أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علاء هاشم مناف - التحديث في النص الشعري















المزيد.....



التحديث في النص الشعري


علاء هاشم مناف

الحوار المتمدن-العدد: 2076 - 2007 / 10 / 22 - 10:48
المحور: الادب والفن
    


الإهداء
الى
روح
بدر شاكر السياب
(( إن الوسيلة الأولية لاختياري شاعر إنما هي في مدى إحرازه أو عدم إحرازه لإيقاع متفرد أو أي أسلوب أو إيقاع كتب له التفرد فأنه لا بد إن يشمل عقلاً متفرداً ولا بد من أن يتمخض من الضرورة التي تتطلب شكلاً جديداً لمحتوى جديد))

ت 0 س 0 اليوت

ليس يغني الشعراء،
بل هم مثل النجوم،
حين يعروها أنطفاء ،
وسرى النور يدوم000
فلكم شع علينا ،
في الليالي ،
عبر أجيال خوالي ،
ومسافات طوال،
ما أراقوا ،
وهم قيد الحياة ،
من ضياء

يو . أوزغا - سيخالسكي

((المقدمة))
لقد كان للقصيدة الحديثة دور معرفي كبير في ابراز المنعطف السحري والجمالي ، ان جاز التعبير . وبقي الشعر الحديث ينشد الانفتاح على كل المناهج الشعرية ليستطلع قيم ومفاهيم جمالية جديدة تسهم في رفد عملية الاتصال الدائمة بالمطلق في المشروع التفكيري المطلق الذي يؤكد مساره القصدي ، وهو التفجر المفهومي عند الشاعر بشروطه الجمالية لكي يضع النهايات الحقيقية بشأن الاحتدام والالتحام في اجمل متصل رؤيوي يقرب بين الذات – والموضوع أو نحو ذلك المنحى التأريخي الذي ينتسب له الشعر والوقوف عند تركيبته الفكرية بأعلى درجة من العبقرية لتشكل الوقائع من عناصر ابتكارية مبدعة ترسم فضاء القصيدة بأدق ما عُرِف من ألوان وفرشاة ومن صفة جمالية للعبقرية الشعرية ووراء كل ذلك المطلق المتعين في الشعر الحديث ينطلق هذا الكتاب المتواضع ليكشف عن التفاصيل الدقيقة بالحس وبالمعنى التحديثي لرائد الشعر الحديث وشاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب ، إنطلاقاً من آفاق جديدة في الدراسة للوصول الى بعض أعماق هذا الشاعر المرهف الحس وبالحدود المعرفية والجمالية في النسيج الشعري في وصف اللا نهائية من خلال اشياء حسية – مركبة – ومتركبة من تمثيلات سسيولوجية – وسيكولوجية كان قد غمرها النص الشعري ودفعها باتجاه البحث عن مجسها الاختباري ولنضع النماذج الجمالية في أدقّ تعبير حسي مرهف تسكنه العناية الجمالية بالصورة – والاسطورة – والاصوات الدفينة داخل النص الشعري والتأويل المركب في المطلق للنص ، الى المشاكلة في اللقطات الشعرية المتعددة والتي ستضع خواص التحديث في معرفة هذه التراكيب باتصال تعبيري وانفعالات تستقل بقصدية لتشترك بخواص من المعاني تكون متفردة في احيان كثيرة ، ومن الملاحظ أنّ السياب يعتبر هو خلاصه لمظهر فكري متنوع في خواصه العصرية والواقعية ، وهذا الموضوع يدعونا الى استخلاص معنى هذه العصريه والقصديه التي تضعنا امام تساؤل تأريخي للشعر الحديث بصورته الحاضرة وخواصه القائمة على منطق سسيولوجي يطرح المسأله الاجتماعية في امتدادها الاولي وشكلها اللانهائي بلا ادعاء . وباختصار شديد كان للسياب دور ريادي وكبير في الكشف عن هذا المنطوق السسيولوجي في الشعر الحديث . اخيراً وليس آخراً :- هذا الكتاب هو جهد متواضع لاضاءة جوانب خفية في بواطن النص الشعري للسياب.


علاء هاشم مناف
الحلة في
12/12/2003

الفصـل الأول
القصيدة الحداثية ولإشكالية الانفعال في التعبير

إنّ المواجهة في افهام حيثيات النظرية الشعرية من خلال تاريخ ومرحلة ، وزمكان ارتبط برؤية فلسفية وعصرٍ جدّد خواص القصيدة الشعرية عبر مفاهيم ، نقدية ، ومستويات ، ومجالات … وخواص المنظور ، يقع في دائرة للبديهيات التي تضع عملية الابداع الشعري في مقدمة عمليات التنظير ، التي تخلّف داخل الفنان ، انساقاً من التعبير ، بانفعال يساوي عملية الانطلاق ، لفعل منطقي يهديه ، الى ان يعتمد ، الانفعال الايجابي داخل تيار فكري ، خالص لا ينقطع الوعي فيه ، حتى يشكل نسقاً جدلياً مترابطاً ، عبر اجابة لكل الاسئلة ، والفروق التي شخصت هذه المداخلات ، وحاجاتها ، وما اعقبتها من صيغ للمناهج التاريخية ، والفلسفية والمنطقية لمنهج القصيدة الشعرية .


(( المعنى والمنهج ))
ضمن دائرة المعنى ، لمناهج النظرية الفكرية داخل القصيدة الشعرية ، وما رافق هذا الانطلاق .. من تفجّر ، وخلاف في مستويات ، وحدود التعبير وما تحدده عملية الانفعال ، داخل شخصية ، كل شاعر … فهو تحديد تنظيري ، لنظرية الشعر والتدقيق في إطلاق ، وتحرير الشخصية ، في النص الشعري ، من خلال تأكيد ، العملية الابداعية للنص ، والكشف عن الشخصية الجوهرية للشاعر ، " فالسياب " على سبيل المثال حدد ابعاد عديدة للقصيدة من خلال التعلل بالموضوع الشعري ، ومن عدة قنوات في اطلالة الحبيبة .
وطوفي أناشيد في خاطري *** يناغين من حبي الضائع فكانت المرأة معنًى ومنهجًا، وحافزًاشخّص أشياء كثيرة في شعره ، وهذا ما لمسناه ، في (أزهار ذابلة ) ، ( وأساطير ). ففي منطق النص الشعري عند السياب … نعثر على ضوء ، خافت نكتشف من خلاله الحب الذي شغل الشاعر وحدد منهجه الرومانتيكي .
سيّان عندي متُ من الظمأ * مادمت عبد هواء او غرق
فصرخت سوف أسير * ما دام الحنين الى سراب
في ليلة العرس التي تترقبين
ولا ظلام
فالسياب ، كان الانطلاقة لتحديد ، خصوصيات الحلقة المفقودة في القصيدة الشعرية الحديثة .. فكان الشخصية المتفجرة ، والخلاصة التي لا تحدها حدود فهو القاعدة التعبيرية لتفصيل النص ، من خلال الانطلاقة التنظيرية ، الى تصاعد الفعل ، ورد الفعل في الشخصية الفردية ، من خلال تأكيد الابداع ، الرومانتيكي ، وتفرده ، عند السياب ، وبشكل مكثف وعبر أهمية الخطاب الشعري الذي لازم منطقه الابداعي وكشف عن الحلقات التعبيرية الدقيقة من جهة اخرى ، كان الفعل التعبيري ، يتجه ، بالكشف عن التفرد ، والغرابة في انسجة القصيدة ، من خلال الاستلاب ، والقهر ، عبر مفاهيم الواقع الاجتماعي في (( العراق)) .. وما يعانيه المواطن العراقي من قهر .. فالقصيدة كانت هي المعيار في الكشف عن المستور ، من خلال المحور السياسي، والطبقي ، وهما العاملان الاساسيان ، اللذان دفعا " السياب " للتدقيق في وعي ، حقيقة الواقع ، المر ، وما ينتظره من خراب اجتماعي ، واقتصادي ، وثقافي .
والقصيدة الحديثة ، كانت تجري عبر سواقٍ متعددة لتجرف ما يقع ، امامها في الطريق .. فهي طفرة ، مناهضة وكبيرة ، لما كانت عليه … الكلاسيكية ، التي اكدت الركود ، وابتعدت عن تفاصيل الحياة المتطورة .. والمعقدة .. فكانت القصيدة الحديثة ان ، اطلقت الخيال ، وصيغ العاطفة وأطلقت المفردة الشعرية ، لكي تأخذ مداها الارحب من خلال التزام القيمة الفكرية ، والاجتماعية ، والسياسية وقد تبلور المفهوم الفكري ، والتعبيري ، في اطار منهج ومعنى القصيدة الحديثة ، وفي تأكيدها على الجانب الفكري ، والاجتماعي ، والسياسي .. وأخذت الطريق المنطقي والمنهجي في الاستجابة، والتعبير ، عن مفهوم القيمة والابداع الفردي والجماعي للقصيدة الشعرية .. وما حددته من ابداع عبر الكشف عن ملكات وسمات جمالية وفاعلية منطقية ، قدمت الى الحياة صيغ من المنهج ، الفكري الملتزم ، والمبدع .. وفي هذا المجال يقول " محمود درويش "
عيونك شوكة في القلبِ
توجعني .. وأعبدها
وأحميها من الريحِ
وأغمدها وراء الليلّ والاوجاع أغمدها
فيشعلُ جُرحُها ضوءَ المصابيحِ
ويجعل حاضري غَدُها
أعزَ عليَّ من روحي
ان دور القصيدة الشعرية الحديثة .. وهي تسعى للفهم والتكوين النفسي ، من خلال القدرة على عملية التكوين ، والتعبير ، بشكل جوهري ، وفريد ، ومتقد داخل وهج الشخصية ووفق قاعدة ومغامرة لا تقف عند حد معين … بل تؤكد عملية انفعالية ، بخصوصية ابداعية، تربط صيغ الابداع في المتلّقي ، والمبدع ، وبالعكس .. فتأتي الحداثة لتؤكد عملية الابداع وعبر صيغ لا مشروطة ، بقوانين النص ، والنفس أزاء الواقع .. الموضوعي الذي يحيط بنا ، والسيطرة الفعلية للشاعر وبالنص الشعري . والاتجاه الحداثي في القصيدة ، وتحرير الشكل ، من الموروث في شطرين، فكانت ( نازك الملائكة والسياب) هما اللذان أدخلا عنصري عملية التحرر من الشكل في البناء، وصياغة الاسطورة في القصيدة الحديثة.. وما رافق ذلك من منعطف للحياة بعد الموت .. وهذا ما حصل في (( انشودة المطـر )) للسياب كما اكد السياب ، من خلال هذا العمق الابداعي في استخدام النماذج الاسطورية من التراث ، والتاريخ العربي ، ليثبت قوة ومقدرة هذا الانموذج في بناء القصيدة الحديثة .. وكذلك موضوع المدينة فهي تعني رمز من رموز الحداثة ، والشاعر (( عبد الصبور )) هو الشاعر الذي كشف ووضع صيغ من الحداثة ، داخل النص الشعري ، لنستمع الى " صلاح عبد الصبور" في قصيدته " اغنية من فينا "
كانت تنام في سريري
والصباحْ منسكب كأنه وشاحْ
من رأسها لردفها
وقطرة ومن مطر الخريفْ ترقد في ظلال جفنْها
والنفس المستعجل الحفيف
يشهق في حلمتها
وقفت قربها ، احسّها ، ارقبها ، اشمها
النبضُ نبضُ وثني
والروح روحُ صوفيٍّ ، سليب البدنِ
اقول ، يا نفسي ، رآكِ اللهُ عطشى حين بلَ غريتكْ
جائعةً فقوتك
تائهةً فمد خيط نجمةٍ يضيء لكْ
يا جسمها الابيض قلْ :- اانت صوت؟
فقد تحاورنا كثيراً في المساءْ
يا جسمها الابيض قلْ :- اانت خضرة منورَّهْ ؟
يا كم تجولتُ سعيداً في حدائقكْ
يا جسمها الابيض قلْ :- اانت خمره؟
فقد نهلت من حوافِ مَرمركْ
سقايتي من المدام والحباب والزَبَدْ
يا جسمها الابيض مثل خاطر الملائكة
تبارك الله الذي قد ابدعكْ
واحمد الله الذي ذات مساء
على جفوني وضعكْ ( )
ويأتي دور الشاعر " أدونيس " الذي هو الفيصل الكبير في أشكالية .. القصيدة الحداثية ، وماشكلته من رمز ، في لغة الشعر الحداثي .. وكانت مجموعته الشعرية " اغاني مهيار الدمشقي عام 1961" وما احدثته من تعقيد في الصورة ، واللغة والرمز ، الى ما فيها من ناحية جمالية وفنية والتي شكلت المدخل التطوري للغة الشعر الحداثي .. ولا بد من تأكيد ، الدور الكبير والرئيسي لعملية الانفعال والتعبير ، من خلال اطار
القيمة الفكرية ، التي يتأسس عليها مؤشر الانفعال عقلياً وليس .. ((فيزيقياً )) كمــــا عنـد " هنري برجسون " و " كولردج " يرد العملية الشعرية الى نوع من الانفعال ، يشبه تركيب العناصر العقلية التي تكون زلزالاً من الانفعال تندفع كل أجزاءه الى أمام ، من ناحيته (( يؤكد برجسون .. ان كولردج يصيب التوازن في عملية وعمق الانفعال ، ويربط بينه وبين التفكير العميق)) وان التوتر الذي يحدث في الشخصية ويصيب عملية التوازن بالخلل العميق " يتم احداث تغيير في الحواجز والمسالك بحيث يطابق هدف الآخرين هدفاً جديداً وتقلع احياناً في احداث تغيير طفيف في هدفهم مقابل تغيير طفيف في هدفنا أيضاً "( ) .
ان الجواب الذي ، يقوم عليه ، المنطق الفعلي .. هو التفرقة بين الوهم والخيال ، فالحركة ، داخل الخيال .. هي لتحقيق ، هدف صهر المدركات الحسية في وقدة حسية إنفعالية ، عميقة ، توهج الحركات الوهمية ، داخل الاحساس ، فيستطيع المدرك الفعلي ان يربط عملية التوازن ، داخل هذه العناصر فلا يستطيع ان يحدد منعطف معين .. وتأتي الصور الحسية مبعثرة ومشتتة وغير مترابطة ، من ناحية البناء .. وان عملية التوتر الانفعالي تأتي ، في وقدة انفعال ، تؤشر الموضوع الحسي الصحيح ، وتفضي بالمشاعر ، والاحاسيس ، الى الكشف عن الحقائق المنطقية في افضل صورة للانفعال الحدسية ، وهي تتصاعد .. وتتسامى ، خارج التفكير المنطقي .. لان الفعل الخيالي ، ينفد الى داخل الاشياء ، والامور .. وهو الذي يكشف الاشياء والمعنى ، من خلال القدرة ، على كشف الحقيقة الثابتة التي ينشدها ويستطيل فيها الشاعر .. فكانت الوقدة نفسها هي التي حققت للسياب شيء من التوازن النسبي ، في عملية الاضداد ، وعمليات التطابق في جوهر الصراع ، من خلال منهج ، للخلط الطبيعي عبر جسور سيكولوجية تتحدد من خلالها مواقف الشاعر .
لقد كان السياب محطات ، من المتناقضات .. تفرزها عملية الاضداد .. المستمرة والمتعسرة احياناً بين الشاعر ، والآخرين .. يفضي به هذا الهوس . من خلال هذه المتناقضات الى التصلب والتوتر في انهزامية في هذه الحياة ، والذي يبحث دوماً عن عملية تخلصه من أسرين
(( الاسر الذاتي والاسر الموضوعي )) وهذا ما أشره وثبته السياب في العديد من القصائــد مثل (( المومس )) و (( حفار القبور )) وهذه مقاطع مــن قصيدته (( المومس العمياء )) .
جيف تستر بالطلاء ، يكاد ينكى من رآها ان الطفولة فجرَّتها ، ذات يومٍ ، بالضياء كالجدول الثرثار – او ان الصباح رأى خطاها في غير هذا الغار تضحك للنسائم والسماء ، ويكاد ينكر ان شقاً لاح من خلل الطلاء قد كان – حتى قبل اعوام من الدم والخطيئة – ثغراً يكركر ، او يثرثر بالاقاصيص البريئة لاب يعود بما استطاع من الهدايا في المساء : لاب يقبّل وجه طفلته الندى او الجبين او ساعدين كفرختين من الحمائم في النقاء ، ما كان يعلم ان الف فم كبئر دون ماء ستمضي من ذاك المحيا كل ماء للحياء حتى يجف على العظام – وان عاراً كالوباء يصم الجباه فليس تُغسل منه الا بالدماء سيحل من ذاك الجبين به ويحلق بالبنين والساعدين الابيضين ، كما تنور في السهول تفاحة عذراء ، سوف يطوّقان ، مع السنين كالحيتين ، خصور آلاف الرجال المتعبين ، الخارجين خروج آدم ، من نعيم الحقول ، تفاحة الدم والرغيف وجرعتان من الكحول والحية الرقطاء ظل من سياط الظالمين يا انت ، يا احد السكارى ، يا من يريد من البغايا ما يريد من العذارى (( ما ظل يحلم ، منذ كان ، به ويزرع في الصحارى زبد الشواطئ والمحار .. مترقبـاً ميلاد " أفروديت "( ) ليلاً او نهار ))
أتريد من هذا الحطار الادمي المستباح .. دفئ الربيع وفرحه الحمل الغرير مع الصباح ودواء ما تلقاه من سأم وذل واكتداح المال شيطان المدينة . لم يحظ من هذا الرهان ، بغير أجساد مهنية .
فالعملية التعبيرية .. هي انساق من الافعال ، يفصح بها الشاعر عن مكنونه الذاتي بعمليات انفعالية ، متعددة .. لكي يحدد اكتمال التجربة ، عبر حافز ، من العبارات ، يحدد فيها قوة الايقاع في عملية الانفعال .. وهو ، الذي يضع المبدع وجهاً لوجه مع الاشياء لكي نقبل هذا الوجود .. المخزون ، في الداخل عبر نفثات نفسية الى وجود موضوعي متجسداً في القصيدة الشعرية او أي عمل فني ، وهو الانفعال العميق لشد عملية الخيال ، الكاشفة عن الحقيقة ، من خلال الحدس والانفعال ، والتعبير .. وهو الايصال الحقيقي عند " كروتشه " لانه تأكد من ان الانفعال ، هو الذي يهب الحدس وحدته وتماسكه .
لان الحدس ، يتفجر ، بفعل العمليات الانفعالية .. الناتجة عن تحول لصور تمخضت عن الحدس التعبيري - ، في غنائية ، لعملية التعبير الشعري .. فلنستمـع الى ( الجواهري – في هذه الابيات )
قيل لي مات أمس ، عفواً فلان
قلت كبا على يدٍ وفمٍ
كان فقراً رمانُهُ والمـــكان
فازدهتهُ توافه النِّعمِ
فانه من شبــابها العنفوانُ
فكيف بفضله الهرمِ
قل لمســـتنكفٍ من العدمِ
مهدُ عيسى (( حظيرةُ الغنمِ )
ان هذا المستوى من التمييز في العملية الانفعالية يصبح وجوداً في مستوى الروح في القصيدة .. وتكون اللغة هي التجسيد الفعلي للنص الشعري.. وهو المظهر العلمي الدقيق ، لحقيقة الصورة التعبيرية ، من خلال الفعل الحدسي لان قضية التعبير ، في فلسفة اللغة تكون مرادفة ، من الناحية المنطقية لفلسفة البناء داخل القصيدة الشعرية .. فالموقف الشعري ، هو التجربة الحية من خلال المنظور ، في الادوار العديدة التي تتصل جميعاً بحلقات اجتماعية .. وبالضمائر الجمعية ، وفي حركة تبغي الى تعميق الوعي واحتوائه لاواصر الوجود ، ذات المنحنى التاريخي المباشر او غير المباشر وكذلك العلاقة بالغير ، تكون عبر شبكات من التقابلات في صيغ من الضمائر ، ينبني عليها ، مستويات ، من الرؤيا العلمية الدقيقة ، وهي تقوم بدور حاسم ، وتاريخي .. وترتبط بمواقع ذات اسناد من القيم الوجودية .
فالعملية الشعرية هي ضمير العصر ، فالحوار في هذه المستويات هو في أقصى،درجات التوفيق في عملية الخطاب الشعري وتجسيد ، شروط التلقي ، من خلال منطق العملية الشعرية ، في الخطابات العديدة ، والمتشابهة وفي مواقف عديدة " فهو التقاء بين خطابين كما يقول تودروف " ولنستمع الـــى " ييتس " خاصة في قصائده الاخيرة :
ان تياراً من البرق
من الرجل العجوز في السماوات
يستطيع ان يلهب ذلك العذاب ويمحوه
أمر لا ينكره انسان مثقف حقا …
فهو تأكيد العمق الحقيقي للحساسية ، وما يفرزه الانفعال الموضوعي بتوتراته الذاتية وما يجسده من استقراء للنص الشعري ،وتأكيد لرؤية " نيتشه" على قمة جبل .. وكذلك لوحة " فان كوخ " " ليلة للنجوم " وكذلك ، السمفونية التاسعــــة " لبتهوفن " إضافة الى الصوفية التي يتمتع بها " غوته " في آخر الكلمات " " لفاوست "
(( كل الاشياء المحتملة
هي ظن وحسب
والنقض في كمال الارض
يبلغ هذا الكمال … ))
وفي مقطع آخر
((أيتها الارض ، ليس ما تريدين : البعث الجديد
اللامرئي فينا ؟ اليس هو حلمك
ان تكوني يوماً غير مرئية ؟ الارض ! غير مرئية !
وما الذي تفعلينه أبداً ، غير التحول ؟ ))
ان ما يحدث في النص الشعري ، ياتي من خلال حلول حاسمة في الحدس ، والتعبير عن نتائج منطقية مترابطة ، والكشف عن عدة انفعالات غامضة تحدد مستويات عديدة ، من التقنية التي تدفع حالات من ، الانفعال ، تلتبس وتكون قلقة ، وتقترن بالتخصيصات ، محاولات الادراك ، والفهم، والتفرد الحسي او بالتعبير عن عدة انفعالات عشوائية ولكن بحدة متميزة، ولا تتحقق الا من خلال ممارسات وقوى تغير .. ذاتية وموضوعية ، حين تستحيل الى فعل وممارسة ومشاركة حتى .. تتضح قدرات الشاعر وتكون الذات في لهيب الدور الرئيسي والآخرين يكونون ميدان ، للتعبيرات … فالشاعر هو الحس والصيغة ، التعبيرية ، في التضحية ، من خلال الموقف من القضيتين " الذاتية والموضوعية " ومن خلال تأكيد فعل الاخرين ونجد هذا في الفصل الذي كتبه .. " وليم جيمس " بعنوان " النفس المقسمة " يعتبر توضيحاً لهذا النص ، وكما شعر " ريلكـة وهيرمان هيس " بان البشر يفقدون الحياة دائماً في سأم وشقاء أوشك فلنستمع رامبو ..
ومتسع أخضر حيث يغني النهر
ناثراً على الحشائش ندفاً بيضاء كالفضة
وتصب الشمس من علاها السامي الروعة
ويـتألق الوادي بالضياء
تتساقط الدموع في قلبي
كالمطر على المدينة
ترى ما هو هذا الشعور الكئيب
الذي يمزق قلبي
والمبدع هو الوارف شجرة الحياة ، من خلال حبة لها وإيغاله في التعبير عنها بشكل جنوني .. وهذا التوتر في عملية التعبير .. هو تيار وعي مصحوب برائحة تعبر عن الق المبدع وما يعانيه من ماهيات الانفعال بتجريبية خصوصية للتفرد الغريب عند الشاعر … فروحه لا تهدأ الا بعد الفهم .. وامتلاك الروح التي لا تهدأ الا بالفهم .. والكشف عن كل القيم المجهولة .. وادراك ما يحيط بالمبدع وادراك الهوية بفعل العمليات التعبيرية ، واكتشاف ما هو ضروري ، من المعاني ، بالوعي وماهيته وحضور التعبير ، بولادة الشاعر ، والقضية .. والحوار الدائر ، بين الشاعر وذاته عبر نتائج مترتبة وسابقة ليكون التعبير عملية كشف ، وتوضيح ، ونزوع الى اشكالات عامة واحكام ، من الانفعال غير دقيقة إذا لم تحتكم الى خصوصيات التعبير .

الفصل الثاني
بدر شاكر السياب
الريادة واستكمال المبنى
في
القصيدة الحديثة

ان الابتداء في عمليات التردد ، والسببية في النسيج للعلاقة التي تؤكد .. التجديد في : انماط البناء وفي النواظم الشعرية وفي عمق الوعي .. ومداه في اللاوعي .. ومدى خضوعه للاندفاع الداخلي ليصبح النمط في البناء ، وهو يستند الى صدى الماضي وتصبح "الصورة الشعرية" ما هي الا انعكاس لحالة متصلة بالماضي .. من هنا يغيب العمق في النسيج الشعري ويصبح اسهاباً لا نصاً شعرياً.
فالمعرفة الدقيقة "للنص الشعري" يكون مشار اليها ضمن اطار الانماط الموصلة (الى المطلوب من التصور) ليكون معرّفاً : ليصبح حداً … وهو المطلوب في الصورة الشعرية ليخرج بحالة الحدس … وما يحصل بالالزام .. فانه الإكتساب .. والمعرف الشعري يجب ان يكون مميزاً عن بعضه ، من انواع السرد … وبدر شاكر السياب وضّح المعّرف "للنص الشعري" قبل المعّرف بغيره – لان المعرّف اخذ الطريق والانفعال والمطلوب : هو التأمل … والبحث عن الحد … بدل الغزارة في السرد خاصة في بناء الاسطورة –والرمز... وكان لابد من التسوية .. في العموم – والخصوص ، في بناء القصيدة.. ولولا المداخل الكثيفة في القصيدة … والتي اصبحت انعكاساً لحالات الاطّراد في القصيدة .والسياب : منذ الاخفاقات التي تعرض لها العقل العربي – وانهيار مرتكزاته الاجتماعية والسياسية وانسحاق التقاليد السلفية المتخلفة كان لابد من تسمية هذا : المركّب المعقد – والمتناقض –وكان لابد من هزة ثقافية جديدة للخطاب الادبي "والشعري" بشكل خاص و"تحقيق منعطف في البنية" في ادق المسلمات تحديثية والكشف عن اشكالية معرفية … وتشاكيل: من خواص التراث .. للخروج..بمؤشر .. يحافظ على الاقل على الدينامية الشعرية وجماليتها المطلوبة .. والانبعاث المطلوب في النصوص الشعرية.. هو لشد اواصر التجربة والمحافظة على الفاعلية السيكولوجية . والرؤية المنهجية في الحوار ، والتفاعل مع الثقافات الاخرى من اجل عملية التواصل المعرفي … واذا كانت دراسة الشعر الغربي "والانكليزي – والفرنسي بشكل خاص" والتأثر الذي حصل بمدارسه ومذاهبه الادبية "والشعرية حصراً " هي من السمات التي ميزت "الشعر العربي الحديث" في بداية الخمسينيات .. لكن ارهاصات هذه الجذور .. قد بدأت قبل العام 1948 على يد بعض الكتاب العرب الذين كتبوا الشعر في فترة مبكرة امثال الدكتور لويس عوض في – بلوتلاند وقصائد اخرى … وترجمة علي احمد باكثير لمسرحية شكسبير( ) لانها احدثت تطوراً تخطى المفاهيم المتعارف عليها "في الشعر العربي" في ابتكار "اوزان حديثة" مستفيداً من "الشعر الانكليزي – والقصائد كانت فصيحة – وبالعامية … واكثرها قصائد نثر" .
وكان "بدر شاكر السياب" واضح منذ البداية … شاعراً موهوباً جمع ارث السلف من الشعراء العرب … والتراث العربي بشكل عام وكان تأثر السياب واضح كذلك منذ البداية بعدة من الشعراء العرب امثال "علي محمود طه – والياس ابي شبكة" ، وفي بداية الخمسينيات تأثر "بالشعر الانكليزي" وهذا رأي الدكتور عبد الواحد لؤلؤة .. غير الرأي الذي كتبه ناجي "علوش" في مقدمة ديوان السياب من ان السياب في مرحلة الواقعية : قد تجاوز "شلي … وكيتس الى ستيفن سبندر – وروبرت بروك ووليم هنري دافيس – وادجار الن بو … حصل هذا ما بين عام 1948 الى عام 1950 … بعدها تجاوز هؤلاء الى ت . س اليوت – واديث ستويل"( ) .. في حين ان السياب قد بدأ كتابة القصيدة الحديثة التجديدية في العام 1947 ... أي في السنة الثالثة في دار المعلمين العالية و قصيدة " هل كان حباً " التي ظهرت في ديوانه أزهار ذابلة ... والذي صدر في منتصف كانون الاول للعام 1947 ( ) والرأي الذي طرحه "ناجي علوش" فيه شيء من "اللبس" في حين يرى الدكتور عبد الواحد لؤلؤة – الى –العام 1950-1951 .. كان بدراً لم يقرأ .. بل ربما سمع باسم "اليوت" اواديث ستوبل – او باوند … ايام دار المعلمين العالية لكنه ربما اطلع او تعلم شيئاً من اللغة وهو واضح في بداية الخمسينيات في قصائده "حفار القبور 1952 و المومس العمياء في العام 1954- كذلك الاسلحة والاطفال في العام 1954 "( ) .
وتأتي انشودة المطر : لتشكل حدثاً يحفل بالانطباعات والتشكيل البنائي المتعدد النواظم في : الصوت – والحضور – والظاهرة … والقصيدة من النماذج الشعرية التي تحوي عدة من الخلاصات.. من تصنيف من العلاقات – والعلامات.. حيث كانت قصيدة "المومس العمياء " عبارة عن تشاكيل اجتماعية … وتنوع التفعيلة والتشكيل من الابيات ، التي تلتقي في عدة من الابيات المتساوية .. وتعج بالاساطير .. طابعها اجتماعي مباشر … كذلك الحال في "حفار القبور" ايضاً اما "الاسلحة والاطفال" فهي عبارة على نواظم من الاتصال في الواقع الفعلي . لقد كان بدر شاكر السياب قلقاً بالمعنى "السيكولوجي" فهو يرى في التطابق في القصيدة من الناحية السيكولوجية ليستخدم هذا التطابق … في تأسيس منطق يحتوي "ايقونة" فكرية يشير اليها ، وتشترك معه في تلابس من العوامل ، المشتركة المتعددة الاوجه وبالقابلية – الواحدة … ليربط بين النص ، وحركة الواقع ، الاجتماعي .. ولذلك ، فان هذه الايقونة تتجاوز حدودها الى ادراكها – بصفة الحواس .
يقول السياب في قصيدته (( انشودة المطر ))
اكاد اسمع النخيل يشرب المطر
واسمع القرى تئن والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع
عواصف الخليج والرعود منشدين
مطر …
مطر …
مطر …
وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر
رحى تدور في الحقول حولها بشر
مطر …
مطر …
مطر …
وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع
ثم اعتللنا – خوف ان نلام – مطر
مطر …
مطر …
ومنذ ان كنا صغارا ، كانت السماء
تغيّم في الشتاء
وكل عام – حين يعشب الثرى – نجوع
ما مر عامٌ والعراق ليس فيه جوع
مطر …
مطر …
مطر …

ونحن نستطلع … الفكرة المركزية في خواص الخيال السمعي … ليتجاوز الادراك بالحواس الى منطق الاشياء .. ليصدح النص الشعري بالتحديث في النص.. وهو ان السياب يعي الازمة السياسية المستعصية في العراق حد التقيء وحسابها – ((الملاحظة – والشد)) و (( الوحدة في الحس الاجتماعي)) والسياب وجه العناية
(( بالملموس .. الى الصورة – والصوت – والظاهرة – وحتى بالرسم البياني .. ليحدد المستوى الدقيق للعلامة ودراسة مقوماتها الاجتماعية لكي تفصح عن منطقها السياسي – والفكري … وصيغ العلاقة المنطقية .. بين الوجود – والحقيقة .. وايقونة السياب الفكرية : هي مجس يحيل العلامة الى شيء يشار اليه بشكل واقعي – وقانوني وعلى حدود التشابه وهي تمتد الى عمق التاريخ السياسي في العراق …
في كل قطرة من المطر
حمراء او صفراء من اجنَّة الزهر
وكلَّ دمعةٍ من الجياع والعراة
او حُلمةٌ تورّدتْ على فم الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ واهب الحياة !
مطر …
مطر …
مطر …
وقلق الحالم (( في اختلاف اوزانة الحدثية )) والتطور الذي حصل في هذه الصناعة ، كان موضوعاً قديماً عند الاندلسيون … كذلك شعراء – المهجر .. وهذا واضح من خلال نمط قصائده في : (( حفار القبور – المومس العمياء – والاسلحة والاطفال )) المارة الذكر قبل قليل .. وفي كل هذا لم يتجاوز (( بدر شاكر السياب )) خصائص وقوانين التراث – والعروض العربي وشهادته على ذلـك
(( نصوصه الشعرية )) والمركب الجديد في الشعر الحديث الذي : اختلف فيه من ناحية (( السبق التاريخي )) … والاشكالية القائمة في هذا الموضوع هي ((الريادة الشعرية من الناحية الذاتية – والموضوعية )) . هناك اشبه بالاتفاق : على ان ما قام به الدكتور (( لويس عوض – وعلي احمد باكثير )) في مجال اكتشاف ((الاختلاف في خصائص الوزن – كما يقول الدكتور – عبد الواحد لؤلؤة .. وهي التسمية التي ترشح الارجح من ناحية وصف الشعر الحديث .. والراي الذي يقول : ان بدرا .. هو المجدد الفعلي للشعر في هذا الموضوع .. ومنهم من قال (( ان نازك الملائكة : هي التي بدات بالاكتشاف في قصيدتها الكولير في 27/10/1947 )) وهي الرائدة .. وعلى الارجح : ان الدكتور لويس عوض وعلي احمد بالكثير لم يخوضا المعركة التي نشبت على صفحات مجلة الاداب في اواسط … الخمسينات .. كذلك ان هذه المحاولات لم يك لها اثر يذكر في الساحة الشعرية في العراق … من جهة اخرى كان السياب في اكثر معاركه في هذا الموضوع لم يتطرق الى اسبقية (الدكتور لويس عوض .. ربما مر مرورا سريعا بعلي احمد باكثير .. اما بالنسبة الى الشاعر صلاح عبد الصبور من جانبه لم يذكر ريادة الدكتور عوض ). ( )
ومن الواضح … ان بدر شاكر السياب كتب (( هل كان حبا)) قبل الدكتور لويس عوض – وعلي احمد باكثير .. واذا كان لنازك الملائكة القدرة على توضيح – إشكالية التجربة الشعرية الجديدة (( في اختلاف الاوزان )) فمن الطبيعي ان يكون (( لبدر شاكر السياب السبق في التفوق والجدارة في بناء القصيدة الحديثة .. وبفضل المعاني التي اكتشفها السياب .. وبالرجوع الى الرمز الذي – يربط الدال – والمدلول الايحائي.. اضافة الى العلامة .. وتوظيفها في الحياة العملية .


