاتوريات العسكرية الدموية ووقفت ضد الحركات التقدمية والثورية منذ ستينات القرن الماضي.
• وفي هذا السياق إصطدم الفاتيكان مع مناضلي حركة لاهوت التحرير في تلك البلدان وقمع المدافعين عن قضايا الفقراء والفلاحين والمناضلين ضد استغلال الاغنياء والاقطاعيين. وكان للبابا الحالي، كما سنرى، دوراً مركزياً في مناهضة هذه الحركة التحريرية ومناضليها.

الحقبة الراهنة: إرث السَلَف البابا يوحنا بولس الثاني
لا نحتاج الى التنقيب في التاريخ وأسراره كي نخلص الى أن سياسات البابا السابق يوحنا بولس الثاني كانت سياسات يمينية ورجعية بامتياز ومعادية ومدمرة للانجازات العظيمة التي حققتها الانسانية، بما فيها دوره الذي وسم استراتيجية الفاتيكان لسنوات طويلة (1978 ـ 2005) ومواقفه من التيارات والحركات السياسية والاجتماعية في العالم وخاصة في مجتمعات العالم الثالث والانظمة الاشتراكية السابقة.
وصل البابا يوحنا بولس الثاني الى سدة الحكم في الفاتيكان عام 1978 في سياق سياسي وتاريخي إتسم بصعود القوى اليمينية والاصولية المتشددة والمعادية للاشتراكية والتقدم، وجاء متزامناً مع وصول مرغريت تاتشر الى رئاسة الحكومة البريطانية (1979) ورونالد ريغن الى رئاسة الولايات المتحدة (1980) وصعود الاصوليات الدينية الى مواقع السلطة والتأثير في أجزاء اخرى من العالم مثل إيران والكيان الصهيوني. وفي ظل زعامتة إتسمت مسيرة الفاتيكان بالتوجه بثبات نحو الاصولية والتشدد على مختلف الاصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
إلاّ أن صعود هذا البابا الى منصب الحبر الاعظم لم يكن مصادفة عابرة، بل جاء ملبياً للمصالح الرأسمالية في سياق هجمتها الهادفة الى تدمير الاشتراكية وأنظمتها في الاتحاد السوفييتي واوروبا الشرقية. فقد عمل "ثالوث" البابا ـ ريغن ـ تاتشر بشكل منسق ضمن إستراتيجية تسعى الى إعادة الساعة الى الوراء وتدمير الإرث الثوري والانجازات والانتصارات التي حققتها البشرية خلال ستينات وسبعينات القرن العشرين. وقد قامت هذه الاستراتيجية على عدة مرتكزات أهمها:
أ ـ محاربة الحركات التحررية والثورية والديمقراطية في العالم أينما كانت، مع توجه خاص للعالم الثالث والانظمة الاشتراكية، وتدمير ما تم تحقيقه من إنجازات الحركات الشعبية والعمالية تعزيزاً لمصالح "السوق الحرة" وإقتصادها.
ب ـ الإعداد، بكل الوسائل المتاحة وبشكل مبرمج، لتدمير الاتحاد السوفييتي والانظمة الاشتراكية.
ت ـ ضرب الانجازات التي حققتها حركات الدفاع عن الحقوق والحريات المدنية وحقوق الاقليات العرقية في العالم وفي الولايات المتحدة منذ منتصف ستينات القرن الماضي.
ث ـ معاداة وضرب النضالات الاجتماعية وخاصة النضال من أجل حقوق وحريات المرأة وإنجازات الحركات النسوية في العالم.
وبالرغم من إختلاف الخلفيات والدوافع والوسائل لاطراف هذا الثالوث، فقد تحركت قواه اليمينية بجهد منظم ومنسق نحو تنفيذ مخططاتها. وأقام الفاتيكان الروابط الوثيقة، والتي ما زال الكثير منها في عالم "السر"، مع الولايات المتحدة منذ عام 1980 (وصول ريغن الى الحكم) بل وقبل ذلك مع إدارة كارتر، وتحالف مع الغرب في حملة ما سُمي آنذاك ب"حماية حقوق الانسان" الزائفه. وبفضل "الجهود" المشتركة لهذه القوى، فاننا نعيش اليوم مرحلة تصاعد وهيمنة الايديولوجيات الرجعية واليمينية والاصولية التي إنقضّت على النضالات والانجازات السياسية والاجتماعية التي تم تحقيقها خلال حقبة "دولة الرفاه" في الغرب وحقبة البناء الاشتراكي في الدول الاشتراكية، رغم الاختلافات العميقة بين الحالتين.

(3)
الفاتيكان ورأس المال

الملكية الخاصة: "أساس النظام الاجتماعي السليم"
يُعتبر موقف الكنيسة الكاثوليكية من الملكية الخاصة (وأشكال الملكية الاخرى) الركيزة الاساسية في عقيدتها حول النظام الاجتماعي الذي تدعو اليه. تعتقد الكنيسة أن الملكية الخاصة، وأشكال الملكية الاخرى، تضمن "للفرد مجالاً هاماً جداً لممارسة إستقلاله الشخصي والعائلي، ويجب إعتبارها إمتداداً للحرية الانسانية...وحيث أنها تحث على ممارسة المسؤولية، فانها تشكل واحداً من شروط الحرية المدنية." وقطعاً لأي تأويل يضيف الفاتيكان:"ان الملكية الخاصة عنصر أساسي في السياسة الاقتصادية الاجتماعية والديمقراطية الاصيلة، وهي الضمانة للنظام الاجتماعي السليم." ...و"ان عقيدة الكنيسة الاجتماعية، تستوجب ان تكون ملكية السلع متاحة وسهلة المنال للجميع، كي يصبح الكل، الى حدٍ ما، ملاّكين...".

الكنيسة والفقر: تغييب الصراع الطبقي
على الرغم من مضي أكثر من ألفي عام على نشوء الفكر المسيحي، فقد ظل فهم المسيحية لمسألة الفقر والفقراء مجزوءاً وقاصراً ومشوهاً. فعلى مدى قرون من هيمنتها الدينية والسياسية والاجتماعية، ظل الفقر، من منظور الكنيسة الكاثوليكية، "حالة اجتماعية" تواجدت دوماً في المجتمعات البشرية. فقد جانبت الكنيسة ورفضت تحليل الفقر والبؤس الانساني على انه نتيجة للاستغلال كما رفضت إعتبار الفقراء فئة (او طبقة) إجتماعية تعيش تحت وطأة ظروف إجتماعية ـ إقتصادية معينة ناتجة عن علاقات إنتاجية تحكمها تشكيلات اجتماعية (طبقات) معينة.
لذا، فان غياب (تغييب) الجذور والاسباب الطبقية للفقر والبؤس والاستغلال هو حجر الاساس في موقف الكنيسة من الراسمالية ومرجع التناقض المحتدم بينها وبين الاشتراكية، وهو أيضاً ما يحول دون تحليل بنية وطبيعة النظام الراسمالي. لذا يسهل على الفاتيكان تفسير الفقر والاستغلال وحصرهما في "حالة" اجتماعية تدعو الى الشفقة والاحسان، اي حصرهما في الحيز الانساني والخيري. ومن أجل التخفيف من وطأة الفقر وإسكات البطون الجائعة، وما يشكله هذا القهر من مقدمات مادية وموضوعية لاختمار ونضوج عوامل الثورة، دعت الكنيسة الى أعمال الاحسان والصدقة كواجب ديني، فأنشأت الجمعيات الخيرية هادفة، في نهاية الامر وبغض الطرف عن التبريرات الانسانية والروحانية والثيولوجية، الى "تحييد" الصراع الطبقي وتشويه الطبيعة الطبقية وتفادي المعالجة الامينة للاسباب المادية للاستغلال والفقر. وقد كانت محصلة ذلك قروناً من تدمير الوعي الشعبي والطبقي للجماهير وإجهاض حركات الثورة والتغيير الاجتماعية.
على النقيض من هذا الموقف "اللاطبقي" من الاستغلال الراسمالي، لعب الفاتيكان عبر التاريخ دور الشريك في الصراع الطبقي حيث إصطفت الكنيسة بوضوح مع الاقطاعية والبرجوازية ونسجت، كسلطة دينية وسياسية، شبكة معقدة من العلاقات (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية)، وأقامت تحالفات وثيقة مع الطبقات الغنية والحاكمة متلحفةً بذريعة "الحفاظ على القانون والأمن". كما وفر الفاتيكان لهذه الطبقات الغطاء والتبرير لدى الملايين من أتباع الكنيسة بحكم هيمنتة وتأثيره البالغ على وعي جماهير العمال والفلاحين والفقراء ما أدّى الى إجهاض النضالات العمالية والفلاحية والشعبية وإضعاف دورها في المجتمعات المسيحية، ناهيك عن زرع الخلافات والانقسامات في صفوفها وتفتيت وحدتها.
خلاصة القول، أنه مقابل موقف الفاتيكان المحابي من رأس المال، نرى انه، ومنذ صدور "البيان الشيوعي" (1848)، شن حرباً لا هوادة فيها على كافة الاطروحات والافكار والتيارات الماركسية والاشتراكية والثورية والتقدمية التي عالجت مسألة الفقر والاستغلال في إطار الصراع الطبقي ولم يتوقف حتى يومنا هذا عن نقد الشيوعية ومحاربتها والتآمر على أنظمتها.

