أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وعد العسكري - الغربة والحنين عند السياب






















المزيد.....

الغربة والحنين عند السياب



وعد العسكري
الحوار المتمدن-العدد: 2032 - 2007 / 9 / 8 - 10:48
المحور: الادب والفن
    


المقدمة:
الاغتراب -ظاهرةً- قديمةٌ قدم الإنسان في هذا الوجود. فمنذ أن تكونت المجتمعات الأولى نشأت معها وفي ظلها الأزمات التي كانت تتمخض -بشكل أو بآخر- عن أنواع من الاغتراب عانى منها الفرد، وواجهها على وفق حجم طاقاته العادية والروحية، فقد تقوده إلى التمرد والعصيان، مثلما قد تفضي به إلى الاستسلام والانعزال والانكفاء على الذات.
ويبدو أن الاغتراب قدر الشعراء العرب القدامى فقد تغرب امرؤ القيس حين أنكر عليه أبوه قول الشعر وخرج مغضوباً عليه في نفر من شذاذ طيء وكلب بعد أن شبب بإحدى نساء أبيه. كما عانى طرفة بن العبد من الاغتراب حين خرج على مجتمعه وتمرد على قيم القبيلة فتحامته العشيرة. وعرف عنترة العبسي الاغتراب بسبب لونه ونسبه لأمّه وهي الأمَةَ الحبشية وكان ذو الرمة ضحية الاغتراب الاجتماعي بسبب مرضه العصبي، ثم العاطفي حين أحب ((ميّة)) قرابة عشرين عاماً.
وعانى أبو تمام من اغترابات شتى: مكانية واجتماعية ونفسية حتى آمن بأن الاغتراب هو التجدد. وارتبط الاغتراب بحياة أبي الطيب المتنبي أيما ارتباط فكان نسيج وحده، افرده الهّم مثلما افرده الحسد. وكان لأبي فراس الحمداني اغترابه هو الآخر: بسبب مرارة الأسر وعذابات الشوق والحب، وعاش الشريف الرضي اغترابات حادة على رأسها اغترابه الروحي الذي تلبسه بسبب مآسي سلالته الهاشمية.
فإذا ما اقتربنا من أبي العلاء المعري أطْللْنا على ذروة اغتراب النفس، واغتراب المكان واغتراب الجسد. وهكذا يتكشف لنا الاغتراب من خلال أولئك الشعراء وسواهم عن نفوس طامحة وأرواح مجنحّة تاقتْ إلى العلو، ووجدت في الأرض جحيماً لا يُطاق.
وقد بات الاغتراب قضيةً تناولها الفلاسفة والمفكرون بالتحليل وتعقبّوها بالبحث والاستقصاء بعد نشوء المجتمع الصناعي من جهة، وقيام الحربين الكونيتين وما رافقهما من مآسٍ وويلات من جهة أخرى حتى ليصح أن يقال إنَّ في كل إنسان مغترباً.
ولقد عانى الإنسان العربي بعامة والمثقّف بخاصّة، من اغترابات شتى، واتسمت ردود فعله بأشكال شتى تراوحت بين الانسحاب من الواقع إلى هامش الحياة، أو الرضوخ للنظام القائم والاندماج في مؤسساته، أو التمرد بنوعيه: الفردي والثوري الجماعي، أو الهجرة إلى الخارج بحثاً عن فرص أفضل في الحياة.
ولابد من الإشارة إلى سببين جوهريين وراء اغتراب المثقف: يتصل الأول بقضية الحرية وما يتعلق بها من مداخلات السلطة السياسية والاجتماعية، ويتعلق الثاني بصدمة المثقف بسبب تعثّر المشروع النهضوي القومي.
وإذا انعطفنا نحو الشاعر العربي المعاصر، سنجد أنّ انعكاس الاغتراب عليه بات طردياً مع تعقيد الحياة وتعفّن أوضاع المجتمع، فالشاعر أسرع من غيره إلى الإصابة بهذا الداء لأنه يتمتع بقدر عال من الحساسية والتوتر والرهافة، ولهذا فقد عاش في اغتراب مركب لأنه ((إنسان جمعي يستطيع أن ينقل ويشكل اللاشعور أو الحياة الروحية للنوع البشري)) مثلما يقول (يونج).
ولا شك في أن اغتراب طليعة الشعراء في هذا القرن وفي الحقب اللاحقة، قادهم إلى محاكاة الرومانسية الغربية، يستوي في ذلك شعراء الوطن العربي والشعراء العرب في المهاجر، فاتخذوا من الليل أنيساً، وتاقوا إلى حياة الكوخ، واعتزلوا المدينة، وتغنوا بالألم، وصار الحزن نديماً لهم.
ومن هنا فقد وجد الشعراء، وبخاصة منهم الرواد: بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري، أنفسهم في عالم مقفر، تراجعت فيه المثل الروحية، وافتُقِدَت أواصر الحب الإنساني الذي يتشوفون إليه، فعانوا من الاغتراب أيما معاناة، وحاولوا -كل على وفق طاقاته المادية والروحية- مواجهته والرد عليه.









الفصل الأول
مفهوم الاغتراب السياسي والاجتماعي

أنماط الاغتراب لدى الشعراء الرواد :
يعرف بعضهم الاغتراب: ((بأنه عملية صيرورية تتكون من ثلاث مراحل متصلة اتصالاً وثيقاً)).( ) فالمرحلة الأولى تتكون نتيجة لوضع الفرد في البناء الاجتماعي، ويتدخل وعي الفرد لوضعه في تشكيل المرحلة الثانية، أما المرحلة الثالثة فتنعكس على تصرفه إنساناً مغترباً على وفق الخيارات المتاحة أمامه.( )
وغربة الشعراء الرواد الأربعة لا تخرج عن نطاق المراحل المذكورة، فقد ربطت المؤسسة السياسية القائمة آنذاك العراق بعجلة الاستعمار، وصادرت الحريات العامة والشخصية، وأفقرت الشعب، كما اتسم الوضع الاجتماعي بسيادة القوى المحافظة، وجمود التقاليد. وكان على الشاعر أن يدخل معركة الحرية والتقدم ضد القوى والمؤسسات الحاكمة والمتنفذة. وليقين الشاعر بأن معركته خاسرة لانعدام تكافؤ قوى الصراع، فقد وجد نفسه غريباً في محيط قاس، بعد أن وعى المأساة، وكافح من أجل الخلاص دون جدوى. ومن هنا فقد تشكل في داخله رد الفعل المناسب على وفق قدرته ووعيه، فقد يتابع مواجهة التحدي ومن خلال أساليب تتخذ طابع التمرد الفردي حيناً، وتندمج في البؤر الثورية الجماعية حيناً آخر، وقد ينكفئ على نفسه لائذاً بها، هارباً من الواقع، ومعتزلاً المجتمع.( )
ولم يخرج الشعراء الرواد الأربعة عن هذا التشخيص: فقد تابع السياب والبياتي والحيدري مواقفهم الرافضة، كل بطريقته الخاصة وإن ضمها إطار واحد، بينما استدارت نازك نحو ذاتها تلهبها جلداً وكأنها تقتص منها.
ومن خلال دراسة النص الشعري أولاً، والإحاطة بما تيسر من أحداث ومواقف عاشها الشعراء، وجد الباحث أن اغترابهم لم يكن واحداً في تصنيفه بل اتخذ عدة أنماط: فهناك الاغتراب الاجتماعي، والسياسي، والعاطفي، والمكاني، والروحي.
وهنا لابد من الإشارة إلى أنّه من التعسف توصيف كل غربة على حدة لأن مظاهر الغربة عموماً هي واحدة: مثل العزلة أو شبه العزلة، والشكوى، والتطلع إلى مثال غير موجود، والبحث عن يوتوبيا خاصة. أما تسمية الغربة بالاجتماعية، أو بالسياسة، أو بالعاطفة فذلك راجع -كما يعتقد الباحث- إلى دواعي الغربة نفسها التي أمدتها بعناصر النمو.
على وفق هذا التبسيط سيتناول الباحث اغتراب الشاعر بدر شاكر السياب من خلال النص الشعري ومن خلاله مايدعمه من رأي أو موقف جاء على لسان الشاعر أو بأقلام نقاده ودارسيه.

الاغتراب الاجتماعي:
في جيكور تبدأ غربة السياب الاجتماعية، والتي ستقوده إلى ((تجارب مشبعة بالمرارة والألم.. ومن أبرزها تجاربه في الحب، والثورة، والحاجة، والحنين إلى الماضي، والمرض الوبيل)).(1) وقد ولدت هذه الغربة من رحم ظروف وأحداث لم يكن للسياب يد فيها، أولاها دمامة وجهه وهزال جسمه، فها هو يصف نفسه قائلاً:

واهي الكيان كأنّ خطباً هدّه

ذاوي الشفاه لطول ما يتنهّد


وهو المعطَّلُ من قوامٍ فارعٍ

يسبي العيون ووجنةٍ تتورَّدُ(2)

ولو كان السياب إنساناً اعتيادياً لقنع بالانزواء في إحدى زوايا المجتمع وكان نسياً منسياً، ولكنه شاعر يعتلي المنابر، ويتصدر المناسبات، ويتعقب الجمال، لذلك كان قبحه خنجراً في خاصرته، وربما سمع بسبب ذلك مالا يسره لأن هيئته الخلقية كانت ناتئة في حياته إلى الحد الذي عجز عن التغاضي عنها أو التقليل من شأنها.(3) إن هذا الأمر وحده كاف لأنْ يشكل بؤرة اغتراب حاد(4) فكيف لو تضافرت معه عناصر أخرى في مقدمتها: وفاة أمه، وهوفي السادسة من عمره،(5) فيفتقد بذلك حناناً هو أحوج مايكون إليه في حياته الأولى التي تصورها خريفاً طويل الليالي بعدها، يقول:

في ليالي الخريف الطوالْ
آه لو تعلمين
كيف يطغى عليّ الأسى والملالْ!؟
في ضلوعي ظلام القبور السجينْ
في ضلوعي يصيح الردى
بالتراب الذي كان أمي ((غدا
سوف يأتي، فلا تُقْلِقي بالنحيبْ
عالمَ الموت حيث السكون الرهيبْ))(1)
إن الموت الذي اخترم أمه سيكون كالطير الذي يحوم فوق رأسه، يلاحقه في كل مكان، وينغص عليه حياته في كل حين، والطفل الذي افتقد أمه قبل ثلاثين عاماً يستيقط الآن في صدر الشاعر حالماً، من فرط الوحدة والألم، بلقاء الوجه الذي غيبته السنون، متصوراً أن ذلك سيضع حداً لآلامه، فحين يشتد عليه المرض، وييأس من الشقاء يتوسل بقبر أمه أن يفتح ذراعيه لاستقباله(2)وحين ترتخي عنه قبضة المرض، تضيء له بارقة من أمل فيخاطب أمه قائلاً:
أماه ليتكِ ترجعينْ
شبحاً، وكيف أخاف منه وما امّحتْ رغم
السنينْ
قسماتُ وجهكِ من خيالي(3)
ومن عناصر غربته الاجتماعية موت جدته، وزواج أبيه، أما موت جدته فقد ((جعله... وحيداً مستوحشاً))،(4) فهي الصدر الذي احتضنه بعد رحيل أمه، وقد فقد بغيابها آخرُ مُعين له، يقول:
جدتي من أبثّ بعدكِ شكواي
طواني الأسى وقل مُعيني