(( في استكمال المبنى في القصيدة ))
لقد اشتملت ، النصوص الشعرية على الرؤيا وطريقة المزج في البناء التقني للصورة ، والنظم .. وصياغة الجمل ، ودلالاتها في مبنىً عضويا يقضي الى طريقة .. ينقل فيها صيغة المعنى : وهي الابيات المحررة .. في صياغة بيانية .. وهي مزية تشرح دلالات الالفاظ – واختلاف مواضيعها – ومواقعها في الجمل .. وهذا موضوع يتعلق بالنظم : أي علم التراكيب وهو كلام : في نص مركب يقتضيه (( المرّكب الشعري )) ويقتضيه علم المعاني في عملية (( الفصل – والوصل )) والمحسنات التي تُظهر
(( البيان – والبديع – والمزاوجة في المعاني )) .
يقول السياب في قصيدته (( اغنية في شهر اب ))
تموز يموت على الافق
وتفور دماه مع الشفق
في الكهف المعتم والظلماءْ
نقّالة اسعافٍ سوداءْ
وكأن الليّل قطيع نساءْ :
كحلٌ وعباءاتٌ سودٌ
الليل خباءْ
الليل نهار مسدودٌ
ناديت مربّية الاطفال الزنجية :
الليل اتى يا مُرجانة
فاضيئي النور . وماذا ؟ اني جوعانة .
و .. نسيت – اما من اغنيّة ؟
بم يهذر هذا المذياع ؟
في لندن ، موسيقى جازٍ ، يا مرُجانة ،
فاليها .. اني فرحانة
والجاز من الدم ايقاعٌ
تموز يموت ومرُجانة
كالغابة تربض بردانة ..
في القصيدة اعتمد السياب على الموازنة.. بين المشاهد في المبنى الحسي والارق الذي يحدث في البناء الموسيقي : وهي صنيعة تتعالق بالنسيج الشعري .. وهي معلولات لصفة معلومة المعنى عند السياب – وتتعلق : بالنظم الذي لا يظهر في تلافيف المفردة – والجملة بحسب الموقع المؤثر في الصورة الشعرية .. واغنية في شهر آب إئتلفت في مزواجتها مع الصياغات التي تتعلق بالجملة – والمعنى وهو يتألف من مداخلات هذه الجمل : صورة تعمل على ظهور (( رؤيا – وبؤر )) في الكلام والنظم كما يقــول :
(( الجرجاني )) وهو السبيل الذي يفضي في علاماته – الى تلاحم في المعاني .. والاحساس بالايقاع .. يعيد السياب الى ، مستويات تتعلق بالفكرة – والاسطورة – والصوت – والصورة – والشعور .. وهي اشد الاشياء تعلقاً بنسبية الاصل .. والشيء الباعث عن البداية والنهاية .. في القصيدة ، وهو احساس يتعلق بالمعنى – ولا يستطيع المحاور في القصيدة ان يعمل بغير المعاني المألوفة (( في لندن موسيقى جاز – والغابة تربض بردانه – وتموز يموت على الافق )) فالمزية في مدخلات النص الشعري – ومتون لفظه : هو الكلام – ومدارات الحس – والنظم وما نراه من مصنفات داخل النصوص الشعرية ، حتى تكون قد استدركت صواب المعنى .. لان الصياغة في النظم تكون متأثرة ومتآزرة مع أواصر الصيرورة للصورة الشعرية .. والاسطورة التي اصبحت ملازمة للنص الشعري وقد بنى السياب .. نصه الشعري على المعاليل .. والعوارض المتعلقة بالوجود من حالات التقابل في الامكان وعمليات الوجوب وتلاقي الاشياء مع بعضها .. هو شيء متفق عليه .. فالعّلة تبدأ عند السياب بالنص الشعري أي ((في جزء النص)) أي في التشكيل الذي يحوي الكل او الجزء .. فالصورة ربما تتكرر في النص .. والنص يتحمل عملية التكرار كما هو الحال في قصيدته ((انشودة المطر)) ويكون النص مستعداً لابتداء التراكيب في النظم والتحليل وهي .. علّة الماهية في النص – وعلّة الوجود - والوجوب – فالنص الشعري عند السياب مقر مألوف ، ومباشر احياناً كما هو الحال في ((قصيدة المومس العمياء)) فهو يمزج – اشياء كثيرة ابتداء من حالة الاندهاش – الى التشاكيل في العملية الذهنية عند الشاعر واشدها نسجاً لحالات الواقع المتهدم : لكن الفكرة الرئيسية عند السّياب عن مجريات الحياة .. فهو لم يتحدث بشكل كاف رغم العمق الذي لف النص الشعري ورغم الاغراق والاسفاف في الاسطورة والسيّاب كان يدرك عمق المسؤولية – " والاحساس بالايقاع " فاخذ يتسلل الى مستويات فكرية اعمق من المد " الايديولوجي " الذي كان يصور به كوميديا الجحيم في جيكور – وبويب – ومنزل الاقنان " في تلك الفترة الا ان الشعر بقي هو الموصل الرئيسي للبؤر المؤثرة في حركة الواقع الاجتماعي … السياب كان يمتلك عمقاً في بناء النص : هذا العمق ، مكوناته : الصوت – الصورة – الاسطورة الظاهرة – التفكيك للنص الشعري " كذلك الحركة المتواصلة في ربط الصورة بالاسطورة – رغم كثافتها احياناً " دون جدوى " وهذا ما حصل في قصيدته " من رؤيا فوكاي " ويتواصل النص للتعرف على الماهية الشعرية المطلقة التي تبدأ بالحس وتنتقل الى مداخلات النموذج الشعري … وتمتد الى التراكيب ، ومقدار الشحنات وما تتضمنه من شمولية منطقية حين تكون عملية الاختيار هي المدى المنجز في عملية : الايقاع المتفرد .. هذا الموضوع توصل اليه السياب من خلال استلهامه للتراث العربي … والشعر العالمي – والاسطورة الاوروبية … وشعر ما سبقوه من الشعراء العرب ومن مختلف الاجيال .
والسياب قد انجز التفرد .. فيما توصل اليه … واشتمل على الصيرورة والانجاز الدائم – والتفرد الذي تطلب انعطافة في المحتوى وهو يلقي مزيداً من الضوء على هذه القضية التي تتعلق بالايقاع – والكيفية التي لا بست بين " الانجاز المتفرد – والذهنية الكبيرة التي تعبر عن الحرية بكل اشكالها " حين يعبر الشعر عن .. الصوت بسحر بدائي ليتواشج مع الحس الذي يأخذ مجاله المنجز في الحياة العصرية .. وعبر موسيقى الكلمات وبمضامين تعبر عن ايقاع العصر في موجة ايقاعية متشابكة في الصورة - والاسطورة " وهي تتخذ من البدايات مجالاً تعج به القصيدة … والنص يتكون بالدلالة .. ومن الدلالة عبر الاحساس بالايقاع – والبدء بتفصيل الصورة يعطينا فكرة عن قدرة السياب في تكوين المداخلات في البناء للصورة الشعرية يقول السياب في قصيدته قافلة الضياع :
النار تتبعنا ، كأن مدى اللصوص وكل قطّاع الطريق
يلهثن فيها بالوباء ، كأن السنة الكلاب
تلتز منها كالمبارد وهي تحفر في جدار النور باب
تتصبب الظلماء كالطوفان منه ، فلا تراب
ليعاد منه الخلق وانجرف المسيح من العباب
كان المسيح بجنبه الدامي ومئزرة العتيق
يسد ما حفرته السنة الكلاب
فاجتاحه الطوفان : حتى ليس ينزف منه جنب او جبين
الا دجىً كالطين تبني منه دور اللاجئين
النار تركض كالخيول وراءنا . اهم المغول
على ظهور الصافنات ؟ وهل سألت الغابرين
اروّضوا امس الخيول ؟
ام نحن بدء الناس : كل تراثنا انصاب طين .
وقصيدة قافلة الضياع .. تعطينا قراءة كاملة .. واستقراءً دقيقاً الى اكثر المصادر دقة .. وهي مصادر التراث " المفتعل " في النص : ويقدم لنا السياب في خواص تشترك فيها عدة من المهارات الثقافية .. ليسجل الحدث الشعري ، ثم ينتقل الى خواص الصورة المكثفة .. بعد ذلك ترك النص ساكناً بعد الوصف والهتاف الدخلي الذي يظهر ويختفي داخل النص … ويترك ايقاعاً من النذير … وهذا النوع من النسج في النصوص … يذّكرنا بكتابات الجاحظ المتشابكة في ايقاع يطغي عليه .. الوصف وبؤر البلاغة لتتلابس مع هذه المداخلات .. او يتركب النص عبر الوصف ، والغرابة في عملية التركيب اما : الاستخدام للاستعارات ، والمجاز .. فهي تجري في الالفاظ ، ولا تجري الا من خلال الوجه الجمالي للنص في الصياغة ، والتصوير والسياب يهدف من وراء ذلك باطنياً : الى توضيح المعنى في عملية النظم – وابراز " الصورة الشعرية " .. وترجع الاستعارة احياناً الى خواص اللفظ للدلالة ، على خواص المجاز … دون النواظم الشعرية … وقيمتها تكمن في قرب موقعها من الجملة الشعرية … والنظم يضيف لها جمالاً آخر اذا بلغت احكاماً في الجملة الشعرية ، مثل قول السياب " النار تركض كالخيول وراءنا . اهم المغول " هذا الاحساس لدى السياب والمرسوم بالكلمات – لتمنحه صفة التميز المطبوع " بالصراخ - والهجرة " والكلمات عند السياب : هي مواجهة صامتة مع الالوان .. لتتفاوت درجة ومقدار ارهاصاتها ، والاستعمالات التركيبية المتعلقة بالجملة … والقرينة الشعرية … وكان " اليوت " يدرك الصياغات المتعلقة بهذا الموضوع الا ان " ريتشاردز : كان مكتشف نواحي الغموض في الصياغة الشعرية .. وهي تستقل عدة من المعاني … وان مضامينها تتبسط حسب العلاقة التي تربط المحرك وما يقدمه النص من صيغ تركيبية " يقول اليوت في قصيدته " لعبة الشطرنج "
والكرسي الذي كانت تجلس عليه ، كأنه عرش متلألئ
يتوهج فوق الرخام ، حيث المرآة
التي تحفها اطر منعشة بعساليج كرمه ذات قطوف
وقد تبلج منها لوبيدون ذهبي محملقاً
" بينا واحد آخر قد اخفى عينه وراء جناحه "
فضاعت الشعل المنبعثة من شمعدان ذي سبع شعب
وعكس النور فوق المائدة ، حين
امتد لألاء جواهرها ليلاقيه ،
وقد انسلت من علب ساتانية ثراً غزيراً .
تبقى خواص التعبير التي تتعالق بالمعاني.. والتراكيب الدقيقة للجملة كما هو الحال في " جرونشن " والانتقال الاطلاقي في الابيات ، ليولد التعبير في حضرة الجملة السمعية من اخيلتنا … قالتعبير ياتي عبر المقطع الشعري ليبين تركيب ، متعدد المعاني ، وهو الذي يقيم التوازن .. والعلاقة الوثيقة – والتأثير الذي يحدث في النص الشعري .
ومن المعروف : ان قواعد التركيب في النص الشعري – عند السياب اضحت وسيلة متطورة في هندسة النص .. وتركيباته .. ووسائل صياغاته وهو مقياس سيهتدي اليه الشعراء من بعده .. وان محاميل النظم ووجوهه ما هي الا تعبيراً عن معنىً سمعي وبصري ورؤيا تتلبس الشاعر لتحرك مجساته .
ولنقرأ ((عبد الصبور)) في ((احلام الفارس القديم))
لو أننا كّنا كغْصنَيْ شَجَرهْ
الشمسُ ارضعتْ عروقنا معاً
والفجرُ روّانا ندىً معاً
حين استطلنا فاعتنقنا أذْرُعاً
وفي الربيع نكتسي ثيابنا المُلوّنهْ
وفي الخريفِ ، نخلع الثياب نعري بَدَنا
ونستحم في الشتا ، يُدْفئُنَا حنوُّنا
لو اننا كنا بسطِّ البحر موجتينْ
صغيّتا من الرمال والمحارْ
توّجتا سبيكةً من النهار والزَبَدْ
اسلمنا العنان للتيارْ
يدفَعُنا من مهدنا للحّدنا معاً ( )
ان المجس الحسي : يقوم بالتركيز على ((الخواص الغزير)) من الشفافية واذا اجرينا هذه المعادلة بين .. المنطق الحسي في الوصف للمشاعر وهي تكتمل في المعاني … وبين الوصف الذي قدمه ((عبد الصبور)) في صياغته للمعاني .. وهو يعلق الصياغة ، في الالفاظ –والنظم المتعلق بالتركيب والصور المراد اظهارها … وما صاحبها من معان والفاظ لتستقر في .. منحى الفهم – والجوهر … والنظم اخذ من خلال الصور للمعنى باعتبارها مدلول في الصياغة .. لكي يكون الجمال في الصورة ذات خواص للمعنى ووضع الصورة الشعرية في موضع يؤشر : سلامة النظم ، اضافة الى المسحة اللفظية.. كالمنطوق – والاستعارة - والصوت – وهي صياغات شعرية في انساق توجه مجرى الالفاظ ( )
فالنظم : يتشكل في الصورة – والصياغة والتي لا تكتمل الاّ بالمعنى اللفظي .. واختيار التراكيب الدقيقة ، والمواضيع التي تتعلق بالواقع من خلال صياغات الجمل المتشكلة بعضها مع البعض الآخر... عندها تتألف الصور الشعرية لتتعدد بالصياغات والامتداد المستمر من حيث الدلالة في المعنى .
ان القدرة على عملية التواصل في نسج : الصورة – والصيرورة - لواقعية تعود ، بالسياب الى انشطة متعددة وهي تثير عدة من المتعلقات السيكولوجية لتستحيل الى وسائل من التحليل .. لتحيل هذه الضغوطات وفق مناقشة ((الحدث الشعري)) باتجاه يوجد وينقل حالة الوعي الشعوري عند السياب الى وعي النتائج المترتبة في حالة الوجود الاجتماعي .
هناك مجموعة خلاصات تجعل السيّاب يأخذ في تفصيل الحدث : وحرية الموقف الاجتماعي باطاره الموضوعي من الذات وقدرة الشاعر على تحريك مجسات الواقع باتجاه يظهر الالزام الشعري باعتباره تفسير يعكس حالة المنهج الذي تكون عبر عملية الحث الواقعية التي حددت ديناميات لصور تبنت منحى تتفق عليه جملة من التقاليد الشعرية : وهي تحرك مسارات من الخواص بنتائج تأثيرية من حالة الكل رغم الأزمة القائمة بين الانسان والحياة.. وتبدو ان الكثافة الشعرية في عملية النظم تعود الى نوع من القياس لتفسير عملية الاكتمال في صياغة النظم.
يقول السيّاب في قصيدته ((حفارالقبور))
فانجاب عن ظل طويل
يلقيه حفار القبور:
كّفان جامدتان أبرد من جباه الخاملين
وكأن حولهما هواء كان في بعض اللحود
في مقلة جوفاء خاوية يهّوم في ركود
كّفان قاسيتان جائعتان كالذئب السجين
وفم كشّق في جدار
مستوحد بين الصخور الصّم من انقاض دار
عند المساء .. ومقلتان تحدقان بلا بريق
وبلا دمعوع ، في الفضاء :-
هو ذا المساء
يدنو واشباح النجوم تكاد تبدو والطريق
خال – فلا نعش يلوح على مداه .. ولا عويل –
الا النعيب
لا ريب : ان السياب اراد ان يضرب على الوتر الحساس من ناحية رسم التشاكيل المتباينة في الحس المفهومي .. والتطور الذي يعي ايقاع الحياة ، وبروز التشكيلات البشرية المنتفعة على حساب الكل الاجتماعي … هذه التشكيلات الطفيلية .. كان لها اثرها البالغ في انعطافة الحياة والسياب ادرك العمق الكبير والخطير في شعور هذه التشكيلات البشرية التي لاهم لها سوى الجشع الذي ينطوي على شعور خسيس .. وحس ينفصل عن احاسيس البشر … والفكرة الرئيسية في القصيدة : هو تحديد هذا الانفصال البشري ، وتجسيد هذا – الاختلاف وفق حس يتحقق بانبثاق الصورة التي تعبر عن وعي الاكتمال الاجتماعي وقوته باستعادته للقياس ..
وتحديد اولويات هذا المنطق .. وبترددات توضّح خواص العملية ((الشعرية – والصوت- والوجود الاجتماعي )) ليتحدث الشاعر عن خواص الصورة – والاسلوب – والتحليل الفني لكي تتجذر في داخل النص ..ويبدو ان عملية الموازنة للوصول الى حقيقة مفادها ان السيّاب اراد ان يبين خواص نظم الألفاظ … هي غير خواص رسم الصور في الرؤية الشعرية … كذلك كان النظم متوازن بين ((اللفظ والرؤية)) .. وعليه تمت عملية الانتقال من اللفظ الى الصورة والصيرورة – والمعاني .. حتى لو كانت انسجة النظم من المترادفات .. فالصور للمعنى تكون متطابقة مع نسيج جمل اللفظ – والصورة والمعنى .. ولا يغيران تكنيكهما اثناء عملية الربط – والانتقال من لفظ الى آخر … والألفاظ كما هو معروف يراد منها تمتين الصورة – وصيرورتها بالاشارة الى المعاني المتركبة داخل تركيب الجمل الشعرية .. فاليدان الباردتان : دلالة على تفصيل ((الحالة السيكولوجية – والحس السكوني المنزوع القاسي)) وهي تأكيد لتراكيب الصورة في النص الشعري – لأن البرودة والقساوة يلتقيان طردياً في هذا القلب الميت .. كذلك المقلتان .. بلا بريق دلالة على جفاف النبع فيهما .. والسيّاب اراد ان يصل الى نقطة تلاق بين ((الاستعارة – واللفظ والمجاز في بوتقة المـعنى في النص الشعري))( ) .
ان عملية التسلسل في المنطق الحساس.. يؤكد التوثب لصياغة عملية التباين داخل التشكيل في القصيدة .. ويعتقد السياب ان الرؤية الشعرية تأتي من ممكنات عديدة في الحس – والالهام الذي يتحول الى وقائع بواسطة ((اللّغة)) وهو التطور الرئيس في العملية الشعورية وان جملة من الافكار – والالفاظ هما عاملان يلتقيان لانهما يحكمان الصيرورة السيكولوجية... والسياب احكم اجوبة الاستطلاع السيكولوجي بمعنى أشد في المفردة والاشياء التباساً عند الشاعر هو الرجوع الى العمق السحري والامكانية الكامنة في النص الشعري .. وهو الاسهاب في المرجعية .. واحساس بالتطور الذي يحدث في مرتكزات العصر .. والسياب ادرك هذه المحاولة والقيمة السيكولوجية والفنية التي تكمن وراءها الضرورات الابداعية .. ولنقرأ مقاطع من قصيدة ((الاسلحة والاطفال))
ومن يفهم الارض أن الصغار
يضيقون بالحفرة الباردة ( )
اذا استنزلوها وشطّ المزار ؟
فمن يتبع الغيمة الشاردة ؟
ويلهو بلقط المحار؟
ويعدو على الضّفة الجدولِ؟
ويسطو على العش والبلبل ؟
ومن يتهجّى- طوال النهار-
ومن يلثغ الراء في المكتب؟
ومن يرتمي فوق صدر الأب؟
اذا عاد من كده المتعب ؟
ومن يؤنس الأم في كل دار ؟
اسًى موجع ان يموت الصغار
اسًى ذقت منه الدموع ، الدموع
أجاجاً ومثل اللظى في الفمِ
اراد السيّاب ان يفصح عن الاحساس الضروري في تشكيل البدايات التي اكدت النواظم الشعرية عمليات الوعي الموضوعي بطبيعة المركب الذي انعشته المؤثرات ((بالشعر الإنكليزي)) والدقة والصرامة والمألوف الذي حل في ((الانعدام - والجوهر)) والحيثيات المستمرة لعصر ساد فيه التردد ، والانحسار للانسان – والازمة الحادة في (( الحرية – والضياع الذي لحق بالبشرية))وقصيدة ((الاسلحة - والاطفال)) من القصائد التي كتبت في منتصف – الخمسينات .. نجد تأثيراتها واضحة (( بالشعر الانكليزي – واليوت ، واديث سيتويل)) في هذه القصيدة كان السياب يركز على المجاز والهوامش وهذا يوضح تأثره البالغ ((باليوت وسيتويل)) وتبرز الصورة الشعرية كلما تركز المجاز في المعنى بدل حدود الجمال المحض ((كما يقول الجرجاني)) والسيّاب ، وازن بين الحدود في الحكمة – والخلق من خلال النظم .. والصورة السيّابية غايتها المعنى ، والسياب كان يستوحي عدة من الطرق في عملية البناء الفني.. فياتي الى (( السياق ليصهره في بوتقته الشعرية)) ومصدره الرئيس في ذلك هو((اليوت – واديث سيتويل)) والسيّاب تأثر بمن سبقوه، من(( اصحاب الصياغات اللفظية والمعنى – خاصة "الجاحظ" )) في بناء الجملة اللفظية والغاية بالطبع هو المعنى كما قلنا .. والسيّاب وازن بين الصياغة ، اللفظية – والمعنى – وصلتهما بالعمليات الفكرية والاسطورية اصالةً – وتجديداً .. والاثر الذي تركه الـــسيّاب في (( الشعر الحديث هو انه حرر النص الشعري من الاساليب العرفية القديمة واعطى المعنى رصداً من الثقافة الحسية والالهام المفاجئ في حشد من التغيرات السيكولوجية .. ورد – الحصافة الى اساليب الحدث الشعري .. هذه العملية تعود الى منتصف الخمسينيات عندما كتب السياب (( حفار القبور – والمومس العمياء – والاسلحة والاطفال))
جاء المعنى ليشكل المنعطف الرئيس في الموضوع .. وكانت معايير اللفظ تختلف … عند بعض من كتبوا النقد – وحتى المعنى وقد تركز في العمليات الفكرية للنص .. وامتد هذا الموضوع ليشمل البنية المركزية في القصيدة ، وفي المناهج والتصورات وقد تبلور في الدقة من خلال الاستقلالية في عمليات التشكيل في النواظم – والعمق – والتجذير – والشمول – وصيغ التكامل والاختلاف الذي حصل في البنية الايقاعية – والكثافة – المتحولة في الانساق عبر الجمال في الاسلوب وفي الصيغ البنائية والبعد الدلالي لخواص النص الشعري .. والسيّاب اعتمد مرجعيات عديدة منها – فكرية – واسطورية – وطبقية – وفيزيقية – ودينية .. فالحداثة كذلك مرتبطة كمرجعياتها وحالات التحديث – والاخفاقات التي تحصل في التضاد – المتحقق في المجتمع .
فالتحديث مشروع لتغيير البنية الاجتماعية والاقتصادية ..
ولوسيان غولدمان .. كان يقوم بتطوير نظرية الانعكاس التقليدية .. والتي سار عليها ((لوكاش)) وجاءت البنية التكوينية لتقيم عملية تناظر ، بين النص الادبي – والواقع ، والسياب ركز في بنيته الشعرية : على التفاعل بين النص الشعري – والموروث – والرؤية الفلسفية للوجود والنص الشعري عند السيّاب كرس اللانهائية في مدلوله حتى اصبح تعددياً ولا يقبل الاّ الدال – وارتباطه بالمعنى .
