نقد الراسمالية: مرواحة بين "الشرق والغرب"؟
كثيراً ما تتوارد على لسان البابا (السابق والحالي) وغيرهما من مسؤولي الفاتيكان، وفي لحظات تاريخية وسياسية فارقة، إنتقادات للرأسمالية والعولمة وقسوتها وتسببها في بؤس الانسانية وفقر العالم الثالث. فقد برع كلاهما في هذه التصريحات ولم يتوانا عن إبداء حرصهما ودعوتهما ل"إنسانية" العلاقات بين الناس. إلا أن هذا النقد، رغم رطانته وإرتفاع وتيرته، يتوقف عند القشور. فالبابا يشكو من قسوة الراسمالية ويتباكى على معاناة العالم الثالث إلا انه لا ينفذ الى معالجة الاسباب الجذرية والبنى الاجتماعية التي يقوم عليها الاستغلال الراسمالي، المسبب الرئيسي لهذه المعاناة. وعليه، يظل نقد الكنيسة للراسمالية شكليا ولفظياً قاصراً عن أن يترجم الى موقف عملي. فيما يلي عينة من مواقف البابا السايق يوحنا بولس الثاني، أما مواقف البابا الحالي فسوف نعود اليها لاحقاً:
• وصف البابا يوحنا بولس الثاني النظام الراسمالي بانه الاداة "الاكثر نجاعة" في استخدام الموارد وسد حاجات المجتمع والناس.
• هاجم كلاً من الشرق والغرب، مشيراً الى ان النزاع الايديولوجي بين الراسمالية والشيوعية، شكلَّ، حسب قوله، عائقاً "في معالجة جراح العالم الثالث". وإذا لم تكن المماثلة بين هذه النظامين تعبيراً عن الجهل، وهي ليست كذلك، فهي اسوأ لانها، دون مواربة طعنة لضميرالانسانية وخيانة لقيمها وأخلاقيتها.
• أنحى البابا، وهو ألد أعداء الشيوعية والذي كان يعتد بكونه "الاب الروحي" لتدمير الانظمة الاشتراكية، أنحى باللائمة على النظامين لان كلاً منهما "يتضمن ميلاً نحو الامبريالية" و"خطيئة" البحث عن الثروة وإفقار الشعوب. وكي يصدق المرء مثل هذا الزعم، فعليه ان يكون مصاباً بفقدان الذاكرة وأن ينسى أن هذه الكنيسة "الحاكمة بأمر الله" ما زالت، منذ قرون طويلة، تتحكم باكبر ثروات العالم.
• أما دولة الرفاه، فقد وصفها البابا بانها دولة مكلفة وبيروقراطية وغير منتجة بل معيقة للانتاج وان الاعمال والمؤسسات الخيرية ذات فعالية أفضل.

فاذا كان الفاتيكان، والفكر الكاثوليكي بمجمله، يعتبر حق الملكية الخاصة هو حجر الاساس في موقفه من النظام الاجتماعي ـ الاقتصادي، وأن هذا النظام "يجب أن يؤدي الى توزيع أكثر عدالة ومساواة في السلع" كما أكد البابا يوحنا بولس الثاني، فما هو المقصود، إذن، ب"نقد" الفاتيكان للراسمالية والعولمة؟
إذا أزلنا ما عَلِقَ بنقد الفاتيكان للرأسمالية من لغو ورطانة، فان هذا النقد يفضي، في نهاية التحليل، الى:
أ) الى تلميع صورة هذا النظام الوحشي وإعفائه من مسؤوليته عن بؤس البشرية والحروب الدامية وإبادة الملايين من الابرياء.
ب) ليس خافياً أن مثل هذه التخريجات المبتكرة توحي بان الموقف من الراسمالية يعكس "الارادة الربانية" ويمثل رأي البابا ورغبته، وما لذلك من أثر كبير على جماهير المؤمنين وأتباع الكنيسة.
ت) ربما ما تتوخاه الكنيسة من وراء "نقدها" هذا هو العودة الى ما يخدم مصالح الكنيسة، أي العودة الى الاسوأ: الى تشكيلات اجتماعية أكثر تخلفاً على غرار تلك التي سادت اوروبا وهيمنت فيها مفاهيم الملكية الخاصة المطلقة حين كانت الكنيسة الكاثوليكية أكبر ملاّكي الاراضي وأكبر المنتفعين من النظام القائم، أي أكبر الراسماليين.

الماركسية والدين
يجدر بنا، إستفاءً للبحث، الوقوف بشكل عاجل على موقف الماركسية من الدور الاجتماعي للدين. إستندت الاطروحة الماركسية في نقد الدين، من حيث الجوهر، الى تحليل دور الدين في المجتمع وعلى وجه الخصوص موقفه من الاستغلال بكافة أشكاله. وربما كان ماركس الاول الذي إلتفت الى بعض المسائل الاساسية في هذا المجال:
1) أقرّ ماركس بالموقف الاخلاقي الذي إتخذه الدين من معارضة الفقر والظلم.
2) كما لمس قدرة الدين على التعبير عن معاناة الفقراء وتعاطفه معهم، وقد رأى ماركس في هذا قدرة الدين على إجتذاب الجماهير.
3) إلاّ أن ماركس أدرك أيضا أن الدين، رغم معارضتة للفقر والظلم ورغم تعاطفه وشفقته على الفقراء والمعوزين، فانه يتيح للطبقات المهيمنة (الحاكمة) إستخدامه كدعامة أيديولوجية وأداة سياسية لإحكام هيمنتها على الطبقات المضطَهَدَة، أي تسخير الدين كأداة للهيمنة الطبقية حيث بتحييد الصراع الطبقي وإجهاض قوى التمرد والثورة وإحباط نضالاتها.
ولعل هذا ما حاول ماركس ان يقولة في عبارته الشهيرة "الدين أفيون الشعوب"، وهي العبارة التي كثيراً ما إجتزأت وبترت من مجمل الفقرة التي أتت في سياقها حيث يقول ماركس:"إن الهم الديني هو في الوقت نفسه تعبير عن هم واقعي واحتجاج على هم واقعي. إن الدين هو آهة الخليقة المضطهدة، هو قلب عالم لا قلب له، مثلما هو روح وضع بلا روح. انه أفيون الشعب".
خلاصة القول، أن ماركس أدرك الطابع المزدوج للدين ودوره في المجتمع: فهو، من حيث تعاليمه، ناقد للفقر ومعارض للظلم والقهر ومطالب بالرحمة والرأفة بالفقير وبالمساواة بين الناس، ولكنه أيضاً، وفي الطرف النقيض، أداة في أيدي الطبقة الحاكمة تستخدمها كآلية أيديولوجية (تدعمها مؤسسة وأجهزة كنسية عريقة وضخمة) من أجل بسط هيمنتها على الطبقات الاجتماعية المضطَهَدَة.