أنتِ يامَنْ فتحتِ قلبكِ بالأمسِ
لحبي أوصدْتِ قبركِ دوني(5)
ولنلاحظ المفارقة التي أحدثتها الصدمة في نفس الشاعر: الجَدَّة التي فتحت قلبها بالأمس له، توصد باب قبرها دونه اليوم، فبين انفتاح القلب (الامتلاء)، وانغلاق القبر (التلاشي) تمتد غربة الشاعر، وتسد عليه مسارب التنفس، أمَّا زواج أبيه بعد وفاة أمه، فقد حرمه من عطف بات أبعد من خيال أيّ امرأة يشتهيها: إنه التشبيه بالمستحيل، يقول الشاعر:
خيالك من أهلي الأقربين
ابرّ وإن كان لا يعقلُ

أبي... منه قد جردتني النساء
وأمي طواها الردى والمعجلُ(1)

إنها نجوى الوحيد الذي يتآكله الحرمان، وتغزوه الغربة من جميع الجهات.
الاغتراب العاطفي:
من طبائع ((الأنا)) ميلها إلى العزلة التي تتهدَّدها دائماً. ولكن ((الأنا)) تعمل باستمرار لتنمية قدرتها -عبر سعي متواصل- على مواجهة عزلتها، شريطة أن تحافظ على خصائصها وحريتها من جهة، وأن ((تعلو على نفسها))(2) من خلال الاتحاد بـ ((أنا أخرى))(3) تفهمها فهماً صادقاً من جهةأخرى، وبعكس ذلك كان الانعطاف نحو الآخر السلبي سبباً في تعمُّق العزلة.
وثمة وسائل يلجأ إليها الإنسان للتغلب على عزلته منها: الحب والصداقة والفن.( ) فالحب على وفق هذا التوصيف منهج تعويضي يعتمده المغترب للخروج من عزلته، ولكن إخفاقه في الحب سيقوده إلى اغتراب عاطفي يضاف إلى اغترابه الآخر.
عاش السياب عدة تجارب عاطفية. تنقل خلالها من امرأة إلى أخرى، فلم يظفر لدى أيٍّ منهن بما يعوضه عما افتقده من حنان الأم وعطف الأب أولاً، ولم يجد فيهن من تبادله الحب وتشاطره آلامه وآماله ثانياً. فالسياب -شأن أي إنسان شاعر- لا يريد المرأة ((للتعبيرعن حاجة تفرضها فتوته فقط، بل يريدها رفيقة حياته وبؤسه وحرمانه))،( ) على أن افتقاره إلى الحد الأدنى من الوسامة ربما حال بينه وبين مبتغاه، بالإضافة إلى ((ضعف موقعه الاجتماعي مالياً))،( ) لأن أياً من حبيباته الخمس -بعد وفيقه وهالة- لم تكن لتغامر في قبول زوج فقير إلى المواهب البشرية، والموقع المالي في آن، ولكن الشاعر ركز على النفوذ المالي: فواحدة باعته ((بمأفونٍ لأجل المال)) وثانية عافتْه ((إلى قصر وسيارة))، و((تلك وزوجها عَبَدَا مظاهر ليلها سهر وخمر [و]... قمار))،( ) وأشار إلى أنّ إحداهن -لبيبة- أغراها الحسن بأنّه ((غير كفء)).( ) على أن الشيء الذي يهم الباحث هنا هو اعتراف الشاعر بأن كل اللائي أحبهنّ لم يبادلْنه الحب، ولم يعطفْن عليه.
يقول السياب:
ومامن عادتي ماضيَّ الذي كانا
ولكن... كل منْ أحببتُ قبلك ما أحبوني
ولا عطفوا علي، عشقتُ سبعا.....(1)
لقداحتمل الشاعر هذا العبء- الكابوس كل هذه السنين، التي طحنها الفقر، والتشرد، والمرض، واليأس، ليفصح عنه وهو على أهبة الرحيل الأبدي. فالفراغ العاطفي الرهيب الذي عاناه، مشحوناً بالتمني -المستحيل يتحول الآن إلى وحش كاسر يوشك أن ينقض على فريسته ولكن صرخة الشاعر/ الاعتراف أعادت توازنه: بين ماض من الخواء العاطفي، وغدرٍ بّما امتلأ بكلمة حب تنقذ الجسد المسجّى من الانهيار التام، ومن هنا صرخته الثانية- الرجاء:
أحبيني
لأني كل من أحببتُ قبلك لم يحبوني(2)
والأمر الآخر الذي كشفته للباحث أشعار السياب العاطفية هوتكثيف ميله إلى الحب الحسي في مرحلة مرضه العضال. ويبدو أنّ هذا الحس الصارخ انعكاس لرغبة قديمة عجز عن إروائها، فقد أنفق عمره بحثاً عن امرأة تبادله الحب، وتطارحه الجنس، وتمنحه مايشتهي، حتى إذا طال انتظاره دون جدوى، اضطر إلى خوض غمار التجارب الجسدية(3)ولكن ذلك -كما يبدو - لم يُطفئْ أوار رغبته، وهاهو الموت المتربص به يوقظها الآن، فتفيض شعراً على لسان الشاعر، يقول:
تشتهيك البارحهْ
فقبّلُتُ ردن الرداء:هنا ساعداها،
هنا إبطها، يالكهفِ الخيالْ
ومرفأ ثغري إذاجرفتْه رياحٌ ابتهالْ
ودحرجَهُ مدُّ شوقٍ مُلِّحٍ، وقد حار السؤالْ
((تحبيّنني أنتِ؟ هل تخجلين))(4)
ولنلاحظ في النص الرغبة الحسية (الإبط، مرفأ الثغر) إلى جانب الحب الروحي (تحبينني أنت؟). وقد يستبد به الجنس -ذلك الذي لم ينله بالمتعة المتبادلة- من خلال الخيال المتشظي من نار المدفأة فيرتسم أمامه الجسد العاري بكل إغراءاته، يقول في قصيدة سفر أيوب:
تدحرجَ: عُرِّي النهدان، بأن الجيدُ والساقُ
تدحرجَ لي علي الجنبِ
تدحرجَ ثم صكَّ أضالعي، وتُثار أعراقُ
ويطفر للجبين دم، ويعروني
داور منه تصطك النواجذُ، خوفَ بحّارِ
يُطلّ فيبصر التيّار يزفرُ مثل تنيِّنِ(1)
إن الشاعر وهو يستعيد الرغبة في امتلاك جسد امرأة تبادله الحب، فإنه بذلك يعبر عن الوجه الآخر لاغترابه العاطفي، إنه الاغتراب الحسي بالتعبير الدقيق، والتصريح به على نية الاشتهاء يعني ممارسته خيالياً، أي تخفيف ضغطه من على جسد السياب الضعيف وبالتالي استرداد، طاقة بدنية لمواصلة الحياة، ولولاها، لولا هذه الممارسة الخيالية لما استمرت حياة الشاعر في ظل مرضه هذه السنين على الرغم من قصرها.
الاغتراب السياسي:
لا يخفى أن للشعر مهمة جليلة ((ولولا هذا الجلال لما عُدَّ الشاعر بمنزلة النبي))،(2)ولأن الشاعر على وفق هذا الرأي ((صاحب رسالة مهمة في حياة الجماعة، فمن البديهي أن يكون أكثر من غيره خبرة وحساسية)).(3)من هذا المنطلق كان للشعراء الرواد دورهم في خدمة مجتمعهم من خلال دورهم السياسي دفاعاً عن حقوق الوطن والأمة. وهم وإن اختلفت وسائلهم، وتباينت وجهات نظرهم حول المنهج والأداة، إلا أن عملهم السياسي تجوهر في خدمة مصلحة الجماعة وفي الوقت الذي تشابهت فيه بدايات السياب والبياتي وبلند الالتزام بتنظيم سياسي محدد فإن تجربة نازك تخطت التنظيم الحزبي إلى أفق وطني وقومي أشمل.
أما السياب فربما تحمل من آلام العمل السياسي وإخفاقاته أكثر مما تحمله الآخرون من الشعراء الرواد: فقد دخل المعتقلات وأكل ((مع الضحايا في صحاف من دماء)) وشارك (( الفم المسلول) وعاءه، وشم (ماسلخ الجذام من الجلود)) على ردائه.(4)كما فصل من وظيفته وعرف الحاجة والفقر، وانتهى به الأمر مُطارَداً خارج وطنه في إيران، ثم في الكويت، حيث عاش فترة ذاق فيها ذل الغربة وانكسار النفس ووحشة الروح.(5)وهناك حيث تضيق به سبل العيش، يعيش غربتين: نفسية ومكانية قد يعجز عن احتمالهما أي إنسان مهما كان حظه من الجلد والعزم، فما بالك بالسياب وهو من عرف بالإحساس المرهف، والجسد النحيل، ولقد كانت قصيدته ((غريب على الخليج)) نشيد كل المكافحين عن أوطانهم، ففيها تتجلى غربته الحادة. كما يتجلىإيمانه بوطنه، إلى جانب ذل حاله، يقول الشاعر:
الريح تلهث بالهجيرة كالجثام على الأصيلْ
وعلى القلاع تظل تُطوى أو تُنشر للرحيلْ
زحم الخليج بهن مكتدحون جوابوّ بحارِ
من كل حافٍ نصفِ عاري (1)
وتمضي القصيدة في استذكار الماضي، والتقاء الشاعر بوجه أمه، وعودته طفلاً يخاف الأشباح بين النخيل وقت الغروب، ثم صبياً وهو يستمع إلى أقاصيص السمّار، حتى إذا يلتفت إلى حاضره الموجع يتفجّر حنينه إلى العراق فيتوق إلى ليلة صيفية ينام فيها على الوسادة. شاكياً ما يقاسيه في غربته من عطف الأجانب، وبؤس حاله.(2)
إن ما أراده الباحث من نثر هذه القصيدة هو بسط حال الشاعر الذي سيؤول به إلى الخروج على التنظيم، فربما اعتقد السياب أنّ انتسابه إلى هذا التنظيم بالذات هو الذي أدى به إلى التشرد، ومعاناة ماعاناه من آلام، لعلها كانت السبب -فيما بعد- في مرضه. وإذا صح أن تاريخ القصيدة هو العام 1953 كما هو مثبت في ذيلها،(3)فهو العام نفسه الذي شهد خروج بدر من التنظيم: فقد انتسب بدر للحزب عام 1945 وظل فيه لمدة ثماني سنوات،(4)، ومايهم الباحث هنا هو أن خروجه على التزامه ضاعف غربته الاجتماعية الفكرية التي كان يعاني منها من قبل، فقد جرَّ عليه خصومات جديدة وأثار على موقفه أكثر من شبهة، هذا بالإضافة إلى أن انتكاسة الوضع السياسي بعد ثورة 14 تموز من عام 1958، وانقسام الحركة الوطنية، أصابت الشاعر ببعض الشظايا، الأمر الذي أدخله في دوامة نفسية قاسية بسبب الاعتقال، والفصل من الوظيفة، والحاجة إلى المال. يقول الشاعر في قصيدة ((العودة إلى جيكور)):
جيكور، جيكور: أين الخبز والماءُ؟
الليل دافئ وقد نام الأدلاءُ؟
والركب سهران من جوع ومن عطش
والريح صَرٌّ، وكلُّ الأفق أصداءُ (1)
وكلما حاصره خصومه، اشتدت غربته، فها هو(سربروس) يعرش في الدروب لا لينال منه وحده، وإنما أيضاً ليمزق الصغار، ويقضم العظام، ويشرب القلوب(2) فربّما أحس أن مأساته هي مأساة الملايين سواه. هكذا هو حال السياب، دخل المعترك السياسي مغترباً، وخرج منه أشد اغتراباً لأنه قذف بنفسه في لجة الصراع ولم يقف على حواشيه، ولأنه أحب العراق حدَّ العشق فإن كُلاً من التزامه الحزبي، وانسلاخه عبَّر ((عن ذلك العشق لبلده ومن فيه)) على حد تعبير جبرا إبراهيم جبرا.(3)
أما مايعتقده بعضهم من أنه دخل الصراع السياسي ((ضعيفاً مهزوزا))(4)فهو رأي تدحضه الوقائع لأن ما نهض به السياب من تبعات العمل السياسي ابتداء بالمشاركة الفعالة في التظاهرات، مروراً بالاعتقال والفصل من الوظيفة، والتشرد خارج الوطن، وانتهاء بالعودة إلى الوطن، وتعاطي العمل السياسي بأشكال جديدة، إن كل ذلك لا علاقة له بالضعف والاهتزاز، إن لم يكن ذا صلة وثقىة بالصلابة، والقوة.
الاغتراب المكاني والموقف من المدينة:
اتخذ الشعراء الرواد مواقف متنوعة من المدينة تراوحت بين الرفض والقبول والتعاطف، كل بحسب الظروف التي نشأ فيها، وأشكال الاغتراب التي عانى منها، ولذلك نرى أن للشاعر أحياناً أكثر من موقف تمليه عليه نظرته إلى المجتمع، فالموقف من المدينة يكاد أن يكون صدى للموقف من المجتمع.
فالسياب شاب ريفي نازح من قرية صغيرة ودخل المدينة وهو يعاني من الغربة الاجتماعية، فلا عجب إذا نفر من بغداد مثلاً ((لأنها عجزت أن تمحو صورة جيكور أو تطمسها في نفسه))(5)، كما يقول إحسان عباس فقد خذلته عاطفياً وسياسياً، يقول:
وتلتف حولي دروب المدينةْ
حبالاً من الطين يمضغْن قلبي
......
حبالاً من النار يجلدْن عُريَ الحقول الحزينةْ (6)
فقد قتلت المدينة في نفسه صورة جيكور وبراءتها وطهرها، في الوقت الذي كان يرجو فيه أن تُداوي جراحه، وتحقّق أحلامه. من أسباب نفور السياب من المدينة: إنها بخيلة لا تجود كما تجود القرى سخاء، ونقاء، وحباً، يقول:
مدينتنا تؤرق ليلها نار بلا لهبِ
.......
سحائبُ مرعدات مبرقات دون أمطارِ(1)
ومن تلك الأسباب: قسوة المدينة، التي تجسدت في توسعها على حساب الموتى من أجل إشباع نهم أربابها الطبقيين الذين يمارسون الاستغلال ابتغاء الحصول على حفنة من النقود لا تساوي عظام الموتى البالية، يقول الشاعر:
وأوقدت المدينة نارها في ظلّةِ الموتِ
تقلّع أعينَ الأموات ثم تدسُّ في الحفرِ
بذورَ شقائق النعمان، تزرع حبة الصمتِ
لتشعر بالرنين من النقود وضجّة السفر(2)
وهناك القهر السياسي الذي ارتبط بالمدينة ونال منه السياب المطاردة، والسجنَ، والتشردَ، يقول الشاعر:
..........سر بروس في الدروبْ
في بابل الحزينة المهدّمةْ
ويملأ الفضاء زمزمةْ(3)
فـ ((سر بروس)) رمز الطغيان السياسي الذي انتصب في المدينة جبّاراً يشيد السجون والملاهي والبارات والمباغي،(4)تلك الرموز التي كرهها الشاعر واقترنت عنده بابتلاع الإنسان، واغتيال آدميّته. وثمة داع آخر يسميه الباحث بالاقتصادي فقد عانى السياب من الفقر، في الوقت الذي تمتع فيه نفر جاهل بالثروات الهائلة، ولما كانت المدينة مقرّ المال فقد ارتبطت عنده بالطغيان الاقتصادي.
يقول:
وبين الضحى وانتصاف النهارْ
إذا سبحّتْ باسم ربّ المدينةْ
........
رحى معدن في أكفِّ التجارْ
لها ما لأسماك جيكور من لمعةٍ واسمها من
معانٍ كثار(1)
ولا يخفى أنّ ذلك يمثّل موقفه حيال الظلم الطبقي الذي ابتنى رفاهه وسعادته من عرق الآخرين، وثمة داع آخر يسميه الباحث بالعاطفي لأنه يتصل بتجارب السياب الغرامية التي خرج فيها بِخُفّيْ حنين. فالقراءة النفسية لبعض نصوص الشاعر قد تعين على فهمها فهماً صحيحاً، واستخراج المعنى الذي واراه الشاعر: فلنقرأ له في قصيدة ((أم البروم)):
فأين زوارق العشاق من سيارةٍ تعدو
ببنتِ هوىً؟ وأين موائد الخمّار، من سهلٍ
يمدّ موائد القمرِ
على أمواتك المتناثرين بكل مُنحدرِ(2)
إن المعنى المباشر الذي ينطوي عليه النص هو تعلق الشاعر بالقرية، ومقارنتها بالمدينة بدليل الأبيات التي سبقته:
صدى من غمغمات الريف حول مواقد السحرِ....الخ (3)
ولكنّ السياق يستدعي تفسيراً نفسياً: فلا يعقل أن يكره السياب ((السيارة)) ولا يبدو منطقياً أنْ يكره موائد الخمر وهو الذي عرف بمعاقرتها. إن معنى آخر يكمن في النص، والرجوع إلى قصيدة ((أحبيني)) ربما سيكشفه. ففي هذه القصيدة التي يستعرض فيها الشاعر أو ضاع حبيباته، يستوقفنا قوله:
وتلك كأنّ في غمازيتها يفتح السحرُ
عيونَ الفل واللبلاب، عافتْني إلى قصر وسيّارةْ
إلى زوج تغيَّرَ منه حال.......(4)
إن هذه السيارة التي كانت سبباً في احتياز حبيبته من قبل غيره أصبحت رمزاً بغيضاً لديه يفصح عنه كلما أسعفه لا وعيه، وكما ارتبطت السيارة عنده بذكرى حزينة، كذلك ارتبطت موائد الخمر بذكرى حزينة أخرى.
ففي القصيدة نفسها نقرأ:
وتلك وزوجها عَبَدَا مظاهر ليلُها سهرُ
وخمرٌ أو قمارٌ ثم يُوصدُ صبحها الإغفاءْ (5)
الرمز الأسود ينتقل من السيارة إلى موائد الخمر فقد انساقت حبيبته ((سلوى)) وراء زوج ساقها هو الآخر إلى ماكانت تشتهي ويروق لها، السهر وموائد الخمر، وكذلك كان وعي الشاعر الباطن هو الذي يتحدث وهو يشاهد ماتفعله ظواهر المدينة الحضارية من هدم لقبور الموتى، وتدنيس لحرمة الموت، وما تثيره من ذكريات مريرة في نفسه.
وهناك داعٍ آخر بالإمكان تسميته بالنفسي: فهو موقف من بعض مظاهر الحضارة التي تعيشها المدينة. فالمدينة خصمه: عاش فيها خيباته العاطفية، وهزائمه السياسية، وقدتراكم في نفسه منها مايعبّر عنه أحياناً بالرجوع إلى القرية الوادعة، البسيطة، التي لم يغزُها بعدُ هذه المظاهر/الجراثيم. ففي قصيدة ((جيكور والمدينة)) يقرن الشاعر وجود السجن والمبغى بوجود الكهرباء:
وفي كل مستشفيات المجانين
في كل مبغى لعشتار
يطلقنْ أزهارَهُنّ الهجينة
مصابيح لم يُسْرِج الزيتُ فيها، وتمسسْه نار (1)
فالشاعر ينكر على هذه المصابيح أنها لا تشتعل بواسطة الزيت، فكأن الشاعر قارن بينها -لا واعياً- وبين الكوكب الدريّ الذي ((يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار))(2)فربما رأى الشاعر في الكهرباء، وهي أيضاً أحد رموز المدينة -تحدّياً لخالق الكون، فهذا الرمز الآلي لا يضيء المصابيح دون زيت فحسب وإنما لأنه يميت البشر أيضاً، فهذه ((لاة)) أم تموز تنعي ولدها الذي صعقته الكهرباء:
وترسل النواح: ((ياسنابل القمرْ
دم ابنيَ الزجاج في عروقه انفجرْ
فكهرباء دارنا أصابت الحجرْ
وصكّه الجدار، خضّه، رماه لمحة البصرْ
أراد أنْ يُنير، أنْ يبدّد الظلام، فاندحرْ (3)
وقد يتمادى السياب في مناوءة ((الحضارة)) المدمرة، فيرفع عقيرته ضد القطار أيضاً هو الآخر من رموز المدينة الظالمة:
ترفع بالنواح صوتها كما تنهّد الشجرْ
تقول: ((ياقطارُ، ياقدرْ
قتلتَ -إذْ قتلتَهُ- الربيعَ والمطرْ))(1)
فالقطار، مثل الكهرباء، قاتل، قتل الربيع والمطر رمزيْ الحياة، والخصب والوجود.
لقد كانت المدينة على وفق الأسباب التي ذكرناها عنصراً قاهراً، معتدياً، مسخ الإنسان، وعبث بمصيره من أجل غايات دنيئة:
لتشعر بالرنين من النقود وضجة السفر
وقهقهة البغايا والسكارى في ملاهيها
وعصّرت الرنين من النهود بكل أيديها
تمزّقهنّ بالعجلات والرقصات والزُمُرِ
وتركلهن كالأُكَر (2)ِ
ولقد كان السياب منسجماً مع نوازعه ومبادئه حين وقف ذلك الموقف من المدينة لأن صدمته فيها ((حادة ومزمنة))(3) كما يقول إحسان عباس ولكنها ليست ((مبهمة))(4) كما يرى، لأن تلك الصدمة لم تنشأ في المدينة وإنما نشأت بصورة اغتراب اجتماعي - كما قدم الباحث - في جيكور، وقد زادتها المدينة حدة وتعقيداً بسبب مآسي الشاعر الوجدانية والسياسية التي عرضها البحث.
الاغتراب الروحي:
وقد عاش السياب غربة روحية بعد أن تضافرت غرباته الاجتماعية، والعاطفية، والسياسية مع ما أفرزه مرضه الوبيل من هواجس وآلام، لتشكل حالة نفسية مركبّة هاجسها الموت، ولكنه هاجس تلطِّفه من حين لآخر ما عُرف عن السياب من حبٍّ للحياة وتشبّث بها، وأمل -وإن كان متفاوتاً في قوته وضعفه- في الشفاء من مرضه.
ويبلغ اغترابه الروحي ذروته حين يقع السياب في الوهم: والوهم وليد كابوس الاغتراب الجاثم على الصدر، والوالغ في الروح، إنه (الوهم) نتاج الاغتراب ولكنه معادل له ومتكافئ معه، يقول الشاعر:
ولبست ثيابي في الوهم
وسريت: ستلقاني أمي
في تلك المقبرة الثكلى(5)
إنّ وهم السياب قام على أنه ((لبس ثيابه، وقام يمشي)) وهما فعلان ينفيان المرض الذي أقعده، أي أنهما في بؤرة تمنّي الشاعر وفي مواجهة ثورة اغترابه المتمثل في عجزه. ومن مظاهر وهمه توقه إلى رؤية الخالق، يقول:
تأنف أنْ تمسّني يداكْ
أود لو أراك.. من يراكْ؟
أسعى إلى سدّتك الكبيرةْ
في موكب الخطاة والمعذبيّن(1)
على أن السياب كان عارفاً أنه في غربة روحية، على الرغم من شراسة مرضه الذي ربّما عطل جزءاً من تفكيره واغتال بعضاً من وعيه، يقول:
يا غربة الروح في دنيا من الحجرِ
والثلج والقار والفولاذ والضجرِ.
يا غربة الروح لا شمس فائتلقُ
فيها ولا أفقُ
يطير فيه خيالي ساعةَ السحر(2)
ووعيه بغربته الروحية مُلِمٌّ هو الآخر بخواء نفس الشاعر، واستحالة رجائه، ولولا هذا الوعي لطغت الغربة على فكر الشاعر وخياله، وحالت بينه وبين قول الشعر بل إن الشاعر يشحذ وعيه إلى أقصى طاقته من اليقظة والفعل، فيكتب إحدى قصائده الأخيرة بطريقة البيت الشعري، يقول في مطلعها:
نفسي من الآمال خاوية جرداء لا ماء ولا عُشُبُ
ما أرتجيه هو المحال وما لا أرتجيه هو الذي يَجِبُ(3)
وتلك إحدى علامات اغترابه الروحي الذي استدعى مثل هذا الجهد ليساويه في القوة والأثر.
المنهج التعويضي:
تراوحَ ردّ الفعل على الاغتراب بين العودة إلى الطفولة، واسترجاع الماضي، وبناء المدينة الحلم، واستلهام التراث بالإضافة إلى صيغ أخرى تفرد بها الشعراء إشباعاً لحالات خاصة.
العودة إلى الطفولة:
الحنين إلى الطفولة ((حنين إلى طقس مفقود))(1) لأن ((الهروب الرومانتيكي من الواقع والعودة إلى الماضي أو التوجه إلى المستقبل -إلى عالم الحلم والمثل الأعلى- هو بمثابة تعويض للإنسان بواسطة الوعي عن ذلك الواقع الحقيقي، وتلك الرسالة التي حرم منها في المجتمع البرجوازي))(2) أو هو بتعبير آخر هروب من ((عقلنة)) الواقع التي أسهم في تأسيسها، حتى إذا أصبحت عبئاً عليه لم يجد أمامه سوى النكوص عنها والعودة إلى براءة الطفولة ونعيمها.
فالسياب يستعيد طفولته في جيكور وقد انتظر مطر السماء أمام شرفة ابنة الجلبي. أنها طفولة سعيدة تلك التي يستعيدها، يقول:
واذكر من شتاء القرية النضاح فيه النورُ
من خلل السحاب كأنّه النغمُ
تسرّب من شقوق المعزف، ارتعشت له الظُلَمُ
وقد غنّى -صباحاً قبل... فيم أعدّ؟ طفلاً كنت أبتسمُ(3)
ولكن اغترابه الراهن لا يدع خياله في اندياحه السعيد وإنما يعيده إلى حاضره حيث المرض واليأس، والأسف على ماضي من العمر المهدور في الأوهام، يقول:
ثلاثون انقضت، وكبرت: كم حبٍّ وكم وجْدِ!
توهجَّ في فؤادي!
غير أنيّ كلما صفقت يدا الرعْدِ
مددْتُ الطرف أرقب: ربما أئتلق الشناشيلُ
فأبصرتُ ابنة الجلبيِّ مقبلةً إلى وعدي
ولم أرها. هواءً كل أشواقي، أباطيلُ
ونبتٌ دونما ثمرٍ ولا وردِ!(4)