الفصل الثالـث

(( التعادلية في الحدث الشعري))

حين يتعلق الوجود الشعري .. بالخروج عن ذاته لتعود إشكالية الوجود إلى إقامة عمليات .. لا نهائية .. حيثُ ترتبط وتتجسد في الحلقات الانسانية ويتداخل " الخاص – والعام " للنص .. بتداخل " الخارج والداخل " و للاسطـورة – والوجود " وهما المنطق الرئيسي لعملية الصراع " الجدلي " بين الاثنين حتى ينعكس في " اللانهائية للنص الشعري " ونحن نبحث عن المنطلق في المواقف المشحونـة بالحتمية - " الانطولوجية " التي تتجسد باطار فلسفي ، من ناحية التركيب الفلسفي (( للنص الشعري )) .
والاستبانة الشعرية : هي الاحساس الكامل بالحياة – والمعرفة التي منحت " الشعرية للشاعر " في أجمل رحلة للوصول الى "الحرية" ، " وبد شاكر السياب" كان نموذجاً شعرياً في تكوين هذا المنعطف.. وهو الجواب على : عدة من الاشكاليات التي وضحت نمطاً في " صور المعنى " كامل التراكيب في التجربة الشعرية .. التي وحدت بين (( الخاص - والعام )) وهي تحوي استجابة قيمة : لمداخلات شعرية .. كان اساسها الادراك القائم على : " التعادلية " بين " الداخل – والخارج للنص الشعري " – كذلك التعادلية الحتمية للانطولوجيا .. وهو التماثل المتعدد المفارقات للصور الشعرية القادمة .. هذه الاشكالية .. هي سمة مسيطرة على منهج " بدر شاكر السياب الشعري " .
فالمكان من الداخل : شكل أمكنة متعددة في الخارج و " جيكور " مثلت مدناً عديدة .. ذات خصائص ، احاطتها ، حضارة العراق وأساطيره ، التي جعلت عملية التكثيف في النص الشعري وتعدد الوانه ميزة تحمل " النظام – والصفاء " والشفافية والتعدد في الرغبة ، الجامحة.. في استكشاف ، مكونات حضارة .. وحضور الوطن الذي أصبح الهاجس الرئيس ، في عملية التكوين الغريزية للسياب .
يقول السياب في جيكور – والمدينة :
وتلتف حولي دروب المدينة
حبالاً من الطين يمضغن قلبي
ويعطين ، عن جمرةٍ فيه ، طينة ،
حبالاً من النار يجلدْنَ عُريَ الحقول الحزينة
ويُحْرقن جيكور في قاع روحي
ويزرعن فيها رماد الضغينة
دروب تقول الاساطير عنها
على موقدٍ نام: ما عاد منها
ولا عاد من ضفة الموت سارٍ ،
كأن الصدى والسكينة .
جناحا أبي الهول فيها، جناحان من صخرة في ثراها دفينة
فمن يفجر الماء منها عيوناً لِتُبنى قرانا عليها ؟
ومن يرجع الله يوماً اليها ؟
ان الاستنتاجات التي حصل عليها " السياب " عبر تأثره بالاسطورة .. من خلال قراءته " الغصن الذهبي " The Golden Bough
والاطلاع على المتغيرات في الخواص " الانثروبولوجية " و " السيكولوجية " قد انتج عمليات التصور في أصول الثورات الاجتماعية والفكرية في العالم المعاصر .. وهي اشكال من التلاحم " الجنيني" كان قد داخله السياب بعد الاطلاع وبشكل دقيق على الشعر (( الانكليزي – واليوت – وستويل ، بشكل خاص )) ، وهذا ما نتج عنه من " تطوير لشكل العمود الخليلي" هذه الخواص كان مصدرها .. بذرة التبلور .. بعد اطلاع بدر على الاساطير الغربية في انبعاث الحياة : في اساطير الخصب – وقصة النشور والبعث – واسطورة " الكأس المقدسة " وهي تتعلق ، بانبعاث العالم بعد انتهاءه .. وهي موضوعات تتعلق " بالاسطورة – والرمز " وهما خاصيتان ميزتا : " شعر بدر شاكر السياب " وهي قد تكون .. أهم ، الهواجس في " الشعر العربي الحديث " .. وديوان انشودة المطر .. تمثل الذروة – الشعرية في هذا الموضوع .
يقول السياب في قصيدة " من رؤيا فوكاي "
((فوكاي ، كانت في البعثة اليسوعية في هيروشيما ، جُن من هول ما شاهده ، غداة ضربت بالقنبلة الذرية ))
هياي .. كونغاي ،
كونغاي ( )
با فجع الرثاء :
" هياي .. كونغاي ، كونغاي "
فيفزع الصفار في الدروب ْ
وتخفق القلوب
وتُغلق الدوُّر بيكيّنَ وشنغهايْ
من رَجع : كونغاي ٍ، كونغاي . !
فلتُحرَقي وطفلك الوليد ،
ليجمع الحديد بالحديد
والفحم والنحاس بالنضُّار
والعالم القديم بالحديد
آلهة الحديد والنحاس والدمّار ،
أبوك رائد المحيط ، نام في القرار :
سيَّان (( جنكيز)) و (( كونغاي ))
هابيلُ قابيلُ ، وبابلٌ كشنغهاي
وليست الفضَّة كالحديد !
هياي .. كونغاي ، كونغاي !
الصين حقل شايْ
وسوق شنغهاي يعج بالمزارعين قبل كل عيد . نجد في ثنايا القصيدة .. مجسات ، من المعاني .. وقد تجسدت بدلالة الوجود، الانساني .. وهي تحدد " الزمكان " والصوت .. والمداخل في ، القصيدة .. ومن ثم تعلن عن جدوى ، التجربة الشعرية في الامساك بجملة من الملاحظات – والايجاز في الصورة الشعرية:وما يفاجئنا ونحن نقرأ القصيدة : ان القصيدة تأخذ مجاز الصوت في " الصورة الجمعية " " فيفزع الصفار في الدروب " التي تلابست مع قدرة من السعي في تشكيل الهيكل الدرامي للنص الشعري .. والسياب يقوم بتوسيع عملية الاختزال للصور والابتعاد عن أي خواص جامدة .. ليترك الزمكان في حالة من الاختلاف مع المنهجية الشعرية : وهذا خلاف " ما يقال من ان السياب يقوم بتهويل الصورة الشعرية عند بعض النقاد " ( ) .. ويتأرجح الصراع بين عملية – الاختزال للصورة .. بحالتها الانعكاسية .. والاتجاه المحض للتحليل السيكولوجي والعملية تتوحد بعد حين : حين يتم مزج " الصورة الشعرية – بالحالة المثيولوجية – والسيكولوجية للنص الشعري .. فعملية الاختزال تأخذ طريقها بالتحليل في اطار الوضعية السيكولوجية (Paychic postivity)( ) هذا الحاضر من الصور وهو يمثل " الزمكان " .
(( في اعمق نقطة في النص الشعري : " هو الداخل والخارج " والقلق المستمر في الحياة الإنسانية والمساء المتلاشي – في الرعب المستحكم عند الانسان –الرعب الذي ملأ المكان )) – والأصوات المتناثرة التي احكمها السياب في ثبات النص – والمكاشفة بين الماضي – والحاضر – والعلاقة بين الانسان والطبيعة وآلة الحديد المدمر .
ان النسج الاسطوري في النص الشعري عند " اليوت " باستحضار ، العلوم والبحوث السيكولوجية – والاشارة الى الوحدة الجدلية ، بين " المادي – والروحي " وشعائـــــر " أورفيوس " ( ) هي عملية تشير الى العلاقة الجدلية بين الجنس – والدين كما هو الحال عند جيمس جويس ، وهي حصيلة معرفية تمثل الوعي التحديثي للاسطورة ..
(( ولنا عودة ثانية الى هذا الموضوع ))
والسياب اهتم بالاسطورة – والرمز .. وجعلهما " تعليل تراثي " يستخدمه في صياغة النص الشعري .. كما هو الحال في قصيدة " المومس العمياء " :
الليل يُطبق مرَّة أخرى ،فتشربه المدينةْ
والعابرون، الى القرارة .. مثل أغنية حزينةْ
وتفتحت كأزاهر الدفلى ، مصابيح الطريق،
كعيون " ميدوزا " تحجَّر كل قلب بالضغينة ْ،
وكأنها نذرُ تبشر أهل " بابل بالحريق "
من أي غاب جاء هذا الليل ؟ من أي الكهوف
من أي وجر للذئاب ؟
من أي عش في المقابر دقَّ أسقع
كالغراب ؟
" قابيل " ( ) إخفِ دم الجريمة بالازاهر والشفوف
وبما تشاء من العطور او ابتسامات النساء
ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء
عمياء كالخفاش في وضح النهار ، هي المدينة ،
والليل زاد لها عماها
والعابرون .
والحصيلة المعرفية للسياب .. في الكشف عن الظواهر العامة للعادات ، والمعتقدات.. وهي النتيجة الحتمية ، للتأثر " بالشعر الانكليزي " بعد ان أضافت هذه الرموز والاساطير .. والثقافات المنوعة الى منهجه التراثي وجذوره الثقافية الشيء الكثير .( )
وبدر كان متمسك ، بادّق مسلمات التراث العربي عبر البنية والكشف الدقيقين .. باطار معرفي منفتح .. والسياب أدرك طبيعة هذا المنعطف الثقافي في " الخاص – والعام " وطبيعة – ومداخلات خواص التطور – العام للحياة البشرية ، وانظمة التواصل التي جعلت السياب يهتم بخواص الانعطافة الاجتماعية.. وخواص النسيج الاجتماعي – التي ارتبطت بخواص المعنى – والدلالة .. وإيجاد دليل يُمتن الحضور الدرامي في القصيدة .. فاهتم بدراسة الاتصال الانساني ، من ناحية التركيب اللغوي للاسطورة – والانثروبولوجيا .. حيث وجد في ذلك تطابقاً وتقارباً مع منهجه الابداعي في الشعر .. وهذا ما اشتمل عليه ، منهج " الديوان الشعري " والذي تأثر به السياب .. خاصة في قصيدته " الارض اليباب – وما حوته من كثافة في الاساطير " واليوت قد مثل المنطق المتعادل في تجربته الاسطورية ، من خلال ربطه عدة من – الاساطير المختلفة
يقول اليوت :
بعد الشعلة الحمراء على الوجوه الناضحة بالعرق
بعد الصمت الصقيعي في الحدائق
بعد العذاب في الاماكن المصمتة
والصراخ والبكاء
والسجن والقصر وتردد صدى
الرعد في الربيع فوق الجبال النائيات
من كان حياً قد غدا ميتاً
ونحن الذين كنا أحياء : ها نحن نحتضر
بصبر قليل . ( )
القصيدة عبارة عن استذكار لعدة مشاهد تظهر في عدة من ألامكنة والازمنة ، قبل صلب المسيح .. واقتراب الانبعاث من جديد للارض بعد موتها .. وهطول المطر.. وحشود البشر فوق الروابي : ولنا عودة اخرى في قراءة لهذه المقاطع من قصيدة اليوت في الصفحات القادمة في فصل (اللوغوس عند السياب)
انها ساعة النشور .. والقتيل هو " أدونيس – وأوزوريس – وأورفيوس " فالكل ينبعث بعد اليباس الذي عم الارض والانسان . والسياب أدرك السيرورة الديناميكية ، للصيغ البنائية للقصيدة في عدة من الحالات التعاقبية ، ذات الثبات الهندسي – والاستمرارية المتناهية في أقصى نقطة تضيء حيزاً كبيراً في فضاء القصيدة وتكون الاستمرارية الكلية : هي المعادل الموضوعي ، في البناء الذي يخلق المواقف على مستوى كل الاشكاليات ، اضافة الى اللانهائي الممتد في القصيدة .. والذي يقوم على الخبرة الفنية في (( العمود – المطور )) – و " العمود الكلاسيكي " الى الاستقراء الدقيق لخواص المداخل في القصيدة – الى الغربة والاسطورة – والاغتراب .. وهذا الموضوع يتعلق بالمشاهد التي يتردد صداها في فضاء القصيدة وبشكل خفي ومكشوف .
يقول السياب :
هذا الربيع الذي تهدي شقائقه
ريح المنايا الى قلبي برِّياها
أزهار تموز ما أرعى : أسلمِّه
في عتمة العالم السفلي إياها ؟
في هذا الايقاع المركب تظهر الافعال : وهي نوع من التشكيل كان قد احدثهما السياب في القصيدة .. فاصبحت الحياة تنشد المواصلة وهي تندمج في الملامح الخارجية والداخلية للنص الشعري .. باتجاه يؤكد التغير الذي يحصل عند المتلقي .. فبتغير المعاني في الوجود تتغير حالة الثبات في القصيدة .. وتكون الانطلاقة من الحالة الجمعية في بناء النص الشعري .. والتحرك يكون مجرد من أي اختتام .. والذي يجعلنا – ويجعل الشاعر في انطباع وجودي لا نهائي هو في التعبير عن تجريبية في هندسة النص.. ومن المداخل في فضاء القصيدة.. وتكون الاقامة في الاسئلة اللانهائية عند السياب .
يقول السياب في قصيدته (( قافلة الضياع )) :
أرأيت قافلة الضياع ؟ اما رأيت النازحين؟
الحاملين على الكواهل ، من مجاعات السنين
اثام كل الخاطئين
النازفين بلا دماء
السائرين الى وراء
كي يدفنوا (( قابيل )) وهو على الصليب ركام طين ؟
(( قابيل )) اين اخوك ؟ اين اخوك ؟
جمعت السماء
امادها لتصيح . كورت النجوم الى نداء !
(( قابيل ، اين اخوك ؟ ))
(( يرقد في خيام اللاجئين ))
السل يوهن ساعديه ، وجئته انا بالدواء
والجوع لعنة ادم الاولى وارث الهالكين
( ساواه والحيوان ثم رماه اسفل سافلين)
وما يتوجب فعله دوما : هو الخروج بالرؤية الشعرية التي تؤكد الاقامة في فضاء النص الشعري لان (( الديناميكية )) الحلزونية ، تحتشد عبر اللحظات المتماثلة، وتواصلها في لحظة واحدة – وواضحة حتى تصبح صيغ من المفارقة في القصيدة وهي الموعظة الحسنة في سبر غور هذه الومضات التي تتجه نحو مركز القصيدة وهو مركز .. على العموم يكون متماسك بوجود عملية الاختتام الصحيحة وهي : ملكة تعبيرية تفصح عن اللانهائية للنص الشعري .. هذا الامعان في تلافيف النص يكثف الدعوة الى الكل المتكامل في الرؤية الشعرية .. والاحساس بعملية الاتزان عند – القراءة. والسياب وصل الى المطلوب من التصور المعرفي – وحداً كبيراً في النص لا كما هو الحال عند الاصوليين والمطلوب التصور – معرفياً ومحددا عند السياب في خطابة (( لغة ادم )) وهو يجعل الطريق يلزم الاكتساب القطعي بالنظر الى (( الحبكة في النص )) .
ويقدم (( تيليلرد )) كشفــا عـن (( ملتون )) لفشله في الرؤية – والبناء المضطرب في الوعي المتكامل .. والقصيدة تتناقض بشكل كلـــي مــع (( الخبرة المؤلمة – وحالة العقل المضطرب )) وهي توحد التوازن رغم الاضطراب والحزن .. والقصيدة الغنائية (( لكوليردج )) هي من نفس النمط باعتبارها نقش على ضريح احياء لذكراه والقصائد هي كشف دقيق عن العقول المضطربة عندما يمتلك ذلك الفعل نوعا من الاتزان – وبالعكس .. والبرهنة تذكرنا : بامثلة متناقضة ومن الاجحاف وضع عملية الاتزان المطلوبة في مكان غير مناسب لها .. فكيف الحال في وصفه للرؤية عند الشاعر ؟ دون النص الشعري.. ومن الافضل – والارجح البحث عن هذا الموضوع عند المتلقي .. كذلك يحدث هذا الاشكال في جملة من المواضيع التي تتعلق بالقصيدة ( اللاشعرية ))وغير مكتملة بالمقابل يحل الجدل والاتزان – والحالة المستقرة للنص الشعري
فالقصيدة عند (( السياب )) : هي تطور اضافي لمداخل القصيدة ، تتوفر فيه
الاستمرارية البناء الدارمي
الاصوات المنتشرة في فضاء
القصيدة الانهائية
كذلك الرؤية الجدلية .. والاحساس بالاستقرار اللانهائي .. وياتي عند نقطة البحث عن المدى الذي تنتهي عنده الرؤية الشعرية .. هذا الاعلان الرئيسي بالشعور بان اللانهائية هي في طور الاكتمال – والهدوء – والبحث عن صيغة للترابط الجدلي .. والموضوع يشمل المتلقي .
ان الاستخدام الامثل للجزيئات المتعلقة (( بالنص الشعري )) والمواجهة المستمرة بين (( الوعي الشعري – والتوحد ، بين الجزء – والكل : وهو يوضح الاندماج بين ((الكينونة – ومواضيعها المتعلقة بحالة الوعي لانها تدعو الى النهائية – واللازمكانية – كذلك التعدد في الصيغ الدلالية المتباينة .
والسياب : انطلق من رؤية منهجية في تناوله لقضية الحداثة الشعرية وكانت المعالجة عند السياب شاملة .. والتركيز قد تم على منهجية الفعل الحداثي – والمنهج الفكري في تناوله للنص الشعري من منطلق الوعي الثقافي للحضارة – والحداثة الشعرية … وهو المنهج الذي اختطه السياب بشكل خاص .. لدراسة (( الهموم الاجتماعية)) والازمة السيكولوجية فكان موضوع الاسطورة في الشعر الحديث .. هو اختيارًا واعيًا .. حرر من خلاله النص الشعــري مــن ربقــة
(( الشاعر )) ليصبح طليقا .. ولم تعد مركزية الشاعر يؤدي من خلالها
(( هيمنة دكتاتورية )) .. على المعنى .. وحتى يصبح النص طليقا .. يكون امامه متسع من (( التأويل والتحليل للنص )) كما يقول ((رولان بارت)) وهي محاولة للتخلص من المؤلف .. الغرض من هذا الموضوع هو : اعطاء حرية للنص .. وفض مغاليقه – والتعدد في ابعاده حتى لا يرتكز على أي معنى احادي … فالسياب: انطلق اولا من (( الحداثة – والتحديث للنص الشعري)) بعد ان برَّز المعنى واعطاه جل اهتمامه في بناء القصيدة عبر الفضاء الاسطوري .. والكشف الدقيق – والكثيف لحقيقة الصلة بين ..(( الموروث من التراث – وبين الموروث من التراث العالمي )) .
يقول السياب في (( المومس العمياء )) :
مترقبا ميلاد (( افروديت ))
ليلا او نهارا
اتريد من هذا الحطام الادمي المستباح
دفء الربيع وفرحه الحمل الغرير مع الصباح
ودواء ما تلقاه من سأمٍ وذل واكتداح
المال شيطان المدينة
لم يحظ من هذا الرهان ، بغير اجساد مهينة
(( فاوست ( ))) في اعماقهن يعيد اغنية حزينة
المال شيطان المدينة ، رب (( فاوست )) الجديد
جارت على الاثمان وفرة ما لديه من العبيد
الخبز والاسماك حظُّ عبيده المتذللين
مما يوزع من عطايا – لا اللالئ والشباب
والمومس العجفاء – لا (( هيلين ( ))) الظمأ اللعين
لا حكمة الفرح المجُّنح والخطيئة والعذاب
ان استخدام السياب : لجملة من المحركات ((الاجتماعية – والاسطورية – والسيكلوجية )) كان يبغي من وراء ذلك .. وضع توازن بين .. التحديث في النص الشعري – والحداثة ، التي اصبحت منهجاً عند السياب في متابعة وربط ((الحدث الاجتماعي)) في سلّمه التأريخي المتصاعد ..وتحديد شكل المعنى فيه والسياب كان يدرك هذه الخطوة في جعل النص الشعري ينبض بالحياة باستمرار..ومن الواضح ان السياب :كان قد كشف مداخلات العلاقة الجدلية التي تربط القصيدة الطويلة بالحشد..من الاحداث - والاسطورة..وشدد على المضاعفة للطاقة الشعرية وهي تتحرك لتلف سياقات ,الحياة الواقعية وانساقها..وحجم المسؤولية الشعرية والتعبير عن لحظة الوعي الصارم في عمليات التكثيف،وهي تمتحن وتمتن المحتوى ،من خلال الروابط المتينة للسرد فجاءت البنية الشعرية لتؤكد عملية الصواب ، ومقدار النضج الفني في البناء كما يتضح ذلك،في ((الموسيقى- والايقاع ))باعتبارهما رفضاً للميكانيكية الفنية لسبر غور المعاني ..واستيعاب المتباينيات والعناصر والخواص للحضارة وهي تؤسس:مرتكزات تحديثية حديثة..لتوازن بين ((المورث_ والاستجابة الدقيقة لخواص الحضارة الغربية في الاسطورة.
فالمداخل الرئيسية للقصيدة عند ((السياب)) تبدأ بالاختيارات التحديثية.. وبجملة من العناصر الجمالية..التي تدرس((الصورة الشعرية )) عبر ((ابداعات الضرورة-والصيرورة)) لتكون اصداءها عبر تقنيات ((الحدث الشعري)) والرغبة في التركيز على الحشد من الرموز-والمحركات..في فضاء القصيدة..لتكون الاستجابة..مبنية على تقنية عالية في موضوعاتها الذهنية لتستحيل الى صوت مدوي ،يأخذ مجالة في منعطف القصيدة.. ولودققنا في النص الشعري((للسياب)) :نجد((أن روحا قد نزلت في هذا النص..وبقيت تشكل المعنى وتحدد((الزمكان)) في القصيدة..وهي ليست مجرد اصوات تملأ كنه القصيدة بل هي:احكام تتردد في ثنايا النص الشعري..وأنغام تتجول في الوجود.
يقول السياب في قصيدة((وصية من محتضر)):
ياصمت،ياصمت المقابر في شوارعها الحزينة،أعوي ،أصيح،أصيح في لهف فأسمع في السكينة ما تنثر الظلماء من ثلج وقار
تُصدي عليه خطًى وحيدات ، وتبتلع المدينة أصدائهن ، كأَنَ وحشاً من حديدٍ ، من حجار، سفّ الحياة فلا حياة من المساء الى النهار . اين العراق؟ واين شمس ضحاه تحملها سفينة في ماء دجلة أو بويب ؟واين اصداء الغناء خفقت كاجنحة الحمام على السنابل والنخيل من كل بيت في العراء ؟من كل رابية تدثرها ازاهير السهول ؟ان مت يا وطني فقبر في مقابرك الكئيبة اقصى مناي، وان سلمت فان كوخا في الحقول هو ما اريد من الحياة .فدى صحاراك الرحيبة ارباض لندن والدروب ،ولااصابتك المصيبة !
يا اخوتي المتناثرين من الجنوب الى الشمال
بين المعابر والسهول وبين عالية الجبال
ابناء شعبي في قراه وفي مدائنه الحبيبة…
لاتكفروا نعم العراق…
خير البلاد سكنتموها بين خضراء وماء،
الشمس ،نور الله،تغمرها بصيف او شتاء
لا تبتغوا عنها سواها
هي جنة فحذار من افعى تدب على ثراها.
انا ميت ،لا يكذب الموتى .واكفر بالمعاني
ان كان غير القلب منبعها
فيا ألق النهار
لقد وحد السياب بين "الصوت-والظل"وهو الذي يرغب دائما في تاكيد هذه العناوين في مخارج ومداخل "النص الشعري"-وكونه،يؤكد هذه الظاهرة في النص الشعري ،اصبح الوجود الشعري لدى السياب هو هضم المنطوق للاشياء في ادق عملية يقوم بها الشاعر كان قد- اوجد"التلاشي في النص الشعري لتقويمه المتوالي للزمن – والتكثيف المفاجىء
بالانفجارات المدوية في ثنايا القصيدة بين حين واخر وبالرجوع الى مركزية النص ..استعداداً للمواجهة بين : المداخل للنص – وبين التعايش في النص الشعري .. عبر مزجه بالوجود وبارتعاشات الامكنة – والوضوح المتوالي للعدمية في الوجود عبر (دراما النص ) ويعتقد السياب ان ما يريد فعله .. هو يمضي الى تحقيقه .. باحتواء ما يعبر عنه .. وبكفاءة – وانتقاء طويلين .. وهو الموضوع الذي يذّكرنا بقصيدة (( نفس وقبر للسياب وبين قصيدة (At The Grave of Burns ) وعلى قبر (( برنز )) لويلم وردزوث في العام 1803 .. وهو يرثي (( الشاعر الاسكتلندي Robert Burns روبرت برنز))( ) . والسياب بهذا التاثر في عملية الاختلاف في النص الشعري .. وفي الصيغ اللغوية .. ولا وجود لبنية .. لا يكون الاختلاف احد اعمدتها ، كما يقول ((سوسير)) فالسياب : اراد ترجمة رأي (( دريدا)) في ان الاختلاف ليس له أي علاقة بمنطق الوعي .. ولا بنظام التجربة.. فالمركزية الصوتية لفضاء القصيدة تخفي دائماً مركزية عقلية .. ولنا عودة ثانية الى نفس الموضوع .. والسياب في منطقه الشعري : لا يدعي في القول – والتجاوز لكل الاشكاليات التاثيرية - والثنائية .. والقول لا يمكن ان يأتي الا (( بالوعي – والمعنى )) في اطار الحقيقة النسبية ..
والسياب في منطقه الشعري .. يدعو الى تفكيك النص الشعري – وابراز ملامحه .. خوفاً من التأويل ، غير المّجدي .. فالدال في النص الشعري عند السياب : ظاهره للعيان في لحظة الموجود – والاختلاف حالة تأثيرية – وتأثرّية في النص الشعري.. يقول السياب في قصيدة
(( النهر والموت )) :
بُويبْ
بُويبْ
اجراسُ بُرجٍ ضاع في قرارة البحرْ
الماء في الجرار والغروبُ في الشجر
وتنضح الجرارُ اجراساً من المطرْ
بلّوُرها يذوب في أنينْ
((بُويبْ .. يا بُويبْ !)) ،
فيدلهمُّ في دمي حنينْ
إليك يا بُويبْ ،
يا نهري الحزين كالمطر ْ
أودُّ لو عدوْتُ في الظلام
أشدُّ قبضتيَّ تحملان شوقَ عام
في كل أصبعٍ كأني احمل النذورْ
اليكَ من قمحٍ ومن زهور
أودُّ لو اخوض فيكَ ، أتبعُ القمرْ
وأسمعُ الحصى يصلُّ منك في القرار
صليل الآف العصافير على الشجرْ
أغابةٌ من الدموع أنت ام نهرْ ؟
ولنا عودة اخرى لهذه القصيدة بشكل تفصيلي في الفصول القادمة.
ان مفهوم الدليل (( الصوتي في الطبيعة )) يميزه (( الدال – والمدلول)) واصوله قد تمركزت في الفلسفة الثنائية.. بين ((المحسوس – والعقلاني )) والسياب في نصه الشعري : حاول اعادة المنطق الثنائي في فلسفة ، الشعر .. والدليل النصي عند السياب كان : تفكيكاً .. لان المرجعية .. دون الدليل .. لا تعني شيئاً.. والاختلاف في النص الشعري يعطينا سلطة الحضور النصي .. وهي التي تعطينا عملية التفكير في ، الوجود .. عبر ثنائية (( الحضور والغياب )) ويصبح الفضاء في القصيدة هو : حجب الوجود كما هو الحال عند (( هايدغر)) . وان تاريخ الاستعمال لرمز الصوت في الاسطورة : هو لا يبدأ من (أريل) في (( مسرحية العاصفة لشكسبير )) .. ولامن افلاطون حتى هيجل بل بدأ من السقراطيين حتى هايدغر : حيث اعتبر العقل اصلاً للحقيقة .. في ان صوت المثويولوجيا المأساوية في تداخل للرؤيا اصلاً ، الاسطورة القديمة للناقوس – وبين الخروج من النص في (( القنبلة الذرية )) وقضية الغجر في اسبانيا .. وفكرة أنبات الورد في الصخر والسياب قد داخل بين : المداخل في القصيدة – والزمكان – والرمز والاسطورة .. والسياب يؤكد : ان الطموحات الانسانية موجودة مثويولوجيا .. وان دم الفتاة سينبت كما ينبت الورد في الصخر .. يقول السياب في رؤيا فوكاي :
أهم بالرحيل في (( غرناطة )) الغجرْ ؟
فاخضَّرت الرياحُ ، والغدير ، والقمر ( )؟
أم سمر المسيح بالصليب فانتصرْ ؟
ام انها دماءُ كونغاي ؟
ورغم ان العالم استسر واندثر ( )
ما زال طائر الحديد يذرع السماء ،
وفي قرارة المحيط يعقد القرى
أهداب طفلك اليتيم – حيث لا غناءْ الا صراخ (( البابيون )) : (( زادك الثرى ،
فازحف على الاربعِ .. فالحضيض والعلاءْ
سيان والحياة كالغناء ! ))
سيان (( جنكيز)) ، و (( كونغايْ))
(( هابيلُ قابيلُ )) ، وبابل كشنغهايْ ))
وان الحس الشعري المعرفي الاصيل .. ينشد التحديث .. وان كثير من القصائد لشعراء عالميين كبار .. قد ورثوا التكنيك – والبناء : من الموروث من ، التراث الكلاسيكي .. مثال على ذلك ((ملتون )) الذي ورث القصيدة الرعوية .. من عصر النهضة .. وان القصيدة التي تحتفظ بالتحديث والحداثة : هي القصيدة التي تحوي الاصالة .. وهي تعبر عن معاناة الانسان في كل مكان – وفي كل عصر : وبالجانب الاخير من الموضوع .. هو الوعي والقراءة والتأنية – والاستساغة في استحضار المنطق الشعري .. ولكي نفهم ( ملتون ) – يجب استحضار فرجيل .. كذلك لكي نفهم (( السياب )) يجب – استحضار المنطق الشعري عند اليوت – او وردزورث لفهم منعطف الصورة والاسطورة او الرومانس عند السياب وهكذا اذاً نحتاج الى الامساك بناصية المعارف الشعرية للشعر العالمي لكي نفهم المعنى.
يقول اليوت
ثم جاء قاموس
ذلك السيد المبجل ، ينقل الخطو وانيا ،
عباءته من شعر ، وقلنسوته من حلفاء ، موشومة بصور كابية ، وعلى الحوافي
صورة كصورة زهرة الشقائق النعمانية
وقد وسمت بالحزن ( ).
وحيث يتم التواصل على هذه الصورة – يكون الانبثاق مأخوذ بالاختلاف والتطابق، في حدوده القصوى ، وهو يتزود تدريجياً، بالصيغ من المعلومات التي تتعلق بالبناء الفني والشعري للقصيدة في مرحلة من المراحل التي تنسجها الصيغة الشعرية للاسطورة وهي شيء من المعالجة المألوفة : لتتعدد بعدة من المفاهيم في النص الشعري .. وما يتعلق بالموروث – والحداثة للقصيدة .. والتغير والانعطافة التي تحصل في هذا الباب : هو التوجه الذي يحدثه النص الشعري .. في الحياة الثقافية – وما مطلوب من الشاعر كتابته وما على القارئ ، من خصوصيات معرفية للشعر الحداثي .. وان العمل الادبي تكون خطواته الاولى من تلافيف الحياة – ثم العودة الى هذه الحياة عبر - التوغل – والتطور فيها– والانعطافة الشعرية وهي ترسم المستقبل للمجتمع . وان جملة من الملاحظات التي وجهت الى (( ورد زورث – وشيلي – وكيتس – وتينسون ، وغيرهم : ولكن – الاشارة في الصعوبة كانت موجهة الى ( براوننج )( ) والصعوبة تكمن في ان القارئ العادي يقوم برصف جملة من الملاحظات تتعرض لحالة من الاحباطات الاجتماعية – والفكرية بعدها يقع في مطبات ينسجها القارئ لنفسه .. ويبدأ بتفسير النص الشعري وفق اللاوعي او وفق الاهواء .. والواجب : كان عليه ان يبدأ بالعملية الحسية لكي يثّبت وعيه ومهارته في قراءة النص الشعري .. وبشكل صحيح دون اشكالية في رد الفعل على النص .. ومن النص الشعري – الا ان الوعي التحديثي للقراءة الصحيحة للنص .. وما يتعلق بالوعي الشعري والفهم للحرفية الادبية .. فهي متواصلة اصلاً مع منطق النص ، التحديثي .. وما يفسر من تأثر للسياب .. بالشاعر ( برنز) وما تركه من اثر شعري – كبير .. وان السياب قد قرأ قصيدة (( على قبر برنــــز )) .. وتعاطف (وردزورث ) مع الشاعر المرثي (( برنز)) حيث استذكرها السياب : وهو على فراش الموت .. يذكر هذه القصيدة .. وما حملته من خصائص انسانية وفكرية لان ((برنز)) هو شاعر يمتلك موهبة شعرية .. وكان ضحية السلطة السياسية.( )
يقول السياب في قصيدة (( نفسي وقبر ))
نفس من الامال خاوية
جرداء لا ماء ولا عُشب
ما أرتجيه هو المحال وما
لا ارتجيه هو الذي يجب
قدرٌ رمى فاصاب صادحة
في الجو خرّت وهي تنتحب
من ذا يُعدُ الى قوادمها
افق الصباح تضيئة السُحبُ
ُصلِبُ المسيحُ فأيُّ معجزة
تأتي ؟ وأي دعاء ملهوفِ
ستزيح أبواب السماء له
أغلاقها ؟! حبلٌ من الليفِ
هيهات يُرق للسماء به
ليهزَّ عرش الله تخريفي
فالسياب : كان يهدف من رمز المسيح .. ان يوحي من خلال النص ، بأن عملية الصلب .. قد نفذها : أعداء الحق .. والدين ، وان الحق لا بد ان ، يظهر .. فالورد النابت في الصخر .. وهو دم المسيح في قصيدته (( من رؤيا فوكاي) المارة الذكر قبل قليل .. وهي نفس السلطة التي قتلت مواهب الشاعر الكبير (( برنز )) وقوّضت مواهبه الشعرية وحرمت الاجيال الطالعة الى مواهب الشاعر الكبير .. وبعد التكثيف في العبارة.. والعمل على تكثيف الالفاظ في (( الصورة – والاسطورة )) عند بدر بشكل عام .. والترتيب الذي ، يحصل في النص الشعري .. وحسن التعبير .. والملاحظ .. ان السياب : ومنذ منتصف الخمسينات كان منشغلاً (( بالشعر الانكليزي )) والاسطورة بشكل خاص وحفلت اكثر القصائد : بالرمزية – والاسطــورة .. وهي نتيجـة تأثــره
(( باليوت – وستويل )) وقصيدة انشودة الوردة ، وبضمنها يقع جزء من القصيدة – عنوانه (( ما زال يهطل المطر )) كانت قد كتبته الشاعرة في الساعات الاولى لقصف لندن في العام 1940 ، وطائر الفولاذ يقذف حممه البركانية على لندن والسياب جمع مقطعين من القصيدة أي جمع ((انشودة الوردة)) زائداً (( ما زال يهطل المطر )) فكانت قصيدته (( انشودة المطر )) ( )
تقول ستويل :
ما زال يهطل المطر
قائماً مثل عالم الانسان ، أسود مثل ضياعنا
أعمى كألف وتسعمائة وأربعين مسماراً
على الصليب ..
ما زال يهطل المطر
بصوت مثل نبض القلب يتغير مع ضربة المطرقة
في ساحة الخزاف ، مثل وقع الاقدام الدنسة على الضريح :
ما زال يهطل المطر
في حقل الدم حيث تتولد الامال الصغار والعقل البشري
يغذي جشعه ، تلك الدودة في جبين قابيل
ما زال يهطل المطر
عند قدمي الانسان المجوع المعلّق على الصليب
المسيح الذي كان يوم ، كل ليلة ، يتسمر هناك ، رحمةً علينا – على الغني الفقير :
تحت المطر القرحُ والذهب سيّان
ما زال يهطل المطر –
ما زال يهطل الدم من جنب الانسان المجوَّع الطعين :
يحمل في قلبه كل الجراح – جراح النور الذي مات ،
آخر ومضة كابية
في القلب القاتل نفسه ، جراح العتمة البهماء الحزينة ، جراح الدب المعذَّب –
الدب الاعمى الباكي ينهال بالضرب حابسوه
على جسده المغلوب ... دموع الارنب الطريد
ما يزال يهطل المطر ( )
نلاحظ ان القصيدة شكلت فعلاً درامياً من خلال الايقاع – والصورة والفعل الحاضر.. وجاء المسيح ليكون رمزاً لفعل الحق .. كما هو الحال في القصائد السابقة للسياب (( نفس وقبر .. ورؤيا فوكاي )) وحتى في قصيدة الاسلحة والاطفال )) نجد التأثر واضحاً باليوت .. وستويل ... وان السمات التي تظهر على النص الشعري بفعل الترتيب وتحسين معنيين حيث هذه السمات في الاخر الى ظهور اسلوب شعري يطغي على النص (( حسب تعبير الفارابي ومثال ذلك الطريق في التماثل الذي احدثه اليوت في عمليات المفارقة في قوله : (( وارتحلت الحوريات )) ... ص 114 .. وهي اشارة الى شعرية سبنسر .. في (( وارتحلت حوريات النهر عند حلول الشتاء )) وهي تُظهر نهاية الحب الرومانسي .. فالشاعر يريد من خلال هذه الايحاء هو ان يظفر بالمخيلة ، في أن الحياة البشرية مستمرة، وهي في كلا القصيدتين واحدة : وانهما نبعتا من صيغة - وادراك سيكولوجي تحديثي واحد وحين تولد السبب الذي تولّد: عنده الشعر في القوة والمحاكاة والتطور في النظرة الى ((النص الشعري)) حيث وجدت الاوزان – ومنها تطورت – الالحان ((فمالت الانفس ، كما يقول ابن سينا )) وجعلت تنمو يسيراً تابعة للطباع .. وكان أكثرها ينمو عن المطبوعين – الذين ، يتعاطون (( الشعر)) حيث انبثقت الشعرية منهم بحسب الغرائز.. وابن سينا يعزي علل تأليف الشعر : فيقول .. انها تأتي في المتعة المتأتية من المحاكاة )) وتناسب تأليف الموسيقى بمعناها العام .. والشعرية عنده تأخذ منحنى سيكولوجي حيث يرتبط هذا المنحنى بالغريزة وهي ، تتجه الى المحاكاة : فمن الضروري ان نتبين هذا الجنوح في الغريزة الشعرية .. بقصيدة
(( الارض اليباب )) لاليوت على سبيل المثال – او انشودة المطر لبدر شاكر السياب .. وهو استمتاع يكشف المعنى الشعري للقارئ .. والنص الشعري ، باعتباره حقلاً منهجياً يوحد الخطاب الشعري في – استقصاء دائم .. والنص الشعري : لا ينحصر في التقطيع البدائي للاجناس .. بل يتم تشكيله ، بقدرة فائقة تتخلخل من جوانبه ، الجدران القديمة .. التي لَفَّت النص الشعري .. وأحدثت شرخاً كبيراً فيه .. فالنص الشعري يتكون من اختلاف في القواعد القولية في اطار من القابلية المقلوبة للقراءة .. حيث يضع الحدود للرأي المفهومي باتجاه يدعه يخرج عن الهدوء في الاداء السائد .
فطبيعة الفكرة في التساوي – او التماثل في الرموز عند السياب وهو يجمع بين (( جنكيز الذي مثل الطغيان – وبين
كونغاي التي مثلت رمز التضحية – وهابيل الذي هو رمز الانسانية الخيرة وقابيل الذي هو رمز الشر ( ) .
كل هذه الاشياء تفسر لنا .. ان النص الشعري يمثل اللانهائي في دلالته .. حيث يكون تعددياً .. ولا تمثل الدال : الجزء الاول في المعاني .. فالنص يحقق المعنى بانجاز وانتقال دون تأويل ويقوم بانقاذ الفعل الدلالي ، من الاستهلاك .. وهي محاولة علمية ، لصهر المسافة التي تضع حدود ، بين القراءة – والكتابة .. وهكذا ومنذ البداية ، كان البحث عن المعنى ، والتعبير عن الحقيقة وهي:
ان الشعر يبقى صدى للعذاب الانساني .. وهو يتكون من نسق درامي وصورة .. لذلك نجد الشعر عبارة عن صيرورة – وجودية تتجسد في وعي الشاعر ، وبشكل اختلافي .. يتمحور نظامه بناءاً عن انعكاسات في وعي الرؤيا في( الزمكان ) – والفاعلية المتجذرة في معنى الحرية .. وفي التعبير عن الافق الشعري .. وفي مجازات منطقية مفتوحة وهي تجد الطريق الصائب : في استشعار شعري – يلتزم المحاور والخيارات التي تركب منطقة المتماثل بصيغ تركيبية مع الحدث والتحديث والتماثل ومنطقه – السطوح المشحونة بالاحاسيس ، التي تعبر عن العلامة – والدلالة في شروط مفتوحة لمداخل القصيدة وكانت العلامة هي المعيار المكوّن للذات عند الشاعر .