(4)
البابا بندكت السادس عشر نموذجاً
في الخلفية
قام البابا السابق يوحنا بولس الثاني بعد توليه زمام السلطة في الفاتيكان (عام 1978) بثلاثة أشهر، بتعيين الكاردينال الالماني جوزيف راتسنجر (البابا الحالي) مسؤولا عن الشؤون اللاهوتية. وقد أصبح هذا الكاردينال منذ عام 1981 يمثل المرجعية اللاهوتية الكاثوليكية، (أحد أهم المناصب وأكثرها حساسية، لاهوتياً وأكاديمياً وسياسياً، في الكنيسة الكاثوليكية). كما عمل راتسنجرعلى مدى خمسة وعشرين عاماً مستشاراً للبابا يوحنا بولس الثاني ظل خلالها مقرباً من سياساته ومواقفه ومساهماً في صياغتها.
شهد عقدا الثمانينات والتسعينات الآثار الجسيمة والمدمرة لافكار وسياسات هذا الكاردينال على مستقبل النضال الشعبي والثوري في العالم وعلى وجه الخصوص في أميركا اللاتينية. وعلى إرثه عبر هذين العقدين وإنجازاته الحافلة "بالخدمات" اليمينية والمعادية لقضايا وهموم الانسانية، صعد الكارينال راتسنجر الى سدة الحكم في الفاتيكان (مايو 2005) ليؤكد على الاستمرار في سياسة سَلَفه في خدمة الغرب الراسمالي وسياسياته:
أ) العداء للاشتراكية والماركسية.
ب) معاداة القوى التقدمية والثورية الداعية للتغيير على المستويات الاجتماعية والسياسية واللاهوتية؛
ت) مناهضة الحركات الاجتماعية والنسوية المناضلة من أجل حقوق المرأة الاجتماعية والانسانية والصحية (مثل وسائل منع الحمل وحق المرأة في الاجهاض)، والطلاق وإشكاليات العلاقات الجنسية والاصرار على حرمان الكهنة الكاثوليك من الزواج وإنجاب الاطفال.
ث) محاباة الراسمالية والعولمة وتوفير الغطاء الديني لها، رغم "النقد" الشكلي لقسوتها، ودعم السياسات الامبريالية والعدوانية الاميركية في قمع وتدمير الحركات الثورية والشعبية في العالم.
نقدم فيما يلي بعض النماذج التي تعبر عن مواقف البابا من القضايا الرئيسية مثل الفقر والراسمالية والماركسية وحركات التغيير ولاهوت التحرير في أميركا اللاتينية، إضافة الى مواقفه من "الآخر" غير المسيحي. ولا تشكل هذه النماذج باي حال "كشف حساب"، بقدر ما تلقى بعض الضوء على المحاور الرئيسية لنهجه واستراتيجيته.

الكاردينال راتسنجر ولاهوت التحرير
قضى الكارينال جوزيف راتسنجر، ردحاً طويلاً في مناهضة لاهوت التحرير ولم يتواني في شن حملته ضد اية ثيولوجيا تدعو الى التغيير. فقد اصدر عام 1984 أول نقده "وتعليماته" ضد ثيولوجيا التحرير وإتهمها بتجاهل المسيح وبانها تفسر الانجيل تفسيراً "سياسياً"، ثم ألحق حملته هذه بثانية شنها عام 1986 ، فحارب فكر لاهوت التحرير ونضالاته التي ساندت نضال الشعوب، وطالب بفرض الرقابة على رجالاته، فقمع وفصل منهم الكثيرين. وكان من أسباب حملة الفاتيكان على لاهوت التحرير:
1) رفض الفاتيكان لاهوت التحرير لانه "يناقض" تعاليم الكنيسة وينظر الى المسيح "كمحرر إجتماعي"، ولانه، وهنا تكمن خشية الفايتكان، يستخدم أداة التحليل المادي الدياليكتيكي في معالجة مشاكل المجتمع ويتعاون مع بعض الاتجاهات والحركات الثورية. وفي هذه الفزّاعة من الماركسية يكمن عداء الفاتيكان المزمن للماركسية وللاهوت التحرير وحروبه اللانهائية ضد اي نهج للتغيير او الثورة.
2) كما ان الفاتيكان يرفض لاهوت التحرير لانه يقبل ب"العنف"، دون أن يرى الفاتيكان الحاجة الى التمييز بين العنف الثوري كوسيلة نضال وحق للشعوب والطبقات المقهورة والعنف الامبريالي العدواني.
3) تأكيد الفاتيكان على موقف الكنيسة من القضايا الاجتماعية والسياسية خاصة في اميركا اللاتينية والدفاع عنه.
4) الحفاظ على مصالح الاغنياء وأصحاب السلطة (الطبقات الحاكمة) في بلدان أميركا اللاتينية.
5) تعزيز البديل الذي تطرحه الكنيسة: أي الحث على الشفقة بالفقراء وتقديم الاحسان والأعمال الخيرية لهم لضمانة صمتهم وخنق تمردهم.

فما هو لاهوت التحرير؟ ولماذا هذه الحرب عليه؟

نشأة لاهوت التحرير
أطاع رجال الدين، عبر تاريخ الكنيسة، تعاليم الفاتيكان والتزموا بالدفاع عن مواقفه. وبفضل تأثيرهم الكبير على الملايين من المؤمنين، إنصاع هؤلاء المؤمنون لإرشادات ومواقف الكنيسة. هكذا كانت بدايات نشوء الوعي الجمعي للجماهير وكبت الكامن الثوري فيها. وعلى الرغم من الخطاب الاخلاقي اللفظي والمنمّق للكنيسة، بقي رجال الدين (منفذو السياسات الكنسية) بعيدين عن الناس وهمومهم، يعالجونها دون أن يعايشونها، ويطلقون الأحكام فيها من بعيد تنفيذاً لتعليمات واردة من "فوق"، من القمة السياسية في الفاتيكان.
على هذه الارضية، تشكلت في المجتمعات المسيحية فئات اجتماعية عريضة تنصاع الى تعاليم الكنيسة وتنساق الى مفاهيمها وتستدخل سياساتها. وتنامت، على رأس الهرم الاجتماعي، "فئة/طبقة" مهيمنة ذات إمتيازات بلغت من الثراء القدرة على الايفاء باحتياجاتها وتحقيق مصالحها دون الحاجة "للتعامل" مع الاغلبية الساحقة من المجتمع (التي تم تهميشها)، ودون الحاجة الى معايشة أوضاعها وتلمس ظروفها. وفي الاطار ذاته، في ظل هذه الظروف، نشأت "طبقة" الاكليرك التي لم تعاني يوماً نقصاً في الدخل أو حاجة للبحث عن عمل او شحة في الغذاء، فعاشت هذه الاخرى تجربة فريدة في تاريخ المجتمعات البشرية إذ أثرت دون أن تنتج، وبقيت متميزة، متعالية، ومنسلخة عن واقع الجماهير مع الحفاظ على سطوتها الدينية والاجتماعية والسياسية.
جاء الفاتيكان الثاني، كما أسلفنا، ليشكل تحولاً كبيراً في الكنيسة الكاثوليكية، وليسدل الستار على مرحلة من تاريخها ويمثل قطيعة مع ماضيها، وقد تزامن هذا التحول، وليس بمحض الصدفة، مع إنهيار الامبراطوريات الهرمة إثر الحرب الامبريالية الثانية، ونهوض حركات التحرر الوطنية لشعوب العالم الثالث التي أخذت تتصدى لاشكاليات التحرير والاستقلال والسيادة الوطنية وتحديات التنمية وتأمين العيش الكريم لشعوبها التي عانت قروناً من النهب الاستعماري لمواردها.

في أحضان هذه البيئة نشأ لاهوت التحرير كحركة ثيولوجية وشعبية تحررية في اميركا اللاتينية.