استعادة الماضي والمدينة الحلم:
للماضي نكهة خاصة عند الإنسان، لا سيما ذلك الذي أثقلت أحزان الحاضر كاهله، وأخذ الاغتراب بخناقه، فالماضي على وفق هذا التصور مرفأ يرتاده الشاعر فراراً من الألم، والتماساً للراحة وإن كانت في الحلم والخيال.
جيكور هي مرفأ السياب المريض، الفقير، المحروم. وهي مدينة/ الحلم التي عجز الزمن أن يمحوها من ذاكرته، لأنها اقترنت عنده بالبراءة، والصفاء، والطهر، فهي ((نافورة من ظلال، ومن أزاهير، ومن عصافير، وحقل من النور)) ارتادها طفلاً، وصبياً يطارد الفراشات تحت أفيائها(1)ولذلك دعاها أمه(2)، وساءه أن يذوي شبابها، بعد غيابه، ويصبح عنفوانُها رماداً،(3)ولكنه، بخياله المتوقد، وعشقه الأسطوري لها، يجعل منها جنته، التي تنتظر بعثها على يديه، يقول الشاعر:
جيكور... ستولد جيكورُ
النَوْرُ سيورق والنُورُ
جيكور ستولد من جرحي
من غصّة مواتي، من ناري
سيفيض البيدر بالقمعِ
والجرْن سيضحك للصبح(4)
إن اغتراب الشاعر الروحي خارج الوطن، وفي داخله، تعاد له عودته إلى جيكور بصورتَيْها: الخضراء والجرداء، وفي عودته تلك يثوى أمله الوحيد في استعادة عافيته وتجاوز غربته، وربّما استطاع السياب أن يؤسس باسم جيكور ((يوتوبيا)) قروية له، حين خلق منها ومن بويب رمزين حيين خالدين ارتبطا باسم ((بدر الذي من جيكور))(5) تماماً ((كما ارتبط نهر(إيفن) باسم شكسبير، ومنابع نهر(دف) بذكرى ورد زورث...)).(6) فحين حاربته المدينة في وطنه، وطعنته في صميم أحلامه وأسلمته للمرض والفقر، وحين عجزت المدن العربية، والغربية عن مداواته، ولم تقدم له سوى الوعود الكاذبة بالشفاء، كانت جيكور ((مدينته الفاضلة الصغيرة)) التي عالجته بالحلم، والحلم وحده، فليس للشاعر من مرفأ أخير يقضي فيه بقية حياته: سوى الحلم. وكما كانت جيكور ماضيه وحاضره وغده، فإنّ الحلم هو أزمانه الثلاثة.
استلهام التراث:
دأب الشعراء عموماً، وبعض الشعراء الرواد خصوصاً، على استلهام التراث الإنساني والعربي والإسلامي، لا سيما منه ذلك الذي ينضح بطولات وأمجاداً، ولا شك في أن ((للتاريخ والبطولات سحراً خاصاً: عند الشاعر إذ يحقق من خلال التغني به كثيراً من طموحه الذي يعجز عن بلوغه في مجتمعه، ولحظته الحاضرة))،(1)ويصدق القول على الشعراء المغتربين الذين ربما استدعوا قصص التراث، وبطولاته هرباً من الاغتراب الذي يقيد حاضرهم، وبذلك يوازنون بين ماض مكتنز بالمآثر، أي ماضٍ لا مغترب، وبين حاضرٍ حافل بالمآسي، أي حاضر مغترب.
ففي قصيدة ((في المغرب العربي)) ينتصر السياب للرموز العربية المقدسة التي أساء إليها الغزاة، ونالوا من قدسيتها، ويُفاجأ حين يُبعث من قبره فلا يرى من أمجاد الأمة غير آجرّة حمراء، وصحراء موحشة، ومئذنة معفرة.(2)
ولكنه يستعيد معركة ذي قار كإحدى ملاحم العرب الخالدة التي تشخص الآن في ذاكرة الشاعر، فيستعين باستدعائها على اغترابه الحاضر. يقول:
إله الكعبة الجبارْ
تدرّع أمس في ذي قارْ
بدرع من دم النعمان في حافاتها آثارْ
إله محمد وإله آبائي من العربِ(3)
ولا يقف الشاعر عند المعركة التاريخية وإنما يربط رمزها بحالتين معاصرتين: حالة ثورة ونهوض في إقليم عربي، وحالة تداعٍ وبكاء في إقليم آخر، فذلك الرمز كما يقول الشاعر:
تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوارْ
وفي يافا رآه القوم يبكي في بقايا دارْ(4)
وينتهي الشاعر إلى أن الغزاة يثأرون اليوم منا لماضٍ كنا فيه سادتهم.




السياب والتشبث بالحياة:
لم يتعرض شاعر عربي معاصر لمحنة الجسد المريض كالسياب باستثناء الشاعر صلاح عبد الصبور الذي انصرف أواخر أيامه إلى شعر الحزن ((بكيان واهن وجسم معطوب))،(1)والشاعرة نازك الملائكة التي تعاني من مرض عضال منذ عامين(2) أبعدها عن الشعر كثيراً. وقد وضع المرض السيّاب وجهاً لوجه أمام الموت ولكن الحياة لم تغب عنه، لأن الموت والحياة عنده وجهان لقضية الإنسان في هذا الوجود، وقد ((يندر أن تجد بين شعراء العربية من أدرك بمثل نفاذه كمون الموت في الحياة، وكمون الحياة في الموت)).(3)
وبقدر ما كان صراخه بوجه الموت خوفاً منه، بقدر ما كان في الوقت نفسه حباً في الحياة، وشفقة عليها، ونحسب أن لو كان غير السياب في هذا الموضع لآثر الصمت مرغماً تحت طائلة المرض، ولكنّ الشاعر وعى ((غزارة الحياة))،(4) وجعل من المرض تجربته الخصبة التي لا تنضب. ومع كل شراسة مرضه، ويأسه من الشفاء فقد كان متفائلاً، اسمعه يقول:
إيه إقبال، لا تيأسي من رجوعي
هاتفاً، قبل أن أقرع الباب، عاد
عازر من بلاد الدجى والدموع(5)
وكما ألح عليه المرض بسكاكينه تقرَّب إلى الله، فلم يجدِّفْ، ولم يهتز إيمانه بل أوصل العلاقة إلى مستواها المثالي ((بين الإنسان والإله))(6)وهكذا، وخلافاً لما درج عليه المعذبون، المسحوقون من ركوب الشك، والتنكر للسماء، فإن المرض عند السياب ارتفع بالعلاقة مع السماء عن مستواها الاعتيادي وإن لم يبلغ بها مرتبة التصوف، يقول الشاعر:
لك الحمد مهما استطال البلاءْ
ومهما استبد الألمْ
لك الحمد إن الرزايا عطاءْ
وإن المصيبات بعض الكرمْ(7)
ومع أن السياب عاش قساوة العصر، بروح مرحة، وجلد أيوبي كبير، إلا أنه ارتفع بحزنه -أحياناً- إلى مستوى التضحية، وبذلك عانق اغترابه بندية، ولم يسمح له أن يجرده من كل عناصر الحياة والمقاومة، يقول:
قالوا له ((والداء من ذا رماه
في جسمك الواهي ومن ثبتّهْ؟))
قال: ((هو التكفير عما جناه
قابيل والشاري سدى جنّتَهْ))(1).
كما بقي مسيطراً على آلته الشعرية، فعلى الرغم من اضطراب ذاكرته أحياناً ((غير أنه في قصائده لم يحد عن الخط الذي كان قد وضعه لنفسه ولم يخُنْهُ قط صفاء ذهنه حتى النهاية))(2)وليس أدل على ذلك من شعره الذي حافظ على أوزانه سليمة، عدا بعض القصائد(3). وهكذا تشبّث السياب بالحياة من خلال التصاقه بالشعر، وأحلامه في الشفاء، ومقاومته المرض مقاومة الفادي الأمر الذي يعني في المحصلة الأخيرة مواجهته الاغتراب والتقليل من آثاره السلبية.