الفصل الرابع
وحدة التعبير السيكولوجي واشكالية المكان في شعر السياب


فيما يتعلق بموضوعات الانماط النظرية والفحص الدقيق للمفاهيم التي تعنيها البنية المتعلقة بالمفهوم العلمي للنص الشعري .. وهو البحث في ميدان التفاسير العلمية ..ليرتكز على قوانين الكيف ،وصيغة الكثافة العلمية في بناء النص الحديث للشعر عبر نظريات علمية تقع في طور:"التقليد العلمي " لنظام علائقي يقوم بتطوير الفعل النظري .. وفق قوة تعتبر نتيجة متسارعة لتبادل عدة من الانساق العلمية وهي توسع الصياغة :على اساس يتعلق بمستويات.. في سلم النقلات والتقلبات …التي تستند الى منهج علمي تحققه فكرة البنية باطارها العلمي القياسي : فالمكان: قياس يتعلق ببنية واضحة ..احدى.. اشكالياتها.."المكان"وهو يستند الى زوايا تستطيل الى بقية من الصور تنشر الشعاع بكل الاتجاهات:وامامنا انطلاقة في موضوع تركب في اصرة متجذرة في ارض متجاوره مع منطق الحدث الشعري…"والسياب" كان الرؤية..والمدى في هذا الركن المكاني الهادىْ . فالبداية كانت في انتشار هذا الحدث الشعري، لانه اساس الفعل في"موضوع المكان "الذي يرمز الى الغربة دائما ..وهو يحمل الاخفاقات وما يتعلق " بالكون …والحياة " وليستعيد جملة من عمليات الانعزال بهذا المكان ..مثل نوبات من الالم..كانت قد تماسكت في لحظة من التمزق.. واستعان السياب بصرخات نسمعها.. ونتاملها في تلك الاشكالية من المكان الذي استقر بثبات في منعطف ساوى :الملامح الشاحبة، على ذلك الوجه الذابل ،والجسم النحيل،والملاحظ.. "ان السياب ،قد ارتفعت عيناه نحو السماء "ليجد السببية في صياغة العلاقة ..والانطواء داخل المكان المنعزل الذي نستعيد قصته الان .
اننا نتذكر الان الجزء الاسفل من المكان ، وهو الجزء المتراخي الحزين الذي لفه الصمت طويلا:وبدا الحدث الشعري على يد السياب ..وسوف نعرف.. ونطلّع على الكيفيات التحليلية ، والمباشرة لصياغة اللحن الذي يوسع المدارك حصرا في "المكان- والزمان – والروح " وغدت البنية المكانية :وهي الحلقة الرئيسية في خفايا الحدث الشعري وهي عدة من الصياغات الممكنة تحولاتها.. لتدرس التفاصيل الحقيقية للنص الشعري ونظامه الخفي،الذي يؤكد خصائص"المواقع –والممكنات" التي تتعلق بعملية التطور العلمي للحدث الشعري من الناحية العلمية وبصدًى يبرزه منطق الحياة العقيم –ليؤسس طبائع شعرية متحركة متجاوزه صمتها الى ركن ..يتفتح الى حلقات ليسّهل عمليات الالقاء للانساق"المتركبة –والمتراكمة " دون عوامل الاختلاف العلمية .
والسياب:بالاضافة الى الركام الاجتماعي ..وما شيده الواقع الاجتماعي المتراجع ..من سكنات اتجاه الحالات"الذاتية –والموضوعية "-وعلاقة السياب "بالمرأة " وسخطه الفردي المبرر.. اضافة الى منطقه السياسي الذي تبلور اصلا في اشكالية "المكان" وماتمخض هذا الموضوع من صيغ الاختلاف في عدة من المضامين الرومانسية – السابقة ، والتي كانت البداية ..حتى تطبعت بحالات ..الوجع الانساني…كذلك الاسفاف في بناء نص شعري عاطفي كان قد تاثر بالعديد من التركيبات السياسية الجديدة ..وهذا ماشهدته تجربة – السياب الشعرية من خصوصية في المرحلة الرومانسية وفي عمليات التحول في البنية الشعرية وفي الحدث المكاني ..وهذا واضح المعالم في ديوانه الشعري "انشودة المطر"
يقول السياب في قصيدته"مرحى غيلان"
فتحتْ نوافذَ من رؤاكَ على سهادي:كلُّ وادِ
وهبته عشتارُ الازاهر والثمار كأنَّ روحي
في تربة الظلماء حبةُ حنطةٍ وصداكَ ماءُ
اعلنت بعثي ياسماءُ
هذا خلودي في الحياة تكنُّ معناه الدماءُ
"بابا…"كأنَّ يد المسيح
فيها ،كأنَّ جماجم الموتى تُبرعمُ في الضريحِ
تموز عاد بكل سنبلةٍ تعابث كلَّ ريحِ
يقدم السياب اتجاهات فلسفية "لخصائص المكان" في صياغات تتعلق بالمجاوره لجدل العمليات الداخلية – والخارجية للقصيدة وهي التي تشكل مخيلة تقوم بالحث للعمليات الساكنة.. وتوسيع المساحات وجعلها وجود كامل يلف خفايا القصيدة ..وان الوعي المتركب على حس سكوني يمكن تجاوزه بهذه العملية باتجاه تشكيل بقية الاكتمال الرصين امام التجسيد الحي والانفلاق الذاتي الذي (يظهر –ويختفي) في فضاء النص الشعري …وعندما تتشكل البنية بطابعها الموضوعي في القصيده ..ياخذ الرمز تشاكيله الفعلية ليعمق الخواص الدائمة في حلقاتها العلمية ..وبادوات المكان الذي توجب تثبيته بخلاصات تتعالق ،باستنتاجات تبدد عمليات التعقيد التي ظهرت في النص الشعري والتنسيق الذي تحقق بفعل من القراءات للنص والملاحظة التي تظهر في حالات مختلفة: وهي تحقق الانجاز في المعنى.
والسياب يتطابق في حالة اللاوعي عند تداخل عمق التغير في النظام الذي ينسق منطلقين في آن واحد ..وبسرعة فائقة لكل منهما في هذه الحالة يصبح التحويل في ثنايا النص :اعتباراً محققاً من ناحية الانجاز الفني لموضوع القصيدة.. وهذا الموضوع شاخص عند "عبد الوهاب البياتي "ايضا في "ملائكة وشياطين "وفي"ازهارذابلة" للسياب ..حيث ياخذ الانجاز مداه اللانهائي ويلتقي بهذا الموضوع "بابن الرومي" وهذا المنحني يتعلق باسباب ربما تكون "سيكولوجية "كما يقول الناقد الراحل "عبد الجبار عباس" والاشارة الى هذا الموضوع من باب التماثل في التسمية وهي تتمثل –باسقاطات في اطار من الأزمنة السابقة في تأكيد التوفيقات المكانية المعاشة.
بتجربة متصلة "بين الداخل – والخارج "للنص الشعري في ثنائية تعالج المعنى في اطار المبنى الفوقي لدقائق الصورة في الحياة ،والوجود – والحالة – والفكرة السببية – والعلة في المواجهة –الدقيقة للذات ..وهي تتكرر باستمرار حتى في الوهم – والاكتشاف يبدا بالانفجار الذي يحدث للنص بفعل مركز وفي جزء دقيق من الوجود..وهو متسع المكان الذي تركز في عالم اللاشعور بمركب يتبع للذات وللنص،الذي ياخذ مداه في الانطواء – والخروج من منعطف –التصميم في القصيدة التي شكلت الوجود الكامل مع اختلاف في دقائق الحس عند السياب وهو يعي المفاجآت من خلال الابعاد الثابته بعد ان انسحب من الحلم المكاني ،ليحقق ذاته عبر خفايا النص ،وهو يتعلق بمرحلة من المراحل في الوعي ،ليوسع فضاء القصيدة عبر عدة ،من الزوايا- والاركان التي خاض بها الحلم الكبير- والتخفي المتعلق بنتائج كانت قد استقرت في حزن عميق ليعيد وقائع وتاملات سعيا للبحث عن التكافؤ الذي لا بس الكثير من الانفعالات والافراح لبناء نص شعري يحدد التشخيص الدقيق لعملية البناء المكاني .. وهذا ما بلغه السياب في قصائده الطويلة "المومس العمياء – حفار القبور – الاسلحة والاطفال" وظل بدرا يعاني من خواص –الانفعال المكاني لايجاد عملية الفراغ ،في اعمق تشكيل هندسي كانت قد شكلته قصيدة "المومس العمياء "عبر مفهوم الفراغ الاجتماعي –لكائن اجتماعي ،قد امتلك المكان ،وخواصه المغلقة ..ليواصل المعركة مع الاشباح (haunted )( ) ومعالجة التامل بعدة معاملات وبتنسيق من فن الرؤية الممكنة لمراقبة جملة من الصياغات المختلفة والتطابق الذي يحصل في المراجعات ،حيث تنبثق صيغة من التحولات الموضوعية لمناشدة الحس ، والبرهنة على موضوع التحقق علمياً وان هذه التحولات المكانية ،كان اساسها تحولا في القدرة الكامنة بتراكب القوى السيكولوجية، التي شكلت التوازن الرئسي لشاعر مثل السياب ،الذي ارتكز على بنية النص من الناحية المكانية وهذا ما دعاه "ماكس بلانك" في دعمه للحالات السببية المتفاعلة ..والتي طغت عليها الخواص العلمية ، وهو موضوع يتعلق بخروقات العلة النهائية للنص ، وهي تعكس صيغ ومعلولات كانت نهاية المطاف في خواص معينة للنص الشعري .. والتعامل بالسياقات التي ،توصل النص، الى فضاء مضاء .. رغم كل العوارض التي تحجب الاضاءة وتحني الخطوط الرمزية القابلة للتحول في "الازمنة – والامكنة "المتجاورة .. وبفرضيات علمية محققة . يقول السياب في قصيدته - "المومس العمياء"
مابين ليلك والنهار ، وليس، ثم، سوى الوجود
سوى الظلام ، ووطء أجساد الزبائن والنقود
ولازمان سوى الاريكة والسرير ،
ولا مكان !
لم تحسيين ليالي السام المسَّهده الرتيبة ؟
مالعمر؟ ما الايام عندك ،ما الشهور؟ وما السنين؟
ماتت"رجاء"فلا رجاء ثكلت زهرتك
الحبيبة !
بالامس كنت اذا حسبت فُعمرَها هي تحسبين
مازال من فمها الصغير
طراوة في حلمتيك ،وكركراتٌ في السرير.
كانت عزاءك في المصيبة
وربيع قفرتك الجديبة
كانت نقاء ك في الفجور ،ونسمةٌ لك في الهجير
وخلاصك الموعود،والغبش الالهَّي الكبير !
وماكان حكمة ان تجئَ الى الوجود وان تموت؟
التشرب اللبن المرنَّق بالخطيئة واللعاب
اوشال ماتركتْه في ثدييك اشداقُ الذئاب؟
والاكتشاف الذي حصل في ايقاعات المكان بذكر التشخيص ليعود الى خواص الحاضر المعاش .. ونرى حالات التوهج في النص وهي تحتفظ، بالوقائع التي يلجأ اليها السياب احيانا ،وهو في هذا الركن المظلم والذي تحقق بالملامسة الحسية ، والملاحظة العميقة لهذا الركن الرتيب الذي تمثل بهذا الفضاء المضيْ في زاوية من زوايا هذه الحياة ، والقدرة على الرؤية – والتامل لزوايا المكان ،كانت صفحات تلازم خواص البناء الممكنة .. وقد مثل الشاعر خلاصات من الخصائص المضادة ،والاستغراق في المحمولات المضادة سعيا وراء الاستغراق –والتامل في خواص المبنى الحياتي – كذلك الاحتدام المنفعل في الركن المعتم الذي تنفس منه الشاعر …وانطلق الى الركن المضيْء ... ليوسع الصورة الشعرية بمضامين الوجود الاسطوري .. يتشكل من الحلقات ليؤكد سعيه وراء التقلصات التي تكاد تظهر – وتختفي: في النص الشعري ازاء ما بلغه التخفي عند" المومس" في عدة من الاستعانات المخفية والساخرة احيانا.. لتستعيد الظل الذي تلاشى باستطالات ، كانت قد ظهرت بشكل مكثف : منذ بداية القصيدة ،باحثة عن كثافة سحرية ،واستدارة متخفية، ومتلونة تظهر على النص ، من خلال التوقفات الحسية .. وبشكل غير مباشر .. والسياب اراد من خلال ذلك تكرار هذه المنعطفات الحلمية بتواصل يرتكن الى حقيقة البناء الايقاعي ،وحصر النهايات النافده ،التي شكلت خواص المعاني ،وهي تستند الى الزوايا الحسية للمكان المتاسس على يقظة الماضي بالاستعادة لخواص الحاضر الرتيبة وهذا ما نجده في قصيدته"السوق القديم"وهي تعزيز لحلقات المكان المستقلة: وهي تناقش حلم قد تبلور في خواص المنطلق المكاني .. وتتشكل لوحة السياب الشعرية ،بعفوية لاتقف حدودها في الانفعالات بل تنطلق لصياغة الاحساس، وبخطوات تتكامل عندها جزئيات الايقاع التي احتشدت بفنائية عفوية ..لتوضح هذا المعترك
يقول السياب في قصيدته "السوق القديم"
بالامس كان وكان –ثم ،خبا وانساه الملال
والياس،حتى كيف يحلم بالضياء – فلا
حنين يغشى دجاه ولا اكتئاب،ولا بكاء ،
ولا انين
الصيف يحتضن الشتاء ،ويذهبان .. ومايزال
كالمنزل المهجور تعوي في جوانبه الرياح
كالسلّم المنهار ،لاترقاه في الليل الكئيب
قدم ، ولا قدم ستهبطه اذا التمع الصباح
مازال قلبي في المغيب
ما زال قلبي في المغيب فلا اصيل ولامساء ،
حتى أتت هي والضياء !
ولنا عودة اخرى لهذه القصيدة بشرح اكثر تفصيلا في الفصول القادمة.
وحين يوجب السياب البنيات التي استقلت في اظهار المعترك الحسي وهو يتعلق،بنظم وانساق من الفرضيات، باعتبارها ..صلة حية تبنى جزئيا في الحالات التي توضح هذه المفاهيم في اعتماد السياقات ..التي تعلقت ،بمشكلات التحقق العديدة ، على منهج … الموضوعية للبنية النصية ،وهي تطرح –الكثير من المناهج تفسر سببية المعاني الحسية ، وهي المحرك الالي في الترشيح.. والحركة ، باعتبارهما مصدر احتواء العمليات البينية التي تناشد السببية ، وارتباطهما الذي يحدد العلاقات التجريدية بملاحظة حسية متطورة .. والسياب يعتمد على المفاهيم الرمزية .. والصياغات الوزنية التي تتشاكل مع الطبيعة الحسية ، وموضوع الانفعال ، وهو يستند في ذلك الى العروض الشعري، ليؤسس انساق من البحور ،مثل "الكامل.. والوافر كما يقول الناقد الراحل عبد الجبار عباس"يعالج بها كثير من الخواص، في البناء الشعري.. وفي اللاشعور السيكولوجي ..البطيء.. والثقيل
والسياب:ركن الى العمق الحالم في الاشياء ليتماثل في وحدة تتكشف هويتها الشعرية: في ركن من اركان القص ..في النص الشعري.
وتاتي الصياغات ، باعتبارها ، مفاهيم سيكولوجية تتجه الى الحكم الذي ياخذ نظام التراكيب – التي تؤسس تحولات فورية داخل حلقات النص بسرعة تعتمد المقاييس "الثنائية" في عمليات القص الشعري.. بين خواص الذات –والموضوع كما هو الحال في قصيدته "النهر والموت"..فكانت الصيغة تتكرر باحساسات ، ونواظم من العناصر السيكولوجية ، والدور الذي يعطي للبناء بداية الفرضية في خواص البنية في النص – والحال يتبدل في قصائد اخرى تخضع لخواص من التوجسات- والصياغات في الجرس.. والسياب قد قارب بين المعنى – والصوت ،خلاف الراي القائل ..ربما باعد رغم
العاطفة-والانفعال( ) … فالصياغات الصوتية ، عند السياب : تعتبر هي القوة المحركة في اكثر قصائده مع الحافز الايمائي الدقيق الذي يتعلق بالتشكيلات الصوتية … كان قد خزنها السياب وحولها الى صياغات – وتشاكيل من الخليط في بنية الصوت الشعري ليأخذ المبنى السيكولوجي قراره في رسوخ المبنى للنص وتكون الخميرة في البناء هي خواص التوازن في الاصوات – واستمرار الحركة في الفضاءات الارحب للنص الشعري … والسياب شدد على خواص الموازنة ورسوخ المبنى لعمومية الاسناد للسياقات النسقية ، وهي تستند الى الموازنة في نظام من التحولات في تحديد البنيات في النص وهذا ما نلاحظه في قصيدة "المسيح بعد الصلب" يقول السياب :-
بعدما انزلوني سمعت الرياحْ
في نواحٍ طويلٍ تسفُّ النخيلْ
والخطى وهي تنأى . اذن فالجراحْ
والصليبُ الذي سمروني عليه طوال الاصيل
لم تُمحنى. وانصتُّ : كان العويلْ
يعبر السهل بيني وبين المدينة
مثل حبل يشّد السفينة .
وهي تهوي الى القاع . كان النواح
مثل خيط من النور بين الصباح
والدجى في سماء الشتاء الحزينة .
ثم تغفو ، على ما تحس المدينة
ويمكن التساؤل عن حالات الادراك التي تقوم بصياغة منطق يحدد مجالات متنوعة ، لنتائج متناقضة احياناً تحيل عمليات التحليل الى صياغات تجريبية ، وتحيل المفردة في النص الى فرضية تتحرك وفق ادراكات المنظور السيكولوجي .. ويأتي الصوت ليشكل النواة الاولى للصورة الشعرية تحت نمط من التأثيرات المدركة لبنية النص ، بمعنى القوانين والتراكيب التي حولت البنية النصية الى ذاكرة مدركة لنشاطات الهورمون الصوتي الذي اظهر مجال اللفظ بمعنى التركيز على المقاربات في القصيدة وتحديد مجال التطور الذي قد يحصل في البنية .. وبالامكان تحديد اسانيد الانطلاقات الصوتية في النص والتي هي عبارة عن صياغات معرفية تفلسف جدلية السلم الموسيقي في النص وجماليته التاريخية في اطار تعلقه بالفطرية عند الشاعر .
والسياب ركز على اشكالية البنية المكونة لخلايا المكان واعادة استنتاجاته لاستخراج معالم التجربة الحية عبر تجربة مركبة تتركز فيها بنيات خارجية – وداخلية للمكان باطار يقرب الفكرة المشكلة من خلال ميدان تستقله البنية المكانية ، هذا الموضوع مأخوذ بمنطلقات سيكولوجية وانظمة للتحول تتولد من طبيعة التكوين البنائي لمواقع تكون عينات ذكاء وللكيفية التي تولد الاستيعاب الدقيق للعمليات الذاتية ، وهذا ما نلاحظه في قصيدته (مدينة السندباد)
يقول السياب
الموت في الشوارع
والعقم في المزارع
وكل ما نحبه يموتْ
الماء قيّدوه في البيوت
والهث الجداول الجفافْ.
هُمُ التتار اقبلوا ، ففي المدى رعافْ ،
وشمسنا دمٌ . وزادُنا دمٌ على الصحاف
محمد اليتيم احرقوه فالمساءْ
يضيءُ من حريقه ، وفارت الدماء
من قدميه من يديه ، من عيونه
واحرق الإله في جفونه .
محمد النبيُّ في ((حِراءَ)) قيدَّوه
فسُمَّر النهارُ حيث سمّروه .
غداً سيصلب المسيح في العراقْ
ستأكل الكلاب من دم البراقْ
ويظهر الوضوح في التكوين المنطقي للنص عبر البنية الشعرية ، بتكوينات تأخذ مداها الاوسع في المكان بفضل التراكيب الطردية في القصيدة والموازنة بين الذات – والموضوع ، في تنظيم متعاكس يؤدي الى ، حتمية قبلية تأخذ مجالها في بناء الاسطورة … وهي بنية تقر بالوقائع لتشكل النشأة الاولى في صياغة ((السياقات اللانهائية)) بمعطيات منطقية … وهذا مؤشر دقيق لفعل النسق الشعري في (( الوقت – والصوت )) والمرتكز الاسطوري وهي تراكيب من المعطيات . تمكن المرتكز الاسطوري – وبنية المكان ، من تأكيد فعليهما الشعري "في الموت في الشوارع" " ستأكل الكلاب من دم البراقْ" وهي اشارة الى مستويات الفضاء المتسامي في القصيدة … وجمع الانساق الحسية – والتلقائية … بمستوى كل المرتكزات التي تم رصدها في النص الشعري … عبر البرمجة الفكرية – والمسالك البينية … بعوامل يتم تشخيصها ، من خلال العناصر البنائية ، وتكثيف الصور لرصد الصورة الشعرية.. وهي تتحول باستمرار ، بالعناصر والمركبات .. لتشكل العناصر الاولية ، لصياغات البنية ، وتحليل الكشوف ، التي تعتمد على المفاهيم المزدوجة وما يتعاكس من نشاط الخطوات لنيل حكم التحولات في البنية الى مفهوم … يتعادل بالتوازن كما في قصيدتي "المومس العمياء وحفار القبور " وكل الذين صنعوا هذه المأساة كذلك على مستوى التمرد الفردي في حفار القبور واسترجاع المتاهات ، والتأمل في خواص الامكنة.
ان الاستجواب الذي يحدث للذات عبر اشكاليات التجربة وما يتعلق بالمنطق السيكولوجي ، واستمراره في نزاعات المكان .. والمراد هو الوصول الى عمق البنية المعرفية للتجربة ، غير ما نجده من الناحية الاطلاقية في الموقف الاجتماعي عند السياب .. والحالة السيكولوجية القابلة للتحليل – والتأويل ، هو ان المجاميع الرئيسية لحلقات البنية المكانية وتناقضاتها المعرفية عبر الحدود الذاتية – والموضوعية ، والاشكال والمضامين التي تعود الى حالة التجريد التي يطلقها السياب باتجاه الملموس من الوظيفة المكانية الى التحولات في الوظيفة التي تكونت عبر الخزين السيكولوجي للذات – والموضوع هذا المنعطف في ذات البنية يرويه الواقع المليء بالتصورات عن دمج المعارف بتركيبات يتأسس من خلالها تداخل متبادل في البنية السيكولوجية وما تفرزه من توفيقات تعود الى برامجيات تستبق النهايات البنائية للامكنة .
والسياب : من ناحية التأسيس اللّغوي للنص .. رافق عملية التزامن بالمفردة ليستقل عن الاشكاليات الفردية .. وهي تمتاز بالبنية التفكيرية للمكان اضافة الى الحقائق التي تشمل عليّه (( بنية اللّغة )) من خلال نتاجات التركيب في القصيدة .. وهي تضع فرضية الاتصال والتبادل ، من الناحية المكانية لتصبح البنية اللغوية عند السياب وهي تتعلق بالمدلول [Signine] يحدد العلاقة بين البنيان ، في المسار المنطقي وبين اللغة.. والسياب لم يقتصر بناءه للنص على سياق النظرة التطورية ، بل استند : الى نظام التوازن في بنية المكان من الناحية اللّغوية .. بوجود وحدة المنطق التاريخي الذي تداخل في منحنى اللغة في نطاق التطابق ، في المعاني .. والذي يرتكز على ( التمييز – والمقابلة ) بحضور التزامن ((الزمكاني)) وتركيز السياب : على القوة الايحائية في تشكيل الاصوات .. والقدرة على بناء صورة شعرية ذات معنى حين تتناوب اللانهائية ، في البناء .. وتحتشد الموسيقى .. وهي تتزامن بقياسات .. فيستقل المكان ، باللّغة ليأخذ طابعاً متناهياً استناداً الى نسبية ، القوانين التطويرية في (( اللّغة )) ومنهجه التطوري .. في انزياح الدخيل ، والقريب على التركيب – والمعنى بتأكيد مبدأ الدلالة في اللّفظ .. والسياب في هذا المنهج اللّغوي فهو دائماً يشير : الى المضامين ، في المدلول اللّغوي من ناحية ((التحكم الكلي – والنسبي في مناحي المكان )) .. والمؤكد في هذا الموضوع هي عملية الربط بين هذه الخطوط .. بعلاقة الدال – والمدلول ، وتحديد المضامين والمعاني .. وهي تتساوى ، او تتعادل بالاشارة من الناحية المنطقية .. وهذا يؤكد : ان بدراً كان قد تأثر ، بالشعر الغنائي .. على يد كبار الشعراء العرب (( مثل البحتري – والمتنبئ )) ويبدو ان هذا التزامن قد شكل بنية اللّغة في المكان وليأخذ النص الشعري عند السياب صياغة توليدية .. رغم النظام الذي ، يتجه نحو التزامن ، ليستحيل الى معايير تؤكد التركيب في الخواص اللّغوية في المكان وهي الاكثر اشاعة في شعر السياب في وصف قوانين التحول الذاتي بعده موازين من التراكيب الاسطورية للمكان .. وقصائد مثل ((النهر والموت – ومرثية جيكور)) ما هي الا تأكيد لهذه الانساق .
يقول السياب في قصيدته (( مرثية جيكور ))
ذلك الكائن الخرافي في جيكور
(( هومير )) شعبة المكدود جالس القرفصاء في شمس آذار وعيناه في بلاط
(( الرشيد )) ، يمضغ التبغ والتواريخ والاحلام ، بالشدق والخيال الوئيد ما تزال
(( البسوس )) محمومة الخيل لديه ، وما خبا من (( يزيد )) نار عينين التقاها على
(( الشمر )) ( ) ظلالاً مذبحات الوريد !
والملاحظة : ان اهمية اللّغة بالنسبة للسياب تشكل خواص في البنية الشعرية .. واتجاهاً يتولد بالبنية اللّغوية التي تعتبر التزامن .. هو البحث الذي يفضي الى التحولات في خواص التراكيب عبر وصف خواص البنية عموماً .. وان قوانين التحول في خواصها الذاتية – والموضوعية كانت قد ميزت المقاربات في البنية .. بتداخل يتعلق بالخطاب اللّغوي .. على صعيد – التخاطب في اظهار المنحى السيكولوجي ... لخواص اللّغة ، باتجاه يعيد عمليات الربط بين اللّغة – والصورة – والصوت وهذا هو الجانب المهم باعتبارات التحول وبشكل مباشر عند السياب .
فالثبات في عمليات التحول ، ضمن اطار (( قاعدة توليدية )) يتم عبر ثبات في خواص البنية في النص الشعري من الناحية الجذرية ، والتأكيد على صياغات التحول من خلال المصدر لان القاعدة جاءت من خواص عقلية ( ) وهي العلاقة الجدلية التي ترتبط بين اللّغة واطارها الفكري .. وفعل قواعد التحول ، في عدة من البيانات التي تكون اكثر تحرقاً من الناحية المنطقية في سيكولوجية اللّغة – والموقف من المعنى والسياب كان قد وازن بين هذه التحولات عبر عمليات الاختلاف المنهجية وهو يؤكد المنهج الاسلوبي عبر صيغ استقرائية متجذرة – ومتجددة .. في النص الشعري .



