أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسقيل قوجمان - كتاب : الثورة التكنولوجية واقتصاد العولمة - الجزء الاول






















المزيد.....

كتاب : الثورة التكنولوجية واقتصاد العولمة - الجزء الاول



حسقيل قوجمان
الحوار المتمدن-العدد: 618 - 2003 / 10 / 11 - 07:37
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



الثورة التكنولوجية  واقتصاد العولمة
 
 

Y. Kojaman

The Technical Revolution
And The Economy of Globalization


Copyright © Y. Kojaman

First published July 2002

116 Hanover Road
London NW10   3DP

Tel/Fax :   020 8357 0690

www.kojaman.co.uk Website:

Printed in London
U.K.
 
 
المحتويات  الصفحة 
مقدمة 5
دحض الماركسية 7
الثورة التكنولنوجية وتاثيرها الاقتصادي 13
فائض القيمة ومعدل الربح 15
قانون الازمات الاقتصادية وقانون فناء الضدين 18
تحول الراسمالية الى مرحلة الامبريالية واقتسام العالم 24
انقسام السوق العالمية الى سوقين عالميتين 25
الثورة التكنولوجية وتصدير الراسمال 27
انتاج وتجارة الاسلحة في النظام الراسمالي 30
غزو الفضاء 36
جدار الصواريخ الواقي من الصواريخ 38
انهيار السوق العالمية الاشتراكية واندماجها
بالسوق الامبريالية 40
اقتسام الارباح الامبريالية 42
الخصخصة وزيادة سيطرة الولايات المتحدة
                     الاقتصادية على العالم 43
اقتصاد العولمة 45
الحرب العالمية الثالثة 54
الصراع بين الدول العظمى في الحرب وفي السلام 63
الثورة التكنولوجية والنضالات الشعبية  67
الغنى والفقر في عصر الثورة التكنولوجية والعولمة 69                       
الثورة التكنولوجية والثورة الاجتماعية 71
 

الثورة التكنولوجية واقتصاد العولمة

مقدمة

يعيش العالم اليوم فترة زاخرة بالأحداث لم يشهد لها التاريخ مثيلا من قبل. فالعالم يمر في فترة ثورة نكنولوجية تبدو الثورة الصناعية الكبرى التي انجزتها الراسمالية قبل قرنين ازاءها شيئا ضئيلا. فالعالم يشهد كل يوم بل كل ساعة انجازا جديدا ليحل محل انجاز سابق وليدخل في حياة الانسان ليصبح جزءا من حياته. فالحاسب الالكتروني الذي كان قبل سنة او سنتين قمة الانجاز في هذا المضمار يصبح اليوم ضئيلا بالنسبة للحاسب الجديد الذي يفوقه جودة وسرعة وكفاءة ويقل عنه حجما وأصبح الانترنت ضرورة قصوى لكل انسان وتطور الهاتف المحمول وما زال يتطور يوما بعد يوم بحيث اصبح ملازما لكل انسان وهو في تطور مستمر حتى اننا اليوم نرى هاتفا يحتوي على حاسب الكتروني وانترنت بحيث ان حامله يستطيع ان يقامر في البورصة وهو في سيارته او اثناء سيره في الشارع او حتى في فراشه. وقد مكنت الاقمار الصناعية التي تدور حول الارض الانسان من مشاهدة ما يحدث في العالم في لحظة حدوثه عن طريق قنوات التلفزيون الرقمية.  وتوصل العلم الى فلق الذرة وغزو الفضاء وتحقيق خارطة الجينات البشرية .
وقد اختلفت الآراء فيما يتعلق بتاثير الثورة التكنولوجية على حياة الانسان اليومية والاقتصادية والسياسية. فقد ذهب البعض الى ان هذه الثورة غيرت العالم بحيث ان المفاهيم القديمة حول الصراع الطبقي والثورة بل الماركسية عموما اصبحت نظريات بالية لم يعد لها وجود في الحياة السياسية والاجتماعية الحالية.
وتوصل اخرون الى ان الثورة التكنولوجية جعلت التحول الى الاشتراكية امرا بالغ السهولة نظرا للتطور الهائل في وسائل الانتاح وتوفر المنتجات التي قد تكفي حتى لتحقيق الشعار الشيوعي في التوزيع. وتوصل اخرون الى ان الثورة الاشتراكية اصبحت خيالا لا وجود له خصوصا بعد ان انهارت اول دولة اشتراكية في التاريخ. بل توصل اخرون الى ان انهيار الاتحاد السوفييتي اثبت خطأ الماركسية وان النظام الرأسمالي اثبت انه نظام أزلي لا مناص منه ولا يمكن للبشرية ان تعيش بدونه. فما هو التأثير الحقيقي للثورة التكنولوجية من وجهة نظر ماركسية وما هو مصير البشرية وما هي حقيقة الصراع الطبقي في هذه الفترة من حياة الانسان؟
ويعيش العالم اليوم ايضا فترة تسمى العولمة. فما هي العولمة وهل هي الامبريالية القديمة ام هي نظام عالمي جديد كما يسميه سياسيو الولايات المتحدة لا علاقة له بالامبريالية ام هي تطور طرأ على الامبريالية ذاتها؟ وما هي الاسس الاقتصادية للعولمة؟ وكيف تحول العالم الى نظام العولمة وما هي النتائج الاقتصادية والسياسية لهذه العولمة ؟
ويعيش العالم اليوم كذلك في خضم حرب عالمية ثالثة اعلنتها الولايات المتحدة الامريكية فور هجمات الحادي عشر من شهر ايلول  ٢٠٠۱ . وهي حرب تختلف عن سائر الحروب السابقة في طبيعتها وفي مقاييسها. فقد اسماها الرئيس بوش حربا عالمية وحربا صليبية وحربا ضد الارهاب. وقسم العالم بصددها الى حليف ضد الارهاب او مؤيد للارهاب. فسارعت دول العالم كلها تقريبا الى اعلان تأييدها وتحالفها مع الولايات المتحدة في الحرب ضد الارهاب خوفا من أن توصم بالارهاب من دون ان تحدد الولايات المتحدة ما هو الارهاب. وأعلن بوش عن هدفين يبغي تحقيقهما من هذه الحرب هما القضاء على الارهاب وتحقيق عالم بدون ارهاب واخراج الاقتصاد الاميركي من الازمة الاقتصادية او ما يسميه الركود في الاقتصاد الاميركي.
ليس الهدف من كتابة هذا الموضوع بحث تفاصيل الثورة التكنولوجية ومخترعاتها واكتشافاتها المتجددة كل يوم وانما يتوخى بحث نتائجها الاقتصادية وعلاقة هذه الثورة بالعولمة وبالحرب العالمية الثالثة وتأثيرها عليها وظروف نضال شعوب العالم من اجل التحرر من ربقة هذا الاخطبوط الامريكي.