ألفاظ الغربة:
حفل معجم الرواد بكل الألفاظ التي تدل على الاغتراب والغربة، وما يتصل بهما من أوجاع المكابرة، وآلام المعاناة مثل: الرهيب- الكئيب- الوحيد- الطريد- الشريد- الغريب- الحزين- الهاوية- القبر- العبد- الأسير- الأشباح- الشقاء- اليد البالية- دم البائسين- اللامكان- أحداق الذئاب- الملال- مشلول- المهجور- الحلم المسجى- الشك- وغيرها من الألفاظ والمفردات المشابهة والبديلة. ولم تسقط هذه الألفاظ من معاجم شعرائنا بزوال المؤثر الرومانسي بل استمرت بسبب الخيبات الفردية والجمعية التي عاشوها أو تأثروا بظلالها. وإذا كان حقاً ((إن ذلك المزاج الحزين كان مزاج العصر))(1)فالأولى أنه مزاج شعراء العصر قبل غيرهم.
يقول السياب في قصيدته ((في غابة الظلام)).
عيناي تُحرقان غابة الظلامْ
بجمرتيهما اللتين منهما .؟.ْ
ويفتح السهرْ
مغالق الغيوب لي... فلا أنامْ
وأسبر الأرض إلى قرارها السحيق
ألمّ في قبورها العظامْ
فطالعتني -كالسراج في لظى الحريقْ-
تكشيرةٌ رهيبةٌ رهيبةْ
تُليحُها جمجمتي الكئيبةْ
سخرية الإله بالأنام(2)
تتجوهر القصيدة في عبارة ((عيناي تحرقان غابة الظلام))، فالعين التي تشتمل في بؤبؤها على جمرة تتغذى منها نار جهنم لا يمكن أن تنام. ومن هذه العين /الجمرة/ تتفرع المعاني الأخرى: السهر يفتح أبواب الغيب الموصدة، ومن بؤرة السهاد هذه ينزل الشاعر إلى قرارة الأرض يلم عظام الموتى، ومن بين هذه العظام تروعه تكشيرة تصورَّها تكشيرة جمجمته، فهو -وإن كان حياً- إلا أنه يموت موتاً بطيئاً، فمرضه العضال هو عربون الموت المؤجل إلى ما بعد هذه الحُمّى التي جعلت من كل جماجم الموتى صورة لجمجمته، فالمال واحد. وهكذا نرى أن السياب يدخل في الطبيعة أي أنه يلقي بروحه في الطبيعة.
ألفاظ الطبيعة:
في كل شاعر مغترب نفس رومانسي هو "محور الذات الحالمة حين تلجأ إلى الهروب من قسوة واقع خارجي، يصبح احتماله.. أكثر من أن يطاق"(1) والطبيعة أحد ملاذات شعرائنا الرواد في المرحلة الأولى من اغترابهم في أقل تقدير، فربما كان (عالم الطبيعة البريئة مصدر راحة)(2)الشاعر الحزين (بعيداً عن التعقيد والتكلف والرياء الذي يلازم الحياة المادية)(3)فحين ينقطع ما بين الإنسان والإنسان، وعندما يضيق المكان أو الزمان بالشاعر، يقيم هذا فضاءه في داخل ذاته، أو يقيمه خارجها في غابة، أو في كوخ، أو في ريف ناءٍ، ولذلك فلا غرابة إذا ما امتزجت "مشاعر القربى بين الشاعر وبين الطبيعة الريفية بمشاعر الغربة وينصهر لديه الحنين والتمرد في بوتقة إبداعية واحدة"(4)فليست الطبيعة إلا صورة لحياتنا النفسية.
لقد توافر معجم الشعراء الرواد على العديد من ألفاظ الطبيعة -وإن كان يتفاوت من شاعر إلى آخر -كالفراش، والريح، والعشب، والنسيم، والعندليب، والهزار، والبلبل، والبوم، والغراب، والورد، والزهر، والدفلى، والزنبق، والفل، والحقول، والرياض، والربيع، والشتاء، والخريف، والصيف، والصباح، والضحى، والليل، والمساء، والسحر، والنخيل، والبحر، والنهر، والشاطئ، والنجوم، والقمر، والكواكب وغيرها.
يقول السياب في قصيدة (في القرية الظلماء):
الكوكب الوسنان يطفيء ناره خلف التلالْ
والجدول الهدّار يسبوه الظلامْ
إلاّ وميضاً، لا يزالْ
يطفو ويرسب.. مثل عين لا تنامْ
ألقى به النجم البعيدْ
يا قلب مالك لست تهدأ ساعةً؟ ماذا تريدُ؟
النجم غاب وسوف يشرق من جديدٍ، بعد حين(5)
إنهُ كهف من الصور السود:
كوكب يركن إلى النوم خلف التلال، وجدول غارق في الظلام، ووميض نجم بعيد يحتضر، مثل عين سهّدتها أوجاعها، وقلب مضطرب قلق، قد راعه هذا الذي يجري أمامه. ولكن يعبّر الشاعر عن اختناقه المستمر، استخدم الفعل المضارع: يطفيء، ويسبر، ولا يزال، ويطفو، ويرسب، ولا تنام إشارة إلى تجدد المأساة، واستطالة الاغتراب ويتشبث الشاعر بأمل كاذب حين يتصور أن النجم الذي غاب سيشرق مرة أخرى. فالتشبث بما هو آتٍ إحدى وسائل الشاعر في مواجهة أحزانه.
ألفاظ الصوت :
تفاوت إحساس الشعراء الرواد بأهمية ألفاظ الصوت مما أفضى إلى تفاوت في استعمالها نوعياً. فإذا كان "الصوت في الكلمة الشعرية يلعب دوراً هاماً في تفسيرها ومضمونها"(1)فالأحرى بالألفاظ التي تدل على الصوت أن تلعب هذا الدور، لأنها فضلاً عما تمنحه للقصيدة من تجسيد صوري، ورنين إيقاعي، فإنها تعكس عمق تجربة الشاعر الانفعالية بتكثيف شعوري ودلالي معاً. ويتقدم السياب في هذا الميدان على الآخرين لأنه "ذو إحساس حاد بالصوت في معنى الكلمة حينا وفي لفظها حينا آخر"(2)وربما كان ذلك لأنه "ذو مزاج حسي حاد"(3). يقول في قصيدة "غريب على الخليج":
الريح تلهث بالهجيرة، كالجثام على الأصيلِ
وعلى القلوع تظل تُطوى، أو تُنشّر للرحيلِ
زحم الخليجُ بهن مكتدحون جوّابو بحارِ
من كل حافٍ نصف عاري(4)
إلى أن يقول:
ويهّد أعمدة الضياء بما يصّعد من نشيجِ
أعلى من العبّاب يهدر رغوه ومن الضجيجِ
صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى، عراق
كالمدّ يصعد، كالسحابة كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي: عراق
والموجُ يعْول بي: عراقُ، عراقُ، ليس سوى عراق(5)
إن ألفاظ الصوت: لهاث، ويهدر، والضجيج ونشيج، وصوت، وتصرخ، وتعول، امتلأت حتى أقصاها بالتجسيد لأن الشاعر زاوج فيها بين الاستعمالات المجازية: الريح تلهث كالجثام على الأصيل -كالمد يصعد، الريح تصرخ- الموج يعول، وبين الأفعال والأسماء المضعّفة: يسرّح -محيَّر- يهّد- يصعّد- العبّاب- تفجّر،
كما أن خروج الأفعال يهدر، وتصرخ، ويعول، من دلالاتها اللغوية إلى دلالات صوتية جاءت لتتضامن مع تكرار كلمة عراق" سبع مرات في بيان انسحاق الشاعر تحت وطأة غربة قاسية، وحنين طاغ إلى الوطن، وكأن روح السياب هي التي كانت تتحدث بما انطلقت الطبيعة معها في بوتقة موضوعية/ وجدانية/ فنية مزدوجة توحدّت الذات فيها بالموضوع بتلقائية واعية. ويستعمل السياب نوعاً آخر من ألفاظ الصوت هو الرباعي المضاعف مثل هسهس، وغمغم، ووسوس، وسقسق.(1)ففي قصيدة "يا نهر" استعمل الفعل توسوس:
هيهات يسمع، إذ توسوس في الدجى، أصداء آه
بالأمس أطلقها لديك ترن في جرس الخفيف(2)
كما استعمل الفعل نفسه في قصيدة "تموز جيكور":
والنخل يوسوس أسراري
جيكور ستولد.. لكني
لن أخرج فيها من سجني(3)
إنّ للفعل المذكور دلالة مضاعفة من الإيحاء فضلاً عن استعماله مجازياً، مما أفصح عما أوحاه الشاعر من الهمس بأدنى درجاته ربما إلى الدرجة التي يتماثل فيها مع الصمت تعبيراً عن تعب الشاعر وإعياء صوته المشبع بآه الحزن.
وفي قصيدة "رنين المعول الحجري" يبلغ السياب درجة نوعية قصوى من تجسيد الصوت:
رنين المعول الحجريّ في المرتجّ من نبضي
يدمّر في خيالي صورة الأرض
ويهدم برج بابل، يقلع الأبواب،
يخلع كل آجرّةْ
ويحرق من جنائنها المعلّقةِ الذي فيها
فلا ماءٌ ولا ظلٌ ولا زهرة(4)
جو عاصف، وملئ بأصوات التفجير والتدمير والتمزق: ومن أين للسياب، تلك القوة التي يحتمل فيها المعول الحجري برنينه الشرس وهو يهوى على نبض الشاعر المرتج، فيدمر خياله، وهو مركز تصوراته واندياحاته، ثم ليقضي أمام عينيه على معالم حضارة يتعشقها الشاعر، ويتسربل أجواءَها: يتهدم برج بابل، وتقلع أبوابه، ويخلع آجرّه، وتحرق الجنائن المعلقة، وهكذا يقود "الرنين" المرعب إلى مجموعة أفعال تتصل به، وتتفرع عنه، يدمر -يهدم -يقلع- يخلع يحرق وكلها أصوات مفزعة تتداخل مع بعضها لتحدث عاصفة من الأصوات القاتلة والمدمرة.





