لاهوت التحرير والفقر
راوحت الكنيسة الكاثوليكية، عبر قرون مديدة من الهيمنة الدينية والسياسية وبسبب إرتباط مصالحها بالطبقة الحاكمة، راوحت وما زالت، في حسم أمرين أساسيين وهما:
أ) ان الصراع بين الفقراء والاغنياء هو في جوهره صراع مصالح أي صراع طبقي؛
ب) ان النظام الاقتصادي ـ السياسي السائد، (بكافة اطره ومؤسساته وما يفرزه من علاقات إنتاجية (طبقية) وما يوفره من حماية لمصالح الاغنياء ويسمح لهم باستغلال الفقراء وإفقارهم) هو السبب الجذري للفقر.
لم تحسم الكنيسة هذين الامرين رغم أنهما يصبّان في كنه اللاهوت المسيحي. فمعالجتهما تستلزم، في نهاية التحليل، الوقوف على تحديد دقيق لما هو "إنساني" وما هو "أخلاقي" وهو شأن لاهوتي لا ينحصر بالمسيحية فحسب بل بكافة المرجعيات الدينية.
ان إصرار الكنيسة على تشخيص الفقر "كحالة إجتماعية" ومعالجته بالرأفة والصدقة والاعمال الخيرية، بعيداً عن أسبابه الحقيقية وبعد مرور ألفيتين من الاخفاقات المتكررة، هو تحايل على القراءة الامينة للتجربة الانسانية وتجاهل لاوضاع البشرية المهينة والبائسة وطعنة لضميرها كما أنه خدمة لمصالح رأس المال.
وفي حين كانت هذه الاشكالية مأزقاً لاهوتياً وسياسياً للكنيسة التي إختارت الهروب منه، فقد شكلت مصدر قوة لمناضلي لاهوت التحريرحيث إصطف هؤلاء مع الجماهير وأخذوا يفسرون الانجيل من منظور يتسق وتعاليم المسيحية والمثل الانسانية العامة.
إستنبطت ثيولوجيا التحرير ، من خلال إستخدامها للتحليل المادي الدياليكتيكي :
• ان ظروف الفقر والبؤس التي تعيشها شعوب أميركا اللاتينية هي نتيجة مباشرة للبنية الراسمالية وعلاقات الانتاج السائدة فيها.
• وأن هذه الظروف لم تكن طفرةً أو صدفة عابرة في التاريخ البشري، بل هي نتيجة حتمية للاقتصاد الراسمالي، أي أنها لم تكن مجرد آثار سلبية أو اضرار جانبية لهذا الاقتصاد كما تحاول الذرائعية الغربية إيهامنا.
• أدرك مناضلو هذه الحركة ان تمركز الثروة والسلطة والقرار في أيدي القلة ضمن البنية الراسمالية ومؤسساتها هو السبب في الفقر والجوع والتهميش الذي يحلّ بالملايين من فلاحي الريف وهي كذلك السبب في إنتاج وإستغلال البروليتاريا المعدمة في المدن والمراكز الصناعية المدينية.

من خلال نظرته المتجددة للعقيدة المسيحية، إلتفت لاهوت التحرير الى أمرين أساسيين:
1) ان المسيح، من حيث كونه محرراً إجتماعياً، فهو أيضاً "فاعل" في الخلاص البشري. وقد ساهم هذا الفهم في رأب الصدع بين أتباع الكاثوليكية ومعتقداتهم الدينية وموقفهم من الكنيسة من جهة، وأوضاع الفقر والعوز التي يعيشونها من جهة اخرى.
2) ان العقيدة المسيحية، كغيرها من الاديان، تنادي بالوقوف مع الفقير والمحتاج والدفاع عنهما.
على هذا الاساس، قدمت ثيولوجيا التحرير، وهنا يكمن موطن قوتها، فهماً "مسيحياً" (دينياً لاهوتياً) جديداً لمشاكل الفقراء يقوم على:
أ) فهم الفقراء كطبقة مستغَلَة لا مجرد كتلة بشرية من "الكسالى والمتخلفين".
ب) وأن فقرهم هو نتيجة الاستغلال الراسمالي وغيره من أشكال الاستغلال والتمييز والاضطهاد المتمأسسة في البنية الراسمالية كنظام إجتماعي ـ إقتصادي.
ت) أي ان إكليرك لاهوت التحرير، لم يتوقف عند العقيدة الميتافيزيقية في سعي الانسان الى الانعتاق وتحقيق الكرامة والسعادة في "الحياة الاخرى"، بل ورفض التمترس خلف اللاهوت الكاثوليكي، وأصرّ على ملامسة الظروف المعيشية للجماهير ومعاينة معاناتهم عن قرب، فأدرك رجال الدين انه لا سبيل للكرامة والسعادة والحرية والعدالة الاجتماعية دون محو الفقر والاستغلال وان هذا لن يتسنى دون مكافحة الراسمالية.

اللاهوت كحركة شعبية
إنطلاقاً من هذه المفاهيم، قدمت ثيولوجيا التحرير فهماً جديداً للانسان وهمومه، ينبع من التحليل الموضوعي والمادي للظروف الاجتماعية ـ الاقتصادية، ونجحت في تجنيد الجماهير وإلتفاف الملايين من الرجال والنساء حولها، كما لاقت قبولاً واسعاً بين رجال الكهنوت المسيحي.
أخذ رجال الدين يقرأون الانجيل، والفقراء يقرأونه معهم، قراءة متجددة من خلال رؤية التحرير والنضال ضد الفقر. وأخذ الفقراء، للمرة الاولى، يضطلعون بالمهام التنظيمية والقيادية في تنظيم وإدارة شؤونهم. وبهذا المعنى، مثلت ثيولوجيا التحرير، من منظور تاريخ الكنيسية، شرخاً عميقاً في البنية الاجتماعية في مجتمعات اميركا اللاتينية وزعزعت هيمنة الفاتيكان التي دامت قروناً طويلة. ولا يخفي لما في هذا الدور، خصوصاً في المجتمعات التقليدية، من تأثير كبير على جماهير المؤمنين وحراكهم الاجتماعي والتاريخي، فجاءت المواجهة بين الفقراء (الواعين والمنظمين) والطبقة الحاكمة (الاغنياء) تنذر برياح التغيير القادم، هذه المرة، "من القاعدة". ومن خلف هذه المواجهة، كان من المحتم ان تصطدم حركة الجماهير الفقيرة بالرأسمالية الاميركية وسياساتها الامبريالية الداعمة للدكتاتوريات المحلية في اميركا اللاتينية وبهيمنة شركاتها الكبرى على إقتصادات تلك البلدان. لذا، كان أخطر ما أتت به ثيولوجيا التحرير، على الاقل من منظور الفاتيكان، هو سعيها لاول مرة في تاريخ الكنيسة الى الارتقاء بوعي الفقراء وتجذيره وتنظيم جهودهم في منظمات تمنحهم القوة والقدرة على التحكم بمصائرهم ومستقبلهم.
خلاصة القول ان لاهوت التحرير بمفاهيمه ونضالاته أدى الى إشتباك الطبقات الشعبية على جبهات ثلاث: (1) مع القوى الحاكمة في بلدان أميركا اللاتينية والمرتبطة بالامبريالية الاميركية، (2) مع الكنيسة الكاثوليكية وممثليها المحليين في بلادهم وفي المركز الكاثوليكي ـ الفاتيكان، و(3) مع الامبريالية الاميركية التي تمثل وتحمي مصالح رأس المال والشركات الكبرى في تلك القارة.

لا للخروج عن الكنيسة
أثارت حركة لاهوت التحرير، جدلاً كبيراً على مستوى الاطر الكنسية من جهة والشعبية من جهة اخرى، وتطورت، بفضل هذا الجدل، اطروحات ونظريات عديدة في علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة وضعت الفقر والفقراء في بؤرة النضال من أجل التغيير الاجتماعي والسياسي. إلا أنه يجدر التوضيح هنا، بان هذا يجب ألاّ يوحي أو يعزز الافتراض بأن حركة لاهوت التحرير، بما قدمته من اطروحات وحققته من إنجازات، شكلت خروجاً على الكنيسة واطرها أو أنها دعت الى ذلك. من هنا وجب التأكيد على ان ما كانت تسعى اليه هذه الحركة هو "تعديل" موقف الكنيسة وإستمالتها الى مواقع أقرب من الجماهير بغية الوصول الى توافق بين العقيدة والمؤسسة المسيحية من جهة، وقوى التغيير الاجتماعي الجذري من جهة اخرى. كما كانت تعمل، قدر الامكان، للحفاظ على سمعة ومصداقية الكنيسة الكاثوليكية (أو ما تبقى منها) وإبعادها عن تلطيخ إسمها بالطغمات العسكرية الديكتاتورية في تلك القارة والتي تتلقى التدريب والدعم والتمويل من الامبريالية الراسمالية الاميركية ومؤسساتها مثل وكالة المخابرات المركزية الاميركية والمركب العسكري ـ الصناعي في الولايات المتحدة.