دحض الماركسية

منذ أيام كارل ماركس وحتى يومنا هذا زعم علماء واقتصاديو ومفكرو الراسمالية انهم دحضوا الماركسية وفندوها وقضوا عليها آلاف المرات ولكنهم لسوء حظهم ما زالوا بحاجة الى اعادة دحضها وتفنيدها والقضاء عليها آلافا اخرى من المرات. فما سبب ذلك؟
 كان بامكان علماء الراسمالية ومفكريها وبمستطاع الراسماليين انفسهم ان يفندوا الماركسية وأن يقضوا عليها لو كانت اختراعا علميا جديدا. وتأريخ الراسمالية حافل بمثل هذه الحالات التي توصل فيها علماؤهم الى اختراعات مفيدة للبشرية فدمروها لأنهم وجدوا انها تقلل من أرباح الرأسمال بدلا من زيادتها. غير ان كارل ماركس لم يخترع بعبقريته شيئا جديدا يستطيع الراسماليون تحطيمه والقضاء عليه انما هو اكتشف قوانين طبيعية كانت تعمل قبل كارل ماركس وما زالت تعمل بعده بصرف النظر عن ارادة الانسان ومن وراء ظهره. فدحض الماركسية أو القضاء عليها يشبه في طبيعته القضاء على قانون ارخيميدس بان الجسم الغاطس يفقد من وزنه بمقدار وزن السائل المزاح. وتأريخ الفلسفة يعرف فلاسفة حاولوا ان يلقوا تبعة غرق السفن على ارخيميدس الذي اكتشف هذا القانون. ولا يختلف القضاء على الماركسية عن محاولة القضاء على قانون انجذاب الجسم نحو مركز الارض وفقا لقانون الجاذبية. فالقوانين التي اكتشفها كارل ماركس تفعل اذن من وراء ظهر الراسماليين ورغما عنهم ومهما حاولوا التخلص منها.
من اهم القوانين التي اكتشفها كارل ماركس قانون فائض القيمة. فهذا القانون يفيد بأن مصدر ارباح الراسمالية هو فائض العمل الذي ينجزه العامل للرأسمالي أثناء عمله في الانتاج بدون مقابل. وعليه فان الراسمالي لا يستطيع ان يحقق اية أرباح بدون استخدام عمل العامل. وعلى هذا الاساس توصل الى قانون تحول النقود الى رأسمال. فليست كل نقود رأسمالا. ولكي تتحول النقود الى رأسمال عليها أن تجد في السوق سلعة بامكانها ان تقدم قيمة تفوق قيمتها. وهذه السلعة ليست سوى السلعة الانسانية، القوة العاملة البشرية. فلكي تتحول النقود الى رأسمال يجب أن يتحقق وجود هذه السلعة البشرية في الاسواق. ولكن تحول قوة العمل الى سلعة تباع في الاسواق يتطلب بالضرورة وجود اشخاص لا يمتلكون سوى هذه السلعة لبيعها للرأسمالي. فوجود الطبقة العاملة التي ليس لها سوى قوة عملها سلعة للبيع ضرورة من أجل تحول النظام الاقتصادي الى نظام انتاج رأسمالي. ان وحدة هذين النقيضين، النقود وحيازة ادوات الانتاج من جهة ووجود هذه الطبقة التي لا تملك سوى سلعة قوة عملها لبيعها من جهة اخرى هو الشرط الضروري لتحول النقود الى رأسمال. فسلعة قوة العمل هي السلعة الوحيدة التي تستطيع أن تنتج في العمل قيمة تفوق قيمة اعادة انتاجها. فاعادة انتاج قوة عمل العامل تتألف من المواد الاستهلاكية اللازمة لاعادة انتاجها، اي لجعلها قادرة على العمل في اليوم التالي وعلى استمرارية وجود هذه الطبقة كالغذاء والملابس والمسكن والعائلة التي تنجب قوى عاملة جديدة. ولكن الانسان منذ انفصاله عن الحياة الحيوانية كان ينتج اكثر من هذه الحاجة وفقا للظروف التي كان يعيشها. وتأريخ المجتمع البشري هو تأريخ تطور انتاج الانسان وكيفية امتلاك وتوزيع هذا الانتاج. والنظام الراسمالي هو المرحلة العليا التي بلغها هذا الانتاج القائم على اساس استغلال عمل العمال عن طريق اكتساب فائض القيمة. وعليه فان الثروة الاجتماعية كلها ليست سوى تراكم فائض القيمة المستغل من العمال.
لنفترض على سبيل المثال ان احدى الشركات العملاقة توصلت الى طريقة لانتاج الصواريخ والاقمار الصناعية في مصانع لا تستخدم عمالا بتاتا بل تقوم بالانتاج كله روبوتات الية متطورة قادرة على تنفيذ كل العمليات اللازمة لانتاج هذه الصواريخ والاقمار الصناعية باسرع وادق مما يستطيع الانسان ان ينجزه. ولنفترض ايضا ان تصريف الصواريخ والاقمار الصناعية المنتجة مضمون بطلبات حكومية مسبقة. ووجود مثل هذه المصانع ليس خيالا محضا. اذ قد توصلت الراسمالية في عصر الثورة التكنولوجية الى ما يقرب من ذلك. فمصانع السيارات مثلا اصبحت تعمل كليا بواسطة الروبوتات ولا يستخدم فيها سوى عدد ضئيل من المهندسين والعمال الفنيين للاشراف على عمل هذه الروبوتات. في مصنع لا يعمل فيه الانسان كهذا تفقد النقود المستثمرة فيه صفة الرأسمال لأنها لا تستطيع انتاج فائض قيمة اي لا تستطيع ان تحقق صفة الراسمال التي تتلخص بانها نقود تولد نقودا. اذ كل ما يستطيع الروبوت ان يفعله من حيث قيمة ما ينتجه هو ان ينقل الى الانتاج الجديد القيم التي تتضمنها المواد المستخدمة في الانتاج وجزء ادوات الانتاج التي تستهلك اثناء الانتاج وجزء الروبوت المستهلك اثناء الانتاج. فالقيمة الحقيقية للصاروخ المنتج بهذه الصورة لا تزيد عن قيمة المواد المستهلكة فيه نظرا الى ان السلعة الوحيدة القادرة على اضافة قيمة جديدة الى السلعة المنتجة، القوة العاملة البشرية، لم تشترك في انتاجه.
ثمة شواهد تأريخية تبرهن على ان وجود النقود وأدوات الانتاج وحده لا يحولها الى رأسمال بدون وجود نقيضها، سلعة قوة العمل. فقد اورد كارل ماركس امثلة تأريخية على ذلك. فلدى احتلال استراليا فكر بعض الراسماليين بالأرباح الطائلة التي يستطيعون جنيها باستخدام الثروات الطبيعية الرخيصة او حتى المجانية المتوفرة في هذه القارة البكر. أعد بعض هؤلاء الراسماليين كميات النقود وادوات الانتاج اللازمة لانشاء معاملهم ولاستخدام العمال في استراليا وأستصحبوا معهم عدد العمال اللازم لتشغيل مشاريعهم فيها. ولكن شيئا واحدا لم يفكروا فيه هو ان هؤلاء العمال لا يوافقون على العمل للرأسمالي وأن يبيعوا له قوة عملهم اذا كانت لديهم الفرصة للعمل لانفسهم. فسرعان ما انفض العمال عن العمل للراسماليين وتحولوا في هذه القارة الواسعة للعمل لانفسهم. وفشلت مشاريع هؤلاء الراسماليين لعدم توفر الشرط الاساسي، شرط عدم امتلاك العامل سوى سلعة واحدة لبيعها، سعلة قوة عمله.
وكان الحال شبيها بذلك في القارة الامريكية في بداية احتلالها. فقد كان المهاجرون يجدون الاراضي الكافية المتوفرة في هذه القارة لاستثمارها مما يتيح لهم فرصة العمل لانفسهم لا للرأسمالي. وقد وجد الرأسماليون حلا لذلك في تشجيع الهجرة للعمال الفقراء الذين كانوا يوافقون على العمل للراسماليين فترة قصيرة الى ان يفلحوا في توفير كمية من النقود تتيح لهم التحول الى العمل الحر لانفسهم.