التجسيد والتشخيص:
إلى جانب ما مر من عناصر المعجم الشعري فقد وجد الباحث أن الشعراء الرواد يكثرون من تبادل المحسوس والمعنوي، فيتحول المعنوي إلى محسوس قصد تجسيد تجربة الشاعر الانفعالية واستكمال بناء الصورة الشعرية، والتأثير في المتلقي، فلم توجد اللغة إلا "للتعبير والتوصيل والتأثير" (1).
يقول السياب في قصيدة "اتبعيني":
أمس جاء الموعد الخاوي.. وراحا
يطرق الباب على الماضي، على اليأس.. عليا(2)
فقد منح الشاعر الموعد الخاوي صفة الكائن الحي الذي يطرق الباب وبذلك عبر عن خيبته في موعد خاو لم يتحقق.
الأداء بالكلام المحكي:
يبدو أنه لا بد من الاحتراس ونحن نتناول الكلام المتداول أو المحكي، لبيان ما هو المقصود بهذا النوع من الكلام. لقد كان استخدام لغة التخاطب اليومية جزءاً من بيان المدرسة الرومانسية، فخلافاً لما درجت عليه المدرسة الكلاسية من تقسيم الألفاظ على وفق تقسيم طبقات المجتمع، فإن الرومانسية لا تفرق بين كلمات وأخرى "فلا وجود لكلمات نبيلة وأخرى مبتذلة، بل يمكن أن يكون للكلمات المألوفة المبتذلة معنى رفيع يسمو بها في موضعها من الصورة إلى مالا يصل إليه سواها من الكلمات"(3). كما لا يخفى أن المدرسة الواقعية دعت هي الأخرى إلى استعمال لغة التخاطب تقرباً من الجمهور. وهنا ينبغي ملاحظة عدة أمور أساسية ومهمة: فاستخدام المفردات لا يتم في ضوء فصاحتها من عدمها وإنما على وفق حاجة الشاعر الانفعالية/ الفنية المزدوج، والشاعر الفنان هو القادر على إعادة خلق المفردة وتحويلها إلى طاقة شعرية إيحائية كبيرة تنفتح على ثراء معنوي وتصويري لا حدود له. كما أن ما قصده شعراء كبار مثل ورد زورث واليوت إلى إيصال الشعر بلغة التخاطب أريد منه بالتحديد "المادة الغفل" في بيئة هذه اللغة على حد تعبير اليوت(4).
وفي موضوع الاغتراب والغربة في شعر الرواد نطالع نصوصاً اشتملت على الفاظ من اللهجة العامية، وعلى إشارات، وأمثال وأغان شعبية تداولها الناس وباتت مشهورة على السنتهم. والشاعر قد يوظف أيا من هذه الإشارات إذا وجد فيها ما يستجيب لحالته الانفعالية، ويشكل منها قيمة فنية جديدة.

وقد عُرف السياب باستعمالات موفقة لألفاظ دارجة رآها -دون غيرها- مطمنّة لتجربته "فاللفظ الشعبي لدى السياب طرى إذ ينتزع منه.. أسمال التكرار ويحذف ما تلف فيأتي وكأنه ولد جديدا طرياً مستساغاً"(1).
يقول في قصيدة "غريب على الخليج"
ما زلت أضرب، مترب القدمين، أشعث في الدروب
تحت الشموس الأجنبية
بين احتقار، وانتهارٍ أو "خطيّةْ"
والموت أهون من "خطيّةْ"(2)
لا شك في أن السياب لم يلتجئ بسبب القافية إلى مفردة "خطية" بل لأنه وجدها معبرة أصدق تعبير عن حالته المزرية البائسة في الكويت، فهو منسحق تحت رحى غربة قاسية ليس له فيها نصير بعد أن اضطرته ظروفه السياسية إلى ترك بلاده والالتجاء إلى إيران ثم الكويت تعوزه الصحة كما يعوزه المال والاستقرار والأمان. ولذلك أصبحت هذه المفردت جزءاً أصيلاً وطبيعياً من نسج القصيدة لا يشعر المتلقي أنها نشاز أو متكلفة، أو في غير سياقها. وفي قصيدة "رسالة" يستخدم الشاعر كلاماً شعبياً على لسان ابنته بعد أن يكسبه من روحه، ما يضعه في مستوى معماره الفني:
ويا حديثك عن "آلاءَ" يلذعها
بعدى فتسأل عن بابا "أما طابا"؟
أكاد أسمعها
رغم الخليج المدوّي تحت رغوته(3)
فالسؤال على لسان الصغيرة عن الأب الغائب المريض لا يمتلئ، انفعالاً وفناً، بغير "أما طابا" كما جاء وقوعه بعد كلمة تماثله في الموسيقى "بابا" ليرتفع به إلى مستوى تجربته الشاعر: الإنسانية والشعرية على حد سواء. وقد ضمن السياب شعره -غير الألفاظ المتداولة- الكثير من الأغاني إذ وجد فيها ما يستعين به على أداء معنى لا تحتمله البدائل. وإذا كان الشاعر "يستخدم الفلكلور كعنصر أساسي من عناصر بناء قصائده مما يعطي لهذه القصائد طعماً خاصاً ورائحة شعبية" (4) فالأمر يصدق على التراث، يقول الشاعر في قصيدة "أم البروم":
رأيت قوافل الأحياء ترحل عن مغانيها
تطاردها، وراء الليل، أشباح الفوانيس
سمعت نشيجَ باكيها
وصرخةَ طفلها، وثغاء صادٍ من مواشيها
وفي وهج الظهيرة صارخاً "يا حاديَ العيسِ"
على ألمٍ مغنّيها(1)
إنّ "يا حادي العيس" مقطع من قصيدة تُغنّى مقاماً يقول مطلعها:
لما أنا خوا قبيل الصبح عيسهُمُ

وحمّلوها وسارت بالهوى الإبل

أما المقطع المذكور في قصيدة السياب فهو إشارة إلى البيت:
يا حاديَ العيس مهلاً كي أودِّعهم

يا حاديَ العيس في ترحالك الأجلُ

لأنّ رحيل الأموات وقد هُدمت قبورهم يشبه رحيل الأحباب، وحين وقف العاشق يودع أحبابه وقد سار بهم الحادي فقد وقف السياب -في عز الظهيرة- يودع الأموات وهم عنده أحياء وكأنما تصور نفسه واحداً من هؤلاء الموتى وقد هدم قبره، وذُرّت بقايا جسده في الهواء دون اعتراض من أحد أو أسىً من آخر.










الفصل الثاني
نماذج شعرية
أعظم أمنيات السياب في المنفى ، العودة إلى أحضان الوطن
بعد رحلة تلوح فيها الأخطار والموت يحف بها من كل جانب، ذاك هو البحر الذي يفصل بين الاحواز وبين أمارة الكويت، والمركب القديم يصارع الأمواج والرياح، وأن افلت ووصل بسلام إلى الشاطئ يتربص به خطر آخر، هو الوقوع في يد دوريات خفر السواحل،لكن الأمور سارت على ما يرام، ومشت أقدام بدر شاكر السياب فوق أرض الكويت وذلك في بداية العام 1953 وهناك التقى ببعض العراقيين الذين فروا من عسف السلطة سكن معهم وكانوا حشدا مختلف الأمزجة والعقليات والثقافة والتفكير، ووجد له وظيفة مكتبية في شركة كهرباء الكويت، وهناك عاش حياة اللاجئ الذي يستبد به الشوق إلى أهله ووطنه، كانت مشاعره تدفعه دائما إلى اتخاذ قرار العودة إلى العراق، لم يجد في الكويت وطنا بديلا للعراق، وكانت دروب بغداد والحياة الصاخبة فيها تطبق على تفكيره، وجذوة النضال ضد الحكم الغاشم تستنفر كل كيانه ما قيمة أن يظل بعيدا عن الوطن، ليس أمامه غير أن يأكل وينام، كان يقف على حافات الخليج حيث أمواج المياه تهدر صاخبة ينظر في امتداد الأفق البعيد يقول صارخا في الصخب المتصاعد، هناك وطني، ثم أن الحال في الكويت لا يختلف عن واقع الحال في العراق، سيطرة استعمارية واحدة، وفي الكويت أدرك حجم التفرقة المقيتة، فهو يصنف من قبل لوائح السلطة إلى عامل أجنبي، لا يعترف بعروبته، ومع أن الأرض عراقية لكنه وجد نفسه فيها غريبا، مستغلا كادحا لكي يظل ليل السيطرة البريطانية المقيت يحتضن الكويت(1) :


