أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد عثمان - النظام القانوني للدولة المهدية-أول دولة دينية في تاريخ السودان






















المزيد.....

النظام القانوني للدولة المهدية-أول دولة دينية في تاريخ السودان



أحمد عثمان
الحوار المتمدن-العدد: 2156 - 2008 / 1 / 10 - 11:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تعد فترة المهدية من أهم فترات التاريخ السياسي والقانوني السوداني ، باعتبار أنها ما زالت تمارس حضوراً وتأثيراً أيدلوجياً كبيراً كأول دولة دينية صرفة أقيمت في كل مساحة السودان الحالي تقريباً. ويزيد في أهميتها محاولة كل دعاة الدولة الدينية تأصيل أنفسهم بنسبتها إلى تراث المهدية ، وذلك للتقدير اللامحدود الذي أعطاه لها المؤرخون كأول دولة وطنية قامت على كامل التراب السوداني وكان لمؤسسيها شرف طرد المستعمر التركي. وبالقطع لم يكن مؤرخو النظام القانوني السوداني على الحياد عند كتابتهم عن بنية الدولة القانونية ، بل تأثروا بكتابات غيرهم من المؤرخين فجاءت بعض كتاباتهم غير دقيقة وأخرى شابها الإجمال وعدم التفصيل إن لم نقل الغموض. غير أن الجميع لم يخرج عن إطار التأكيد بأن مصدر القانون في الدولة المهدية كان التشريع. إذ لم يكن لنظام السوابق القضائية من وجود في هذه الفترة من عمر السودان. واتفاق المؤرخين على أن التشريع بمفهومه الواسع هو المصدر الرسمي للقانون في الدولة المهدية لا يعني عدم الاختلاف حول ماهية التشريع الذي يعتبر مصدراً رسمياً للقانون. ولتحقيق مناط هذا الاختلاف نعرض لرأيين أبداهما اثنان من كبار فقهائنا القانونيين ومن ثم نخلص إلى رأينا الخاص. الرأي الأول أدلى به فقيهنا الكبير هنري رياض حين قال:-" إذا كان القرآن هو المصدر الأول للقانون ، وكانت السنة المصدر الثاني منذ انتشار الإسلام فقد أضحت منشورات المهدي في حياته وبعض منشورات الخليفة من بعده هي المصدر الثالث للقانون وذلك فضلاً عن العرف بطبيعة الحال".( لطفا أنظر: هنري رياض – موجز تاريخ السلطة التشريعية في السودان – صـ 13) ووفقاً لهذا الرأي فإن مصادر القانون في الدولة المهدية خضعت لتراتبية القرآن والسنة ثم منشورات المهدي وأخيراً العرف.
أما الرأي الثاني فيؤسس له فقيهنا المحقق د. زكي مصطفى حين يقول:-" مصادر الأحكام القانونية الرئيسية وفقاً لتوجيهات المهدي لأتباعه كانت القرآن والسنة كما فسرهما المهدي ومنشورات المهدي. وبما أن هناك مسائل كثيرة لا توجد لها أحكام واضحة في القرآن والسنة ، كان على المهدي أن يصدر العديد من المنشورات للتعامل مع هذه المسائل. وقد حاول في هذه المنشورات أن يعكس تفسيره الخاص لنص وروح القرآن والسنة. هنالك القليل من الأحكام الواردة بهذه المنشورات التي ليس لديها علاقة مباشرة بأحكام الشريعة الإسلامية المعروفة. وهذا ينعكس بوضوح في تشريعات المهدي العقابية في الجرائم التي يمكن وصفها بالصغيرة. والمثال على ذلك نجده في أحد منشورات المهدي الشهيرة المعروف عموماً بمنشور الأحكام القانونية".( أنظر: د. زكي مصطفى- القانون العام في السودان"بالإنجليزية" صـ 39)
وبالرغم من أن هذا الرصد الدقيق تفادى التصريح بالتراتبية التشريعية ، إلاّ أنه وشى بها بكل وضوح. ونحن إذ نختلف مع الرأي الأول نساند وجهة نظرنا بالرصد المذكور ونقول بأن مصدر القانون الرسمي في دولة المهدية هو منشورات المهدي في حياته ومنشورات الخليفة من بعده وذلك لما يلي من أسباب:-