البابا ونقد الراسمالية
أكد البابا بندكت السادس عشر، الحاكم الراهن لدولة الفاتيكان، على مواقف سَلَفَه، وكيف لا وقد رضع كلاهما من ثدي واحد، ثدي العداء للاشتراكية والتقدم.

ا) في ختام زيارته للبرازيل (أيار 2007)، كرر البابا "نظرية التوأمين" ذاتها، إذا جاز التعبير. فالماركسية والرأسمالية لديه هما "التوأمان" اللذان تعاني منهما أميركا اللاتينية: "لم يترك النظام الماركسي خلفه، أينما وجد سبيله الى الحكم، سوى إرثاُ حزيناً من الدمار الاقتصادي والبيئي، بل تدميراً مؤلماً للروح البشرية". أما الراسمالية والعولمة فقد أدانهما البابا لانهما تدمران الانسانية من خلال الإدمان على المخدرات والكحول "والأوهام الخادعة حول السعادة" ولانهما تبيحان الاجهاض ومنع الحمل الذان "يهددان" مستقبل الشعوب.
هكذا، إذن، يفهم البابا الاخطار الحقيقية التي تهدد مستقبل الانسانية: المخدرات، والاجهاض ومنع الحمل...الخ. وبدون التقليل من أهمية هذه "الاخطار"، يبدو وكأن البابا ولم يرى الفقر والجوع، ولا بالتدمير الراسمالي الاستهلاكي للموارد الطبيعية والبيئة، أما أزمة الغذاء ونفاذ الماء فلم تصل الى مسامعه بعد. يرفض البابا إلا أن يدفن رأسه في الرمال كي لا يصحو الى حقيقة النظام (الاقتصادي ـ والاجتماعي) المهيمن حيث تكمن جذور وأسباب بؤس الانسانية، بل يكتفي بخدش القشور والنحيب على أطلال الانسانية. لماذا؟ كي يهرب من الصدام المباشر مع هذا النظام، الخطر الاكبر على الانسانية حاضراً ومستقبلاً ومنذ كان، والذي احتضنته الكنيسة على مدى القرون، وما زالت، ببشاعته ووحشية علاقات الانتاج التي يفرزها.
وفي حين يجانب البابا الصدام مع الراسمالية، نراه يستمر في نقده لها "ولآثارها السلبية"، ويعود ذلك الى خشية البابا والكنيسية في ان تؤدي جرائم الراسمالية والوعي بها، باستغلالها وقمعها وإفقارها للجماهير، الى تجذير الافكار الثورية وولادة حركات التغيير والتمرد الشعبي.

ب) يتباكي البابا بندكت السادس عشر في كتابه الاخير "يسوع الناصري" (أيار/مايو 2007) على"غياب الله" في الماركسية، ولا يدري المرء كيف ولماذا توقع البابا وجود الله أو غيابه في الماركسية بعد قرن ونصف من ولادتها. فالماركسية لم تأتي لتعالج مسألة الله ووجوده ولم تعن بالشأن الديني أو اللاهوتي إلا بالقدر الذي يتصل بدور الدين والكنيسة في المجتمع (العلاقات الاجتماعية والانتاجية) وتكريس هذه المفاهيم لخدمة مشروع الثورة والتغيير. وهذا هو ما يميز الماركسية، من المنظور الفلسفي، عن الفلسفات الاخرى.

ت) وفي مواجهة "إساءة إستخدام القوة الاقتصادية" و"قسوة الرأسمالية"، كما أسماها البابا في كتابه، فانه لا يتلكأ عن طرح البديل: فهو يدعو الى "فهمٍ جديد" لما أراد المسيح أن يعلمنا إياه حول المال والثروة، وان "نحب بعضنا" ونشفق على بعضنا ونقدم المعونة والاحسان للفقراء والمعوزين. ف"المحبة تنبع من الله، وهي التي تقودنا اليه". والحل، عند البابا، يقبع في حكاية السامرائي الصالح الذي يسعف من ضربه وسرق أمتعته، فتلك هي العبرة "التي تعلم الكاثوليك المعاصرين الرأفة بجيرانهم". ولعل هذا الإمعان بالرأفة يأتي في سياق محاربة البابا طيلة حياته لصورة المسيح كثائر أو كمصلح إجتماعي، وهي الصورة التي طرحها ودافع عنها مناضلو ومفكرو لاهوت التحرير.
هكذا تكلم البابا بندكت السادس عشر، وكأن الألفيتين الماضيتين، منذ مجيء المسيحية، والحافلتين بالشقاء والفقر، لا تكفيان، بل على البشرية ان تستمر في إنتظار تحقيق الدعوات البابوية الى ما لا نهاية. ومع تمسكنا ب"المحبة بين الناس"، فاننا نتسائل عما يقصده البابا وإذا ما كان يرى ان حل مشاكل العالم الثالث، يتمثل هكذا بكل بساطة، في "رأفة" البلدان الغنية بتلك الفقيرة؟

البابا و"الآخر":
خلّف الكاردينال راتسنجرنتاجاً وفيراً من الافكار والمواقف، لعل محاضرته في "الايمان والعقل وذكريات الجامعة" (أيلول/ سبتمبر 2006) والتي تعرض فيها للاسلام، وخطابه (أيار/مايو2007) الذي عالج فيه شؤون اميركا اللاتينية، محطتين تستدعيان وقفة خاصة لما أثارتهما من خلاف وجدل ولما تحتوياه من دلالات ومؤشرات على مواقف ومفاهيم هذا البابا.

البابا والاسلام
أثارت هذه المحاضرة العديد من ردود الفعل الغاضبة فكتب فيها وقيل الكثير. ودون العودة الى تكرار ذلك، يجدر بنا أن نشير الى أمرين:
1) دون التقليل من ردود الفعل التي أثارتها تلك الحاضرة، بل إحترازاً من عدم التقوقع في الذات العربي والاسلامي وعدم رؤية الصورة الكبرى، فانه لا بد من التذكير بأن أجندة البابا (السياسية واللاهوتية) تتجاوز العرب والاسلام لتصب في خدمة مصالح وسياسات الغرب الراسمالي المعولم.
2) لم يصف البابا الاسلام في محاضرته تلك بانه "ديانه عنيفة" بل جاء بإستشهادات قد توحي بذلك. وكان الحري بنا ان نلتفت الى كنه ما يريد أن يقوله، وان لم يقله صراحة. لقد أراد البابا أن يوحي بان المسيحية (بالمقارنة بما جاء به من إستشهادات حول الاسلام) هي ديانة متسامحة ومسالمة. والمسيحية هذه هي ديانه اوروبا (اوروبا المسيحية). وقوله هذا هو صدى لدعوات عديدة ومواقف مشابهة تكررت، وما زالت، في اوروبا. إضافة الى أن هذه المحاضرة جاءت في سياق الحملة الغربية (الاوروبية ـ الاميركية) ضد حركة المقاومة الاسلامية (حماس) بعد فوزها في الانتخابات الفلسطينية (يناير 2006) ناهيك عن الذراع الصهيوني في تلك الحملة.

