أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مسعد عربيد - روزا لوكسمبرغ: قراءة متجددة في سياق العولمة















المزيد.....



روزا لوكسمبرغ: قراءة متجددة في سياق العولمة


مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 5449 - 2017 / 3 / 3 - 09:55
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


قراءة في كتاب: The Rosa Luxemburg Reader
تحرير واعداد: Peter Hudis and Kevin B. Anderson
الناشر: Monthly Review Press, New York, 2004, (447 pages)

"كنت، وما زلت، وسأبقى"
آخر الكلمات التي خطها قلم روزا لوكسمبرغ

ما هي راهنية روزا لوكسمبرغ وفكرها في زمننا هذا؟ بل ما هي جدوى العودة الى الماركسية فكراً ً وتاريخاً وتجربةً إن كان "مشروع الاشتراكية"، كبديل عن وحشية الرأسمالية، قد إنهار، كما يدعون، مع إنهيار الاتحاد السوفيتي وزوال القطب الاشتراكي؟
يكتسب فكر روزا لوكسمبرغ ، بعد 86 عاماً على رحيلها، أبعاداً جديدة إثر أكتشاف مخطوطات لم تنشر من قبل ألقت المزيد من الضوء على فكر هذه المناضلة الشيوعية الصلبة. ولعل الاهم من ذلك، من زاوية النضال ضد الراسمالية والامبريالية، هو تعاظم الاهتمام في قراءة متجددة لفكر لوكسمبرغ وأطروحاتها المبكرة حول العلاقة الرابطة بين تراكم رأس المال والتوسع الراسمالي من جهة، وراس المال الماليfinance capital من جهة اخرى، وهو ما يتمظهر اليوم في زمن العولمة كحقبة في تطور النظام الراسمالي. أما البعد الآخر، والذي لا يقل أهمية، فيتمثل في الضرورة الملحة لدراسة نقدية لمجمل القضايا الحزبية والتنظيمية المتعلقة بمسيرة الثورة والاستيلاء على السلطة (وبناء الاشتراكية وصيانة الديمقراطية الثورية والابقاء على جذوة الثورة المستمرة والتغيير الاجتماعي) وغيرها من القضايا التي تستوجب مراجعة نقدية بعد إنهيار الاشتراكية الاوروبية وفشل النمط السوفيتي في البناء الاشتراكي.