1/ احتفظ المهدي لنفسه وحده بالحق في تحديد ماهية القرآن والسنة وتبيين أحكامهما وإعطائها النفاذ فقط عبر وصفها كأحكام واضحة وتفصيلية في منشوراته أو بإعطاء هذين المصدرين قوة القانون في حال غيبة النص التشريعي. أي أن المهدي تعامل مع القرآن والسنة باعتبارهما مصدراً تاريخياً ينهل منه تشريعاته التي يصدرها في شكل منشورات ويلزم الآخرين بالرجوع إليهما في حال غيبة النص التشريعي بالمنشور.
2/ إحتفظ المهدي لنفسه بحق مخالفة القرآن والسنة بإصدار أحكام تشريعية نافذة تخالف ظاهر الشريعة استناداً لنظرية "الإلهام والعصمة" وتلقي الأحكام في الحضرة النبوية مباشرة. وهذه هي أهم النقاط التي أخذها عليه العلماء وكانت نقطة الهجوم الأساسية على أيدلوجيا المهدية السياسية حيث تصدى لها العديد من أصحاب المهدي بالرد لتبرير مخالفته. ومن هؤلاء الحسن سعد محمد العبادي واضع رسالة "النوار السنية الماحية لظلام المنكرين على الحضرة المهدية" ، ويقوم تصوره لمهدية محمد احمد على أنه مبعوث لإحياء المراسم الدينية بخلاف ما كانت عليه الآراء الاجتهادية وبأنه منشئ مراسم الإسلام بعد خفاء آثارها ومظهر علوم الحقائق بعد خمود أنوارها وهو وارث وخليفة للحضرة الخاتمة المحمدية وهو خليفة رسول الله (ص) ووارثه والوارث المنتظر والخليفة الأكبر ، ومقام المهدي عنده فوق مقام الغوثانية وهو مقام الخلافة المصحوبة بملك أفهام ورؤية النبي (ص) يقظة لأخذ الأحكام وهو لا يخطئ ومعصوم.( أنظر: د. إبراهيم شحاتة- مصر والسودان ووجه الثورة في نصيحة أحمد العوام)
ويجدر بنا التنويه إلى أن التشريعات العقابية التي لا يوجد لها سند مباشر في القرآن والسنة بل وتخالف القرآن والسنة أحياناً لم تكن في الجرائم التي يمكن وصفها بالصغيرة فقط، إذ أنها تعدت ذلك للجرائم السياسية التي كانت عقوبتها الإعدام. وفي ذلك يقول الباحث محمد عبد الخالق بكري:-" ويمكننا القول فيما يتعلق بدائرة التجريم والعقاب في دولة المهدية بأنه قد صار هناك مصدراً جديداً متجاوزاً الشريعة الإسلامية السنية يطوق المعارضة للمهدية والمناهضة لدولتها ويتكون هذا المصدر من قول المهدي ومبادئه وأوامره المثبوتة في المنشورات والرسائل والقرارات التي تصدر عنه. ولهذا المصدر رافداً آخر لا يقل عن منبع الأحكام الأول في مقامه وهو الخليفة عبد الله التعايشي وما يصدر عنه من أوامر وقرارات".(أنظر: محمد عبدالخالق بكري- سيرة الإعدام السياسي في السودان- صـ 55)
ويعضد وجهة نظرنا حول أهمية المنشورات واعتبارها المصدر التشريعي الأول والرئيسي ، حقيقة أن مخالفتها ورفض تطبيقها عند مخالفتها للقرآن والسنة كان يؤدي لموت المخالف مهما كانت مكانته وهو ما حدث للحسين الزهراء. "إذ خلف القاضي الحسين الزهراء القاضي احمد بدين في القضاء متولياً منصب قاضي الإسلام. عُرف بالعدالة والطهر ونظافة اليد وكان عالماً مرموقاً وشاعراً مشهوراً وكان من الذين نافحوا عن المهدية بالفكر فألف رسالة رداً على علماء الخرطوم أسماها "الآيات البينات في ظهور مهدي الزمان والغايات". وكان في أدائه كقاضي ذو رأي مستقل لا يحكم بمنشورات المهدي إذا تعارضت مع أحكام الشريعة ومتشدداً في إنفاذ الشريعة وأصدر أحكاماً لم ترض بطانة الخليفة كانت سبباً في سجنه ومنعه من الطعام حتى مات".(أنظر: محمد عبدالخالق – المرجع السابق- صـ93).ولعله من نافلة القول أنه في ظل ظروف مثل هذه لا يمكن الحديث عن دستور أو مبدأ دستورية بل يستحيل الحديث عن استقلال قضاء يسجن رئيسه ويجوَّع حتى الموت لمجرد استقلاله في الرأي والتزامه بأحكام الشريعة الإسلامية. ويؤكد ذلك جمع المهدي، ومن بعده خليفته، لكل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في أيديهما ، ولا يقدح فيه تفويض المذكورين لسلطاتهما القضائية بشكل واسع، إذ بالإضافة للسطوة التشريعية التي تحدثنا عنها فيما سبق ، كان المهدي قمة الهرم القضائي، ولكن سلطته في سماع الدعاوى والفصل فيها تم تفويضها بشكل واسع، حيث كان يوجد قاضي الإسلام وقاضي المديرية وقاضي المنطقة وقضاة مرتبطون بالوحدات العسكرية المتحركة في أقاليم جديدة.