وتجربة الاتحاد السوفييتي تجربة مؤلمة ولكنها في الواقع مثال رائع على قانون تحول النقود الى راسمال. ففي المجتمع الاشتراكي لا يوجد رأسمال لأن الثروة الاجتماعية كلها ملك للشعب المتكون من العمال والفلاحين والمثقفين. وما الدولة في هذا المجتمع سوى هيئة منتخبة مهمتها برمجة وادارة الانتاج الاجتماعي وفقا لمصالح المجتمع الاشتراكي. وكما اقتبست الدولة الاشتراكية العديد من ادوات المجتمع الراسمالي للاستفادة منها في بناء المجتمع الاشتراكي وتطويره نحو المجتمع الشيوعي كالدولة والجيش مثلا، كذلك اقتبست منه أدوات اقتصادية كالنقود ونظام الاجور. ولكن النقود والاجور لم تحتفظ بمفهومها الراسمالي في النظام الاشتراكي انما اقتصر استعمالها على متطلبات المجتمع الاشتراكي. فاستخدام هاتين الاداتين اقتصر على نطاق ضيق فقط هو نطاق انتاج وتوزيع المواد الاستهلاكية التي لم يتوصل المجتمع الاشتراكي بعد الى انتاج ما يكفي منها لتوزيعها على الشعب توزيعا حرا بدون مقابل، وكذلك لتحقيق التبادل بين المدينة والريف الذي لم يتحول بعد الى مستوى الملكية العامة كما هو الحال في ملكية المشاريع الصناعية. وهذا لا يتحقق تحقيقا تاما الا في مجتمع شيوعي. واجمل شرح لذلك هو شرح كارل ماركس لهاتين الاداتين اذ قال "انه (الفرد) يحصل على شهادة من المجتمع بأنه قد انجز كذا وكذا كمية من العمل (بعد استقطاع عمله من أجل المال العام) وبهذه الشهادة يسحب من المخزون وسائل الاستهلاك الاجتماعية قدر ما يكلفه نفس مقدار العمل" (كارل ماركس، نقد منهاج غوتا ص۱٦ باللغة الانجليزية) فالاجور هي شهادة يقدمها العمال لانفسهم حسب عملهم تخولهم الحصول من المجتمع على ما يعادلها من المواد الاستهلاكية المعدة للتوزيع. ولكن الانتاج الاجتماعي كله هو ملك هؤلاء العمال والفلاحين، ملك شعوب الاتحاد السوفييتي. فالمصانع والمزارع ليست مشاريع راسمالية وليس انتاجها انتاج سلع تباع من اجل الربح كما هي الحال في النظام الراسمالي. فالمجتمع يبقى المالك الوحيد للمعامل والمصانع وكافة المشاريع الانتاجية وما تنتجه. واجور العمال او ما كان يسمى مكافآتهم لا يمكن ان تعتبر مقياسا لمستوى معيشتهم كما هو الحال في المجتمع الراسمالي لأن الدولة الاشتراكية تحول كل شيء تنتجه بدرجة تكفي لتوزيعه مجانا الى التوزيع المجاني. فالعامل يتمتع بامتيازات لم يكن العامل في النظام الراسمالي يستطيع ان يحلم بها. فالسكن، ودور حضانة الاطفال، وسفر العامل مع عائلته للمصائف الممتازة كل سنة، والدراسة والمعالجة الطبية ووسائل اللهو الراقية بأسعار رخيصة وتوفر المواصلات الرخيصة وقصور الاطفال وغيرها كلها خدمات يحصل عليها العامل كحق من حقوقه. فالعامل في المجتمع الاشتراكي اذن ليس انسانا لا يملك سوى سلعة قوة عمله لبيعها للراسمالي انما هو انسان مالك لكل ثروات المجتمع بالاشتراك مع جميع اعضاء المجتمع.
في صبيحة اليوم الذي توفي فيه ستالين، حين كانت شعوب الاتحاد السوفييتي وشعوب العالم كله تبكي فقدان احد اكبر معلميها وقادتها، اجتمعت كافة سلطات الاتحاد السوفييتي لا لكي تقدر عظم هذه الخسارة الكبرى واتخاذ الخطوات اللازمة لتعويضها وانما لاتخاذ سلسلة من القرارات التي يبدو كأنها كانت موضوعة سلفا تنتظر وفاة هذا القائد العظيم من اجل اعلانها. ولم تكن هذه القرارات التي نشرت في جريدة البرافدا في اليوم التالي سوى التعبير عن شعار استراتيجي جديد هو اعادة الراسمالية الى الاتحاد السوفييتي.
استلم الخروشوفيون دولة اشتراكية تسير حثيثا نحو تحقيق المجتمع الشيوعي فكان عليهم ان يعكسوا الاتجاه، فحولوا الاتحاد السوفييتي بذلك الى دولة اشتراكية بالاسم ولكنها دولة  امبريو اشتراكية تتراجع نحو الراسمالية.
ليس موضوعنا هنا دراسة تفاصيل هذا التحول التاريخي وانما نحن بصدد شرح قانون تحول النقود الى رأسمال. بدأ التحول بأن تحولت الدولة من هيئة منتخبة لادارة الانتاج الاجتماعي لمصلحة الشعوب المالكة الى دولة تعتبر هذه الثروات الاجتماعية ملكا لها تتصرف به كيفما تشاء. فأخذت تحول قطاعات من الانتاج الاجتماعي الى سلع كبيع المعامل الى عمالها وتحول المنتجات الى سلع للبيع كبيع محطات المكائن الزراعية للمزارع التعاونية مثلا لتحولها عمليا الى مشاريع راسمالية. وحولت النقود من وسيلة لتوزيع المواد الاستهلاكية التي لم تتوفر بعد بكميات كافية لتوزيعها مجانا الى وسيلة لاغتصاب الخدمات بدون مقابل عن طريق طبع النقود بلا حدود وما رافق ذلك من تضخم نقدي وسوق سوداء. ولكن المشكلة التي واجهت هذه الدولة في تحويل النقود وادوات العمل التي استولت عليها واغتصبتها من المجتمع الى راسمال كانت خلق فئة من الناس لا تملك سوى قوة عملها سلعة لبيعها. فبدون هذا الشرط لا تصبح النقود راسمالا. كان عليها ان تسلب العمال وسائر شعوب الاتحاد السوفييتي من جميع حقوقهم التي اكتسبوها خلال مدة بناء المجتمع الاشتراكي.
واضطرت الزمرة الخروشوفية الى استبدال الاقتصاد الاشتراكي المبرمج الذي وازن بين صناعة انتاج ادوات الانتاج وانتاج المواد الاستهلاكية الى اقتصاد فوضى الانتاج أو ما كانت تسميه "اقتصاد السوق" وليس اقتصاد السوق سوى عبارة مرادفة مضللة للسوق الراسمالية. مما ادى الى الاخلال بالتوازن بين صناعة ادوات الانتاج وصناعة مواد الاستهلاك والى لجوء الخروشوفيين الى استجداء القروض الامبريالية والسماح بانشاء المشاريع الراسمالية الامبريالية في الاتحاد السوفييتي. كما ادى الى ازدهار الثورة التكنولوجية في الانتاج الحربي وحرمان الشعوب من فوائد هذه الثورة في الانتاج الاستهلاكي.
وقد استغرقت عملية تخريب وتحويل المنجزات الهائلة التي انجزتها شعوب الاتحاد السوفييتي خلال ثلاثة مشاريع للسنوات الخمس اربعين عاما الى ان تحولت هذه الشعوب الى عمال لا يملكون سوى قوة عملهم سلعة يبيعونها. فافقار هذه الشعوب وتجويعها وخلق البطالة فيها واعادة الدعارة والفقر واستعادة الديانات وتأثيرها الرجعي على الناس كانت اهدافا ضرورية لاعادة تحويل المجتمع الاشتراكي الى مجتمع راسمالي. ان اتحاد النقيضين، وجود النقود وأدوات العمل في جهة ووجود شعوب لا تملك سوى قوة عملها سلعة لبيعها من جهة اخرى شرط لازم لتحول النقود الى راسمال.