الفصل الخامس
اللوغوس في منظومة بدر شاكر السياب الشعرية
Logos

شكل اللوغوس عند بدر شاكر السياب باعتباره اصطلاحا تشعب من الناحية العلمية بجانبه الدلالى ودوره في مجال الدراسات الفكرية والشعرية ذات الطابع البنائي ، حتى اصبح (اللوغوس) يشكل النضج الكامل في منظومة الثراء اللغوي ومقوماته الدقيقة ، لانه تخطى الحواجز الفاصلة بين العلوم العديدة . وكان للمنظومة (الصوتية) في نصوص السياب الشعرية وهي تتميز بالخاصية العلمية المتغيرة والمتطورة باتجاه لايقتصر على مستوى اللغة ، انما شمل التحولات الكبيرة للعلوم الاخرى (واللوغوس) متشعب الايماءات ، ذلك يعود الى الموروث التراثي (في اللغة) ، وفلسفة اللفظ التي تمتد اصلا الى (الاغريق) وبتعالق يتوحد في اطار منظومة عربية وقدرة تسمح بالتراسل (بين المرسل والمرسل اليه) وهذا بدوره يتعلق بالسياق (السسيولوجي) ومقتضيات السياسة والفلسفة البنائية وعلاقة كل هذا بالانساق والابنية اللغوية وامتداداتها الفلسفية والادبية والسيكلوجيه.
وكانت فكرة اللوغوس( السيابي) هو تطور فكرة الوظيفة البنائية في القصائد السيابية باعتمادها على النضج في المنظومة المعرفية ، ونلاحظ من خلال ذلك المباشرة بالتركيز على التفاصيل التجريدية للنظرية وبنتائج فرضية تشير الى ارتباط هذا اللوغوس (السيابي) بالظواهر البنائية اللاشعورية مع الرفض للمعالجات الفردية المستقلة والتي تتخذ العلاقات الشكلية اساسا لعملية التحولات والابتعاد عن النظام التحليلي للنصوص الشعرية ،وان مركزية التحليل التي يستند اليها (اللوغوس السيابي) هي (الفونيمات) باعتبارهاالنظام الشامل داخل منظومة صوتية توضح بنية النص الشعري لانه الباعث لسلم القواعد العامة للقصيدة بالاستناد الى تقنياتها الاستقرائية والاستنتاجية (واللوغوس السيابي ) قد تركز في المنظومة اللغوية ، والصوتية والارتباط بالتمركز المنطقي الذي تعالق (بالصوت واللفظ ) وقداكد هذا التمركز (جاك دريدا) وتم تمثيله بالجانب اللفظي . اما بالنسبة الى السياب فقد منح اللوغوس منهجا (جينالوجيا) اعا د بموجبه صلة التقارب اللفظي داخل المنظومة الانطولوجية وقد تمركز الاشكال اللفظي في المطابقة الثلاثية والتي تلخصت بالمثلث السيميائي
التمركز المنطقي
(أ)

(ب) (ج)
التمركز الصوتي التمركز اللفظي
وقد شكلت التمركزات الثلاثة من حيث المعادلة السيابية بان (أ) تساوي (ج) و(ج) تساوي(ب) حسب المتغيرات في المنظومة الفلسفية للنص الشعري ، كذلك ارتبطت هذه التمركزات الثلاثة بقوة كونية حددت الموروث الفكري والشعري عند السياب بعد ان تحول (اللوغوس السيابي) الى كنه وجودي حققه الفكر الخلاق للسياب وفق معادلة عقلية تعدت المعاني(للوغوس) حيث تميزت بالاكتشافات اللغويه والمضامين الاسطورية التي توجت أعمال السياب الشعرية حيث اتصلت بمحاور عديدة كانت قد شدت فكر ووجدان السياب ،وانعقدت بشكل جلي باعتبارها مخلوقات كونها السياب بوحدة الاكتشافات التي انبنت عضويا من خلال فضاءات متعددة .
فقصيدة (النهر والموت) على سبيل المثال تبدأ بشد عاطفي يشير الى المكان والانطلاقة المدهشة نحو الموت ، والنهر بويب هو التذكرة والدهشه الطفولية الحزينة نحو الموت حيث ارتبطت ابيات القصيدة بذكرى حزن النهر وخلق الالم مع الايمان المكرور ببعث الحياة من خلال الموت لأنه انتصارا يتنامى مع تنامي الاخفاقات والخيبات ، وهذه حقيقة سيكولوجية خلقها السياب باستمرار ذلك في الشد للصورة الشعرية لانها تمثل الايغال الامثل في المعنى ، والسياب مثل الحياة في الالم الذاتي وهي الخصوبة الغريبة في اشياءها العامة . ولا يرتاب السياب من ان هذا التشكيل يشكل المدركات الحسية بفعل العلة في التضحية التي تمت داخل المنهجية العلمية (للوغوس السيابي) من التصورات البنائية للنصوص الشعرية .
وقد انشأ السياب الصور الشعرية عن طريق التلابس العضوي وهو الذي يؤدي الى نسق ديناميكي ينقل السياب من المعنى الحزين في الصورة الشعرية الى مضامين تستقطب لوحة (اللوغوس ) بالكامل سواء على مستوى اللون او الصورة او الاسطورة والسياب استفاد من مفهوم اللوغوس باطاره الفلسفي في الديانة المسيحية.
في قصائد السياب وقصيدة النهر والموت حصرا هناك احساس بالجملة الشعرية والايقاع الذي يجوب مستويات متعددة من التفكير الشعوري الواعي وهذا ينعكس في تشكيلة الاشياء البالغة التاثير(في العملية اللوغوسية) حتى ينكشف بنائها الفني ويتلابس داخل انساق القصيدة . فاللوغوس اصبح البداية والنهاية داخل حركة المعاني في القصيدة واللوغوس لايستطيع ان يعمل دون المعاني المالوفة التي تتمازج لغويا من الناحية الفلسفية بين القديم والجديد والاشد تعالقا من الناحية الذهنية لكنه اشد تمدنا من الناحية الاسطورية . فالسياب كان يغوص في الاعماق ليخرج التناسب ويصور التداخل والتخارج بتحديدات تصويرية ادراكية وفي تراتب مرئي صوفي من خاصيات الاستعارة الاولية في تشكيل النشوة القصدية(. للوغوس)
بويب ...
بويب....
اجراس برج ضاع في قرارة البحر
الماء في الجرار ، والغروب في الشجر
وتنضح الجرار اجراسا من المطر
بلوّرها يذوب في انين:
(بويب.... يابويب !)،
فيدلهمّ في دمي حنين
نقول ان ماذهب اليه السياب في( لوغوسه)، هو قيامه باختراع المفردة اللغوية وتشعبها ، وبالتالي استخدامها من الناحية الفلسفية ، فهو الذي يتتبع بمعانيها وفق الفهم المنطقي في المثلث (أ) وبالجدل المتمركز في(ب) اضافة الى صيغة المحاججة في التمركز(ج) من الناحية اللفظية فتصبح المعادلة كما يلي :
في كلمة بويب وهي محور (اللوغوس السيابي ) في القصيدة ثم تاتي صيغة الخطاب اللفظي الموجه الى محور اللوغوس في (ب) وفي الاستنتاج الحواري في التمركز (ج) وهي العلاقة بين المكان زائدا اللفظ


(أ) بويب



الخطاب اللفظي(ب) (ج) المكان +اللفظ

وتتوضح لنا كلمة بويب بانها مفردة ذات معنى وتعتبر بؤرة او مرجعية بؤرية تحدد اشكالية المكان وانها موجودة منطقيا باعتبارها واقعة تلخص عموم المكان في القصيدة وتحيل عدة فضاءات حتى تتصل بالبنية الشعرية وتصبح ثلاث فضاءات من ناحية التشكيل في(أ) وهو التشكيل اللغوي وفي (ب) التشكيل اللساني كذلك من تشكيلات اخرى معانيها هو اللفظ
ويصبح الخطاب الشعري في لوغوس السياب هو الخطاب المعرفي ، وبحكم هذه المفردات التي وردت في القصيدة اولا الماء ثانيا الجرار ثالثا الغروب رابعا الشجر وهي بؤر المحاججة في فضاء القصيدة ، وتعتبر معانيها من الناحية التفكيرية والتعليلية العقلية هي فضاءات (زمكانية حسية) تطلق عنان التامل الركيبي الذي تاسس على المعادلة المنطقية لانها حاضرة تقع في ملتقى صيرورة الكون اللوغوسي عند السياب حيث بنى المنظور الاسطوري من الناحية الدرامية على مكونات (ارض اليباب) لاليوت حيث اعتمد على المفارقة من الرموز المكرورة (الماء ،البحر،المطر) فكانت عند اليوت رموز من الجفاف والمطر هو الحلقة المفقودة ،واعتمد اليوت على موضوع (المدينة المبهمة) بما تحتويه من (مركبات) من اشجار واسواق معتمة وفضاءات ضبابية حيث تمركز اللوغوس عند اليوت داخل تصوير لاحشاء جرذ طينية ، وقد استعمل اليوت هذه المنظومة من الصور ذات البؤر المنفردة وهذارصد مكرور في قصيدة السياب ، حيث جعل الصورة تتحرك بتجريبية متناهية في الصغر ومتدافعة في الاطلاق ومختلفة في تفاصيل البؤر الحسية ،فهو يصف الصخور ،والعظام النخرة ولكن في (جرونشن ) اختلف اللوغوس الايحائي فهو غير الذي حمله (في اربعاء الرماد) وهنا يقع الاختلاف داخل السياقات التي تميزت بحركية ابعد في سياقات رموز (اليباب) وهنا تعد الادوات الحسية اقوى واعمق ، ورغم ذلك استطاع اليوت ان يؤكد عنصر الماء لانه بؤرة الحياة عند السياب وهو من رمز الخصب الجنسي فلابد من بطل اسطوري ولوغوس غريزي يقوم بالتضحية بالفردية وفي الوقت عينه هروب منها أي هناك العجز الذي يتقدم هذه المعركة ، وهناك انكفاء عن هذا التقدم وهناك خوف وهزيمة وهنا يحضر اللوغوس السيابي الذي يقوم بالربط بين الموت والحياة بعدها ياتي العجز على الطريقة الشكسبيرية في هملت ، ويبقى الشك في الخوف وتفاصيل الرغبة الحسية حيث يبدو بويب والماء في قصيدة السياب هو نفسه عند اليوت في ماء (التيمس) وهو البديل عن الريح الندية التي تجلب المطر( ) .
وتاتي الفضاءات في قصيدة السياب استنادا الى مدلول المعنى من حيث المضمون الذي اشتمل الاحالة بارتباطاتها التمثيلية وعلى مستوى الهيكلية اللفظية ، ياتي المضمون للفهم وهي اشارة كانت قد ارتبطت بنحو من الفراغ الخطابي . اما بخصوص الاشارة داخل الفعل الدلالي للعبارة فهي تتعين بالاشارات التحليلية وادوات الربط فياتي الحصر للمعنى بتمثيل المضمون في حدود الاشارات الخطابية ومرجعياتها الابستميه لتشكل مطالب تعريفية بالنسبة الى تاريخ الاسطورة وعموم الممكنات التي تستند الى انطلوجيا الشعر .
اليك يابويب
يانهري الحزين كالمطر
اود لو حدوت في الظلام
اشد قبضتيّ تحملان شوق عام
في كل اصبع كاني احمل النذور
اليك من قمح ومن زهور
اود لو اطل من اسًرة التلال
لالمح القمر
ان الحصيلة المركزية لهذا الوعي التحديثي الذي تشكل بانكشاف الفروق الظاهرة في الاعتقادات التي تغلفت في اعمق تكوين ينعتق من تفاصيل تتشكل في نقطة مركزية للتقديس وهي تتمثل الطهارة في الكاس المقدسة ثم تتوالد داخل انشطارات ثم تتكون من انتحال الخصب في قوة قدرية تترجم منها صورة داخل صيرورة ، وقوة مدركة لطبيعة هذه الاساطير وهنا ياتي الراي الكامن والمختفي تحت عباءة الحياة وتفاصيلها وبايقاظ قصدي للقصيدة حين يتحرك المحمل الجاد بامكانية طبيعية تقوم بتفاصيل اللوغوس السيابي داخل ادلة قصدية تشكل المنحى الدرامي في كتاب (الانسه وستون) في تصوير عملية الموت والانبعاث. في اعنف (لوغوس اسطوري) يقوم بكسر جيوش الاستبداد او ابادتها بالوباء او بالكوارث والحروب او الشيخوخة.
ومن خلال هذه الانحسارات تصبح البلاد قفرا يبابا ويصبح المنقذ حالة واقعة يتاسس عليها الوعي التاريخي وراء جدلية سسيولوجية عامة غير نفعية من اجل انقاذ البلاد، واستنادا الى هذه التجريبية ذات اللوغوس المتسامي ليصبح قانونا تسري احكامه على مختلف الاماكن المقفرة باليباب ، وقد اتخذ السياب جيكور موطنا للخلاص بالمنقذ ، اما اليوت فقد اتخذ لندن موطنا للخلاص حيث استحضر وباشكال العالم الاسطوري القديم الذي تمركز في الاشباح والارواح الشريرة وهي حقيقه تمثيلية لحروب صور بها اليوت حقيقة التجريبية الشعرية ذلك بربطه اساطير مختلفة .
يقول اليوت:
بعد الشعلة الحمراء على الوجوه الناضحة بالعرق
بعد الصمت الصقيعي في الحدائق
بعد العذاب في الاماكن المصمته
والصراخ والبكاء
والسجن والقصر وتردد صدى
الرعد في الربيع فوق الجبال النائيات
من كان حيا قد غدا ميتا
ونحن الذين كنا احياء : هانحن نحتضر ،
بصبر قليل( ) .
هنا تاتي مشاهد جوهرية للتذكر في حياة المسيح عند ظهوره( عمواس) بعد صمت والم وكفاح روحي والصراخ والبكاء من حشود الناس في القدس اثناء عملية الصلب وترد هذه الابيات حقيقة (الحشود التي تجمعت فوق تلال مترامية) لتشكل المطر اسطوريا لانه واهب الحياة ، فالقتيل ليس المسيح بل الحلقة الاسطورية بالكامل ، القتيل هو (ادونيس واوزوريس) فالاحتضار هو العقدة التي تصل عالم الموت بالحياة ،هذا المحور هو الذي يوازن انساق القصيدة وينتشر في فضاءاتها ليتاكد الخلاص ، والمنقذ هنا ياتي ويظهر بالتضحية فلا خلاص الا بالمنقذ المضحي ،وهنا تحتشد عند السياب في لوغوس بويب والماء مانح الحياة ، ثم تاتي بوابة الحلم في الاطلالة من اسّرة التلال لمشاهدة القمر في بويب يزرع القمر الظلال ، ثم يظهر منطق اللوغوس السيابي في الانسان الكوني في كنه اللامتناهي وبين الانتظار والعودة الاسطورية لطقوس النذور في بويب ، هذا الشد الاسطوري يعطينا فعل اللوغوس السيابي في الحلم والمسافة التي بناها السياب داخل مقاطع القصيدة فهي تذكرنا بلحظات التعالق الثنائي والرصد الدقيق والوضوح الكامل داخل مفارقة حادة احيانا في اطار( موعظة النار) عند اليوت والحلقة المتوازنة بين حركة الماضي والحاضر وهو القسم الذي عالج (زمكان لندن) عندما كانت القاذورات تدنس النهر الحديث .
يقول اليوت:
النهر ينضح
زيتا وقارا
والقوارب تجنح
كلما صادمت تيارا دوارا
والاشرعة الحمراء
منشورة تتارجح
صوب الريح ، فوق السارية اللفاء( ).
في اللحظة التي كان فيها السياب يحلم باطلالة ليلمح القمر ثم يحمل النذور من القمح والزهور او يخوض فيه ليتبع القمر ، ثم تاتي الانتقالة الحسية في سماع الحصى يصلُ وهذا تركيب مثله اللوغوس السيابي في البحث عن العلاقة التي تعطي للحس قيمة داخل مجموعة نواظم في القصيدة مما يجعلنا ندرك الاوضاع الدالة وهي تتركب من الراي الشمولي والعلاقة التبادلية التي تعتبر ان هذه الصيغة الجزئية من الحس هي منحىً كليا ينتظم في تشكيل يوضح حدود المداخلات الذاتية داخل القصيدة بتشكيل عفوي داخلي يظهر بشكل مجرد وبتفصيل منهجي بنائي دائم المواقف والشمول في اللوغوس الشعري عند السياب ، هذا الشمول داخل هذه البنائية يعطينا صميمية تحليلية رافضا في الوقت عينه تفاصيل المعالجات المستقلة عن الحدث في القصيدة ، فالبنية في القصيدة عند السياب ليست تشابك عناصر من اللفظ انما هي علاقة تناظر واصرة وقوة داخلية طبقا لحقيقة الاشكال المنطقي الذي توضح في اللوغوس عند السياب .
يخوض بين ضفتيك ، يزرع الظلال
ويملا السلال
بالماء والاسماك والزهر
اود لو اخوض فيك اتبع القمر
واسمع الحصى يصل منك في القرار
صليل الاف العصافير على الشجر
اغابة من الدموع انت ام نهر ؟
والسمك الساهر هل ينام في السحر
وهذه النجوم تظل في انتظار
تطعم بالحرير الافا من الابر ؟
ان وجهة النظر في العلاقة الجدلية داخل القصيدة تظهر طبقا لما تقتضيه البنية الفكرية والاسطورية التي تشغل عموم القصيدة بعد ان تظل البنية متغيرة بالتعديلات في بعض انساقها ، وهذا هو التصور الدقيق لعلاقة البنية بالمنطق
اللفظي الذي يتحدد بموجبه في معرفة العلاقة القائمة داخل القصيدة لانها نتيجه شامله بما تتسم به منهجية التماسك في حدود القيمة التي لاتقتصر على الوصف لحركة الاشياء بل بالجوانب التي تعمل على تكوين التوازنات داخل الانساق والذبذبات المتركبة في فضاء القصيدة وهي المنظومة الدفاعية لدرء الاخطار التي تعتري النص الا ان الصياغات جاءت وفق منهجية تبلور الادراك الحسي للشاعر وهو يخوض بين ضفتي النهر ليزرع الظلال ويملا السلال بالاسماك ، وهنا تاتي الضرورة من التنظيم في اختلافية داخلية تتضح (بانثروبولوجية اللغة) أي باتصالها بالبنية والتكوين في استخلاص الحتمي من داخل جزئيات الخطاب الشعري ، ومن موقع ما واداة الموجة الاتية مهدت للتحضير التعاقبي في الاستخدام التزامني للجملة الشعرية عبر الانساق التطورية، ومع ذلك فان فكرة الالية الاسطورية للمكان في بويب جاءت وفق تاسيس احدثته الالية الحسية للحدث وفي اعتقادنا ان وجود هذه الالية من الجمل الشعرية يعطينا نواة تنظيمية تعمل من اجل اظهار الهدف المحسوس بواسطة التجديد المستمر لظرف المكان في القصيدة استنادا الى الية الانجاز والمحاولات الحاسمة في التعبير(لوغوسيا) عن الدور العام في فلسفة النص الشعري عند السياب . هذا فضلا عن التطورات الدفاعية التقليدية التي انجزها الفعل الاني في تحقيق الطابع الجدلي الحسي التاريخي . فالخوض بهذه الاجرائية والمشاهده فيه أي في (النهر) لاتبع القمر هي من المنظومات الاجرائيه في التنظير الشعري حتى يصبح القياس هو التكوين البنائي الابستمي الذي يشكل بدوره الحدس المتتابع داخل عملية العرض اللغوي ، فهي في النتيجة عمل معطي اجرائي في لحظة الاطروحة الجدلية حين تخضع الى عمليات في منظومة اللغة وظهور الذات الناطقة التي تشكل مكانة متقدمة لنعزوا نتائجها الى ( انثروبولوجية اللغة) وتحت اشكاليات متعددة وياتي دور الالسنه ويعد هو الدور التنظيري المتعلق والمتعاقب من خلال خصوبة التجربة الشعرية ،
والسياب شدد على هذه الصيرورات في محاججتها النظرية ، فالانجاز الشعري داخل سفر هذه الرؤيا الشعرية هي التي مكنت الخصائص الحسية من تحقيق الهدف اللغوي الذي انجزه السياب داخل (صليل الاف العصافير على الشجر) فالبلورة القصدية باعتبارها ضرورة في اللوغوس السيابي جاءت متقابلة مع حركية الاختلاف السيكلوجي في الجملة الشعرية (اغابة من الدموع انت ام نهر ؟) وهذا يتاكد بنظم التقابل للمتشابهات وترجماتها التبادلية داخل المنهجية البنائية وهي تتمثل الاعتراف داخل محاورها الدلالية حين تبدو متنوعة وناجمة عن انعطافة توافقية مع الابيات الاخرى في هذا المقطع من القصيده وترتبط نهايات هذه النصوص من قصيدة ( النهر والموت) بالمنحى الذهني الفلسفي وعلاقته باللغة وبتطور من المركزية الفلسفية التي التزمت فعل الذات بصورة العالم الكوني بفعل اللوغوس السيابي الذي انعكس بالضرور ة في استخلاص دقة التحليل في منظومة شعرية متحركة باتجاه استقلالية فلسفية في الشعر وبلغة مثمرة يندرج فيها هذا الربط بين الادراك الذهني الذي يوازي المثل العليا في توليد الدلالة حيث ينتهي الى عملية التاويل الاستعاري وفق قراءة تمثيلية تنطلق من استعارة تاويلية للسياق بعد الاستعارة لمنظومة النص . ونحن نلخص تلك الاجزاء البارزة ونحللها حيث الاتصال الاختياري الذي ينتج تطورا في اللغة وفي المفردة الشعرية مثل عقلنة التطابق بين الحيوان والانسان في عملية تطورية مقدرة في التجديد والفهم والالتحام والتماسك وتمتين الشبكة العلائقية حيث تبدا الجملة الشعرية وحيث الخطاب الشعري الذي يمتلك اللغة والهاجس سواء في حالته المحددة من خلاصات الفكر الاستدلالي او الرسوخ الذي يحدث لماهية النص وهو يتصور الصورة الحسية في:
اولا: غابة من الدموع
ثانيا:والسمك الساهر هل ينام في السحر
ثالث: وهذه النجوم هل تظل في انتظار
رابعا: تطعم بالحرير الاف من الابر؟
واللغة تاتي كمقياس السني في قوة تنظم ارادة التجربة الشعرية ،لذلك فان الجملة الشعرية تبدا دقيقة بمجساتها ثم تتحقق في شيء من العلو والتوافق في تدرج المعاني مقابل الامكانية في العجز او السقوط في الهاوية ، ومقابل هذا التدقيق في العبارة التي تقوم على الانجازات السردية وتحقيقا للصيرورة العقلية حيث الاتصال اللفظي مرورا بالاتصال الواعي لشبكة الذهن وهي تفتح عموم الادلة الثقافية باتصال يقوم بعملية التجنب للصدامات والعودة باللغة للاتصال المكاني تحت سقف (زمكانية) الاتصال وتمثيل التجربة الزمكانية وجعلها وجودا يهيمن على مداخلات ذلك التوازن داخل الفضاء الوجودي لصياغات التمثيل على مستوى الحدث الشعري واختيارا لمفرداته على مستوى الملفوظ اللساني ومستوى قدرته على اختيارات تتعلق بالقدرة التمثيلية للحدث الشعري مقابل حدوده البنائية.
وانت يابويب
اود لو غرقت فيك القط المحار
اشيد منه دار
يضيء فيها خضرة المياه والشجر
ماتنضح النجوم القمر ،
واغتدي فيك مع الجزر الى البحر
فالموت عالم غريب يفتن الصغار
وبابه الخفي كان فيك يابويب
وعند التحقق من اشكالية الخطاب الشعري تبرز العلاقة في قوة اللغة كنموذج تكويني ذلك بالرجوع الى مصادر الصياغات في الافعال التصنيفية ومن تصديق للافعال عبر زمكانية الفعل وبين انساق التعبير مقابل القوة التزامنية في انصاف البنية وفق شروط اجراءات الاتصال ، وهذا يستلزم شروط عملية حتى على مستوى الحس التاريخي للشعر ، ولكن النسق الشعري عند السياب من اولى شروطه الاستنباط الدقيق رغم الشيء الظاهر في الخطاب ، فهو يرتبط جدليا بتاريخ التمثيل الانساني وبدقة الصيرورة الكونيه بعد الامتلاك لمكوناتها اللسانية وفق اشتراط استنباطي يفسر عالم الخطاب وصيرورته واصواته والفاظه المنقولة داخل عتمة الموت لتقوم بتنظيم زمن الاختيارات الذي يتلائم مع العالم الذي يتصل بالخفاء الباطني بواسطة الرابطة اللغوية الالسنية السرية الخفية للخطاب . هذا الاتصال المجهول والخفي يتوضح :
فالموت عالم غريب يفتن الصغار
وبابه الخفي كان فيك يابويب .
لقد شكل النص الشعري نسقا متعاليا داخل اطلاق توليدي يتمثل سيكولوجيا بالصغار وفق بنائية من التحولات يخص معنى هذه الخصائص والمكونات حيث الثراء في الصورة الخفية وهي تتجاوز حدود البنية لتتحول الى خاصية اشمل في الخصائص وهي اشارة الى مدلول البنية ومفهوم التمثيل للبحث عن شمولية يقدمها الشاعر للتعريف بعناصره الخفية والتي تتكون من اشياء تستقل عن مكوناتها القانونية، فالطفل لايعرف خصائص الموت لكنه يسلم لمجرد هذه التداعيات المتراكمة التي تمثل عناصره المكونة وهي سياقات تتضح بالتعاقب مكونة هيكلية للتداعي ، فالموت يفرض نفسه بطريقة لايعرف الطفل قوانينها لكنه يعرف تركيباتها وهواجسها القائمة على الوقائع ومادام الخفي في هذه الوقائع فان بويب هو الخفاء والواقعة، وبين خواص المنظومة التركيبية تصبح التحولات في المشاهد والصور متحولة يؤكد قابليتها الفهم ذلك بالاعتماد على خواص المعنى داخل النشاط البنائي وهو يتمثل بنظام التحولات وقد يبدو جديدا من الناحية اللغوية وهذا يذكرنا (ببنائية سوسير اللغوية) في مجال تكوين الحدث داخل الخصائص والتركيبات التوفيقية المتوازنة من الناحية السيكولوجية ، هذا التوجه الجدلي في تشكيلات اللغة يدعم النتيجة التطبيقية في اشكالية اللغة كحد تمثيلي لخواص المعنى وتصبح لغة الموت (نواة) ذاتية تساهم بتحرير الفعل الارادي وبتعيين محور الاتصال من خلال وقائع صورة الموت وهي تظهر بشكل اتصالي كتحديد يتناقض مع الوقائع والفهم في اللفظة ،وهذا يذكرنا بصلاح عبدالصبور في ( شجر الليل )
فلستمع الى عبد الصبور:
كان مغنينا الاعمى لايدري
ان الانسان هو الموت
لم يك ساقينا المصبوغ الفودين
يدري ان الانسان هو الموت
والعاهرة اللامعة الفكين الذهبيين
لم تك تدري ان الانسان هو الموت
لكني كنت بسالف ايامي،
قد صادفني هذا البيت
(الانسان هو الموت)
هنا ياتي التحكم بالبنية التوليدية في نوع من الدوائر الصوفية المغلقة ، وقد اعتمد عبدالصبور على التحولات اللازمة داخل المنظومة البنائية وهي تتحول في حدود التوليد للعناصر بالحفاظ على القوانين التي تشكل البنية المتحولة نحو الانغلاق وهي تحاول الدخول الى التشكيل الذي ينتج الحدود ولا يلغي العملية البنائية فليس هناك موازنة لتركيبة البناء داخل قوانين الخفاء للنصوص فالتغيير الناتج في تكوين الصور هو ناتج الاثراء في حدوده اللانها ئية، وعبد الصبور اعتمد على جوهرية النص التي اخفت تفاصيل البنية وفق ميزة للتحكم تصل الى منظومة متحركة تصل الضروري من الابنية على المستويات العليا حين تتمثل بالتكوينات البنائية المتوازنة . وهو مبحث يتوازن في انشطة للشاعر المبدع وهذا يحدده مفهوم الرصد الحركي للحدث ، وطبقا للسياقات الشاملة في استخدام مفهوم النص الشعري طبقا لضرورات الرؤية عند( غولدمان) التي تعتمد على القيم التي تتعلق بصلب العملية البنائية ، ويتموضع الفعل الادراكي للصورة مقابل الفعل الخفي للموت في تجريبية جدلية تبحث عن الجوهرية في المعاني المحسوسة مع الارتباط الدقيق في الحوار الوجودي الخفي بين الموت، والمنفى ، والساقي ،والعاهرة، اضافة الى المحاور التي حولت الحدث والمشاهدة الى اجابة خفية موّضعت هذا الميل واعتباره نزعة مطلقة في الوجود كما في قول السياب :
اود لو غرقت في دمي الى القرار
لاحمل العبء مع البشر
وابعث الحياة ، وان موتي انتصار .
من الواضح ان السياب في لوغوسه التجريبي حول هذه النزعة الوجودية الى نداء في الولادة رغم اطلاقيتها عند عبدالصبور ، فالموت عند السياب عملية تكوينية وهو شيء مقدس في امتلاك هذه المسؤولية للبعث من جديد وهي امنية متبادلة تضع الانسان داخل اتصاله الاجرائي مع الاخر وطريقة الامتدادفي التعميم للاشياء ، ويتميز هذا التموضع وفق انطلاقة سيكلوجية في تفصيل المنحى الجمالي في اختلافية متسامية في هذا الوجود لكي يكون الارتباط صوفيا وفق معادلة لغوية تنفي هذا المغزى الظاهر بشكله العلائقي .
يقول السياب:
عشرون قد مضين كالدهور كل عام
واليوم حين يطبق الظلام
واستقر في سريري دون ان انام
وارهف الضمير دوحة الى السحر
والسياب يعتبر الموت معطي سيكولوجي خارجا من النفس لانه يعبر عن مستوى اللغة الذي يظهر هذا المغزى الاستعاري في اللفظة بحيث تكون الوظيفة البنائية مخلوق ايحائي يترجم شروط النسج الفكري ، وهكذا تتكون البؤر المركزية في اللفظ بمفردة الموت وتحت شعار القيمة الانسانية والتمركز الصوتي وفق المعالجة المنطقية لانها الاساس في هذه المعادلة ويتساءل عبدالصبور في هذه الابيات :
ياوليم بتلر ييتس
كم اضنيت يقيني بفكاهتك الاسيانه
بذكاء القلب المتالم
لكني اسال :
ان كان الانسان هو الموت
فلماذا يبتسم هذا الطفل
ولماذا جاز البحر المزبد
حتى حط على شباكي الشرقي الموصد
هذا العصفور الاسود
هذا البيت
( الانسان هو الموت)
وبنفس قناة الاتصال نعتقد ان الحدث الشعري عند عبدالصبور يرتبط بلفظ المعنى وفي حدود الوعي الجمعي الذي سلم في الرؤيه بمنهجية تغييرية وهو يفتح افاقا جديدة في المعنى خاصة في مسلمة الطفل والاندهاش بزبد البحر وهي فروض منطقية تتولد وفق منظومة استباقية بالانفعال لحدوث المحاكاة والتطابق بين الداخل والخارج في النسج الشعري ذلك بعملية افتراضية نرددها مع (هيدغر) هو اننا في صميم اللغة الشعرية اكثر مما هي فينا لاننا نقوم بعملية التجنب لهذه الالتباسات وفق الماخذ المتحقق في المعادلة الاختلافية عند السياب حين يقول:
مرهفة الغصون والطيور والثمر
احس بالدماء والدموع كالمطر
ينضحّن العالم الحزين
هنا تاتي الخاصية الادواتية داخل جدلية الدلالة حين تنسجم مع المطابقة في الانجاز المتعالي سواء عند عبدالصبور او عند السياب ونحن نعرف بصورة مثالية ان مداخلات الوعي الشعري تبرز الانعكاسات بمفارقات متطابقة مع الحدث الشعري.
فابتسامة الطفل عند عبدالصبور هي نفسها في رهافة الغصون والطيور والثمر عند السياب ، فالتطابق جاء وفق امكانية العمق وبشفافية سيكولوجية متمثلة بقوة تلك المقاربة مداخلة المستويين العقلي، الوجودي وباسترجاعية لغوية وبادراك ذهني يحدد المتعالي في النواة وبخطوط واستقصاءات جنينية تمتلك الانساق النظرية كجوهر كان قد تمركز بمفردة الموت والولادة ، وياتي المعنى الاجمالي لحلقة التصويب وانعكاس الحياة الاجتماعية داخل النواة التي تطابقت بمساحاتها حتى اتجهت صوب المعنى التفسيري وفق صورة تتعلق بالكفاية الحقيقية للمخاطبة بانطلاقة وظيفية علائقية تنفتح على التحليلات السيكولوجية بصدد نواة هذه المعاني وخواصها في الاظهار والاختيار بالدلالة التي تحققت بالنص الشعري .
فالموت عند السياب هو البعث للحياة وانتصار للبشرية ، والحلقة المفقودة عند عبدالصبور هو ان الموت مزيج من الاسباب والمسببات ولكن في النهاية تاتي الصيرورة عند عبدالصبور لتربط بين لفظة الموت والمعنى المبرز في هذه الحياة وهو المعنى الذي ينقل هذا المستوى التعاقبي في السبب والنتيجة والمساءلة التزامنية في اللفظ الذي اختزل الثنائية بين (البحر المزبد والعصفور الاسود ) وهي المعاني التي ترعرعت في كنف الوعي الوجودي وباشكاليات صوفية تستلهم هذه التوليفة بلغة متعددة التكافؤ وبتعالق اشترك فيه المعنى مع التشابك في الدلالات اللفظية وبارتباط الحلقة الدالة في انساق المعنى