الشعوب الهندية الاصلية نموذجاً
في خطابه بمناسبة إفتتاح مؤتمر أساقفة أميركا اللاتينية (مايو 2007)، رشق البابا بسهامه الشعوب الهندية الاصلية في اميركا اللاتينية مستهدفاً معتقداتها الدينية وتاريخها الطويل والمرير، ولم يتوقف عند المسائل اللاهوتية بل تطوع ليستعرض آرائه في تاريخ تلك القارة بوقائعه ومستهتراً بكرامة وذاكرة شعوبها. ونظراً لدلالاتها البالغة الاهمية، نعرض فيما يلي العناوين الرئيسية لما قاله البابا بندكت السادس عشرحول الحقبة الكولونيالية التي تلت "إكتشاف العالم الجديد" وغزوات كولومبس وجرائم المسيحية الاوروبية بحق الملايين من شعوب تلك القارة عبر القرون الخمسة الاخيرة.
1) إدّعى البابا ان السكان الهنود الاصلانيين في القارة الاميركية قد "رحبوا" بالكهنة الذين رافقوا الغزاة الاوروبيين، وان هذه الشعوب كانت "تتوق صامتةً" للمسيحية.
2) كما إدّعى ان الكاثوليكية "صاغت ثقافة أميركا اللاتينية على نحو إيجابي".
3) قال:"في الواقع، ان قدوم المسيح وإنجيله لم يتسبب، في أية لحظة، بالاغتراب [أي إغتراب السكان الاصليين] عن ثقافات ما قبل الحقبة الكولومبية [نسبة الى كريستوفر كولومبسِ] كما أنه لم يشكل فرضاً قسرياً لثقافة أجنبية".
4) وقال، منتحلاً حق التكلم باسم الشعوب الاصلية، إن "يوتوبيا إعادة إحياء الديانات التي سادت حقبة ما قبل كولومبس، بفصل هذه الديانات عن المسيح والكنيسة، لن تشكل، من منظور السكان الاصليين، خطوة الى الامام، بل هي خطوة الى الخلف، لان هذه الشعوب قد "حققت مزيجاً بين ثقافتها والعقيدة المسيحية التي حملها لهم المبشرون". أي أنه إعتبر محاولة الشعوب الاصلية للحفاظ على هويتها وتاريخها وتراثها نكوصاً وخطوة الى الوراء.
5) وفي محاولة للإفتراء على التاريخ، يستعصي تبريرها أو فهمها، إنصرف البابا ليدعي أن إعتناق هذه الشعوب للكاثوليكية لم يكن نتيجة الغزوة الاوروبية والاستيلاء على اراضيهم، بل "تبنياً" لهذه الديانة جعل من ثقافتهم ثقافة "مثمرة" وعمل على "تطهيرهم". ثم تابع إفترائه قائلاً بان الكنيسة لم تفرض نفسها قسراً على الشعوب الاصلية وبان المسيحية "لم تضر بنمط حياتهم".
6) كال البابا في خطابه النقد للقادة الوطنيين المدافعين عن العدالة الاجتماعية (يقصد بالطبع الرئيس الفنزويلي تشافز والكوبي كاسترو والبوليفي موراليس وغيرهم مما يدافعون عن مصالح شعوبهم ضد النهب الامبريالي).
7) وكعادته، لم يتورع البابا عن أن يختم خطابه، الذي عجّ بالتناقضات والتحريفات التاريخية المحسوبة مسبقاً وبدقة، بالدعوة الى "الحوار بين الحضارات والاديان".

رد الشعوب الاصلية: لا خيار سوى المقاومة
جاءت ردود الشعوب الهندية الاصلية في القارة اللاتينية على تصريحات البابا بندكت السادس عشر لتدينها وتعريها وتضعها في سياقها التاريخي والسياسي، ولتلقي إضاءات على العديد من القضايا الاساسية. نوجز في السطور التالية العناوين الرئيسية لبعض نماذج هذه الردود:
1) ثيولوجيا الابادة: لقد تواطئ ممثلو الكنيسة الكاثوليكية عبر التاريخ، مع بعض الاستثناءات، على تغطية جرائم إبادة السكان الاصليين، التي بدأت منذ 515 عاماً، بل كثيرا ما إنتفعوا منها. فقد أباد الاوروبيون البيض أكثر من سبعين مليوناً من الهنود الامريكيين بحجة انه "لا روح لهم". وتسائل ممثلو الشعوب الاصلية: "إذا ما كان الله، الذي يدّعي البابا أنه يمثله، يوافق حقاً على إرتكاب هذه الجرائم ضد الانسانية؟" وأضافوا " لم يكن هؤلاء ممثلي يسوع المسيح، كما ان إلههم كان متعطشاً للدماء وللثروات التي نهبوها بالعنف ..."
2) المركزانية الاوروبية: "هل يعقل ان تعريف الله ما زال، في القرن الواحد والعشرين، يتم حسب المعاييرالاوروبية؟ على البابا ان يعلم أنه قبل أن يصل الكهنة الكاثوليك وانجليهم الى القارة الاميركية، كان للشعوب الاصلية في تلك القارة ربهم وكانت كلمته هي التي ترشد حياتهم".
3) خصخصة الله: "لا يجوز ان تنحصر كلمة الله في كتاب،[يقصدون الانجيل] ولا يجوز لاية ديانة ان تحاول خصخصة الله".
4) الاصرار على المقاومة: أكدت الشعوب الاصلية في ردها ان "ديانتنا لم تمت قط، فقد تعلمنا كيف نمزج بين معتقداتنا ورموزنا من جهة، وتلك التي أحضرها الغزاة المضطهدون من جهة اخرى"، لذا "نستمر في زيارة معابدنا، لاننا نعلم أنها ترقد تحت الكنائس الكاثوليكية. هناك ترقد أماكننا المقدسة التي دمروها بذريعة بناء معتقدات جديدة. لقد حاولوا تدمير معتقداتنا ولكنهم لم ينجحوا في ذلك... ".
5) على الصعيد السياسي:
أ ـ أكدت الردود أن البابا تناول في مواقفه قارة تعيش أزمة إجتماعية وإقتصادية خانقة حيث تزداد الفجوة بين الفقراء والاغنياء عمقاً كل يوم وحيث فشلت المسيحية، التي جاء البابا ليمثلها، "في ان توفر حياة عادلة وكريمة" لسكانها.
ب ـ رفضت هذه الردود بوضوح "النظام النيوليبرالي الراسمالي الجشع".
ت ـ "نرفض التوافقات السياسية والدينية بين بوش والبابا في ‘تجريم‘ نضال الشعوب المضطهدة".
ث ـ طالب الرئيس الفنزويلي تشافز البابا بالاعتذار الى الشعوب الاصلية وإتهمه بتجاهل الهولوكست الذي تلى اكتشاف كولومبس "للعالم الجديد" عام 1492، مؤكداً ان إبادة الشعوب الاصلية في القارتين الاميركيتين " أمر أكثر خطورة من هولوكست الحرب العالمية الثانية".

تجاهل لحقائق التاريخ أم تحريف؟
لا تعبر تصريحات البابا هذه عن إساءة فهم بريئة، بل هي تشويه للتاريخ وحقائقه المعروفة وتحقير لتلك الحضارات والديانات التي سبقت المسيحية (وغيرها من الديانات التوحيدية) بآلاف السنين، كما انها تنطوي، وهو الاهم، على تنكر للمذابح والابادة العرقية الجماعية التي ارتكبت بحق الملايين من الشعوب الاصلية في شمال ووسط وجنوب الاميركيتين.
تَغافَل البابا عن دور الفاتيكان وحاول تزوير سياساته منذ القرن الخامس عشر حيال غزو المسيحية الاوروبية "للعالم الجديد" وإرغام السكان الاصليين على إعتناق المسيحية. إلاّ أن تصريحاته، على ما فيها من تعسف بالتاريخ، تأتي أيضاً لتدير ظهرها للتطورات والتغيرات السياسية الراهنة التي تجتاح القارة اللاتينية كما تأتي في سياق محاولة إجهاض تأثيرات النهوض الشعبي والثوري وإنتفاضة الشعوب الاصلانية للدفاع عن حقوقها وكرامتها.
أما تنكر البابا لفرض المسيحية عنوة على الشعوب الهندية الاصلية، فهو إفتراء يفنده تاريخ هذه الشعوب النابض بالنضال والمقاومة والصمود على مدى خمسة قرون. ولكن، هل يعقل ان البابا يجهل حقائق التاريخ؟ واذا صحت مقولة أن المسيحية لم تُفرض قسراً على تلك الشعوب، فكيف نفسر جرائم الاضطهاد والابادة للملايين منهم؟ وكيف لنا أن نفسر لوذ هؤلاء السكان بالجبال والادغال فراراً من القتل والاضطهاد الاوروبي المسيحي ودفاعاً عن معتقداتهم وثقافاتهم وسعياً وراء حرية ممارسة شعائرهم الدينية.
في تقديرنا، ان هذا التنكر يغوص الى غايات اخرى، أكثر عمقاً:
أ ـ فهو يهدف الى محو ثقافة هذه الشعوب العريقة وما إزدهر حولها من ديانات ومعارف إنسانية كي يبرر إلغاء "الآخر" تمهيداً لإحلال ثقافة رأس المال وعولمة النظم القيمية للاستهلاك الراسمالي محل تلك الثقافات المحلية والاصيلة.
ب ـ وفي أبعادها التاريخية والسياسية (والتي هي أعمق من الدلالات الدينية)، فان المدلول العملي لهذه الاقوال هو إنكار للاستعمار الغربي والهيمنة الغربية الراسمالية على شعوب تلك القارة (وبالمعيار ذاته على كافة الشعوب المضطَهدة) ونهب مواردها والتحكم بمستقبلها. وهذا هو تحديداً ما قصده الرئيس الفنزويلي تشافز في معرض نقده للبابا، عندما دعا شعبه الى تحدي الهيمنة الراسمالية هذه و"خلق المجتمع الجديد".
ت ـ يشكل تمادي البابا في التنكر لفرض المسيحية عنوةً على الشعوب الهندية الاصلية، وما يلازمه من تنكر لجرائم تلك الحقبة، في أبعاده الحضارية والثقافية، نموذجاً للفوقية والعنجهية الاوروبية البيضاء.