الثورة التكنولوجية وتأثيرها الاقتصادي

أهم الخصائص المميزة للثورة التكنولوجية هي انها تجري، شأنها شأن الثورة الصناعية، في ظل نظام رأسمالي. ولهذا فهي تخضع كليا للقانون الاقتصادي الاساسي للرأسمالية. والقانون الاقتصادي الاساسي للراسمالية كما وضعه ستالين هو كما يلي: "هل يوجد قانون اقتصادي أساسي للرأسمالية؟ تعم يوجد. ... ان أهم ميزات ومتطلبات القانون الاقتصادي الأساسي للرأسمالية الحديثة يمكن صياغتها بالشكل التالي: ضمان الارباح الرأسمالية القصوى عن طريق استغلال وتدمير وافقار الاغلبية الساحقة من سكان قطر ما، وعن طريق استعباد شعوب الاقطار الاخرى ونهبها المنظم وخصوصا البلدان المتأخرة التي يجري استغلالها للحصول على اعلى الارباح " (ستالين، المشاكل الاقتصادية للاشتراكية ص ٣٩ باللغة الانجليزية).
بما أن اجتناء الحد الاقصى من الأرباح هو الهدف فان الانتاج الرأسمالي لا يميز بين ما يفيد المجتمع وما يضره. اذ يكفي في هذا الانتاج ان يحقق اقصى الأرباح. هذه ظاهرة كانت ملازمة للنظام الرأسمالي وما زالت وستبقى كذلك طالما استمر وجود النظام الرأسمالي. وعليه فان بحث الثورة التكنولوجية يجب الا يقتصر على فوائد هذه الثورة للمجتمع الانساني انما يجب ان يتناول  فوائد الثورة التنكولوجية للبشرية من جهة ومضارها نتيجة للاستغلال الراسمالي لها في الوقت ذاته.
ثم ان الثورة التكنولوجية ليست بحد ذاتها هدفا للرأسمالية انما هي وسيلة لزيادة الأرباح ولذلك فان الرأسمالية تستغل التقدم التكنولوجي متى ما توخت منه زيادة الأرباح وتتخلى عنه متى ما شعرت بأنه يقلل الأرباح. وتأريخ الرأسمالية حافل بحالات تدمير مخترعات مفيدة للبشرية ولكنها لا تبشر بزيادة أرباح الرأسمالية. على ضوء هاتين النقطتين علينا ان نبحث موضوع الثورة التكنولوجية التي يعيشها العالم حاليا.
احدى الصفات المميزة للامبريالية هي سيطرة الرأسمال المالي وتصدير الرأسمال. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين اصبحت ظاهرة تصدير رؤوس الأموال ظاهرة مسيطرة على اقتصاد النظام الرأسمالي. ومنذ ما قبل الحرب العالمية الأولى اقتسمت الرأسمالية مناطق نفوذها في أرجاء العالم بصورة "سلمية" أحيانا وبصورة حربية في احيان اخرى.
احدى صور تصدير رؤوس الأموال هي منح القروض للحكومات في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة والبلدان المستقلة اسميا والخاضعة فعلا. والقروض هي وسيلة ذات حدين فهي من ناحية تحقق للمستعمرين الراسماليين ارباحا طائلة متمثلة بالفوائد العالية التي يفرضونها على هذه القروض والرسوم التي يتقاضونها عن منح القرض وتحويله ومن الناحية الاخرى يضطرون الدول المقترضة الى اعادة هذه الأموال الى الدول المقرضة عن طريق الاستيراد من الدولة المقرضة. تضاف الى ذلك الشروط السياسية التي تفرضها الدول المقرضة على الدول المقترضة. وقد بلغت هذه القروض في ايامنا، اي في عصر الثورة التكنولوجية والعولمة، مستويات هائلة بحيث اصبحت مشكلة مدمرة لاقتصاد البلدان المقترضة. وغالبا ما نسمع عن مطالبة الدول المقترضة بالغاء هذه القروض المتراكمة او بالغائها جزئيا.
والطريقة الآخرى لتصدير رؤؤس الأموال هي انشاء مشاريع راسمالية في هذه البلدان. كانت هذه المشاريع سابقا تتألف من مشاريع انشائية واستخراجية لاستغلال الثروات الطبيعية لهذه البلدان وانشاء صناعات استكمالية تساعد الرأسماليين على تنفيذ مشاريعهم باستغلال الايدي العاملة الرخيصة واتسعت في عصر الثورة التكنولوجية الى انشاء احدث مصانع المنتجات التكنولوجية الحديثة في هذه البلدان.
ليس في كل ما ذكر أعلاه من جديد. فالامبريالية استمرت على هذه السياسة الاقتصادية ولذلك فمن الطبيعي ان تستغل الثورة التكنولوجية في نفس الاتجاه.