وخلال فترة الخليفة أصبح نظام المحاكم أكثر تعقيداً بوجود محاكم خاصة أسست للفصل في الدعاوى الخاصة ببيت المال والفصل في المنازعات أو الجرائم البسيطة التي تحدث في السوق والدعاوى بين أو ضد الجهادية (الجنود السود) وللتحري والفصل في الشكاوى ضد الحكام والأمراء وقادة الجيش والطبقة الحاكمة بصفة عامة. وهذه المحكمة الأخيرة عرفت بمحكمة رد المظالم.(زكي مصطفي-السابق-صـ40)
وهذا الغياب الواضح لاستقلال القضاء واعتباره جزءاً من سلطات الخلافة والولاية على المسلمين، واكبه تقييد لحق التقاضي لا ندري أسبابه. إذ أن الإمام المهدي كان قد منع رفع الدعاوى المتعلقة بالدية أمام المحاكم في عصره وكذلك فعل خلفه ، ولذلك فإن تسوية منازعات الدم بين المواطنين كانت تتم خارج المحاكم بواسطة مجالس كبار السن في كل قرية وفقا لأحكام القرآن والسنة.(دز عوض أحمد إدريس- الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي المقارن- صـ 417)
"برغم أنه لما تم استيلاؤه على الخرطوم أصدر أوامره بأن يتولى علماء الشريعة في كل مدينة أو قرية أو بادية الفصل في المنازعات والقضايا كما رأى أن يتولى المرء تنفيذ الأحكام".(رياض-المرجع السابق- صـ 14) وبما أننا لم نحصل على أي مادة تاريخية تفيد رفض الأمراء (أي السلطة التنفيذية) تنفيذ أي من الأحكام ، يمكننا أن نفترض أن كل الأحكام التي تصدرها المحاكم كانت تنفذ. ويعضِّد وجهة النظر هذه حقيقة أن سلطة القاضي والأمير كليهما مستمدتين من المهدي أو الخليفة من بعده، وبالتالي لم يكن يجوز التناحر بينهما، بل ولا حتى مجرد التعارض والمخالفة. وفي حال حدوث ذلك يستطيع مفوض السلطة حسم الأمر بكل سهولة ويسر.
من كل ما تقدم نؤكد أن دولة المهدية لم تكن دولة سيادة حكم القانون بأية حال. ويوافقنا في ذلك د. زكي مصطفى بقوله:-" برغم النيات الحسنة للمهدي والخليفة ، كانت البلاد في حالة حرب طوال الوقت. وتحت مثل هذه الظروف كان من الصعب إنشاء نظام قانوني متطور يوجد به شئ مثل سيادة حكم القانون بمفهومها الحديث".(د. زكي مصطفى- المرجع السابق- صـ41) واتفاقنا في النتيجة لا يمنعنا من مخالفة هذا الفقيه الكبير في أسباب غياب سيادة حكم القانون، إذ أن الأمر في تقديرنا لم يكن يتعلق بعدم الاستقرار السياسي المتمثل في الحروب ، بل إنه كان أمراً حتمياً ونتيجة منطقية للأيدلوجيا السياسية الدينية التي أسست لقداسة السلطة السياسية. وهي أيدلوجيا وفلسفة يستحيل معها الحديث عن تصور دستوري أو دولة مؤسسات، إذ أنها تقوم على فكرة المستبد العادل الذي يجمع السلطات الثلاث في يديه.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,688,117,057
- مفهوم الدولة في الشريعة الإسلامية وأثره في تغييب مبدأ سيادة ...
- إنقسام الجبهة الإسلامية الحاكمة بالسودان- صراع د. الترابي وت ...
- مداخلة في فقه مصادر القانون (التشريعات الإسلامية في السودان ...
- أخطاء قاتلة في قراءة إستراتيجية!!( حديث في محرمات السياسة ال ...
- هوامش على المتن-(قراءة نقدية موازية لمقالات الأستاذ نقد الخم ...
- في أصول ضبط المصطلح- السودان: نخبة نيلية حاكمة أم نخبة طفيلي ...
- أثر التشريعات الإسلامية في النظام القانوني السوداني
- مسائل لا تحتمل التأجيل-التحالفات وقضايا المشاركة في السلطة
- الشريعة الإسلامية وغياب مفهوم النظام القانوني الحديث
- أزمة شريكي نيفاشا- محصلة طبيعية لبداية وحسابات خاطئة