(5)
إشكاليات

ينطوي الحث في الفاتيكان ومواقفه على عدة أشكاليات عدة تتمثل في موقع الفاتيكان ودوره في التاريخ وفي السمات التي تميز بها على مدى قرون طويلة. وفيما يلي نذكر بعضاً من هذه الاشكاليات التي يجدر الالتفات اليها:

الفاتيكان وتدمير الوعي
إضافة الى الوظيفة السياسية التي كثيراً ما تكون خفية، فان تأثير الفاتيكان يظل كبيراً ومهيمناً في مجال تكوين الرأي العام والوعي الشعبي المسيحي. ويتجلى هذا في تدمير الوعي الشعبي الجمعي والترويج للقيم والثقافة الراسمالية والاستهلاكية والتأسيس لوعي مسيحي غربي يستدخل الراسمالية والامبريالية في وعيه ويبرر هيمنتها وحروبها ووحشيتها. وهي أجندة لا تقتصر على معاداة الآخر (غير الكاثوليكي أو غير المسيحي)، كما قد يرشح من أقوال البابا واللغو الفاتيكاني حول "الاخلاقية"، بل هي تذهب الى الأبعد لتصطف، دون غبش، في معسكر الغرب الراسمالي ومصالحه. وهي أجندة يسهل إستقراؤها من رصد تحركات الفاتيكان ومواقفه.

الفاتيكان فوق المسائلة
يتميز الفاتيكان، كمؤسسة تجمع الوظيفتين الدينية والسياسية، بمواطن قوة لعل أشدها خطورة وسطوة هو إستثناء هذه المؤسسة من المحاسبة والشفافية وإعفائها من المسائلة. فلا أحد يجرؤ على مسائلة البابا أو مسؤولي الفاتيكان أو تقديم أحدهم للمقاضاة. ويعني هذا، بالمدلول العملي، أن البابا قد ضمن لنفسه "مناعةً"، بالمعنى المجازي، في شؤون المجتمع والسياسة والاقتصاد تشكل إمتداداً لعصمته في شؤون العقيدة المسيحية، وهي العصمة التي يقرّ بها الملايين من أتباع الكنيسة الكاثوليكية. وإن لم يكن الامر كذلك من الناحية الرسمية، ومن حيث "النص"، فهو كذلك على الاقل في ذهنية هؤلاء المؤمنين. والى هذه المناعة والحصانة المتقنة ن يعود الفضل في تمكّن الفاتيكان، عبر القرون، من تنفيذ السياسات والمخططات التي تحقق مصالحه دون مسائلة أو محاسبة. وليس هناك ما يشير بان البابا الراهن سيتوانى عن إستخدام كل ما لديه من ذخيرة ثيولوجية "وربانية" وسياسية في تحقيق أجندته.

إعتذارات منمقة
لا يستطيع المرء، موضوعياً، أن يقيم وزناً لإعتذارات البابا أو مسؤولي الفاتيكان عن مواقفهم وتصريحاتهم لسببين رئيسيين. أولهما، ان هذه الاعتذارات بروتوكولية في طبيعتها ولا تقدم تراجعاً عما قيل، بل إعتذاراً عما إذا كانت هذه المواقف قد تسببت في إيذاء مشاعر الآخرين. والسبب الثاني، أنه ليس في الامر زلة لسان، فالنص الذي يقرأه البابا مكتوب ومعد سلفاً. ونضيف بان البابا، بلا شك، يتوقع ردور الفعل الغاضبة، سواء في تعرض للاسلام (سبتمبر 2006) أو للشعوب الاصلية في أميركا اللاتينية (مايو 2007)، ولكن الاهم، عنده هو الاجندة السياسية والتي تتطلب التعسكر مع الراسمالية الامبريالية وسياساتها النيوليبرالية وهيمنها على موارد الشعوب.
(6)
الخاتمة:
إستنتاجات مفتوحة للنقاش

لماذا كل هذا التاريخ؟
رب سائلٍ: لماذا هذا التيه في التاريخ السحيق وإجترار الماضي والنحيب على أطلال الحضارات والشعوب المندثرة؟
ولعل الاجابة، في جزء منها، تكمن في أن التاريخ قد يتوقف في تفاصيل حيثياته ووقائعه، إلاّ أنه لا يتوقف من حيث القوانين التي تحكمه والمصالح التي تحركه، وبهذا المعنى فان التاريخ هو حلبة صراع، هو الزمن المعاصر ومرآة أحداثه، هو اليوم. والاجابة، في جزئها الآخر، تكمن في ان الوعي بالتاريخ هو شرط لإستشراف المستقبل والقدرة الكامنة على التغيير. ومن هذا الباب، يمكن القول بان تاريخ الفاتيكان، متمثلاً في مصالحه ومتجلياً في النماذج والمحطات التي توقفنا عندها في هذه المقالة، هو سرد أمين ومعاصر لسياسة هذه الدولة.

لماذا الهجوم على زعماء أميركا اللاتينية؟
يثير هجوم البابا على زعماء النهوض القومي في اميركا اللاتنية العديد من الاسئلة:
أ) ألاّ يمثل هؤلاء القادة الضمير الحي لشعوبهم وللانسانية، ويعبرون بافكارهم ومشاريعهم للنهوض ببلادهم وإستعادة إقتصاداتها ومواردها ووضعها في خدمة حاجات الشعب، ألا يعبرون عما تكرره الكنيسة الكاثوليكية في لغوها عن المساواة بين الناس والعدالة الاجتماعية والرأفة بالفقير والمحتاج؟ فلماذا الهجوم عليهم؟
ب) لماذا يمتعض البابا من بزوغ فجر جديد لشعوب أميركا اللاتينية، فجر يضيئه قادة يعاملون شعوبهم كاخوة وأحباء يقاسموهم السرّاء والضرّاء ويجهدون في رفع الظلم والفقر عن كواهلهم بعد خمسة قرون طويلة ومظلمة؟
ت) يحق لنا أن نتسائل بعد هجوم البابا هذا: أين هي، إذن، أوجه الخلاف الجوهرية بين موقف البابا تجاه تلك الشعوب ومصالحها من جهة، وموقف رأس المال وسياساته تجاهها؟
لقد أصبحت الانجازات التي حققتها نضالات شعوب أميركا اللاتينية مثالاّ ينير الدرب للانسانية جمعاء، ولذلك أصبح قادة هذه البلدان وقواها التقدمية هدفاً للامبريالية الاميركية كما كان عليه الحال في العراق. والارتباط بين الحالتين، العراقية واللاتينية، وثيق باكثر مما يبدو للعين. لقد سعى العراق الى إنجاز مهام التنمية، (بما فيها التصنيع والتحديث والتحكم بالموارد الطبيعية، وعلى رأسها النفط، والبشرية (إقتناء المعرفة العلمية والتكنولوجية)، وتوفير الخدمات الاجتماعية لمواطنيه، وحماية السيادة الوطنية والارتقاء بالنضال القومي العربي، فأصبح، أي العراق، "تهديداً" للمصالح الراسمالية في المنطقة وهو ما لن تسمح به الامبريالية الاميركية، فكان إحتلاله وتدميره ليصبح "عبرة" لمن تجول له نفسه مخالفة اوامر الأسياد او الخروج عن مخططاتهم.