قصيدة
في السوق القديم
رغم المعالجة المرنة التي كونها السياب في هذه القصيدة ، الا ان ظهور الاصوات الخفية كان بسبب الايقاع الذاتي المتوازن الذي حول الابنية في القصيدة الى تفاصيل في التقنية اضافة الى الوصف في المشاهدة لامتلاك اللغة عوالم فيزيقية كانت قد اشتركت فيها مقاومة سيكولوجية تتعلق بهذا الفضول الذي استجاب لحاجات من الفهم حتى تكون الصورة الشعرية بمستوى سياق هذا الاتساق والمكوث دائما داخل هذه الاشكالية للمعنى المرسل وهو يحلل هذه الانعكاسات داخل استجابة توافقية لموضوع مطروح ومتشكل من لغة تستند في شدتها الى منحنيات الصورة الشعرية .
يقول السياب :
الليل ، والسوق القديم
خفتت به الاصوات الا غمغمات العابرين
وخطى الغريب ماتثبتُ الريح من نغم حزين
في ذلك الليل البهيم.
الليل ، والسوق القديم، وغمغمات العابرين ،
والنور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب
مثل الضباب على الطريق-
من كل حانوت عتيق ،
بين الوجوه الشاحبات،كانه نغم يذوب
في ذلك السوق القديم .
فالذي تحقق من هذا المعنى هو الحشد الفعال من الصور وفي صمت ثقيل في الدلالة اضافة الى التشكيل الخطابي الذي اخرج اللغة بافتراض ، والخضوع الى فكرة السوق وهذا مانلاحظه في
( غمغمات العابرين) (في ذلك السوق القديم)
ان هذه الاختلافية في المنحى اللغوي والتعدد الذي لم يقبل التجزئة فهو لايوفر للتقنية السردية قشرة خفيفة من الناحية السسيولوجية التاريخية مع النفي المتنامي للمعنى داخل حداثية جمالية تفيد تلك الرغبات عند الشاعر وتقلب هذه الجمالية الى هيمنة تكرارية تبادلية تحكم جذور هذه الضرورة السيكولوجية فتصبح في اطار العمليات السردية المروية وهي بالتالي ترسخ صورة فيزيقية للروي السردي . فالسياب غابت عنه المشاهدة في التفاصيل ، هو ان يخضع العلامة الى الدلالة حتى تكتسب الابيات جدية في الاتصال بالمطابقة اللغوية والتوثيق الحقيقي بالمعنى ، لكن الذي حصل هو بروز الضعف الاتصالي بالمعنى لشد الصورة الشعرية باتجاه التحول هذا المغزي السسيولوجي الذي بلغ عنفه السيكولوجي بحلم الرحيل ، وتاتي الدلالة اللغوية لتذكرنا بوضوح التشكيل الباطني للمحتوى الاتصالي بالفكرة وبصياغة لغة تمثل المستوى الدلالي وباطار التشكيلة اللغوية ، وهي بالمقابل تقلل من هامش التاويل الذي بدأ يستهلك الفعل الذاتي للصورة الشعرية .
يقول السياب :
كم طاف قبلي من غريب،
في ذلك السوق الكئيب.
فراى واغمض مقلتيه ، وغاب في الليل البهيم.
وارتجّ في حلق الدخان خيال نافذة تضاء،
والريح تعبث بالدخان ...
الريح تعبث ، في فتور واكتئاب ، بالدخان
وصدى غناء ..
ناء يذكّر بالليالي المقمرات وبالنخيل،
وانا الغريب.. اظل اسمعه واحلم بالرحيل
في ذلك السوق القديم .
مايتعلق بهذه الانعكاسية السردية في الصوت الاخر (الكوموفلاج) فهي مرتبطة بذاتية لغوية (انثروبولوجية) تنجز خطابا ذا ارضية دلالية يمكن الاشارة اليها بتعبير يعرضه الشاعر بتوحد مع النفس ومشاركة صمته الاّ في عبث الريح بالدخان وهذا يعني الصمت فقط (في صدى الغناء) الذي ياتي، والجملة الشعرية حقيقة تثير الاهتمام من ناحية الخصوبة السيكولوجية والجدل الوجودي في المنلوغ حيث يتكشف الصوت الاخر بوضوح عبر اللغة من اجل البحث عن الاتصال او التوصيل الى حالة التوافقات الاجتماعية مع الذات والاخر من خلال اللفظ وهو عمود كما قلنا من اعمدة اللوغوس ، وان الكشف لحدود اللغة وتحديد المعايير الشعرية وصورها يعطينا الموصوف اللغوي من حيث الانجاز للماهية الشعرية او بالصمت الذي حرك المعنى وامتلأ بالدلالات ذات الكيف الجدلي من حيث جلبها للخطابات الفلسفية . والسياب لم يخرج عن يباب اليوت ، فالسوق القديم عبارة عن ارض مقفرة او مدينة باشباح وقد اصابها الخرس في حاضرة فراغ الاشياء ، والسوق موجود داخل هذه الحاضرة لكنه تطابق غير مجدي وهو موجود بطريقة هندسية لكنه غير موجود بالادراك الحسي والتجسيد للمعنى بافتراضات استنباطية عليا لتجديد التجربة من الناحية اللفظية ، أي انه شكل مغلق للماهيات الانسانية ، وهو استعارة مضيئة بالنسبة للشاعر لكنها ماهية لاتمتلك العزيمة الاّ بالكليات المتغايرة حتى اصبح الرمز استحالة لعزيمة قد انعزلت وفق لغة باعدت المسافة بين هذه التشكيلات البشرية والمعنى اصبح تعبيرا عن العزلة، فقط لغة الصوت او اللفظ المختفي والذي يظهر تابعا له بسببية اللغة وخاصية الوسيلة التي تترك فقط الظل وهو الاكثر سرية للافصاح عن مكنون العزيمة ، والشاعر كان تعبيرا عن فكرة متعذرة على مستوى الشعر.

يقول السياب:
وتناثر الضوء الضئيل على البضائع كالغبار ،
يرمي الظلال على الظلال ، كانها اللحن الرتيب ،
ويريق الوان المغيب الباردات على الجدار
بين الرفوف الرازحات كانها سحب المغيب،
الكوب يحلم بالشراب وبالشفاه
ويد تلونها الظهيرة والسراج او النجوم .
ولربما بردت عليه وحشرجت فيه الحياة،
في ليلة ظلماء باردة الكواكب والرياح ،
في مخدع سهر السراج به واطفأه الصباح .
في المعادلة اللغويه هناك صمت قد تموضع في اشكالية الارتقاء للتجربة على مستوى صيرورة التجربة في (الزمكان) مثل اسهابًا في التطابق، ومكونات قد انشغلت ببوصلة التفكير الساكنة وهذا ساعد بدوره على مكونات الايقاع الاختلافي في اختياره الصامت وبتجريبية تندرج داخل التكوينات الاجتماعية التي يقترب الصمت منها وفق عمومية ذاتية تتحدث عن(الرفوف الرازحات كانها سحب المغيب)( والكوب الحالم بالشراب وبالشفاه) هناك شروط تتعلق بالحياة المعنية بالسوق القديم فهي تظهر الصمت الوجودي بطريقة تقنية ثم انثيال الصمت وثباته التزامني بحيث يجاري القبول الماخوذ بالهمهمات باعتباره مقياس غير منفصل عن اللغة ثم ياتي (تناثر الضوء الضئيل على البضائع كالغبار) وهي فكرة تجيز الحركة داخل لوحة تشكيلية وهي تفسح المجال للظلال ان تتاكد بالظلال حسب القيمة التطهيرية لاختلافية الصمت وتفاصيله الجدلية ، فالصمت والضوء يظهران لحركة الفكر مقابل مقياس اللغة الذي احدث التجربة التعادلية لانه المستوى التعبيري للكلام .
يقول اليوت :
يامن يعشي ضياؤك الغامر التلالي اعين الادميين
ايها النور الاعظم ، اياك نحمد على نور اقل من نورك لالاء .
على النور الشرقي الذي يطيف بمناراتنا في الصباح
على النور الذي ينحدر فوق ابوابنا الغربية لدى الغروب
على الشفق فوق البرك الراكدة عندما تنشر الخفافيش اجنحتها( ).
هذا النشيد الذي صوره اليوت فهو نشيد يمتلك المنطق الحسي ولكن اثير خفوتا في التجريبية العادية ولانها وجدت التعبير الحسي في الاستخدام الحقيقي لتلك الصور الضوئية التي تشكل محورا من محاور النسيج الصوفي داخل هذا المنعطف الكوني الخطير والمبعثر ، كان الحب والجمال فيهما قضية وحزمة واحدة ومايتعلق بالجوهر والخلاصات التي مازجت بين الشعلة باعتبارها محورا والصورة الكلية لهذا المركّب وماتمخض عن هذا الصمت الذي افصح عن بهجة ولحظة جعلت الشاعر يحس بالرغبة والقدرة في استطلاع اللحظة بادراكه للصورة البصرية في حالة الربط لهذه التداعيات، وكان الشاعر يتحدث عن صورة متسامية جدا وهي تستحضر محاولات اليوت في مقياسه ل( نظرتنا تغوص في الاعماق ) وهذا يتضح من استساغة اليوت لطريق( دانتي عن نبتون وخيال اجو) وهي من المصادر المهمة في استخدام الصور البصرية ، صور للاضواء المالوفة والظلال . وهنا يشكل الصمت حول نشاط وغياب الماهيات داخل الانعكاسات الفلسفية التي فارقها الصمت ، حيث يكون البحث عن اشكال للضوء وباقتراب الحالة الغريبة التي توصل اليها الخطاب بالاعتقاد الوصفي للحدث وهو ضوء القمر ، وضوء النجوم وقد شكل حشرجات ، وبصيص البوم والحشرات وهو الوصف الذي استهدف مظهر التجربة وبعنفوانها الذي شكل حلقة الصمت المفقودة . فالسياب خلق حالة المشاهدة للغد كالظلام والمناديل الحيارى وهي توميء بالوداع او تشرب الدمع الثقيل، وماتزال .
وهي انقطاعات تنكشف للوعي والصمت وتتموضع بالنسيان داخل صمت انطلوجي وبمداخلات ذاتية لبلوغ الغاية رغم التشكيل الداخلي الذي تخلى عن البحث في المعاني داخل المكان الذي انتجه السياب في السوق القديم ، اما اليوت فكان يؤسس صمته على صمت الطبيعة .
يقول اليوت :
على ضوء القمر وضوء النجوم وبصيص البوم والحشرات
ونار الحباحب فوق اعناق الاعشاب
ايها النور المحجوب اياك نعبد( )
الا ان الخاصية المحسوسة التي ارتبطت بتشييد ذلك التحول وبالخاصية التي تجرب الصمت وتضعه في المشاركة والاقتراب من العملية الجدلية . ثم يعاود السياب الصرخة :
الليل، والسوق القديم ، وغمغمات العابرين
وخطى الغريب.
هنا يشخص السياب الاعتلالات السيكولوجية بدافع المكان الذي تخطى الوجود وفق تحسينات تقنية توجت بالتمثيل الحقيقي للغربة في السوق القديم، ويتحدث السياب عن اشياء تتعلق بالوجود الدائر الذي تفرضه رؤية نظرية شارحة تعتمد على علاقة اللغة بالصمت وبالمكان المقفر ، والسياب شدد على هذا التمييز ذلك بالاعتماد على توصيف المشاهد وعلى تشكيل المطابقة بالارتكاز والاحتكام الى الدقة في انتاج الصيرورة بجانبها المتشكل على الباعث الارتكازي في التاثير التاملي وتركيب التجربة الفردية وتمثلها للمعايير ووظيفتها التجريبية بحس يتلائم وحقيقة المصادفة في الارادة التي مثلت السياب ، واليوت. ثم تنثال الصور متشابكة لتترجم دقة هذه الصرخة بعد رصف نهاياتها وهي تستعين بفعل المشهد التعاضدي وهو يحصد الزمن خطوة خطوة وبترتيب متناسق ومتماسك يصور فيه السياب فعل التماسك في النص الشعري بانتقالة متوالية ودقة في الاختصار .
وانت ايتها الشموع ستوقدين
في المخدع المجهول، في الليل الذي لن تعرفيه،
تلقين ضوءك في ارتخاء مثل امساء الخريف
حقل تموج به السنابل تحت اضواء الغروب
تتجمع الغربان فيه _
تلقين ضوءك في ارتخاء مثل اوراق الخريف
في ليلة قمراء سكرى بالاغاني ، في الجنوب :
نقر (الدرابك) من بعيد
يتهامس السعف الثقيل به ، ويصمت من جديد !
ويتضح من هذا الانثيال في الصور لتشكل فرضية مشروطة بالاستخدام الدقيق للبنية في نظام الربط الجدلي بالنظام العام للقصيدة وفق مسيرة قادرة على تحقيق وضع تمثيلي تصب فيه النقطة المركزية اللامعة والعودة الى مرتكز الصلات الخفية وتفرعاتها وترابطاتها التبادلية التي تجعل من هذه الخارطة التصويرية خصوصية تعطي فكرة الكلية وبالصفة الاختلافية السسيولوجية وبمنظور يشكل عدة فضاءات داخل هذا الانموذج التجذيري للصور الشعرية ، وقد تمثل المضمون بشكله التفسيري في المواصلة للبحث عن الاندماج برؤية موسوعية للصورة وفق منطق للمقابلات والمحاور والانظمة الدلالية الجزئيبة التي تعبر عن منحى العلاقة المعنوية المتقابلة الناتجة عن تكامل في السلالم العليا لتلك الثنائية المتسلسة في الصور والمتفرقة بصفة متعامدة لكنها تتشكل بفضاءات تمثل مضمون الفعل اللفضي والمكنون التعبيري لهذه الاشكاليات ، تتركز الصور في :
في الليل الذي لن تعرفيه
تلقين ضوءك في ارتخاء
حقل تموج به السنابل .
هكذا فقد مثلت الصور الشعريةعندالسياب استرسالا متدرجا وفق تشكيلة هرمية يقابلها هذاالكشف من التبادل الذي يؤكده المضمون باختلاف الفعل السياقي للقصيدة من فعل القوة والصيرورة داخل وحدة الاتصال ، هناك تنظيم للازمنة داخل تلك الصيرورة ، لان الخطاب الشعري عند السياب لم يعد النهاية وان كل هذا العرض الجدلي يكون حضورا داخل قدرة توسع الحقل الزمني في الخطاب وهذا بدوره قد انعكس في تمثيل التجربة داخل انفتاحات هذا الخطاب وتشكيل مستوياته اللسانية ، وتاتي نظرية التطابق الطردية للشد العاطفي مع المنظور الشعري الذي ركز الحدث في الغياب، والمكان في اليباب والحالة السيكولوجية المهزومة كل هذه التفاصيل تحكم فيها الخطاب وفق اطار من الجدلية في تشخيص البنية وتطابق الرمز السيميائي في المعادلة البلاغية داخل المعنى ، والسياب في هذا اللوغوس طابق بين ثقافة الوعي البلاغي داخل المعنى والخاصية التجريبية بارجاع تلك التماثلات الى بنية رمزية (يبابية) ، وقد تطابق منهج السياب السيميائي الرمزي مع ثلاثية(لاكان)( ) على المستوى السيكولوجي في (التخييلي + الواقعي + الرمزي) وهذه هي العلاقة التي ميزت بدر في المشابهة مع (لاكان) عبر التحقق الدقيق في تفاصيل المدركات الحسية ، وقد تظهر وتختفي عند السياب حسب موقعها التكويني في القصيدة ، وهو موضوع على العموم ميز مستوى الشد في الحلم السيابي بدلالة المعنى على مستوى الخطاب البلاغي .
يقول السياب:
قد كان قلبي مثلكن، وكان يحلم باللهيب،
حتى اتاح له الزمان يدا ووجها في الظلام
نار الهوى ويد الحبيب-
مازال يحترق الحياة، وكان عام بعد عام
يمضي ، ووجه بعد وجه مثلما غاب الشراع
بعد الشراع – وكان يحلم في سكون ، في سكون:
بالصدر ، وانعم، والعيون
والحب ظلله الخلود .. فلا لقاء ولاوداع
لكنه الحلم الطويل
بين التمطي والتثاؤب تحت افياء النخيل

(بين السياب وييتس)
والمثير للجدل هو ان السياب كان يميل الى العملية السيكولوجية في القصيدة كما كان منهج ييتس في ميله للتفكير السيكولوجي . والملاحظ ان ييتس كان قد تشكل من شخصيتي ( الشاعر والسياسي) وحتى ان بعضهم قارنه بغوتو وهذا يذكرنا(بلافكرافت) الذي خلق عالمه الاسطوري الرمزي عبر اختلافية حقيقية وقد كان ييتس يمتلك رؤية فنية عالية ، فقد كتب عن شعر شيلي قائلا.
(حين كنت صبيا في دبلن كنت واحدا من جماعة استاجرت غرفة في شارع رئيسي لتبحث في الفلسفة) وييتس كان يمتلك مدارك واسعة وكان يقرر بان مصير هذا الكون يجب اكتشافه في الكلمات افضل من سجلات التاريخ او التامل ، ويخلف ييتس في هذه النظرة مع فلسفة (ارنولد توينبي) في التاريخ او هيجل ، وعند دراسته لبرومثيوس طليقا (ككتاب مقدس) فكان تاثير ذلك الكتاب تاثيرا مطلقا خاصة في عبارات (هيلاس) بالنقد سبق ادم وظل حيا .
يقول ييتس :
دورات من الاجيال ودورات من الغناء
وهو يعيش في كهف بحري
وسط العفاريت ، يصلك المرء
او يصل الله، ولايصله)
وييتس صنع رمز فكري له من خلال مستودع الحكمة في الفلسفة اللاهوتية وكان يحلم(بيوحنا معمدان) فهو يرفض الافساد هربا من هذا العالم المادي المقيت، فهويحلم بارض خالية من الافساد للانسان ولايستطيع الزمن ان يزيف العشق .
يقول ييتس:
( تعال تعال ، ايها اللطفل البشري ،
الى المياه والبرية
مع جنية ، يدا بيد ،
لان العالم يضج بنحيب
لايمكنك ان تفهمه.)
وييتس صاحب رؤية جدلية سيكولوجية، وييتس عبارة عن راس طفل منحوتا من الخشب في اسفل اعمدة جانبية قد كلمه باللغة اليونانية القديمة ) كما يقول( ستيفن سبندر)( ).
فالاحساس الذي ميز السياب في السوق القديم هو الاحساس الذي لايقف عند منعطف للخلاص في الصورة الشعرية المؤلمة والياس القاتل الذي يلف القصيدة، فلا تكامل في الرؤيا ولا وعي داخل حدود الامكان الذي يجعل السياب وثيق الصلة بالانبثاق ، فاي مقياس سيكولوجي يبعده عن الاصغاء سوى حلقة التواصل بالياس والاكتئاب ثم يجري وراء سلسلة من الانهيارات ، وحتى ييتس له ومضة رغم الرفض والحالة السيكولوجية المزرية ، الا انه يستطيع ان يرفض عصر العلم على سبيل المثال او يرفض فلسفة توينبي في التاريخ او فلسفة هيجل وانه ميال الى الفلسفة اللاهوتيه ، لكن السياب اقواله تصدر عن صفة غير متزامنة وينطلق من الارض القفر ويعبر عن مدلولات دقيقة في المباشرة ذو وظيفة دلالية متفردة في العزل والتشابك في ان واحد للمفردة فهو الشاهد لما يحدث للنص ، اما ييتس فهو يعلن عن رفضه وخلاصه من المدلول المعجمي للمفردة وينتقل الى المفهوم والمدلول النصي والفارق بين المدلولين عند السياب وييتس هو ان السياب يباشر الجانب التاويلي للخطاب داخل المكان ، في حين ان ييتس عكس ذلك عنه المكان (هو زمكان) وليس مكانا فقط يتجدد في السوق القديم انما لايمكن ان يتفرد بالايمان بكل شيء ، فييتس يختار ويرفض في حين السياب عكس هذا المنهج أي هناك استسلام للمكان في البيت المهجور الذي تعوي في جوانبه الرياح وهناك سلم منهار لاترقاه في الليل الكئيب قدما ولاقدم ستهبطه اذا التمع الصباح . نلاحظ هناك لوحة تشكيلية تترجم بمدلولات لفظية تتعلق بنظرية اللغة فهي المشاركة في اختيار اللغة داخل ممكنات الجملة الشعرية ، فالسياب يتحدث عن مجموعة قواعد سيكولوجية تتعلق بالمدلول النصي والسياب امام تراكم من الالم افصحت عنه الدراسات النقدية حول حقيقة التناسب في التكثيف للصورة الشعرية (بين التماع الصباح ومازال قلبي في المغيب) ثم تتاكد هذه الصور فلا اصيل ولا مساء ثم تختلط الرؤية في الذات الغارقة في الهم والتقدير والتطابق للصور وعملية الاختلاف في الاستعارة والمركب الذي يظهر في النص حتى تاتي الضربة المطلبية وهي الضربة المنقذة ( حتى اتيت هي والضياء) ويتكرر هذا المشهد في استخلاصات سريعة ومبعثرة ومباشرة وهي توحد منهج الرؤية فيما سبق في هذه القصيدة ، الا ان النمو العضوي في القصيدة ياخذ منحى شكسبيري في التصوير الذي يتشكل بالتداعي السيكولوجي ونحن نواجه فهم جديد لعملية النسج والرغبات التي تمركزت في هذه الاستشارة حتى بلغت ذروتها في هذا الديالوك .
اتسير وحدك في الظلام
اتسير ، والاشباح تعترض السبيل ، بلا رفيق؟
فاجبتها والذئب يعوي من بعيد ، من بعيد.
فالسياب في هذه الاضافة لعواء الذئب اعطى اكتمالا للرغبة التغريبية في ذلك التامل الذي تحول في لحظة من الانكفاء نحو(ارض يبابية) بايقاع يؤكده منطق اليوت والاحتفاظ بهذه القيمة وبخصائص التيار الفكري في الشعر الذي انجزه اليوت، لكنه عند السياب هو حوار في الرؤية وهو محور من محاور القيمة في الاثر الفني وهو الاثر الذي ياتي في منعطف الرؤية وداخل العناصر المكونة لها وحتى في حدتها في وحدة العمل الفني أي داخل بوتقة يتم داخلها مزج تلك العملية وصهرها داخل القصيدة ، أي هناك اكتمال في تشكيل الخلق الفني ، والسياب من المتاثرين (باربعاء الرماد) وهي من القصائد المقبولة لديه وان السياق الذي يترجم به السياب هذه الرؤية فهي بالغة التعقيد في السياق التفكيري ، فليس من السهل التوصل الى مكنون هذه التلقائية التي تصدر عن اصرة جمالية في ملفوظها واليوت وازن بين جميع هذه العناصر الحية بعد ان استدعى ذخيرة الخيال الايقاعي ، واستطاع السياب ان يصغي وان يحس لما يحدث من قوة في القصيدة وان يتلابس مع هذه التراكيب التي تختفي داخل شعائرية عقلية وهي تقول ماتعنيه وينتقل السياب الى المبحث عن القدر الذي القاه في هذا السراب، فالمخلّص عند السياب هو في بعث الحياة من جديد بعد تفشي الموت في المكان فهو يبحث عن زمان في مكان اخر .
انا سوف امضي باحثا عنها ، سالقاها هناك
عند السراب وسوف ابني مخدعين لنا هناك
فاذا انتقلنا الى ديالوك القصيدة فاننا نستطيع ان نتصفح الوضوح الذي يعتريها في ذلك الحوار وتلك الكلمات حيث قادتنا تلك الجمل الشعرية الى ان نتامل تاثير اثنين في شعر السياب خاصة في هذه الابيات هما (شكسبير، واليوت) فكان السياب يتامل الاثنين فوجدنا منطقا شعريا ناصعا يتميز بالرؤية الفكرية وهذا الديالوك ياتي مباشرا لكن الرؤية تاتي متهدجة ، فالمبنى الشعري يتكون من سلسلة متدرجة في تطور موضوع الرؤية حيث الانتقالة للسياب من اليوت الى شكسبير داخل هذا الديالوك .
انا من تريد، فاين تمضي ؟ فيم تضرب في القفار
مثل الشريد؟ انا الحبيبة كنت منك على انتظار
انا من تريد .. وقبلتني ثم قالت – والدموع
في مقلتيها – غير انك لن ترى حلم الشباب
بيتا على التل البعيد يكاد يخفيه الضباب
هذه السلسلة من التدرج الذي ينقلنا الى قمة التاثر بشكسبير من خلال الافصاح عن النمو الذي يحدث في الصورة الشعرية فهو يمثل النمو المتصاعد في الضباب ، فوق التل، والحبيبة التي تمثل الشبح الشكسبيري الذي يرتدي وشاحا ابيضا ، والضياء الذي ينبعث من النوافذ في ارتخاء اضافة الى ذرات الرمل في القفار وهي تمثل الذات الهاربة نحو المطلق ، وكانت صورة الحبيبة في هذه الابيات عند السياب هي المراة صاحبة العباءة البيضاء كما هي عند اليوتيبي من الصور التي تحتوي حركية التضمين للصيرورة التي تظل ممتدة بامتداد الرؤية الوجودية التي تستقل بالبناء الفني وفق انساق زمنية خارج وعي الذات الشعوري. والسياب يحاول في رمز الحبيبة ان يضع علامة للخلاص في تشكيلة من الصور وقد جاء هذا التاثر كما قلنا ب(اربعاء الرماد) كذلك فهي تجديد في رمزية (الكوميديا الالهية)وقد تبلورت هذه التقنيات في خلق هذه المنظومات الشعرية في حين ان اليوت شدد على الرمز او الكناية الرامزة في تاثره بدانتي وهذا الموضوع كان مفتقد في القرون الوسطى لما كانت عليه الكناية الرامزة فهي المقاربة التي كررها السياب ذلك لتاثره بطريقة اليوت في استخدام الطريقة الرامزة اذا تاملنا صورة الحبيبة عند السياب وصورة السيدة عند اليوت حين قدمها على انها في حدود التميز الموحي في حدود التمثيل او التقديس على شاكلة(مريم العذراء) او الامراة الجميلة او الحبيبة كما هي عند السياب ، هناك تشابه في ذلك التصوير عند اليوت في التعبير عن (الارض اليباب ) او في طريقة قصائده الاولى مثل(سويني) بين البلابل وهي رغبة للافصاح عن ايجاز بالمتناقضات داخل ذلك الغموض ، أي داخل ذلك التوصيف الدقيق وفي خلق منظومة ايحائية متلابسة في حدود تنكشف عن اختلافية عند المتلقين في الكشف عن الشخصيات المرموزة مثل( الحبيبة عن السياب او العذراء عند اليوت) وعلى هذا الاساس يفصح لنا السياب عن هذا الطراز من التاثر باليوت وتاثر اليوت بدانتي بعد ان حول هذه الصور عند دانتي الى رموز للخلاص الروحي كذلك الحال عند شاعرين امثال (وليم بليك ، وييتس) . فالرمز المتقدم هو الرمز الذي يمتلك حيوية مركزة في نقله للمعنى والتمثيل الاكبر عن الذات ، والرمز لايخلق الوهم بل يخلق الحياة بالكامل ويجسد حدود المطلق الحسي داخل محسوسه ، فاربعاء الرماد كما هو معروف هي كشف عن صور ايحائية تفصح عن مشاعر تكتنف هذه الابيات:
غنت العظام تحت شجرة عرعر، مبعثرة متالقة
ونحن يبهجنا ان نتبعثر ، فما ادى كل منا للاخر سوى
خير قليل ،
تحت شجرة في وظاءة يوم منعش ، ولدينا بركات الرمل
وقد نسيت نفسها ونسي احدها الاخر ، وهي ماتلقة
في هدأة الصحراء . تلك هي الارض التي
ستتوزعونها اسهاما ، فلا التوزع يهم
ولا الائتلاف يهم .تلك هي الارض . ولقد احرزنا ميراثا
والسياب في قصيدة السوق القديم تتردد اصداء التحلل والخوف من المجهول ، ولكن انجلاء الصورة ياتي بالخلاص في الحبيبة وهي المرشد الصوفي للخلاص من ذلك المكان المتحلل ، واذا كان السياب يستخدم طريقة المعنى الاختلافي ذا الحدة في تفاصيل الاحساس والتشابه في اضداده داخل الصورة الشعرية ، واحتواء منظومته الشعرية على الكثير من الجمل الشعرية المكتنزة وهي المجال الاوسع لهذه الحياة . فالسياب مازال يطفح ويمنح المعنى طاقة خلاقة كامنة في كل مقطع من قصائده والسوق القديم قصيدة تفصح عن اشكالية في منعرج المكان ، فهو يقدم لمحة تصويرية عن مشاعر وعواطف يحسها السياب داخل غابة من الاصوات لكن المخلص هي الحبيبة.
انا سوف امضي فاتركيني : سوف القاها هناك
عند السراب
فطوقتني وهي تهمس لن تسير !
انا من تريد ، فاين تمضي بين احداق الذئاب
تتلمس الدرب البعيد
فصرخت : سوف اسير ، مادام الحنين الى السراب
في قلبي الظامي ! دعيني اسلك الدرب البعيد
حتى اراها في انتظاري : ليس احداق الذئاب
وقد تميز السياب في تصويره هذه اللمحات في العودة الى الحياة ثانية وهذه الصور هي احتفالية بلحظات الصمت والانفتاح ثانية على بوابة التمثيل الحياتي فهو الخروج الى الصيرورة التي احتوت هذه المشاهد بتحولاتها الحاسمة على مستوى التفكير والابداع ، فالقاعدة الرئيسية عند السياب هي قاعدة بناء الجملة الشعرية والصيرورة التي تلتزم مقدرة الذات ومستقبل العلاقة التبادلية بين الذات والموضوع.