 
فائض القيمة ومعدل الربح

علمنا ان الثروة الاجتماعية في النظام الرأسمالي هي عبارة عن تراكم فائض القيمة الذي ينتجه العمال للرأسمال بدون مقابل. وعلينا هنا ان نعود الى كارل ماركس لشرح تراكم فائض القيمة وكيفية تحوله الى ارباح تتوزع بالتساوي تقريبا على كافة الراسماليين بصرف النظر عن كونهم راسماليين صناعيين او تجاريين او ماليين او ملاكين
يبدأ الرأسمالي الصناعي بشراء سلعة قوة العمل المعروضة للبيع في السوق. وكما يشتري كل انسان اية سلعة معروضة في الاسواق فيخرجها من التداول في السوق لكي يستعملها كذلك يشتري الراسمالي سلعة قوة العمل في السوق ليخرجها من التداول ويستخدمها بالصورة التي يشاؤها. فالمفروض ان الراسمالي يشتري سلعة قوة العمل حسب قيمتها التبادلية اي قيمتها الحقيقية المتمثلة في ساعات العمل الاجتماعي المتبلورة فيها، ليستخدمها كقيمة استعمالية. وقيمة قوة العمل الاستعمالية هي العمل. ان سلعة قوة العمل، شأنها شأن اية سلعة اخرى، يجري تبادلها حسب قيمتها التبادلية متمثلة بساعات العمل المتبلورة في انتاجها، ولكنها تستخدم كقيمة استعمالية يستفيد منها مالكها بالطريقة التي يشاؤها. والفرق الوحيد في هذا الخصوص هو ان  الانسان حين يشتري سلعة معينة عدا سلعة قوة العمل يفصلها عن مالكها او بائعها لتصبح ملكا له يستطيع استخدامها بحرية بالانفصال عن منتجها او مالكها السابق، بينما سلعة قوة العمل لا يمكن استخدامها بالانفصال عن مالكها وبائعها اي الانسان، اذ ان الطريقة الوحيدة لاستخدام سلعة قوة العمل هي العمل الذي لا يستطيع انجازه غير بائع قوة العمل، الانسان. فليس بالامكان فصل سلعة قوة العمل عن بائعها كما هي الحال في كافة السلع الاخرى.  ولكي يستخدم الراسمالي قوة العمل عليه ان يهيئ لها المواد اللازمة لذلك كالمصنع وأدوات الانتاج والمواد الخام والمواد المساعدة كالوقود وغير ذلك. ومتى اجتمعت كل هذه المواد يستطيع الراسمالي ان يستفيد من قوة العمل كقيمة استعمالية، اي في العمل.
تختلف سلعة قوة العمل عن سائر السلع في العالم بأن قيمتها الاستعمالية، اي العمل، تخلق قيمة جديدة. فالعامل حين يحول بعمله الحديد الى ماكنة يؤدي مهمتين مختلفتين؛ أولا، ينقل القيمة المتبلورة في الحديد وفي سائر المواد المستهلكة الاخرى بما فيها استهلاك جزء من ادوات الانتاج والعمارات الى السلعة الجديدة، وثانيا يخلق قيمة جديدة اثناء عمله. تتألف القيمة الجديدة التي يضيفها العامل اثناء عمله الى السلعة الجديدة مما يعادل القيمة التبادلية لسلعة قوة عمله المتمثلة بالاجور في جزء من وقت عمله ومن جزء اخر ينجزه العامل للراسمالي بدون مقابل اي فائض القيمة. ففائض القيمة لا ينتج اذن في عمليات التبادل في السوق اي في عمليات الشراء والبيع، بل يتحقق خارج السوق، خارج عمليات التبادل، خلال عملية الانتاج. وحين تدخل الماكنة او السلعة التي ينتجها العمال الى السوق وتعرض للبيع تكون قيمتها بجميع اقسامها، القسم الذي ينتقل اليها من المواد المستخدمة في انتاجها والقسم الذي يحتوي على قيمة قوة العمل والقسم الفائض الذي اكتسبه الراسمالي في العملية. فالرأسمالي الذي يستثمر رأسماله في الانتاج هو الشخص المباشر الذي يجتني فائض القيمة من فائض العمل الذي يقدمه له العمال اثناء عملهم. فكيف يمكن تفسير الارباح التي ينالها سائر الراسماليين كالتجار والمصرفيين واصحاب الاملاك رغم انهم لم يستخدموا الايدي العاملة في انتاج مباشر؟ في الحقيقة رغم ان الراسمال الانتاجي هو المكتسب المباشر لفائض القيمة الا انه لا يكتسب كامل فائض القيمة التي اكتسبها مباشرة من استخدام القوة العاملة مباشرة. عن طريق المنافسة واقتسام العمل الرأسمالي الضروري يحصل الرأسمال الانتاجي على جزء فقط من فائض القيمة ويفسح المجال لغيره من الرأسماليين ان يجتنوا حصتهم من فائض القيمة الذي انجزه في عملية الانتاج.
ان عملية اقتسام الارباح هذه لا تجري بصورة واعية من قبل الراسماليين بل تجري بصورة غير واعية من خلال المنافسة بين سائر الراسماليين. فالرأسمالي لا يعي ولا يحتسب ارباحه وفقا لفائض القيمة الذي يكتسبه من العمال اثناء الانتاج. انه يحتسب ارباحه وفقا لكامل الراسمال الذي استثمره سواء في عملية الانتاح ام في العمليات التجارية ام في عملية القرض التي انجزها ام في احتساب ريع املاكه. ولكي نفهم ذلك علينا ان نفترض ان فائض القيمة المنتج في مجتمع معين في فترة زمنية معينة، في سنة مثلا، تشكل كمية واحدة. ففي هذه الحالة يكون مجموع فائض القيمة مساويا لمجموع ارباح الراسمال المستثمر في تلك الفترة. ويجري عن طريق المنافسة توزيع هذه الارباح حسب نسب رأسمال كل رأسمالي. وهذه النسبة، النسبة بين مجموع فائض القيمة المنتج ومجموع الراسمال تشكل معدل الربح. وبهذه الطريقة تتوزع الارباح لا حسب فائض القيمة التي ينتجها كل رأسمال بصورة مباشرة بل حسب كمية الراسمال المستثمر اي حسب معدل الربح.
وقد كشف كارل ماركس عن قانون ميل معدل الربح للانخفاض. وهذا القانون ناجم عن النظام الراسمالي نفسه. فمن طبيعة الراسمال الذي يهدف الى زيادة الارباح الى الحد الاقصى ان ينافس غيره بالاستفادة من التطور العلمي والصناعي. وهذا يتطلب زيادة في نسبة الراسمال المستثمر في ادوات الانتاج كالمكائن الجديدة. وهذا يؤدي الى تغير التركيب العضوي للرأسمال. فالراسمال المستثمر في الانتاج عموما يتألف من جزئين، الاول هو الرأسمال الثابت المستثمر في ادوات الانتاج, وهو رأسمال ثابت لان قيمته تنتقل كما هي الى السلعة الجديدة بدون زيادة. والراسمال المتغير المتمثل بالاجور التي يوظفها الراسمالي في شراء قوة العمل، وهو راسمال متغير لانه يقدم اثناء العمل اكثر من قيمته، اي هو الراسمال الذي يستغل فائض القيمة. وتطور النظام الراسمالي يشهد زيادة مطردة في الراسمال الثابت بالنسبة للراسمال المتغير. وبما ان نسبة فائض القيمة تقاس بنسبة فائض القيمة الى الراسمال المتغير بينما تقاس الارباح بالنسبة الى كامل الراسمال،  فان معدل الربح يميل الى الهبوط. وهذا القانون كسائر القوانين الراسمالية يعمل من وراء ظهر الراسماليين ورغما عنهم وينجم عن سعي الراسماليين لزيادة ارباحهم. ومن هذا ينشأ ان الراسمال المستثمر يزيد باستمرار وقد يزيد بذلك مجموع الارباح الراسمالية بينما ينخفض معدل الربح الراسمالي في الوقت ذاته.