ريف وراء الشط بين النخيل
يغفو على حلم طويل طويل،
تثاءبت فيه ظلال تسيل
كالماء بين الماء والعشب
يا ليت لي فيه
قبرا على إحدى روابيه،
يا ليتني مازلت في لعبي
في ريف جيكور الذي لا يميل
عنه الربيع الأبيض الأخضر:
السهل يندى والربى تزهر
ويطفئ الأحلام في مقلتي
كأنها منفضة للرماد-
همس كشوك مس من جبهتي
ينذر بالسارين فوق الجياد
( سنابك الخيل مسامير نار
تدق تابوت الدجى والنهار:
ناعورة تحرس كرم الحدود
أثقل طين الخوف ما للفرار
من قدم تدمى …. ومدّ السدود
أمن بلادي هارب ؟ أي عار!!
حاورني صديق أديب من بلاد الشام وقال كم شاعرا لديكم في العراق، سكت برهة وظل هو ينتظر الرد، قلت هل تستطيع يا صديقي أن تحصي ماء الفراتين ومعهما نخيل أرض السواد، إذا تمكنت ستعرف كم نملك من كنوز، نحن فخورون بحضارتنا التي أنضجت العقول التي تكتب الشعر، وفخورون جدا بكل أدباء العراق،نستثني منهم أولئك العملاء الذين يحملون بدلا من الأقلام الخناجر المسمومة،و اللذين مع الاحتلال لن يعبروا إلى ضفاف مستقبل العراق، الآن صارت لديك الصورة واضحة، كم قرأنا من أشعار كتبت بدون إحساس بالمسئولية، كانت مجرد كلمات عشواء من تأليف رجال فارغين، أن هؤلاء الذين تسميهم بعض الأحزاب شعراء وكتاب أشبه بحارس يقف متخشبا أمام مدخل بوابة مخفر تمارس في داخله شتى الجرائم والموبقات، أولئك "الشعراء - الحراس " يطلقون النار على الشعب والحقيقة، في هذا الاتجاه أو ذاك، كيفما اتفق "أن الإنسان الذي لا يمتلك فهما واضحا لرسالته، لايمكن أن يكون شاعرا، نعم قد يكون قادرا على أن يسجع، ولكن الشعر كان على الدوام وسوف يبقى شيئا أسمى بما يقارن من فن مهمته رصف الكلمات في أعمدة لاأكثر" عصفت أحاسيس الغربة والشوق إلى العراق بقلب بدر شاكر السياب ولم يجد وسيلة غير أن يهدي العراق الكبير تلك القصائد الجميلة التي كلما نقراها الآن تذوب القلوب في معانيها وتلك الصور الوطنية الرائعة(1):
أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه،
يا أنتما، مصباح روحي أنتما- وأتى المساء
والليل أطبق، فلتشعا في دجاه فلا أتيه
لو جئت في البلد الغريب إلي ما كمل اللقاء!
الملتقى بك والعراق على يديّ.. هو اللقاء
شوق يخضّ دمي إليه، كأن كلّ دمي اشتهاء،
جوع أليه.. كجوع كلّ دم الغريق إلى الهواء،
شوق الجنين إذا اشرأبّ من الظلام إلى الولادة!
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون!
أيخون إنسان بلاده ؟
أن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟
الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام
- حتى الظلام - هناك أجمل، فهو يحتضن العراق
واحسرتاه، متى أنام
فأحس أن على الوسادة
من ليلك الصيفي طلاً فيه عطرك يا عراق..
العودة من المنفى:
كانت تجربة المنفى قاسية ثقيلة على نفسية الشاعر، وقد ضايقه فيها كثيرا مما رافقها من تصرفات وسلوكيات لبعض المنتمين إلى الحزب الشيوعي الذين تواجدوا معه في سكن واحد،يذكر الأستاذ ناجي علوش في مقدمة ديوان بدر شاكر السياب المجلد الثاني ( صفحة رقم 59 ) " التقى بدر بجماعة من الشيوعيين فروا من العراق وحكم عليهم غيابيا، تختلف مهنهم وأمزجتهم وثقافاتهم وكان بين هؤلاء ثلاثة مصابون بالسل، كانت مهمة بدر في حياته المنزلية الجديدة، أن يقوم بالأعمال المنزلية، وكم كانت المهمة صعبة بالنسبة للشاعر، خاصة إذا كانت المهمة الموكلة أليه تتطلب منه أن يهتم بهذا الحشد المتناقض من الناس " كان بدر شاكر السياب مع تلك المجموعة على طرفي نقيض(1)، حشد من الرعاع الذين ما انفكوا يروجون لمبادئ الحزب الشيوعي ويحاولون كسب بدر إلى صفوف ذاك الحزب بينما كان هو مشغول الفكر بالعراق وقضية تحريره من السيطرة الأجنبية ثم أن تواجده مرتين على ارض عراقية اقتطعها الاستعمار البريطاني، فتح أمامه بوابة التفكير بهموم الأمة وليس العراق فقط،" عانى بدر كثيرا من تجربته في الكويت مع أولئك الشيوعيون الذين عاش معهم في بيت واحد، نفر من تصرفاتهم وعاداتهم وأفكارهم "( 22 ) وجد أن الحياة مع تلك النماذج تدفعه إلى مغادرة حدود شعوره الإنساني، وماذا يكسب أو يتعلم من هشيم أو قطيع، لا يدرك إلى أي فخ يقوده الإعصار، كانت الحياة في الكويت قاسية جدا، وقد وجد بدر في وجوده خارج الوطن كما لو انه قد تحول إلى شحاذ رغم انه يعمل ويحصل على قوته اليومي(1):
مازلت أضرب، مترب القدمين أشعث
في الدروب تحت الشموس الأجنبية
متخافق الأطمار، أبسط بالسؤال يدا ندية
صفراء من ذلٍ وحمى: ذل شحاذٍ غريب
بين العيون الأجنبية
بين احتقار، وانتهار، وازورار.. أو (خطية)
والموت أهون من (خطية)
من ذلك الإشفاق تعصره العيونُ الأجنبية
قطرات ماءٍ.. معدنية
فلتنطفي، يا أنت، يا قطرات، يادم، يا.. نقود،
يا ريح، يا إبرا تخيط لي الشراع- متى أعود
إلى العراق ؟ متى أعودُ؟
لم تكن الكويت بعيدة عن العراق، وكذلك لم تكن بعيدة عن البصرة، بل هي امتداد لها، ولكن حنين السياب إلى الأهل والوطن كانت له جذوة عارمة، تفوق السياب في قصائده الملتهبة بالحنين والشوق إلى افياء بلاده على كل الشعراء الذين كتبوا في هذا المجال، تحسر حسرة صادقة على أرض ولد فيها وتعلم وعاش، كانت معالم جيكور ودروب البصرة وحياة التعلم في بغداد محطات يعود أليها كلما اشتدت عليه رياح الغربة القاسية، الهجرة المؤقتة إلى الأحواز والكويت بحثا عن الآمان من بطش السلطة والبحث أيضا عن المال والعمل بعد أن أغلقت جميع المنافذ بوجهه في وطنه العزيز، جميع الهجرات التي قادت السياب إلى خارج العراق،كانت مؤلمة له تثير في نقسه الفجيعة والألم، لم يكن السياب يستطيع العيش بدون العراق، كلما تذكر الوطن اغرورقت عيناه بالدموع وصعدت من أعماقه شهقة هي الحد الفاصل ما بين الموت والحياة(1):
جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج
ويهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج
أعلى من العباب يهدر رغوه ومن الضجيج
صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى: عراق،
كالمد يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي عراق
والموج يُعول بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق!
البحر أوسع ما يكون وأنت ابعد ما تكون
والبحر دونك يا عراق
بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق..
وكنت دورة أسطوانة
هي دورة الأفلاك من عمري، تكور لي زمانه
كل قصائد السياب مهمة وجديرة بالبحث فيها ولكن قصيدته المشهورة والتي سجلت أرقى مراحل الحنين، تلك هي "غريب على الخليج "، الوطن عزيز، ما أروع الشمس الساطعة فيه، ما اجمل الحكايات التي تدور في دروب وأفياء العراق، يتذكر تلك القصص التي تسردها له جدته أيام طفولته، حيث تستقر في الخيال عوالم الأشباح، وقصص الفلكلور العراقي التي تقترب من حكاية حب الشاعر العاشق " عروة بن الحزام " وحبيبته عفراء الجميلة، وحديت العمة عن الملوك الغابرين قريبا من وهج نار التنور، ويتساءل عن تلك المرحلة من أيام طفولته الهادئة، كيف كانت تلك القصص تشكل عالم الأسرة الأثير، وتلقي عليهم بظلال السعادة، مع انهم يسامرون حشدا من الحيوانات الخرافية في قصص لا تنتهي، ولأتمل، هي كل ما تبقى من العراق يحمله ويتنقل معه(1):
واحسرتاه.. فلن أعود إلى العراق!
وهل يعود
من كان تعوزه النقود؟
وكيف تدخر النقود
وأنت تأكل إذ تجوع؟وأنت تنفق ما يجود
به الكرام، على الطعام
لبكينّ على العراق
فما لديك سوى الدموع
وسوى انتظارك، دون جدوى، للرياح وللقلوع!..
بغداد، بعد زمان مضى
لكل أمة أعمدتها القوية في الأدب والفن، عقول تبحر في الأساطير والفلكلور والحكايات التي ينتجها الإنسان، شعراء الوطن هم الصوت المدوي بتجارب الروح الوطنية والقومية، "الشعراء هم العروق العصبية الممتدة في جسم المجتمع الذي يعيشون فيه، فالأمة المتطلعة إلى الكمال، مثل الجسم الحي يجب أن تكون حساسة تجاه الألم والسرور وكل ما يجري في هذا العالم" والعراق يدرك بدقه أن شعراءه وكتابه هم مصابيح الضياء، والنور الذي يبصر به، أي شعب يجرد من كتابه والمبدعين فيه يعود القهقرى نحو شواطئ التخلف والجهل بل لن تصبح له قيمة أمام شعوب الأرض، يصبح الظلام فيه كما لو كان وحشا هائلا يتحرك في جنبات الحياة ليطيح بكل شيء جميل، والدول المتقدمة لا تتباهى بما لديها من منجزات في مجال التكنولوجيا بل هي تتفاخر بما تملك من عقول مبدعة ومنتجة،" أن التأثير الذي حدث على الحياة عن طريق الأعمال الحقيقية للأدب والفن هو أكثر استمرارا من تأثير المنجزات العلمية والتكنولوجية، فآلة البخار الأولى التي كانت ثورة في الهندسة الميكانيكية، أصبحت منذ وقت طويل قطعة متحفية، بينما ما يزال شكسبير قوة فعالة في أفكار ومشاعر الإنسان، والإنسان يرقي العلم والتكنولوجيا، بينما يحسن الأدب والفن الإنسان نفسه، وهذا يعطيهما أهمية لا تضاهى، تجلب معها مسئولية هائلة" عاد بدر شاكر السياب إلى جيكور تاركا الغربة وناسجا أحلام جديدة لملاقاة الأهل والأصحاب، وكانت الأمور السياسية في البلاد بدأت تعود إلى الاستقرار بعد تولي الملك فيصل الثاني الحكم، وذلك في أيار من عام 1953 وتعين " فاضل الجمالي رئيسا للوزراء، كانت تلك بمثابة مرحلة انتقالية، جمدت فيها قضايا الملاحقة للسياسيين، وجد السياب الفرصة سانحة للعودة إلى بغداد بعد أن وجد الوقت يمر بطيئا في جيكور، حيث البطالة والقرية الصغيرة اقل من أن تتحمل هموم السياب ومطامحه الأدبية، نزل في بغداد مختارا فندقا رخيصا لكي يقتصد بما لديه من مال، ومن ثم باشر الاتصال بأصدقائه، محي الدين اسماعيل وخالد الشواف وعبد الوهاب البياتي ومحمود العبطة وآخرين، عمل لفترة في جريدة "الدفاع" لصاحبها صادق البصام ولكنه ما لبث أن عين في مديرية الاستيراد والتصدير العامة بدأت أمور السياب تستقر قليلا مع الدخل الثابت الذي توفره الوظيفة، وفي تلك الفترة صارت تجربته الشعرية أكثر نضوجا وقدمت له فترة الغربة أفكارا ومعالجات استثمرها بشكل مؤثر في قصائده اللاحقة، كما حصلت قصيدته غريب على الخليج على اهتمام واسع وتقدير كبير لشاعريته والهموم الوطنية الصادقة التي طرحها من خلال تلك الصور والمضامين التي احتشدت بها القصيدة، "كل إنسان يمكنه أن يرى ويصف ما قد رآه، ولكن إنسانا بقلب كبير وروح شعرية فقط هو القادر على أن يحول ما يراه إلى جزء ثابت من الزمن" مع حالة الاستقرار المؤقتة التي امتلكها بدأ السياب مرحلة جديدة في النشر عندما انفتح على مجلة "الآداب) التي نشرت له في العام 1954 قصيدته الرائعة "أنشودة المطر" وقد تصدرتها كلمة قصيرة جاء فيها "هذه القصيدة من وحي أيام الضياع في الكويت على الخليج العربي"(1):
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر،
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء … كالأقمار في نهر
يرجه المجذاف وهنا ساعة السحر
كأنما تنبض في غوريهما النجوم..
وتغرقان في ضبابٍ من أسى شفيف
كالبحر سرح اليدين فوقه المساء
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف،
والموت، والميلاد، والظلام، والضياء،
فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء
ونشوة وحشية تعانق السماء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر!
ورغم الصور الجميلة التي وضعها السياب في مستهل القصيدة،لكنه لا ينسى أن يحملها هموما إنسانية، يصور فيها الفقر والفاقة في العراق، صور في غاية الشفافية والحس الإنساني، فهو يرصد تلك الجموع الغفيرة التي بات الجوع يفتك بها لسواد عيون طبقة من الموسورين وأصحاب الصولجان، يصفهم بالغربان والجراد، السياب يشير بشكل واضح إلى تلك المشكلة الكبيرة التي سببها سوء التخطيط وجهل الحكام، وسيادة الجهل وقلة الموارد المالية، آفة الفقر والفاقة تسبب الحرمان واختلال الموقف الاجتماعي وكذلك هي التي تنخر بناء الحاضر والمستقبل وهي أيضا سبب كل الأوبئة الاجتماعية، والمناخ الذي ينشأ فيه الطفيليون من أصحاب الجشع ورموز الاحتكار(1):
مطر...
مطر...
مطر...
وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر
رحى تدور في الحقول... حولها بشر
مطر...
مطر...
مطر...
وكم ذرفنا ليلة الرحيل، من دموع
ثم اعتللنا- خوف أن نلام - بالمطر..
مطر...
مطر...
ومنذ أن كنا صغارا، كانت السماء
تغيم في الشتاء
ويهطل المطر،
وكل عام - حين يعشب الثرى – نجوع
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع...
