(سفر ايوب)
سفر ايوب من القصائد المهمة وهي تتحقق من ازمنة مختلفة في الماضي والحاضر وهذه الازمنة لا تأتي بالتكافؤ في الالزام الوجودي فالماضي والحاضر متقدم في القصيدة ومتشاكل في ازمنتهما (فايوب هو الوجود الواجب بالضرورة ) ووجود الزمنين ياتي بواحد من اللزوم وبالتكافؤ، واللزوم في الوجود هو الحالة المتقدمة حيث تتقدم القصيدة استهلالات مترتبة بوجود المتقدم من الترتيبات المتعلقة بالبلاء في هذا السفر الذاتي – الموضوعي المترتب وفق استشراف اكثر في المباينة ، فهو ابلاغ لهذه المباينة ، فالسبب يرجع الى اشياء ترتبت في التكافؤ في اللزوم الوجودي وهو يتقدم المجرى الانساني في عملية الصدق . فايوب وجود يظهر باسباب لانه الصدق في القول ، والسياب من جهته اصدق هذا الوجود .
يقول السياب :
لك الحمد مهما استطال البلاء
ومهما استبد الالم ،
لك الحمد ، ان الرزايا عطاء
وان المصيبات بعض الكرم
الم تعطني انت هذا الظلام
وتأتي البنية بالقصيدة في ابراز الطابع السيكولوجي التجريدي ، وفيما يتعلق بالكيفية للبناء هو مايتعلق بالتركيب التكويني لوظيفة البنية وهي التصور التجريدي الذي يتعلق بالخلق الذهني وليس خاصية ثانية للشيء نفسه . فالقيمة التحليلية المدروسة هي موجودة بفعل القوة وتصور الزمان في اعلى تمثيل لمعالمه والمعالجة الدقيقة للمباحث والاحتمالات التي انبثقت من هذه الازمنة، والسياب يثير اطباعا في هذه القصيدة لانها ترتبط بالحلقة الداخلية الذاتية وهي تشتمل المنظور الاعتباري للبنية عبر الحس والحدس للمدركات الظاهرة لاسطورة ايوب والخاصية المتمثلة لعناصرها التركيبية وتصوراتها التجريبية لانها اعتمدت الرمز(ايوب) للتوصيل والوصل الى حقيقة مايدور وراء اللاشعور الواقعي . ثم ياتي الخطاب الشعري ليقوم بالتعريف للبنية عبر جمل شعرية تحكم العملية التوليدية والانتقال من صورة شعرية الى اخرى لتتمثل بنية القصيدة والاجابة على ماتقتضيه هذه التصورات بطابعها الموضوعي وخواصها الذاتية ، فالتعبير الزماني بالحركة بعد الاستحالة ، فالقصيدة تكوين ونمو وتغيير واكثر الزاما في الاستحالة حيث يشوبها التغيير لينمي الاطلاق وتضاد الجزئيات ، فالتغيير يحدث في النمو والتغيير في حركة السكون وان الارتقاء في التجربة الشعرية يؤكده الانفتاح المحسوس في المعنى ليكون التعبير الصوتي :
واعطيتني انت هذا السحر
فهل تشكر الارض قطر المطر
وتغضب ان لم يجدها الغمام ؟
شهور طوال وهذي الجراح
تمزق جنبي مثل المُدى
ولاخلاف بان السياب في استعارته لايوب والزعم المكرور لهذا اللفظ الزماني ، اراد السياب ان يثبت في تعريف طبيعة هذه الاستعارة الاسطورية في ايوب لانها استعارة جاءت باللفظ لاثبات المعنى في جعل الارض تشكر المطر بشكل استفهامي، اراد السياب بهذا التشبيه وهو من المُحال( ) وتبين ان الاستعارة عند السياب هي اطار من المعنى وهي تعليق لمفهوم العبارة ، وادعاء لمعنى الاسطورة وهي تمثيل للارادة في المبالغة فجعل ايوب هو اللفظ الاسطوري داخل تفاصيل المعنى ، استعارة ايوب لمعنى يصلح ان يكون لحالة الالم واثبات حقيقة الصبر وجعله يتعدى عند السياب الى حكم في الصيرورة البلاغية لان المعنى اثبت التسامي في الجملة الشعرية وجعله الاستعارة الاسطورية معنى متساميا في حقيقة الشعور .
ويهدأ الداء عند الصباح
ولايمسح الليل اوجاعه بالردى .
ولكن ايوب ان صاح صاح :
(لك الحمد ، ان الرزايا ندى )
وان الجراح هدايا الحبيب
اضم الى الصدر باقاتها
كان السعي الرمزي عند السياب هو تاويل فعل الرمز بالمعنى المملوء بالاحاسيس التي لاتنضب وهو الثراء في الرمز الاسطوري وهو التعرف على الصياغة الامكانية في شفرة الرمز (ايوب) لانها حققت للسياب رمزا اسطوريا . وجاء الخلاص عند السياب في الحبيبة لانها البعث للحياة وهي الجدلية التقليدية في
( الرمز والثورة ) وهي المنحى الصوفي في اكتشاف الذات الصابرة لتجدد في التسامي الحقيقي واشكالية التعبير في تعال قابل للتعبير عن حقيقة هذا الرمز الصوفي وهذا مانلاحظه في اكثر قصائد السياب .
هداياك مقبولة . هاتها !
اشد جراحي واهتف بالعائدين :
(الا فانظروا واحسدوني ، فهذي هدايا حبيبي.
وان مست النار حر الجبين
توهمتها قبلة منك مجبولة من لهيب
ان ماشكله السياب من تحديث للصورة الشعرية في هذه المركبات البلاغية لانها الوسيلة البيانية التحديثية في ابراز دور الصورة في تشكيل الفضاءات المتعددة في القصيدة ، فلحظة التوازن البلاغي داخل الصورة ومن ثم الاستئناف في الانتقال فيها بشك عفوي ووضوح في هندسة النص يزيد القصيدة رهافة في التحولات الامكانية في الافصاح عن التشاكيل العفوية في الصورة البلاغية . فشعر السياب مستوى متسامي من التنسيق والتوفيق بين انتاج المفردة الشعرية ولغة العاطفة والانفعالات وماتنتجه التجربة الشعرية على المستويين (الذاتي والموضوعي) وقد تكتسب هذه المخارج والمداخل سواء على مستوى المفردة او اللفظ او تكوين الصورة البلاغية التي تحددها المنظوما
الكونية وماتمثله من قيمة وتغير وتالف داخل تكوين ايقاعي تتناغم فيها الصور وبشكل متصاعد وهي تشبه تعال من الاحلام ينسجه الشاعر بوعي بلاغي حتى يصبح وجودا مشبعا بالاشياء وبادلة تتنوع دلاليا داخل يقظة تمثلان (المجاز والرمز) في نطاق حالة شعرية متطورة . وفي اطار هذه المكونات اصبحت المخارج والمداخل لموضوع التكوين الشعري عند السياب هو حجر الزاوية من الناحية البنائية .

(الصوت والمعنى)
في تركيب المفردة الشعرية ، لقد ترك لنا السياب منظومة متشابكة لاتنفصم من ناحية تركيب المفردة الشعرية ومعناها ، أي بين الكلمة ومدلولها وهي العلاقة التي تتكون باثر رجعي كما يقول (شتراوس) ، مايتعلق بالتشكيل الصوتي والدلالي وهو التغير الذي يشمل المستوى الدلالي في الشكل والبنية وهذا التغيير ياتي وفق التحقق من الصياغة في الجملة الشعرية لانه يشكل المعنى ومانطلق عليه بالتحديث الشعري بالبنية الدلالية .
يقول السياب:
جميل هو السهد ارعى سماك
بعيني حتى تغيب النجوم
ويلمس شباك داري سناك
جميل هو الليل : اصداء بوم
وابواق سيارة من بعيد
واهات مرضى ، وام تعيد
اساطير ابائها للوليد.
وغابات ليل السهاد ، الغيوم
تحجب وجه السماء
وتجلوه تحت القمر .
وان صباح ايوب كان النداء :
لك الحمد ياراميا بالقدر
وياكاتبا بعد ذاك الشفاه !
لقد تميز السياب بالنقلات الزمكانية للصورة وفق اصرة بلاغية تنتمي الى تشكيل صوري بالغ الدقة الموضوعية ، فهو يتحدث بجملته الشعرية عن التكوين اللغوي الشعري بالصوت الموضوعي الذي يخترق الحدث الشعري ليشكل بنيه في الصورة تشبه الجوهر البلاغي المتمثل بالعاطفة اللغوية ، فجاءت جمل السياب الشعرية وهي تشكل صور متداخلة بايقاع تمثيلي للاشياء وبوسائل لغوية تشكل التحديث والتمثيل للعاطفة ولذلك جاءت قصائد السياب محملة بالوعي الشعري وبانتاجه النوعي اضافة الى المشاهدة التي يشكلها السياب وفق تفاصيل جمالية تشير الى مذاق ولذة خاصة ، والسياب يجمع داخل هذه الصور البلاغية:
اولا: اصرة الجمال في (السهد والنجوم )
ثانيا: اصرة (الزمكان) (شباك داري سناك)
ثالثا: اصرة الغربة في ( اصداء البوم- وابواق سيارة من بعيدواهات مرضى)
رابعا: اصرة قصص النساء في ( وام تعيد اساطير ابائها للوليد)
خامسا: اصرة العظمه الجليلة في( وان صاح ايوب كان النداء :
"لك الحمد ياراميا بالقدر")
والسياب في هذا المناخ الجدلي التحليلي افصح عن البنية الشعرية بهذا الانفجار في الكشف عن المعالم المضمرة داخل النص الشعري وهي تتمثل بالصوت والمعنى والصورة البلاغية اعتمادا على عالم مفتت ولكن قدمه باصرة متماسكة وجدلا حيويا داخل عالم من الاضداد وبتناول يتركز في التفجير ليصل الى الطاقة السحرية الصوتية للجمل الشعرية ، فيخضع الشعر لمنظومة متدفقة صوتيا ولغويا للوصول الى الطريقة التاملية في تشكيل المعنى .
وقد مثلت الصورة الشعرية تلقائية وخلاصة لحركة الواقع كان اساسها هو الارتباط بالبنية التي ميزت لغتها واصواتها الخفية لانها وجود متشابه بين البنية الفنية الداخلية والبنية التي تتعلق بالشيء الظاهر في المدلول ، والسياب استطاع ان يركب بنية دلالية لمداخل بنية المخارج الصوتية والكشف عن التقدم المعرفي في اللغة عبر الربط للصور الشعرية بنظام العلامات للغة ، لان البنائية داخل المنظومة الشعرية هو مايتعلق بالانظمة الدالة التي كونت القصيدة هي الربط الجدلي بين اللغة والصوت الموضوعي الذي يتشكل داخل القصيدة .
يقول السياب :
من خلل الثلج الذي تنثه السماء
من خلل الضباب والمطر
المح عينيك تشعّان بلا انتهاء
شعاع كوكب يغيب ساعة السحر
وتقطران الدمع في سكون
كان اهدابهما غصون
تنطق بالندى مع الصباح في الشتاء .
من خلل الدخان والمداخن الضخام
ينعكس الزمن الاجرائي داخل زمنية وجودية تتقابل في تعريفها للاشياء والنزوع لاظهار الصور التي تحتوي على الحدث الشعري في الاصوات المتناثرة في القصيدة وهي تشتمل على تكوينات قدرية في توتر يحاول عصر الاختلافية في المعاني وتمييز المنعطف اللغوي باعتباره محورا يتقابل مع لحظة الوعي الشعري التي تغور لتكشف هذا التفجر داخل التجربة الحسية . والسياب كان قد شكل احكاما على عالم يتكون باتجاهات ورؤية اعطته دقة لكشف هذه الصور وطريقة تشكيلها وهذا ياتي بالوصف والاقتطاع الزمني والانتقال من بقعة لونية الى اخرى باحكام اختلافية نجدها في حركة الاطلاق لهذه الصور وهي تتقافز بشكل مباشر داخل تركيبة بنائية سيكولوجية ، فالمفردة في هذه القصيدة تاتي متدرجة داخل بنية مركبة ومختلفة المستويات والسياب يضفي عليها قيمة دلالية لتصبح متفردة المعنى حتى وان زاغ تطور الافادة من المضمون الفني في حين شكل الاستبعاد الدقيق للمعنى الذي لايشكل محورا يفيد الصورة الشعرية ، لان السياب حاول في نسج الصور الشعرية ان يتجاوز الترهل واللبس وان يشكل المفردة برؤية جمالية تتحكم بحرية التاويل الباطني فجاءت اللغة لتبرز الصور المتدافعة داخل بنية سسيولوجية تتعدد في دلالتها ولاتكف عن التركيز في الصورة والتوليد للمعاني .










الفصل السادس
البنائية الأسطورية عند السياب
في قصيدة
(سربروس في بابل)


تقدم لنا التصورات البنائية بطابعها الأسطوري ابنيه تركيبية تشير الى عملية البناء الذي يتعلق بالكيفية التركيبية للنصوص الشعرية ، هذه الابنية التي تقوم بتصور الوقع الاسطوري بوظيفة ذهنية بفرز نموذج يقيمه الفعل العقلي بعد الفراغ من عمليات التشكيل المدروسة بتراتبية بنائية وهي توجد بالقوة التصورية ، وبفعل التمثيل بمعالمها حتى يصل بالمبحث الاسطوري الى الدراسة المستفيظة والحالة المتتابعة للاحتمالات التي يتسع لها مصطلح البنائية الاسطورية عند السياب ، وان التصميم الذي يتعلق بهيكلية هذه المنظومة الاسطورية باعتبارها منظومة تتعلق بالكشف الحسي والادراك الظاهر للخصائص المتمثلة في العنصر التركيبي للصورة التجريبية للاسطورة وهي تعتمد على رموز عمليات التوصيل المتشكلة بالوقائع وان تعريف البنائية الاسطورية للشعر بانها اٍحكام دقيق لعمليات التوليد الذهنية بوقائع تتمثل في الوصف لبنية القصيدة عبر الاجابة على اسئلة تقتضي التمييز بين هذه التصورات المختلفة للبنية الاسطورية وهو الاصطلاح الذي تحدده نتائج ذات طابع موضوعي يحتكم فيه التوليد والخلق الشعري الى اسس معرفية . والسياب اتخذ من هذه الوحدات البنائية للاسطورة المكون المتشكل وفق قوانين الصياغة وعنصر التمييز بين المنظومة الاسطورية وطبيعة الوقائع التي تتصل بالظاهرة الصوتية للقصيدة الى جانب رمزها المتمثل بالقدرة على اثارة هذه التصورات الذهنية من الناحية الدلالية ، وعليه فان العناصر التي تتعلق بالجانب الاتصالي الصوتي للمفردة الشعرية الذي نسميه العنصر الموضوعي لحركة الاسطرة ، وقصيدة السياب (سربروس في بابل ) هي نسج اتصالي لحلقة مفقودة داخل هذه الوقائع في العراق وان اساسياتها مرتبطة بحالة التشابه البنائية من الناحية الاسطورية بين المدلول الخارج للحدث ، والمدلول الداخلي لتركيبة البنية السياسية في العراق وهي البنية الموضوعية التي تكشفت للوهلة الاولى بالسيطرة الاستعمارية على العراق واقامة منظومات سياسية خاوية وخائبة قامت بتجريدها للاشياء وفق حجة (البنائية السياسية الجديدة) وقد تشكلت هذه البنائية السياسية على مجموعة من المنظومات السياسية ذات الدلالة الخارجية وقد مثلت هذه المنظومات احكاما اسطورية شكلت في حينها اتجاها ت تاريخية وشخصية اعطته رؤية جديدة لعالم اسطوري تكمن فيه هذه الصورة البشعة المحكومة بالعلاقات المطلقة احيانا والمباشرة من الناحية الفوضوية في بناء هذه المنظومات. والبنية الاسطورية عند السياب خاضت غمار هذه الصراعات متصلة بتركيب النص الشعري ونسجه اللغوي – والصوتي الخفي الذي يظهر في اسطورة ( سربروس في بابل) وهو الكلب الذي يحرس ( مملكة الموت) في الاساطير اليونانية القديمة حيث يقوم عرش (برسفون) الهة الربيع بعد ان اختطفها اله الموت وقد صور دانتي (في الكوميديا الالهية ) حارسا ومعذبا للارواح الخاطئة( ).
والسياب يميز بين البنية من ناحية الاسلوب الاسطوري وهي تتصل بتركيبة النص والبنية المتعلقة بالنسج اللغوي الاسطوري ، وفي الحالة الثانية يتشكل النص الشعري عند السياب حيث نرى البنية تتصل بالحكاية ووظيفة الزمن والشخصيات وهيكل الاحداث الذي يشكل الخلية اللغوية بمستوياتها الصوتية وامكانياتها البنائية في تاكيد مهمة النص الشعري واهتمامه بفروع المعرفة الصوتية المتخفية والمضمرة داخل النص الشعري وهي تبحث عن الاسس النظرية لكي تجعل البحث النظري داخل هذه النصوص هي من الاهتمامات المتعمقة في اشعار القاريء الجاد بان هناك معطيات عديدة تقوم بعملية التحليل لهذا الاشعار الصوتي الخفي وهو يبلور نقطة عميقة الجذور في خلق هذا الكشف الدقيق للخصائص الاصيلة في نظم الايقاع الصوتي الخفي، وقد يظهر هذا النظم عند السياب وفق تراكيب عديدة من الاختلافات ذات الدلالات العميقة وهي القادرة بالمقابل على اضاءة حقائق قيمة ترتبط بالبنية الاسطورية وعقول تلك المجاميع البشرية التي تعين هذا الفهم من التطورات التي تحدث في هذه التشكيلات ذات النظام الايقاعي الظاهر وفق اسس جذرية تتعلق بالدور التكويني لاساسيات التوازن الاسطوري من الناحية اللغوية الذي يقوم به التركيب الشعري وفق الصيغة الكيفية من منظومة اللغة وتفاصيلها الصوتية الخفية التي تبلغ عنصر المبحث الشعري الذي يركز على المنظومة الايقاعية التي تتناسب والمجال الطبيعي لحركة الاسطورة في (سربروس في بابل) وهنا يتشكل الفضاء الاسطوري عند السياب بواسطة مركبات متعددة المستويات يطغي عليها الفعل الدلالي داخل اختلافية للبنية وفق قيمة دلالية للمعنى بانكماش مجال التعدد للمعاني وازدياد الاكتمال في الفائدة التي تجعل ثراء المضمون من الناحية الفنية هو الجانب الامكاني في الاستبعاد للمعاني المترهلة ،ونحن مع راي الجرجاني في المعنى الذي (ينقسم الى قسمين)(قسم انت ترى احد الشاعرين فيه قد اتى بالمعنى غفلا ساذجا ، وترى الاخر قد اخرجه في صورة تروق وتعجب)( ) المعنى الذي ياتي غفلا وفي الصورة الاخرى الذي ياتي مصنوعا ويكون ذلك اما لانه متاخرا قصر عن متقدم واما لانه هدى متاخرا لشيء لم يهتد اليه المتقدم. مثال ذلك:
قال البحتري:
ليل يصادفني ومرهفة الحشا
ضدين اسهره لها وتنامه