قانون الازمات الاقتصادية  وقانون فناء الضدين

اكتشف كارل ماركس قانون الازمات الاقتصادية في نظام الانتاج الرأسمالي. فبين ان الازمات الاقتصادية نتاج طبيعي للراسمالية. كانت الازمات الاولى في تأريخ الراسمالية تتكرر كل عشر سنوات تقريبا. اذ تعقب كل ازمة فترات تحسن في ظروف الازمة ثم رواج واسع يؤدي الى فترة رواج كبيرة لتعقبها ازمة جديدة. كانت هذه الدورة في الازمات الاولى تتكرر بصورة منتظمة نوعما. وكان اقتصاديو الراسمالية يكتشفون في كل ازمة حلولا لها ويزعمون انهم فندوا نظرية كارل ماركس واكتشفوا الحل الذي ينقذ الرأسمالية من الازمات. الى أن تحل الازمة التالية لكي يبحثوا من جديد عن حلول جديدة للتخلص من الازمات ضمن النظام الرأسمالي.
وخلال تطور النظام الراسمالي تطورت معه الازمات الاقتصادية اذ بدأت تختفي فترات الرواج من الدورة. ومنذ ازمة ۱٩٢٩ الاقتصادية بدأ اقتصاديو الراسمالية يعترفون بأن الازمات الاقتصادية ظاهرة ملازمة للانتاج الراسمالي وحتى ادعوا اكتشاف ذلك بأنفسهم متناسين القانون الذي اكتشفه كارل ماركس.
ان الازمات ظاهرة طبيعية في النظام الرأسمالي نظرا لانفصال المنتج عن أدوات الانتاج وعن الانتاج الذي ينتجه. فلو فرضنا ان الرأسمالي يدفع للعامل قيمة قوة عمله كاملة فان ما يستطيع العامل ان ينفقه محدود بكمية اجوره. وبما ان العامل ينتج من السلع ما يفوق قيمة قوة عمله اذ ينتج فائض قيمة للرأسمالي فان العمال لا يستطيعون ان يشتروا لاستهلاكهم ما انتجوه لا لعدم حاجتهم اليه بل لان اجورهم لا تسمح لهم بشرائه. والراسمالي لا ينتج من اجل استهلاكه هو بل ينتج سلعا للبيع لا يتحقق ربحه منها الا لدى بيعها. وطبيعي ان الراسماليين جميعا ليس باستطاعتهم ان يستهلكوا فائض الانتاج كله بأنفسهم ولذلك تتراكم سلع في السوق ليس بمقدور منتجيها العمال ان يصلوا اليها.
يجد الرأسماليون بعض الحل في انتاج المواد الكمالية الغالية الثمن فيستهلكون بذلك جزءا من فائض الانتاج.  ولكن انتاج المواد الكمالية لا ينتج من اجل استهلاك العمال بل يبقى محصورا ضمن الراسماليين انفسهم. الا ان انتاج المواد الكمالية لا يستطيع مهما عظم ان يستهلك فائض الانتاج كله. ولذلك فان انتاج المواد الكمالية ليس من شأنه ان يقضي على الازمات الاقتصادية. ويلجأ الراسماليون الى انتاج مواد معينة لا تصلح لاستهلاك العمال بل تستهلكها الحكومات الراسمالية من اجل زيادة ارباحهم وتخفيف الازمات كالاسلحة التي سيجري الحديث عنها بصورة مفصلة فيما بعد.
في هذا العصر الذي نعيشه لم تبق الازمات مقصورة على احدى حلقات دورة الازمات الرأسمالية كما كان الامر سابقا بل اصبحت ازمة دائمية خصوصا في ظاهرة البطالة. اننا نشاهد الان ظروفا اصبحت فيها البطالة في العالم كله وخصوصا في الدول الراسمالية الكبرى ظاهرة دائمة. وقد دأب علماء الاحصاء الراسماليون على اكتشاف الوسائل والحيل الاحصائية لاخفاء المدى الحقيقي لازمة البطالة ولكن هذه  الاحصائيات لا تتعدى كونها تخفي العدد الحقيقي للعاطلين وبدلا من اربعة ملاين مثلا تحاول ان تخفض العدد الى ثلاثة ملايين ولكنها لا تستطيع ان تخفي عدد ملايين العاطلين كليا. وكل ما نسمعه هو ان عدد العاطلين قد انخفض في الشهر الفلاني عما كان عليه في الشهر الذي سبقه لكي يرتفع في الشهر التالي الى اكثر مما بلغه سابقا.  كذلك اصبحت ازمات ما يدعى بفائض الانتاج ازمات دائمة لا يستطيع الراسماليون التخلص منها بأي حال من الاحوال.
كذلك اكتشف كارل ماركس التناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج. وقوى الانتاج تتمثل بالقوى العاملة المنتجة في كل مجتمع وأدوات الانتاج التي يستخدمها هؤلاء المنتجون اثناء عملهم. وتتألف علاقات الانتاج الاجتماعية من كيفية حيازة الانتاج وكيفية توزيعه. وخلال تطور عمليات الانتاج في كل مجتمع تتحول  علاقات الانتاج من عامل مساعد لتطور قوى الانتاج الى عائق في سبيل المزيد من تطور قوى الانتاج ولذلك ينجم وضع يتطلب ثورة قوى الانتاج على علاقات الانتاح من اجل القضاء عليها وتحقيق علاقات انتاج جديدة تنسجم مع تطور قوى الانتاج لفترة من الزمن.
شهد تأريخ الانتاج البشري الى يومنا هذا عدة مراحل في تحويل علاقات الانتاج الى اشكال جديدة تنسجم مع تطور قوى الانتاج لفترات معينة. كان المجتمع البدائي بعد انفصال الانسان عن عالم الحيوان مجتمع الشيوعية البدائية ولكن تطور قوى الانتاج فيه ادى الى تحول المجتمع البدائي الى نظام انتاج العبيد، مرحلة العبودية. فقد كان الانتاج العبودي اكثر ملاءمة لتطور قوى الانتاج من مجتمع الشيوعية البدائية السابق له.  وكذلك اصبح نظام الانتاج العبودي خلال تطور قوى الانتاج الى عائق في طريق تطور قوى الانتاج فتحتمت ثورات العبيد التي حولت علاقات الانتاج العبودية الى علاقات انتاج اقطاعية هي الاخرى كانت اكثر انسجاما مع تطور قوى الانتاج لفترة زمنية معينة اصبحت بعدها عائقا في سبيل تطورها فتحتمت الثورات البرجوازية لخلق علاقات انتاج اكثر انسجاما مع تطور قوى الانتاج. وفي عصرنا، عصر الانتاج الرأسمالي، تكرر الوضع فأصبح الانتاج الرأسمالي عائقا في سبيل استمرار تطور قوى الانتاج. وتحتمت ثورة قوى الانتاج على علاقات الانتاج لتحويلها الى علاقات انتاج اكثر ملاءمة لتطور قوى الانتاج، تحتمت الثورات البروليتارية لتحويل علاقات الانتاج الخاصة الى علاقات انتاج اجتماعية تتفق وتطور قوى الانتاج الى قوى انتاج اجتماعية. فتوصل كارل ماركس وانجلز الى ضرورة الثورة الاشتراكية التي تحققت بنجاح لاول مرة في ثورة اكتوبر العظمى بعد فشلها في ثورة الكومونة في باريس.
ولكن الثورات البروليتارية التي حدثت في العالم لم تنجح وحتى الثورة الاشتراكية الاولى تراجعت بعد نجاح لم يشهد له التأريخ مثيلا. وما زالت علاقات الانتاج الفردية الراسمالية تضيق الخناق على قوى الانتاج الاجتماعية السائدة في عصرنا. وقد افلحت الدول الراسمالية التي من مصلحتها استمرار علاقات الانتاج الراسمالية في قمع الثورات الاشتراكية وفي منع تحول علاقات الانتاج الى علاقات انتاج جماعية لتنسجم مع تطور قوى الانتاج وتدفعها قدما الى علاقات انتاج اكثر ملاءمة لتطور قوى الانتاج.