الخاتمة:
عاش الشعراء الرواد الأربعة أنواعاً من الاغتراب بسبب الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة يومئذ. فقد كتب عليهم أن يواجهوا تحدياً سياسياً فرضته المؤسسة السياسية القائمة، إذ ربطت العراق بعجلة الغرب الاستعماري، وفرطت بالثروات الوطنية، وصادرت الحريات الشخصية والعامة. كما واجهوا تحدياً اجتماعياً مثله جمود المنظومة الاجتماعية والأخلاقية، واستخذاء أمام قيم الطبقات المتنفذة، وبحكم موقع الشاعر في مجتمعه، فقد اضطلع الشعراء الرواد برسالتهم في حركة التغيير الاجتماعي والسياسي المنشود، إبان أربعينيات هذا القرن والسنين التي تلتها، الأمر الذي انعكس عليهم بصورة خيبات متلاحقة من النكوص والإحباط وهكذا كتب عليهم أن يعيشوا الاغتراب الاجتماعي مدخلاً لاغتراباتهم اللاحقة.
ولاشك في أن العزلة من طبائع الذات الإنسانية لاسيما الذات الشاعرة، والفنانة، على أن هذه العزلة نسبية، ولكنها قابلة للنمو والتضخم في الظروف التي تشكل قيداً على حرية الفنان، وحاجزاً أمام انطلاق فكره، واندياح إبداعه، كتلك التي نشأ في ظلها الشعراء الرواد. ولهذا اندفع هؤلاء نحو الحب، والعمل السياسي، لكي يتجاوزوا عزلتهم النسبية، ولكن إخفاقهم في هذا وذاك، أسلمهم إلى الاغتراب العاطفي، والسياسي، والمكاني، وصولاً إلى الاغتراب الروحي الذي يعني الاغتراب المركب.
ولكي لايتحول الاغتراب إلى جحيم لايطاق، فقد سعي الشعراء الرواد إلى تجاوزه، أو التخفيف من آثاره في أقل تقدير، من خلال منهج تعويضي تمثل في ردود مشتركة هي العودة إلى الطفولة، واستعادة الماضي، وبناء المدن الحلمية، وفي صيغ أخرى خاصة: هي التشبث بالحياة عند السياب، واستعادة الإيمان عند نازك، والتحول من الثوري المنتمي إلى الثوري اللامنتمي عند البياتي، وامتهان المجون والتشرد عند بلند.
أما السياب فقد كان لمرضه الأثر الكبير في استمرار اغترابه وصولاً إلى الاغتراب الروحي الذي حاول مقاومته، لولا الموت. وأما نازك فقد اقترن اغترابها الاجتماعي الحاد نسبياً باغتراب عاطفي حاد هو الآخر، واقترن الاثنان بنزوع جامح نحو مثل أعلى غير موجود، ولذلك استسلمت لاغتراب روحي مطلق، لم تملك أمامه سوى الانكفاء على الذات واعتزال العالم. وأما البياتي فقد اختار المنفى خارج الوطن، واستطاع من خلال تطلعه إلى المجد الشعري، ومحاولاته الفنية التجديدية، وطول فترة أقامته، أن يعادل اغترابه بما يساويه -وربما يتجاوزه- من المنجز الفني، والمجد الشخصي. وهكذا جعل من اغترابه المكاني- وربما من اغترابه النفسي- حالة اعتيادية، لا اغتراباً- وهو مايفسر بقاءه خارج العراق بعد زوال أسباب هجرته. وأما بلند الحيدري فقد كان اغترابه الاجتماعي حاداً نسبياً- شأن نازك- بسبب ظروفه الخاصة، وسرعان ما أسلمه إحباطه السياسي، وحرمانه العاطفي إلى اغتراب روحي حاد نسبياً هو الآخرة أسلمه بدوره إلى المنفى الاختياري، حيث شهد نهايته شاعراً، ممتهناً العمل الصحفي ضمن مؤسسات تدين بفكر حاربه الشاعر في شبابه، وربما كان في ذلك، مايساوي اغترابه بل مايتفوق عليه في القوة، وبذلك لم يعد اغترابه اغتراباً، وإنما أصبح حياة اعتيادية يعيشها الشاعر.
في كل شاعر مغترب: تلك هي الحقيقة التي يؤمن بها الباحث، ويبقى اعتزال المجتمع، أوالاندماج به، أو علاقة البين بين شأناً خاصاً، وربما سراً خاصاً من أسرار الشاعر نفسه.

















المصادر:
1. أحمد، محمد فتوح ، واقع القصيدة العربية، دار المعارف بمصر، 1984م.
2. إسماعيل ، محيي الدين ،للعاصفة لا للريح، وزارة الثقافة والإعلام، سلسلة دراسات (281)، 1988م.
3. البصري ،عبد الجبار داود ،بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحر، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، الطبعة الثانية، 1406هـ-1986م.
4. بلاطة،عيسى ، بدر شاكر السياب، حياته وشعره، دار النهار للنشر، بيروت، 1971.
5. بدوي، عبده ، دراسات في الشعر الحديث، منشورات ذات السلاسل للطباعة والنشر والتوزيع، الكويت، الطبعة الأولى، 1408هـ-1987م.
6. الجنابي ، أحمد نصيف وآخرين، ترجمة :الصورة الشعرية، سي- دي- لويس، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1982.
7. جبرا، جبرا إبراهيم ،النار والجوهر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط3، 1982م.
8. جعفر،عبد الكريم راضي،البنية الموضوعية والفنية في الشعر الوجداني الحديث في العراق، رسالة دكتوراه على الآلة الكاتبة، كلية الآداب- جامعة بغداد، 1412هـ- 1991م.
9. جعفر ، محمد راضي ، الاغتراب في الشعر العراقي المعاصر (مرحلة الرواد) ، من منشورات اتحاد الكتاب العرب ، 1999 .
10. ديوان بدر شاكر السياب، المجلد الأول، دار العودة، بيروت، 1971م.
11. ديوان بدر شاكر السياب، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، 1974م.
12. سلوم، داود،مقالات عن الجواهري وآخرين، مطابع دار النعمان، النجف، 1971م.
13. الصكر، حاتم ،مواجهات الصوت القادم، دار الشؤون الثقافية العامة، كتاب الطليعة الأدبية (9)، 1986م.
14. عباس ، إحسان ،بدر شاكر السياب، دراسة في حياته وشعره، بيروت، دار الثقافة، 1969.
15. عباس ، عبد الجبار ، السياب، بغداد، دار الحرية للطباعة، 1972م.
16. عصفور، جابر ، مفهوم الشعر، المركز العربي للثقافة والعلوم، 1982.
17. العطية، خليل إبراهيم ، التركيب اللغوي في شعر السياب ، الموسوعة الصغيرة (183)، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1986م.
18. القط ،عبد القادر، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، بيروت، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1978.
19. لؤلؤة ،عبد الواحد ، النفخ في الرماد، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، ط2، 1989م.
20. المحامي ، محمود العبطة،بدر شاكر السياب والحركة الشعرية في العراق، بغداد، مطبعة المعارف، 1965.
21. المعداوي ، أنور ، علي محمود طه الشاعر والإنسان، وزارة الثقافة والإرشاد، مديرية الثقافة العامة، سلسلة الكتب الحديثة(8)، شركة دار الجمهورية للنشر والتوزيع، بغداد 1385هـ- 1965م.
22. النويهي، محمد ،قضية الشعر الجديد، مكتبة الخانجي ودار الفكر، بيروت، ط2، 1971.
23. هلال ، محمد غنيمي ، دراسات ونماذج في مذاهب الشعر ونقده، القاهرة، دار النهضة مصر للطباعة.
المجلات:
24. الأسبوع الأدبي، العدد (608)، 1971م.
25. الأقلام، السنة (22)، العدد (7)، تموز، 1987م.
26. المستقبل العربي، العدد (2)، تموز، 1978م.










رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,527,237,055
- إلى مولاتي الجميلة
- الشيزوفرينيا العراقية
- كلانا نعاني كلانا نبحث عن حب
- الأهداف السلوكية والعملية التربوية
- التدريس الفعال .. الدواعي والتعريف والعلاقة والأدوار
- حقوق المرأة في الإسلام
- الإنسانية في شعر نازك الملائكة
- الهشيم
- الأميرة والفقير - المشهد الثاني
- الأميرة والفقير المشهد الأول


المزيد.....


- كلانا نعاني كلانا نبحث عن حب / وعد العسكري
- عبقرية اللغة العربية 3 / محمد بوغابة
- عندما تنقلب الكلمة / محمد بوغابة


المزيد.....

- علاقة دودة الأذن وتردد الموسيقى في الذهن
- الغيتار«يعود» إلى سجون إنجلترا
- غزة أولا.. والضفة ثانيا
- تنديد حقوقي بموقف الاتحاد الأوروبي بشأن غزة
- هند خليفات: شفاه مستعارة.. شقاء مقيم - إيلاف
- صحيفة أنتونيو غرامشي الإيطالية تتوقف عن الصدور
- فيديو.. تيسير فهمي: الفن والسياسية «غير منفصلين».. ولا عمل ف ...
- فيديو.. رئيس قومي السينما السابق: تراجع إنتاج مصر من الأفلام ...
- «الفيل الأزرق» يعيد «بريق» السينما الجادة لموسم العيد
- نقاد: نجاح «الفيل الأزرق» دعوة لصناع السينما لتجديد أنفسهم ب ...


المزيد.....

- يوميات اللاجئين / أزدشير جلال أحمد
- الفن والايديولجيا / د. رمضان الصباغ
- زخات الشوق الموجعة / الحكم السيد السوهاجى
- اعترافات عاشق / الحكم السيد السوهاجى
- التيمة: إشكالية المصطلح وامتداداته / ليلى احمياني
- الضحك والحرية لميخائيل باختين / سعدي عبد اللطيف
- مالفن ؟ / رمضان الصباغ
- رواية نيس وميس / ضياء فتحي موسى
- (الصيدلاني ( عقاقير -الصمت والحلم والنسيان - شعر و فوتوغراف ... / ناصر مؤنس
- رواية فؤاد المدينة / كرم صابر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وعد العسكري - الغربة والحنين عند السياب