لماذا أميركا اللاتينية؟
لقد فردنا جزءً كبيراً من هذه المقالة لمعالجة علاقة البابا (والفاتيكان) ومواقفه من أميركا اللاتينية، وذلك لسبيين:

الاول: فزّاعة لاهوت التحرير
هل يقوم لاهوت التحرير من سباته؟ سؤال يقض مضجع الفاتيكان وهو يشهد التحولات الكبيرة في القارة اللاتينية. وفي حين يحسب الكثيرون ان لاهوت التحرير قد إنتهى بعد إحتضار طويل، إلا ان الفاتيكان لا يعتقد ذلك. فتصريحات البابا نبدكت السادس عشر (مايو 2007) تنم عن خشيته من أن تكون الافكار والبذور النهضوية للاهوت التحرير ما زالت حية وقادرة على النهوض على أكتاف الجماهير وبقيادة من أسماهم "زعماء العدالة الاجتماعية" في أميركا اللاتينية. ومن هنا يتسنى للمرء فهم مغزى ومعاني نقد البابا لهؤلاء القادة وخشية الفاتيكان من المد الثوري في تلك القارة. وهناك، في الحقيقة، ما يبرر القلق الفاتيكاني المزمن حيال هذه الافكار. فلا زالت هذه الحركة كامنة برصيدها الشعبي، ومن هنا فهي، تشكل هاجساً حقيقياً للكنيسة وخطراً كبيراً من حيث أنها تلهب إرادة الشعوب وتستقطب حراكها ومقاومتها، والأخطر، أنها تأطر صراعها في مضامين ونضالات طبقية مما يعني تحويل نضال الفقراء من أجل حقوقهم وكرامتهم الى صراع طبقي يتجلى في إصطفاف الفقراء مع قوى التغيير واليسار. هذا هو بالفعل ما تشهد هذه القارة يوماً بعد يوم. ولا يقتصر الامر على صعود هذه القوى الى السلطة في العديد من بلدان أميركا اللاتينية بل إتساع الرقعة التنظيمية والشعبية لقوى التغيير الاجتماعية والسياسية مما ينذر بالانفجار والثورة ضد الانظمة الديكتاتورية العميلة والامبريالية الاميركية من ورائها.
من هذا المنظور، يمكن القول مجازاً ان لاهوت التحرير ومفاهيمه قد خلّفَ إستقطاباً جذرياً في تلك المجتمعات حيث وحدّ بين الفقير، كما ورد في الانجيل وعلى لسان المسيح، والبروليتاريا كما فهمها ماركس.

الثاني: إنحسار الكاثوليكية
بغض الطرف عن الصورة التي توحي بقوة وسطوة الكنيسة الكاثوليكية، فانها، أي الكنيسة، قلقة جداً حول مستقبل الكاثوليكية وتدني شعبيتها والتقلص المضطرد في تعداد أتباعها في العالم بشكل عام وفي اميركا اللاتينية على وجه الخصوص.
يقدر عدد الكاثوليك في العالم اليوم بما يقارب 1,1 مليارد كاثوليكي يقطن 800 مليون منهم الاميركيتين. وفي حين يشهد الاسلام، مثلاً، نمواً ديمغرافياً مضطرداَ في السنوات الاخيرة، فان الكاثوليكية تعاني من تقلص في عدد المؤمنين بها ومغادرة بعضهم للإلتحاق بكنائس مسيحية اخرى او ديانات أخرى. فعلى سبيل المثال، شكل الكاثوليك في البرازيل، الذين يبلغ تعدادهم 120 مليوناً، 89% من مسيحيي ذلك البلد عام 1980، وفي عام 2000 تناقصت نسبتهم الى 74%. أما المسيحيون البروتستانت فقد تضاعفت نسبتهم في ذلك البلد بين هذين العامين من 7% عام 1980 الى 15% عام 2000.

العرب وأميركا اللاتينية: مشروع البشرية
إذا كانت حركة النهضة العربية، منذ نشأتها في القرن التاسع عشر، وبمجمل تلوناتها وفصائلها القومية والاسلامية واليسارية والاشتراكية، تحمل مشروعاً قوميا نهضوياً يهدف الى إزالة تجزئة الوطن العربي وإنهاء الهيمنة الاجنبية والنهب الامبريالي لمواردنا وتحقيق الوحدة القومية والتحرير والتنمية، فكذلك هو، من حيث الجوهر، المشروع النهضوي في أميركا اللاتينية. فمشروع لاهوت التحرير، والذي يشكل محطة فاصلة في تاريخ وكفاح شعوب تلك القارة، يناضل من أجل إزالة الفقر والجوع والاستغلال وإستعادة الموارد المنهوبة ووضعها في خدمة شعوب تلك البلدان. لا نزعم بالطبع بان هناك مماثلة أو تطابقاً بين الحالة العربية والاخرى اللاتينية، فهناك العديد من الفوارق والخصوصيات التاريخية والاجتماعية والثقافية لكل منهما، بل المقصود هو التأكيد على المشترك (سمات العصر والمرحلة، المصالح، معسكر الاعداء والاصدقاء، التحالفات، والنضال المشترك وغيرها) بين شعوب العالم الثالث والذي يمثل جوهر المشروع التحريري والتنموي للانسانية جمعاء.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,845,253,515
- روزا لوكسمبرغ: قراءة متجددة في سياق العولمة
- قراءة في كتاب -مانيفستو: ثلاث مقالات كلاسيكية في تغيير العال ...
- التوظيف السياسي للدين: الولايات المتحدة نموذجاً
- إشكاليات الاغتراب الثقافي العربي: مناقشة في كتاب -الاغتراب ا ...
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الرابع وال ...
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الثالث
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الثاني
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الرابع والأخير
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الثالث
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ - الجزء الثاني
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الاول
- نيبال: الثورة المنسية
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: مفاهيم وخلفيات
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: إشكاليات وتحديات
- الانتخابات الاميركية ـ الرئيس الاميركي: نموذجاً أم استثناءً؟
- مشاهدات مغترب في إشكاليات الانتخابات الاميركية ـ الحلقة الاو ...
- بين ناصر ولينين تأملات في الموت المبكّر وإغتيال الحلم
- الانتفاضة الساباتية بعد عشرة اعوام: مرحلة جديدة أم خيار بين ...
- في رحيل إدوارد سعيد مفكراً وإنساناً


المزيد.....




- اعتصام في بعلبك للمطالبة بوقف الاعتداء على نبع البياضة
- عبد العال: إن رصد ثقافة المقاومة، واستقصاءها، وكشف أعماقها، ...
- المرصد العراقي: المعتقلون يوقعون على تعهدات بعدم التظاهر مجد ...
- كوبا تتراجع -درجة واحدة- عن طموحها التاريخي
- العراق: نقابات واتحادات عمالية ومهنية تعلن تضامنها واصطفافها ...
- الباحثون الناشئون في ظل النيوليبراليّة: عليكم بـ «ريادة الأع ...
- سوريا وفلسطين وحدة المسار والمصير
- #كاريكاتير #حرية_التعبير
- بعيداً من لمسة ميداس: دروس من فيينا ووارسو
- بومبيو يحرض الجالية الإيرانية على دعم المتظاهرين في بلادهم


المزيد.....

- مترجم: حول المثلية الجنسية وقانون العقوبات / ريم سعيد
- الفكر السياسي العلماني ومناهضة فكر الهوية الفرعية / لطفي حاتم
- الدستور، واحتكار العنف ، وموازين القوى الطبقية فرديناند لاسا ... / سعيد العليمى
- «الإشتراكية ذات الخصائص الصينية» / فتحي كليب
- ملاحظات حول الحركة الاجتماعية الاحتجاجية في تونس / علي الجلولي
- كروبوسكايا: كيف درس لينينن ماركس / عالية محمد الروسان
- في إمكانية ومعنى أن يصير المرء شيوعيًا اليوم / أنطونيو نيجري
- الطابع الطبقي لإسرائيل / موشيه ماتشوفر، وأكيفا أور
- لينين تعامل مع الإسلام بصفته دين أمة مضطهدة / ماتيو رونو
- بحث فى أسباب إنهيار الإتحاد السوفيتى والأحزاب الشيوعية / سامى لبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مسعد عربيد - الفاتيكان في خدمة رأس المال: البابا بندكت السادس عشر نموذجا