احد قوانين الديالكتيك هو قانون فناء الضدين. وهذا ايضا قانون طبيعي يعمل بصرف النظر عن ارادة الانسان. لكي نفهم هذا القانون اورد قانون البيضة الذي طالما استعمله العلماء لشرح قوانين الديالكتيك. فالبيضة المخصبة تبدأ بنمو الجنين اذا توفرت لها الظروف الملائمة حين تكون البيضة نفسها حاميا ومساعدا على تطور وتغذية الجنين بداخلها. وحين يبلغ الجنين في داخلها درجة من النمو تصبح البيضة نفسها عائقا في سبيل تطوره ويتحتم على الجنين الثورة على البيضة لكسرها والخروج منها.فاذا فشل الجنين في عملية تحطيم قشرة البيضة ادى ذلك الى فناء الجنين وفناء البيضة في الوقت ذاته لأن البيضة نفسها لا تبقى بيضة بعد هذا التطور. وفي حياتنا الانسانية مثل اخر شبيه بمثل البيضة. فالبيضة المخصبة في رحم المرأة هي الاخرى تنمو على حساب المرأة ويشكل الرحم جهاز الحماية لنمو الجنين ويقوم دم المرأة الحامل بتغذية الجنين. وحين ينضج الجنين الى درجة الخروج الى الدنيا عليه ان يثور على الرحم الذي حافظ عليه طيلة فترة نموه  وأصبح الان عائقا في سبيل استمرار تطوره. فاذا عجز الجنين عن تحقيق ثورته بالخروج من الرحم الى الدنيا كان ذلك سببا في فنائه وفناء امه. ولذلك فان الطب يعمل على تحقيق الخروج بوسائل اصطناعية لتلافي هذا الفناء. وقانون فناء الضدين كسائر القوانين الطبيعية يفرض نفسه على المجتمع بصرف النظر عن ارادة الانسان. واذا لم تفلح قوى الانتاج في ثورتها على علاقات الانتاج ادى ذلك الى فناء الضدين. والتعبير عن فناء الضدين في الانتاج الراسمالي هو الازمة.
ففي كل ازمة اقتصادية يعاني منها النظام الراسمالي برهان على تحقق قانون فناء الضدين بأجلى مظاهره. فالبطالة هي تعبير عن تحقق هذا القانون على الجزء المنتج من قوى الانتاج، القوة العاملة. فالعامل العاطل، شأنه شأن العامل المنتج ينتج قوة عمله كل يوم عن طريق تناول الطعام واستهلاك المواد الاستهلاكية اللازمة لاعادة انتاج قوة عمله. الا انه ، نظرا لانفصاله عن ادوات الانتاج التي يمتلكها الراسمالي لا تتحقق لديه فرصة تحقيق قوة عمله بالعمل ولذلك تفنى قوة عمله ولا تؤدي واجبها الذي يتحقق بالعمل على انتاج جديد. ويتكرر فناء قوة العمل هذا طالما بقي العامل عاطلا. ويسري الفناء كذلك على الشق الثاني من قوى الانتاج، أدوات الانتاج والانتاج نفسه.فتكدس السلع غير القابلة للتصريف في الاسواق وغلق المعامل وافلاسات الشركات التي تلازم الازمة تعبير اخر عن فناء هذا الشطر من قوى الانتاج. وتصبح السلع المتكدسة في جهة والموت جوعا في جهة اخرى ظاهرة ملازمة للازمات نشاهدها يوميا في ايامنا. ويشمل الفناء علاقات الانتاج نفسها اذ تضطر المعامل الا التوقف عن الانتاج ويتوقف الراسمال عن استغلال فائض القيمة من العمال وتنقلب السلع من مصدر لتحقيق فائض القيمة عن طريق بيعها الى سلع ميتة يعمل الراسمالي على التخلص منها وتقليص انتاجها كما يحدث عند استخدام الحبوب التي يحتاجها الانسان لسد رمقه وقودا في المعامل والقاء المواد الاخرى في البحر وغير ذلك. وتتميز فترة الازمة بتفاقم عمليات ابتلاع الشركات الكبرى للشركات الصغرى بأثمان رخيصة وتركز وتمركز الرأسمال. فقانون فناء الضدين يفرض نفسه يوميا على النظام الراسمالي ولو انه لا يتطور الى فناء المجتمع كليا. وهذا يشبه كون فناء امرأة مع جنينها لا يعني فناء النساء جميعا.
ويدخل ضمن موضوع فناء الضدين موضوع تلوث البيئة. ان الانتاج الراسمالي، وقانونه هو زيادة الارباح الى الحد الاقصى، لا يهمه تأثير انتاجه السيء على البيئة طالما كان هذا الانتاج مربحا. ولذلك نشاهد في عصرنا، ومن نتيجة تلويث البيئة الدائم طوال قرون المجتمع الراسمالي، النتائج السيئة التي احدثتها الراسمالية وما زالت تحدثها فوق سطح الارض وتحته كل يوم وكل دقيقة. فالانسان اليوم يعاني من ازدياد حرارة الارض بسبب ازدياد نسبة ثاني اوكسيد الكاربون في الهواء ويعاني من تشقق الغلاف الجوي للارض، ويعاني من النتائج الوخيمة التي يسببها احتطاب الغابات ومن تلويث مياه الانهار وقتل كل احيائها. ونعاني من ازدياد في نسبة تلوث جو الارض بالاشعاعات الذرية وغير ذلك من مظاهر تلويث البيئة مما يهدد حياة البشرية بالخطر. ولا شك ان التجارب الذرية والهيدروجينية فوق الارض وتحتها قد ادت الى ازعاج القشرة الارضية.  قد يكون ذلك من اسباب ازدياد عدد الزلازل والانفجارات البركانية والفياضانات المدمرة التي نسمع عنها كل يوم في شتى بلدان العالم حيث مئات الالاف من الضحايا وملايين المشردين ومليارات الخسائر المادية. ان بحث هذا الموضوع من اختصاص علماء متضلعين وليس باستطاعتي بمعلوماتي السطحية ان اناقشه نقاشا علميا دقيقا. ولكن ما اريد الاشارة اليه ان احجام الراسمالية عن معالجة موضوع تلويث البيئة ونتائجه المدمرة يؤثر لا على الراسماليين وحدهم بل يؤثر على البشرية كلها ولذلك هو من مظاهر فناء الضدين الناجم عن استمرار وجود الراسمالية بعد ان حل موعد ولادة الاشتراكية من رحمها. وليس ادل على تقاعس الراسمالية عن معالجة عواقب التلويث الدائم الذي تسببه للبيئة افظع مما قامت به الولايات المتحدة اخيرا على لسان رئيسها جورج بوش بالغاء معاهدة كيوتو التي وقعتها الولايات المتحدة للحد من تلويث البيئة لان ذلك في غير مصلحة الولايات المتحدة اي في غير مصلحة الراسمالية الاميركية.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,715,344,571
- كتاب- خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- كتاب - خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- كتاب : الثورة التكنولوجية واقتصاد العولمة - الجزء الثاني
- كتاب : الثورة التكنولوجية واقتصاد العولمة - الجزء الثالث