المزيد.....




- د.قرقاش: الإخوان يسعون لمظاهرات أمام سفارات الإمارات في أورو ...
- صحف: سيناريو مظاهرات "رفع المصاحف" وقانون إسرائيلي ...
- البابا: لا توصدوا باب الحوار دون تنظيم الدولة الاسلامية
- وقف إعتماد الشريعة الإسلامية في كتابة الوصية ببريطانيا
- فيديو نادر لـ «مبارك»: «انتظروا الديكتاتورية البشعة لو الإسل ...
- فيديو نادر لـ «مبارك» يحذر: انتظروا الديكتاتورية البشعة لو « ...
- «الجبهة السلفية» تحرض: صلوا فجر «28 نوفمبر» بالمساجد استعداد ...
- القبض على قيادت بـ «الجبهة السلفية» خلال اجتماع للتحريض على ...
- الإمارات تواجه الإسلام السياسي من خلال قائمتها الموسعة للإره ...
- أنصار البغدادي يعلنون درنة إمارة اسلامية تابعة لداعش


المزيد.....

- العبوديّة من أصول الإسلام / مالك بارودي
- داعش في ميزان سيرة محمد بن آمنة / مالك بارودي
- العنف .. فى جوهر الإسلام؟ / خليل كلفت
- الدولة الإسلامية .. كابوس لا ينتهي.! / أحمد سعده
- إقطعوا الطريق على حمام دم في تونس / العفيف الأخضر
- كيف تناولت الماركسية مسألة الدين؟ / تاج السر عثمان
- الدولة الدينية طوعاً أو كرهاً / العفيف الأخضر
- عملية قلب مفتوح فى خرافات الدين السًّنى / أحمد صبحى منصور
- تاريخ الاسلام المبكر / محمد آل عيسى
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل (1) / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد عثمان - النظام القانوني للدولة المهدية-أول دولة دينية في تاريخ السودان