وقول المتنبي :
وقيدت نفسي في ذراك محبة
ومن وجد الاحسان قيدا تقيدا
وقول المتنبي:
وماثناك كلام الناس عن كرم
ومن يسد طريق العارض الهطل
وقول الكندي:
عزُّوا وعزَّ بعزهم من جاوروا
فهم الذرى وجماجم الهامات
في هذه الابيات تتشكل الصور بعملية اختلافية ، وان البنائية الشعرية التي تقول (ان المعنى في هذا البيت هو المعنى في ذلك ولاخلاف في معنى عائد اليك في البيت الثاني في هيأته وصفته، وان الحكم في البيتين كحكم الاسمين في منظومة اللغة مثل (سربروس في بابل) حسب ماتقوله الاسطورة اليونانية ، ولكن السياب جمع (سربروس) وهي كلمة يونانية مع كلمة تخص حضارة بابل وسربروس كلب يحرس مملكة الموت في الاساطير اليونانية – ولاعلاقة بين سربروس وبابل لان الكلمة اليونانية لايجمعها جنس واحد مع بابل لان بينهما اختلاف كبير في تفاصيل المعنى ولكن هناك تطابق بين سربروس ووجوده الان في العراق ، والسياب كان يميز بين هذه الاساطير ومسمياتها لانها تؤدي وظيفة تكاد تكون مطلقة من الناحية الفنية وهي تتمازج وتتداخل وتنسجم مع خواصها الاسطورية برغم التصوير المتناقض في نظر السياب الذي انتج هذا التناقض فهو السبيل الى حالة الصيرورة الوجودية واستمرار الحياة برغم الاحتلال ورغم مايحدث من انتهاكات مريبة وهذا يذكرنا بقصيدة السياب (وصيه من محتضر) حين يقول:
اين العراق؟ واين شمس ضحاه تحملها سفينة
خير البلاد سكنتموها بين خضراء وماء
هي جنة فحذار من افعى تدب على ثراها .
هذا يعني ان الرمز الاسطوري عند السياب كان رمزا ستراتيجيا في بابل ولو كان الناقد المبدع عبالجبار عباس حيا لغير رايه في مفهوم الاسطورة عند السياب لجعلها مفهوما ستراتيجيا وليس كناية بلاغية وليس فرصة للتلذذ باكتشاف الحقائق او الاختفاء وراء هذه الرموز ، وان الوظيفة الاسطورية لاتنتهي بمجرد الانكشاف للقاريء لتشكيلة هذه الرموز وان سربروس هو ليس رمزا للطاغية قاسم فقط انما هو رمز لاكبر احتلال عسكري (اميركي بريطاني للعراق) في العصر الحديث وفي هذا السياق اتذكر قال لي الناقد الانطباعي المبدع عبدالجبار عباس ( اني كتبت كتاب السياب بشكل سريع) ثم يستدرك الناقد الراحل في الصفحة (196) من كتابه السياب قائلا ( ان السياب عمد الى الاكثار من الاساطير لحاجة تنكرية) ويقول ( ان الاساطير في شعره ليست حلية جمالية تضاف الى قصائده ويمكن الاستغناء عنها ، بل امست ضرورة فنية واسلوبا راسخا يبني به قصيدته حتى لو لم يكن ثمة حرج من مضمون القصيدة بدليل انه عمد الى هذه الاساطير في هجائه للشيوعيين في قصيدة ( رؤيا 1956) وهذا اعتراف من الناقد المبدع عبالجبار عباس بان الاساطير تؤدي وظيفة تنكرية قد يصح في قصيدة ( سربروس في بابل )( ) وهو رمز اسطوري عبر عن خيبة امل سياسية لم تحقق الحلم المنشود في العراق .
يقول السياب :
ليعوِ سربروس في ا لدروب
في بابل الحزينة المهدمة
ويملأ الفضاء زمزمة ،
يمزق الصغار بالنيوب ، يقضم العظام
ويشرب القلوب
عيناه نيزكان في الظلام
وشدقه الرهيب موجتان من مُدى
تخبيء الردى .
و العلاقة التي تربط الاسطورة باللغة تكون من خلال ابراز الصورة ومظاهر التكوين في التشكيلة المرئية للصورة الشعرية وهي تقتضي رسالة لغوية تحدث داخل مجموعة من الاشياء وهي تنتقل الى السياق الاسطوري في اللغة ، لانها تتخلل اللحظة الحرجة في التصور داخل مكون لغوي اسطوري يتمتع بالمعنى الدلالي للاسطورة وهو مقتضى جديد لانطولوجيا الاسطورة عند السياب حيث تعود هذه الجذور الى مفهوم الحاضر الوجودي في فلسفة الاسطورة وفي اللحظة الراهنة عند السياب وهو يكتب النص الشعري لانه أقتضاء يتعلق ببيان هذا العنصر الوجودي للاسطورة وملامحه الحاضرة في مسار التذكير الواقعي في (سربروس في بابل) وهو ايضا الزامي في تبيان الموجود في الحاضر ، والامر يتعلق في مسار الكلب الذي يحرس مملكة الموت في الاساطير اليونانية باعتباره لحظة خطابية راهنة تتعلق بالحدث التاريخي للاسطورة لانه الكشف عن القيمة الاسطورية في ثنايا وجودها الذي تميز بالتحديث في اطارها الفلسفي وهو تساؤل عن اللحظة ودلالتها اللغوية ومدى الامكانية التي توفرها الاسطورة في تدشين التحديث كمسار يتمحور داخل منظومة التاريخ التي ارست الاشكالية التقنية كما تفسرها النصوص الاسطوريه ، وهي قيمة تقع في مركزية حركة التاريخ لانها اثبتت خصوصية هذا التحديث الاسطوري داخل نصوص السياب الشعرية ، والسياب اسس هذا التوازن الاسطوري في فلسفة التحديث وعمد على نقله خطابيا داخل شروط امكانيه ومعرفية وهي تتحرك بملاحظة جد تحديثية وفق مقتضيات الحالة الراهنة ، فالكلب (سربروس ) هو نفس الكلب الذي يجوب العراق من شماله الى جنوبه حاليا وهو نفس العراق المهدم وسربروس الذي يمزق اطفاله( بالنيوب ويقضم العظام) وينشر الخراب والمكان هو العراق ولبنان وفلسطين الحقول التجريبية فيما يتعلق بتحليل النص الشعري بانطولوجيا الحاضر، ويرى السياب ان التشخيص الدقيق لفلسفة الاختيار الاسطوري في اللحظة الراهنة هو الشكل الممتد داخل اسس منهجية تندرج داخل النص الشعري ،هذا المنهج اللاسطوري هو الذي شكل حفريات المعرفة منذ البداية لدى السياب وهو التجسيد الحقيقي لما يحدث باختيار يمتد عبر التاريخ . والسياب حول هذا الرصد للوحدات الاسطورية بتجذير يتعلق بالمقولات الواعية التي تولدت بلغة اتصالية عالية الوقع بعد ان قوض مفهوم الوظيفة التنكرية للاسطورة التي اشتملت الحس التاريخي الذي يلوذ به السياب كما يتهمه البعض من النقاد هنا وهناك في كتب النقد ، فالسياب لابس التاريخ بالاسطورة وبشكل تحديثي باعتبارها تحول في الانساق وتباين في الانشطار الذي اصبح يطبع مسار النص الشعري للسياب .
اشداقه الرهيبة الثلاثة احتراق
يؤج في العراق-
ليعِو سربروس في الدروب
وينبش التراب عن الهنا الدفين
تموزنا الطعين،
ياكله : يمص عينيه الى القرار ،
في هذه الابيات يشكل المنظور اللغوي بانساق فلسفة الاسطورة واقعا جدليا يستطلع اشكالية التاريخ ، اننا نستطيع ان نفكك هذا التشكيل في اللغة الاسطورية وفق انموذج بنائي يعكس دعامة الوجود الصوتي الخفي للنص وفق مركزية الماضي والحاضر ووفق رؤية ارسطية تفترض التاسيس اللغوي باقتراب يصور تدرج هذه العمليات وفق زمنية لغوية تتقدمها المصدرية السيكولوجية وفق منظومة تعتمد الثنائية ( السيكولوجية) الذهنية في استعمال يجذر التعيين بنظرية اللغة وذهنية القدرة التطبيقية للاسطورة واعادة تشكيل الوعي باستدعاء حركية التاويل لنمطية التفكيك الارسطي لهذه الوحدات التي تشكلت بنواة النظرية البنائية في اللغة ، فالسياب افصح عن الابنية النصية باحتياطي وفره ببناء سابق في حلقة القص الاسطوري ورهافة في النسج الشعري حيث طور هذه التكوينية الاسطورية بمشاهدة وسماع (العواء لسربروس) في الدروب وفق منطق اجرائي انتجه السياق الفلسفي للنص وفق انتقائية تاملية ماخوذة من تجربة اليباب لاليوت وعملية النبش في التراب والبحث الدقيق في ثنايا التركيب للاسطورة في (تموزنا الطعين) والسياب واصل تتبع الواقعة المحسوسة سسيولوجيا انه الفعل العملي لتجميع الحدود الفلسفية للاسطورة داخل بوتقة التفكيك التعاقبي الذي شكله الصوت في (ياكله يمص عينيه الى القرار) وهذا تحول في المنظور الرؤيوي عند السياب في فلسفة اللغة الاسطورية من وجهة النظر المركزية للابنية النصية وهي تقوم بتاهيل الوعي الاسطوري من وجهة نظر دالة وشروح تمرر هذا الارث الفلسفي للاسطورة عند السياب .
يقصم صلبه القوي، يحطم الجراء
بين يديه ، ينثر الورود والشقيق .
اواه لو يُفيق
الهنا الفتيُ، لويبرعم الحقول ،
لو ينثر البيادر النضارفي السهول،
لو ينتضي الحسام ، لويفجر الرعود والبروق والمطر
ويطلق السيول من يديه. اه لو يؤوب !
ان المباشرة بتمثيل العودة لحقيقة بعث الحياة من جديد لانها العنصر الوسيط الذي يربط بين لغة التمثيل هذه من الناحية (السيميولوجية) لانها تفعل فعل التجاوز لحدود اللغة العادية اي لغة الاداة الى لغة الاسطورة الفلسفية وهذا موضوع يعكس المبحث (السيميولوجي) في وحداته الدالة الكبرى لان المنحى اللغوي الذي ينتهجه السياب في هذه الاشكالية هو منحى الرسائل المشفرة التي تتواصل مع العام الاسطوري لفلسفة اللغة وفق دراسة بنائية تتموضع داخل الوظيفة الشعرية لانها الاهمية الدقيقة في اقتضاء الضرورة لان السياب يقوم بايقاف الانماط التقليدية للغة ذلك بانتقاله الى العمق لينشر البيادر النضار في السهول ، فهو يربط التفاوت الاختلافي في اللغة وفق سيميولوجيا تاسيسية لرموز اسطورية يستخدمها السياب كرسائل مشفرة يحاول ان يتواصل مع الرمزية التقليدية للغة وبالمحاور اللغوية الاوسع في ظل سيميولوجية التواصل (الانثروبولوجي للغة) (لو ينتضي الحسام ، لويفجر الرعود والبروق والمطر ) ويطلق السيول من يديه . اه لو يؤوب !) وهذه حالة التصنيف للابنية اللغوية وفق تلك المعايير المشفرة عند السياب من الناحية الاسطورية . والسياب اعتمد علاقة التجاور الحسي في اللغة، فالاشارة عنده ترتبط (بالدال والمدلول) وهي تتجاوز المنحى الواقعي الى مشهد الواقع الاسطوري ، وهناك علاقة ايقونية تتمركز في الدال والمدلول فهي ترتبط بالمشاركات الشكلية وتظهر اثناء القراءة او في التصوير اللغوي للمشهد في حقيقته الاسطورية ( الهنا الفتي لو يبرعم الحقول). لقد اتخذ السياب في بنائه الاسطوري دلالة تحديثية قائمة بين ماحدث في العراق في المرحلة الماضية اي في العام 1959 وبين ما يحدث الان من اشكاليات وتجاوز في ظل الاحتلال العسكري الاميركي البريطاني للعراق ، ففعل التشابه قائم بين المرحلتين التاريخيتين قبل العام 1958 وامتداداتهما فيما بعد وما حصل من نزاعات سياسية ، هذه التركيبة او المعادلة الرمزية فهي تؤكد الدال والمدلول في الرابطة الفعلية بين الداخل والخارج والحالة الرمزية التي لم تنفصل لانها تمثل مرجعيات رمزية واسطورية مختلفة ، واننا نلاحظ هذا التنوع التدريجي القائم على الانتقال داخل الحدث التاريخي من مرتبة تحديثية في النص الى مرتبة تحديثية اخرى وهي تتشكل من الناحية اللغوية على اساس تقليدي في عملية تفصيل الحدث كما قلنا في بداية هذا البحث ، الا ان الوظيفة الاسطورية هي التي تخضع هذه المستويات من البنية اللغوية الى الحالة الضروريه في تكوين الصيرورة ، وهو مظهر اشاري مشفر عند السياب لانه يكتسب اهمية (سيميولوجية) من ناحية انتاج الرمز الاشاري ليتفاعل مع العناصر الايقونية التي تتمثل في الدوائر اللغوية المشفرة مع الاخذ بعين الاعتبار الرموز اللغوية الاداتية التي تنبني بالتقابل مع هذه المفاصل الرمزية المحددة بالسيميولوجيا الثقافية وهي تضفي على النص عدة من الدلالات والاعتبارات السسيولوجية العامة .
يقول السياب:
لحافنا التراب ، فوقه من القمر
دم ، ومن نهود نسوة العراق طين .
ونحن اذ نبض من مغاور السنين
نرى العراق ، يسال الصغار في قراره :
(ما القمح ؟ ماالثمر ؟ )
ماالماء ؟ ماالمهود ؟ ماالاله ؟ ماالبشر ؟
فالتقسيم الذي تمحور في العلاقة السيميولوجية الخاصة بين (سربروس الاميركي في العراق) وهي الاشارة التي تتضمن العلاقة بين الدال والمدلول وفق منظومة (داخلية وخارجية) وهي ترتبط باشارات تتكون من سياقات متجاورة ومعروفة ، اما التشابه الحسي (لسيميولوجيا اللغة) التي تركزت على التجاور الواقعي وفق انموذج لغوي اسطوري واضح وهو يشير الى العلاقة الايقونية بين الدال والمدلول بالمشاركة النوعية التي تظهر للمتلقي لهذه الابيات الشعرية التحديثية عند السياب لتضع التشابه وفق النسبة والتناسب في اطار مراحل تاريخية تتجلى فيها المشاهد (السسيولوجية الحسية) وتلتقي فيها الصيغ المتناظرة بقساوة تلك الابعاد التاريخية ، والتشابه الحاصل في المحصلات في العراق ماقبل العام 1958 وما بعدها وبين احتلال العراق في العام 2003 من قبل الامبراطورية العسكرية الاميركية ، فالذي حصل هو صدق حدس السياب في التحديث للنص الشعري وماشكله من رموز اسطورية في الكلب (سربروس) هذا الكلب الاسطوري الذي ظهر في مرحلتين تاريخيتين من اخطر المراحل التأرخية التي حدثت في العراق الذي شكل التنوع في الدلالة التحديثية فاصبح معناه الرمزي يقع طرديا في سلم التاريخ وفي المقدمة في تصوير فعل هذا التجاور وقوته اللغوية الاسطورية وتراثه وعمقه الرمزي ، والسياب يهدف من هذا التحديث السسيولوجي للنص الشعري عبر البحث السيميولوجي ووفق وظيفة بنائية في تمثيل قائمة من الاسئلة ، ولذلك ينبغي ان نحدد طريقة الانبثاق في تفصيل معيار الحدث الشعري وهو يتركب من الاشياء ليتصل بتلك المحاور السيميولوجية التي تشير الى الضرورات الدالة في ( ما القمح؟ ما الثمر ؟ ما الماء ؟ مالمهود ؟ ما الاله ؟ ما البشر ؟ ) هذه الضرورات من الاسئلة تتعرض لجوانب سيكولوجية وسسيولوجية واقتصادية ودينية اضافة الى الدلالة الرمزية التكوينية وهذا يرتبط بتشكيلة الانبثاق التي تتعلق بمنهجية التحديث للنص الشعري عند السياب ، فكـان جواب السياب:
رفيقة الزهور والمياه والطيوب ،
عشتار ربة الشمال والجنوب ،
تسير في السهول والوهاد
تسير في الدروب
تلقط منها لحن تموزاذا انتثر ،
تلمه في سلة كأنه الثمر
لكن سربروس بابل – الجحيم
يحبُ . في الدروب خلفها ويركض
ان الوصول الى البنية السيميولوجية يؤكدها الاختيار التوثيقي للدلالة في انتظام يستخلصه كشف القواعد العملية للغة الاسطورية وفق المستوى التوقيتي الذي الزمه التناول لزمنية عشتار الدالة من الناحية الاسطورية , وهي زمنية متغيرة وفق حتميات واختيارات تتوضح انظمتها بالبحث على مستوى التاريخ للوصول الى حالة ايقاعية تؤكد سر المتغيرات في الوعي السيميولوجي للاسطورة ،وهنا يتم اخضاع العنصر السياقي الى مفهوم الدوائر الدلالية وفق استيعاب ينبثق بدلالة اختلافية للاسطوره(عشتار ربة الشمال والجنوب ) و(تلقط منها لحم تموز اذا انتثر ،) وهنا تاتي وظيفة النظم الدلالي المتعلقة بالمنهجية السيميولوجية طبقا للحالة البنائية ، والسياب يتمثل تصوره للاشياء من خلال تواصل حلقة الانبثاق للاتصال بالموضوع السيميولوجي للاسطورة وتشير دلالة الاشياء الى الحالة الضرورية التي يتركب فيها مستوى الوعي للاسطورة والتضامن الذي تقتضيه الوحدات المتبادلة سواء على المستوى اللغوي للاسطورة او مستوى الانساق التوفيقية داخل البنية اللغوية ، فالاختيار يأتي مرة اخرى في نظر السياب بحركة الفعل الانبثاقي حيث تنبعث عشتار بحكم التوفيقية الاسطورية وبرغم الخضوع السياقي وتدرجه واحتمالاته ، فالمنظومة الاسطورية تتناسب بشكل عكسي مع حجم الواقعة والوقيعة التي احدثها (سربروس في عشتار ) لكن الادلة اللغوية تشير الى عملية التوازن عند السياب وهي عودة البنية الاسطورية في التدرج والتقنية في الانبعاث . هذا التدرّج هو الذي يحدد مفهوم التغاير الذي يحدث في سيميولوجية اللغة بصفته تطابقا يفضي الى حاجة واستجابات لوسائط تتموضع في الاتساق والمكوث والاجابة على كل الاحتمالات التي يحدثها ( سربروس في بابل وفي عشتار حصرا)
يمزق النعال في اقدامها يعضعض ،
سيقانها اللدان ، ينهش اليدين او يمزق الرداء.
يلوث الوشاح بالدم القديم
يمزج الدم الجديد بالعواء .
ليعوِ سربروس في الدروب
لينهش الالهة الحزينة ، الالهة المروعه ،
فان من دمائها ستخضب الحبوب
سينبت الاله ، فالشرائح الموزعة
تجمعت ؟ تململت . سيولد الضياء
من رحم يترُُّ بالدماء .
لقد افرغ السياب اللغة من التليّف والخضوع الى طائلة الذات الاسطورية وعممها بالواقعة وبحركة تصويرية مثلت أداة التبادل في هذه الوقائع من صيغ اللفظ السيميولوجي الذي افصح عن معناه بطريقة منفتحة على الحس والربط الجدلي بين هذا التموضع داخل الحس والنسج داخل الجملة الشعرية بافتراض مبحث سيميولوجي يخضع العلامة الى الدلالة كما في (لينهش الالهة الحزينة ، الالهة المروعة ، فان من دمها ستخضب الحبوب) فالمبحث الدلالي اكتسب الجدية في الاتصال بالاخر حيث استند الى المطابقة في اللغة والتوثيق الاسطوريين وفق مقاومة تتشكل بالواقعة لعشتار والعودة الى الجذور الفكرية للاسطورة الرافدينية باعتماد المغزى السسيولوجي، لان هذا الافتراض يذكرنا بالمغزى الفكري وفق دلالة لغوية تشكل المحتوى لهذا الفكر الرافديني ، والسياب موضع المستوى الدلالي حين موضع اللغة وطوع الاسطورة تحت هامش التاويل باستهداف يمتلك انعكاسية مرتبطة بالخطاب الشعري المتين الذي وضع ارضية للدلالة تحت راية اللغة الاسطورية بانجاز تخاطبي ذي اهمية ( انثروبولوجية) مكن السياب من خلال التعبير الاسطوري واللغة المؤسطرة العالية الخصوبة ان يؤكد هذا الانفتاح داخل رؤية جدلية وجودية تعني بحركة الاتصال والتواصل مع جدلية التاريخ من خلال الكشف اللغوي للاسطورة وعلاقتها التحديثية بالنص الشعري صاحب الجاذبية العلائقية في التحديث .


الفصل السابع

قصيدة الراعي عند السياب
ووليم بليك ومحمد مهدي الجواهري


ضمن البواكير الاولى لقصائد السياب وفي الجزء الثاني من الديوان يكتب السياب قصيدة اسمها (اغنية الراعي) وهي انتقالة تميز هذه الثنائية التقليدية والتي تتطابق مع الاصول والاصوات التي تتشابك عند السياب سواء بتضمين الخطاب الشعري وتحميله الاشكالية المحكية وتكويناتها البنائية وهي تتجاوز التمييز البنائي من الناحية التركيبية ، فالقصيدة جاءت في السيرورة الاسبقية في التحولات اللغوية والاجتماعية فالتاثير الاحتمالي الملخص في هذا المظهر من البناء الشعري يعود الى الطفولة عند السياب وماشكله الراعي من لسان وخطاب ارتبط بالاقصى من الاشياء، حيث جاء في حركة اسبقية مرتبطة بالبناء التكويني للغة وبالمساهمة المنطوقة من خلال الاختيارات داخل مستويات التحليل الرومانسي والتكوين المعقد للاشكالية البنائية التي سيطرت على الابنية اللغوية وانتجت هذا التمرير السسيولوجي للخطاب وفق نزعة سببية تقوم بهذا النحو التوليدي للمقابلة في الخطاب والبحث عن الاستخدامات المسكونة بالتغيير من ناحية المقابلة القائمة بين الاهمية التكوينية الشعرية عند السياب تجاه الراعي وبين الروابط القائمة بين الراعي والعالم الموضوعي ، والخطاب الشعري للراعي عند الشعراء الاخرين امثال (الشاعرين محمد مهدي الجواهري ، ووليم بليك ) واننا في هذه الاضاءة نحاول ان نسلط الضوء على هذه القصائد الثلاث مع الاحتفاظ بالمستوى التطوري وتشكيلاته المتقابلة في استخلاصات مشروطة بالتعدد والتمركز داخل تفاصيل الخطاب الشعري الذي يطابق عملية التوتر عند الشعراء الثلاثة في اطار التجربة الزمكانية مع التطابقات اللغوية ومع حالة المركزية الرمزية للحدس الانساني وبتحليل بنائي يخضعه الشاعر لوجهة نظره التكوينية. يقول السياب في اغنية الراعي:
دعي اغنامنا ترعى حيال المورد العذب ،
وهيا نعتلي الربوة يافتنة القلب
فنلقي تحتناالوديان في ليل من العشب !
خيالا نابه طيف من الامال والحب !
ان اهمية البعد الزمني الملازم للتجربة الرومانسية وفق تطابق للابنية اللغوية والذي يعنينا من هذه الذات الناطقة هو الحضور لانجاز لحظة الوعي الانساني وفق التصنيفات التكوينية للصورة الشعرية واللوحة الاجرائية للبنى اللغوية والترادف الاجرائي داخل هذا المبحث الشعري بين (المورد العذب- ويافتنة القلب ) والانسجام الدقيق لمجرى الخطاب الشعري من ناحية تاكيد حقيقة الذات داخل المعاش من المضامين الثنائية( فنلقي تحتنا الوديان في ليل من العشب!) (وخيالا نابه طيف من الامال والحب ) فقد ثبتت اشكالية الذات مع الثنائية في المضامين وبقدرة لغوية متنت هذا الاتصال بالانتماء الى النزعة الجوهرية في معرفة العلاقة القائمة بين الذات ونشاطها الاجرائي، مايتأسس على هذا المنطق وتمثله التاملي والانفتاح على التجربة الموضوعية من حيث الانفتاح على العلاقة التي تربط اللغة ومعاييرها الوظيفية للتجربة الشعرية والتي تشكل حيزا كبيرا في المواءمة بين القصدية الفلسفية في الشعر وارتباطها بالحدث والسيرورة لتحديد المنجز في عملية التعالق بين المدارك الشعرية الموضوعية وارتباطها بالمعنى وبين الموروث الانساني والحشد في التدرج لايضاح طبيعة الواقع الموضوعي وتفاصيله البنائية في الشعر .
يقول وليم بليك في قصيدة الراعي:
مااحلى نصيب الراعي الحلو ،
يتيه من الصباح الى المساء :
فلسوف يتبع خرافه طوال النهار
وسوف يكون لسانه مفعما بالثناء.
لانه يسمع نداء الحملان البريء.
ويسمع جواب النعاج الناعم .
فهو يراقب وهم في سلام
لانهم يعلمون ان راعيهم قريب( )
في قصيدة (الراعي) لوليم بليك هناك حضور يتعلق بالزمكان لضمان سلامة القطيع وهو اتصال زماني موضوعي بالمطلق حيث يظهر الوجود وهو المهيمن على حركة الاشياء ،وهناك الحرية لدى الراعي في قيادة القطيع لانه التيه مع قطيعه وهو السير الوجودي المؤشر في الزمنية الحاضرة في نصيب الراعي الذي قبله وهو النصيب الذي يشده لمستوى من الاختيار المشفوع بالتامل من قبل الراعي ومستوى القدرة والتحقق في هذا الخطاب ومبحثه الوجودي ومكوناه المصدرية في التكوين الزمني الديني وارتحال هذه العلاقة المتعلقة بالقوة والوجود ، والخصائص الامكانية في تشكيل العالم الذي شاهد قوة الوعي في صورة الراعي في صورة المسيح الراعي الذي بلوره التمثيل المتوازن في خاصية التحمل على مستوى القوة التكوينية وهذا هو الاساس التفصيلي في حلقات القدرة والتامل في الفكر المسيحي على العموم وهذه القدرة الدينية المسيحية تشكلها انماط من التصوف عبر عموم موضوعي يسترسلهالشاعر في ابياته في هذا التيه الذي يجمع الراعي مع خرافه وفق سمفونية مفعمة بالثناء كما يقول وليم بليك لانه يسمع نداء الحملان البريء ويتفق بليك مع السياب بان هذه المشاهد تعبر عن غد زاهر ينساب كانسياب النهر ونداء ياتي وهو نفس النداء عند بليك يذوب في هذا التيه مع وقع خطى الفجر .
يقول السياب:
خطانا تبعث الذكرى بقلب الورد والزهر
سيبقى في غد منها صدى ينساب في النهر
وفي الانداء ماذابت على وقع خطى الفجر
وفي اغنية الرعيان مابين الربا الخضر


وتتشكل البنية المركبة في القصيدتين التي تضفي عليهما القيمة الدلالية في حدود التوحد التفكيري الناضج للاداء الوظيفي الذي يشكل مستويات متعددة داخل البنية ليمنح الكلمة قيمة دلالية تنفرد بمعناها داخل الانكماش الذي يفضي الى تعدد في المعاني ،ولكن السياب وبليك حددا اكتمال الافادة في ثراء المضمون النصي بشكله الفني وهذا ما وحّد خواص التشكيل النصي عند السياب وبليك وابعدا المفردات التي لاتحتوي على مركبات هورمونية تفيد الجملة الشعرية وهذا مابرزه محمد مهدي الجواهري في قصيدة الراعي لانها تمتلك لغة جماعية تتركب بالدلالات وتبيح توليد المعنى داخل حدود الجملة الشعرية وضمن تطبيق مبحثي للنص وبقدرة على الخلق الفني بارتياد السلم الحساس للمنظور البنائي والسيطرة المتعددة لمركبات المعاني ذلك لاحتوائها على المنطق الجدلي وهي تنتهي الى التحليل الدقيق للدلالة على اساس التعدد في زوايا مفهوم النص .
يقول الجواهري:
لف العباءة واستقـــلا
بقطيعه عجلا ومهــلا
وانصاع يسحب خلفــه
ركبا يعرس حيث حـلا
يرمي بها جبلا فتتـــ
بع خطوه ويحط سهـلا
أبى يقاسمها نصيبـــا
من شظيف العيش عدلا
يصلي كما تصلي الهجير
ويتقي ثمدا وضحــلا
اوفى على روض الحياة
يجوبه حقلا فحقـــلا
وارتد يحمل مــا يصو
ن دما وما اغنى وقـلا

(نايا) يذود بــه الونى
ويلون النسق الممــلا
وعصى يهش بهـا وير
قى ذروة، ويقيم ظــلا
يــاراعي الاغنام انت
اعز مملكة واغلـــى

ان ماشكله الانسان من فضيلة عن طريق المقارنة في اتيان قوة التعدد في قول الكلام الحسن داخل منظومة دلالية من الالفاظ والمفردات من الجمل الشعرية التي تشكل التامل في فلسفة الشعر وهي وسيلة لفهم الانسان وتحركاته وتفكيره داخل هذا الوجود ، وكان للسرد الشعري عند الجواهري وهو الذي يحتل قصائده منذ وقت مبكر وتحيل الوقع الاسطوري الموضوعي مكانا مهما في المحيط الذي يتحرك فيه الجواهري وهذا مانلاحظه في شعر السياب ايضا وتحيل الجزء الكبير من شعره خاصة انشودة المطر والمومس العمياء وتقع في مقدمة اعماله النظرية بمقومات سردية ناضجة ، والجواهري والسياب اعطيا التخييل داخل ازمنة امكانية تمثلت( بانثروبولوجيا الشعر) لانهما ركزا القدرة الفلسفية للتاويل الشعري داخل هذا التخييل التاويلي واكتسبت نصوصهما طاقة لفظية وادبية شكلا على اساسها التخييل الامكاني داخل هذه المكونات التفكيرية للوجود الشعري.
يقول السياب:
سالنا العالم الفاني والناس ومرعانا
لقد سجنوا باغلال من الانظار نجوانا
سننشد في امان من عيون الناس ماوانا
السياب كرس هذا التامل في استشراف موضوعة الخلاص الوجودي في التيه مع اغنية الراعي التي تشكل منظورا قصديا في مشروع الخلاص بالارادة لانها هي الحلم والجهد الانساني الذي يحقق الرغبة لتمثيل حالة المستقبل ، فالاستشراف القانوني الوضعي عند السياب هو التعيين لهذه القابلية الانسانية على الانعتاق في حدود القدرة وارتباطها بالوجود ففضل عملية الاختزال والتشذيب للوقائع الساكنة والاسنة والانطلاق نحو بنية تحدد خصائص العالم الجديد بقصد الامكان الفعلي وتحقيق المقصود من هذه الانعطافات لانها شروع اخلاقي نحو غاية اساسها التحقق الفعلي (actualization) في جولة ملحمية (odyssey) تؤكد فعل الحرية عبر العالم التجريبي التبادلي في اطار الحدث الفعال داخل فعل اخلاقي اولي ، اذن لابد من مكونات دلالية للوصول الى هذا الوجود الانساني للوصول الى الرموز الخفية.
وهذا ياتي بالتحليل لهذه الرموز لانها الوجود السردي لهذه المرويات الشعرية لانها التشكيل الرئيس الذي تنفرد به الامكانات الوجودية لانها الاسبقية الامكانية في نظر(هيدغر)( ) وتتشكل الابنية التي يتم ربط تصوراتها وفق توفيقات اختلافية فلسفية لترتبط بانموذج التواصلات ( اللغوية والفلسفية) لانهما التركيبان اللذان يحدثا التماسك وابراز الخصائص داخل العمل الفني من خلال علاقته بالاعمال الادبية الاخرى التي تنتمي الى نفس التشكيل الثقافي ، والملاحظ ان العطاءات الثقافية هذه تتشكل وفق ظروف تاريخية معينة لكنها تعتبر ذات علاقة جوهرية من الناحية الفلسفية ، اقصد البنائية الفلسفية وهو الطابع الفلسفي الذي يحدث فيه الطابع المقارن برغم الفاصلة التاريخية ، لكننا نعتقد احيانا ان الاعمال الشعرية ربما تكون اكثر تعاصرا في مراحل زمنية مختلفة ولكن الجانب التاريخي من الناحية الفلسفية البنائية يعتمد على الاطار الفلسفي في رصده للموروث البنائي لانه تشكل وفق منطق سسيولوجي في تاثيره على الابنية الاخرى اذا كانت جمالية او فلسفية ، وقد شكلت اللغة نموذجا دقيقا في الوصف وهو الاساس لشرح وتفصيل الحركات المتولدة من الجمل الشعرية ،والمنظومة البنائية تبذل جهودا كثيرة وحثيثة لابراز الفعل الادبي من خلال لغة شعرية تجمع هذه الاطر الفلسفية ورموزها وهي تنتقل الى مجموعة من التحولات حيث يتم رصد هذه المعادلة الادبية والشعرية حصرا للوصول الى القواعد الاساسية من الفلسفة البنائية تحت قاعدة الرمز اللغوي لربة الشعر والصورة الموحية لهذا المنطق الشعري الذي تم توزيعه وفق منطق تاريخي وموضوعه تنطلق باجراء منطق تحليلي في الشعر يجمع موضوعا واحدا لقصائد الشعراء (السياب ، وليم بليك، محمد مهدي الجواهري) في قصيدة الراعي وقد اعطى السياب نقطة الانطلاقة هذه وهي تتطابق مع حجم الرموز الايحائية والبلاغية لموضوع المفردات والبنائية الفلسفية التي اقتضى شروطها لوصف هذا الراعي باستحكامات كانت قد اتصلت بالمفردة الفلسفية البنائية .


تم انجاز هذا الكتاب
في 5/10/2002م

ملاحظة:إن الفصل السادس قد أضيف الى هذا الكتاب في فترة متأخرة.



المراجع :-
1. الاسس النفسية للابداع الفني د. مصطفى سويف .
2. ناجي علوش مقدمة الجزء الاول من الديوان
3. مجلة حوار العدد 20 المتناقضات في الشعر ، الدكتور غالي شكري ،
4. النفخ في الرماد ، الدكتور عبد الواحد لؤلؤه .
5. مجلة الاداب 1955 .
6. ت . س . اليوت الشاعر الناقد ماثيسن تر: د.احسان عباس.
7. احلام الفارس القديم / دار الاداب بيروت .
8. اسرار البلاغة للجرجاني .
9. عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الاعجاز.
10. الشاعر الناقد ماثيسن .
11. لغة الشعر ، د. رجاء عيد .
12. جماليات المكان ، باشلار.
13. الشاعر الناقد ، ماثيسن .
14. صحيفة القادسية ، 25 ك1 / 93 .
15. السياب : عبد الجبار عباس .
16. ارشيبالد مكليش:(الشعر والترجمة) .
17. البنيوية : جان بياجية .
18. ديوان بدر شاكر السياب ، دار العودة .
19. امبرتو أيكو السيميائيه وفلسفة اللغة مركز دراسات الوحدة العربية .
20. كولن ولسون المعقول واللا معقول في الادب الحديث دار الاداب.
21. وليم بلك تأليف د. ج كلم ترجمة عبد الواحد لؤلؤة دار الشؤون الثقافية العراقية.
22. بول ريكور مشكلة تأسيس الفلسفة الاخلاقية المجلد 22 السنة 1978م .
**********
*انتهت*







المحتويات

الموضوع رقم الصفحة
المقدمة 1
الفصل الأول: 3
((القصيدة الحداثية وإشكالية الانفعال في التعبير))
الفصل الثاني: 18
((الريادة وأستكمال المبنى في القصيدة))
الفصل الثالث: 44
((التعادلية في الحدث الشعري))
الفصل الرابع: 76
((وحدة التعبير السيكولوجي))
الفصل الخامس : 95
((اللوغوس في منظومة بدر شاكر السياب الشعريةLogos ))
الفصل السادس: 149
((البنائية الاسطورية عند السياب في قصيدة سربروس في بابل ))
الفصل السابع: 168
((قصيدة الراعي عند السياب ووليم بليك
ومحمد مهدي الجواهري))
المراجع 179
المحتويات 181
*********





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,390,824,380
- شبح التوراة الاسطوري في الصحراء العربية
- -المحايث التطبيقي في اللغة الحداثية-
- الكون بين نظرية الاحتمال التصادفية والفلسفة العلمية
- العلامة وتقنيات اللغة
- الخرابة والسدرة
- الظاهرة الصوتية الخفية في شعر محمود درويش
- الاصولية اليهودية والمسيحية
- الجدلية الحداثية واحامها الجمالية
- الحرية في فكر المعتزلة
- مفهوم الدولة عند بن خلدون
- الاسطورة في شعر الجواهري
- دراسة في شعر الجواهري
- فضاء الحدث والقناع الشعري في قصيدة الجواهري(يا ام عوف)
- الخطاب الشعري عند الجواهري
- ]دراسات ادبية وفلسفية
- جماليات التحديث في الخطاب النقدي عند الناقد عبد الجبار عباس
- جدلية النشوء والارتقاء بين المنهجية الامبيريقية والمنهجية ال ...
- الانساق الامبيريقية للوعي
- المنطق التفكيري للاعلام
- الاغتراب في اشواك الوردة الزرقاء


المزيد.....




- الحكومة المغربية تعبر عن رفضها -الشديد- لمحاولات الانتقاص من ...
- سعاد حسني: لمحة عن السندريلا في ذكرى وفاتها
- -طيران الإمارات للآداب- وجائزة -مونتغرابا للكتابة- يوسعان دا ...
- -مهرّب الأحلام- تساؤلات قائمة على المفارقة لمحمد التطواني
- الخلفي : هناك علاقة غير سليمة تعيق الديمقراطية التشاركية
- الموسيقى لا -البريكست- في قاعة مجلس العموم (فيديو)
- اليوم العالمي للاجئين.. كيف استعرضت السينما معاناتهم؟
- المدير الفني لدار أوبرا -لا سكالا- الإيطالية يخسر منصبه بسبب ...
- هلال يشهر الورقة الحمراء في وجه الجزائر
- وزارة بنعتيق تحتفي باليوم العالمي للاجئين


المزيد.....

- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علاء هاشم مناف - التحديث في النص الشعري