المزيد.....




- سيارة للديوان الملكي تطلق النار على متظاهرين بحرينيين
- الحزب الاشتراكي الموحد وافى المجلس الأعلى للحسابات بكل التف ...
- كاسترو يشيد بـ-عصر جديد- مع واشنطن
- كاسترو يحض الولايات المتحدة على رفع الحصار الاقتصادي عن كوبا ...
- واشنطن وهافانا.. محبة بعد عداء 50 عاما.. أمريكا شنت حرب تجوي ...
- سيرة مناضل: عمر بن جلون | المغرب
- ?أوباما يرفع الحصار عن كوبا ويعلن بدء عهد جديد.. كاسترو يشيد ...
- الحزب الشيوعي يتهم -جهات متشددة- بتهديد هيفاء الامين
- «دولة الإسلام» يتبنى حادث اغتيال السياسي التونسي شكري بلعيد ...
- ذكرى ميلاد القائد-عبد المطلب العلمي


المزيد.....

- الاقتصاد السياسى الإفريقى فى النظام العالمى / سمير أمين
- كيف حدثت ثورة اوكتوبر / ا. مينتس
- كبف بستكلب أعداء الشيوعية / فؤاد النمري
- البلشفية طريق الثورة: مقدمة الكاتب للطبعتين الإنجليزية والإس ... / آلان وودز
- قراءة في كتاب -الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر ( 1968- 19 ... / جاسم الحلوائي
- أمريكا اللاتينية تواجه العولمة / سمير أمين
- هل تقلصت فضاءات الأمل بانقضاء المعسكر الاشتراكى؟ / خديجة صفوت
- الشيوعية أم القومية ؟ / شادي الشماوي
- الطبقة العاملة في حاجة إلى أممية ثورية / آلان وودز
- نحو نسوية ماركسية / روز ماري هينيسي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسقيل قوجمان - كتاب : الثورة التكنولوجية واقتصاد العولمة - الجزء الاول