روزا لوكسمبرغ في السياق التاريخي
نتناول في هذه الدراسة بعض جوانب الإرث الفكري والسياسي لروزا لوكسمبرغ التي تنقلنا الى حقبة تاريخية مغايرة للازمنة التي نعيشها. إلاّ أنه لا يسعنا، رغم الفوارق في التاريخ والجغرافية، إلاّ أن نلحظ الامتداد الطبيعي للتاريخ البشري والصلة الوثيقة التي تجمع اليوم بالامس وتبنى الجسر مع الغد.
عاشت لوكمسبرغ وناضلت قبل إنتصار الثورة البلشفية، أول ثورة اشتراكية في التاريخ البشري، وقضت (1919) قبل أن تعاين مرحلة التحول والبناء الاشتراكي في ذلك البلد وغيره من بلدان العالم. كما عايشت أيضاً فظائع الحرب الامبريالية الاولى (1914 ـ 1918) الى أن نالتها يد الغدر قبل أن يتحقق الامل في إنتصار الاشتراكية في المانيا، التي كانت محطة أنظار قوى الثورة العالمية آنذاك، وسحقت الثورة الالمانية (1918 ـ 1919) وسقط ذلك البلد في مخالب النازية سنوات قليلة بعد وفاة لوكسمبرغ.
لم تعاصر روزا لوكسمبرع كفاح الشعوب السوفيتية عبر السنوات المضنية في البناء الاشتراكي ومقاومة الاحتلال النازي، تلك الشعوب التي كان لها الفضل الاكبر بناء الاشتراكية الاولى وفي دحر النازية والفاشية الى غير رجعة في الحرب الامبريالية الثانية (1939 ـ 1945). كما لم يكتب لها ان تشهد بزوغ القطب الاشتراكي في اوروبا الشرقية في أعقاب تلك الحرب ولا أن تواكب تجربة شعوب تلك المنظومة في البناء الاشتراكي قبل أن تتهاوى واحدة تلو الاخرى بعد الانهيار السوفيتي المدوي. أمّا ثورة الصين الماوية فقد إنتصرت بعد مقتلها بعقود ثلاثة. وكذلك إنتفاضات شعوب العالم الثالث في الحقبة الثانية للحركات القومية وانتصار حركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية، فلم ترى لوكسمبرغ منها شيئاً، وأغلب الظن أنها لم تستشرف إحتمال حدوثها.
وبالرغم من وفاة لوكسمبرغ قبل ان ترى العديد من أعمال وكتابات ماركس النور، ورغم الاختلافات الجذرية للحقبة التي عاشتها، إلاّ أنها أستطاعت ان تسهم إسهاماً كبيراً في صياغة وتطوير مفاهيم الماركسية في الحرية والثورة والتغير الاجتماعي. أمّا إلتزامها "بالديموقراطية الاشتراكية وإنعتاق الانسان، ومناهضتها للبيروقراطية الحزبية " والمركزية المفرطة والنخبوية والاستبداد في التنظيم السياسي، فقد شكلت تحدياً، ولا زالت، لاولئك اللذين حصروا النضال ضد الرأسمالية في "إصلاحات مجزئة أو تنازلات غير مبدئية" وقبلوا بمهادنتها وانتشوا ببعض الانتصارات الانتخابية والنضالات البرلمانية.
غابت روزا لوكسمبرغ وفكرها عقوداً طويلة وتنحت أعمالها أو تمت تنحيتها (ما نشر منها وما لم يرى النور بعد) لردح طويل من الزمن حيث اودعت أرشيفات ومكتبات الادبيات الماركسية في المعاهد السوفيتية وغيرها من دول المنظومة الاشتراكية، الى ان جاء إنهيار الاتحاد السوفيتيى "ليفرج" عن العديد من أعمالها ينشر هذا الكتاب بعضاً منها بالانكليزية للمرة الاولى.
ومع حلول العقد الاخير من القرن المنصرم، أخذ الاهتمام في أعمال ومساهمات روزا لوكسمبرغ يتجدد وقامت جهود عديد لاعادة الاعتبار لها كاحدى كبار مفكري الماركسية في القرن العشرين، بل كبار مناضلي البشرية ضد رأس المال والامبريالية. ولا ريب في أن إنزلاق البشرية الى هاوية العولمة وهيمنتها وضراوة رأس المال المعولم وما ألم بنا من ويلاته، كان أحد العوامل التي غذّت هذا الاهتمام ودفعت الى إعادة الالتفات الى هذه العملاقة التي أدركت بإستشراف ثاقب، أبعاد ومخاطر رأس المال والعولمة (وإن لم تكن هذه المفردة قد نحتت بعد) منذ الاعوام الاولى للقرن العشرين، بل كانت في طليعة الماركسيين الذي أرسوا أسس البديل الثوري لتحرير الانسان من وحش الرأسمالية الهائج. وها نحن نعود بعد ما يقارب قرن من الزمن لننهل من إرث لوكسمبرغ ورؤيتها في "مشروع التغيير".
تتجلى أهمية وراهنية روزا لوكسمبرغ وفكرها في كونها واحدة من رعيل الماركسيين الاوائل الذين أمسكوا مبكراً بنظرية متكاملة لجشع رأس المال وجنوحه، الذي هو من طبيعته وبنيته، نحو المزيد من التوسع والنهم. وعليه كانت لوكسمبرغ من أوائل من حذروا من النتائج الوخيمة لهذا التوسع وخاصة الاضرار التي تلحق بالبلدان المتخلفة تكنولوجياً وصناعياً ـ أي بلدان العالم الثالث كما نسميها اليوم. وقد جاءت تطورات العقد الماضي (إنهيار القطب الاشتراكي وهيمنة راس المال على النظام العالمي) لتؤكد ما صرفت لوكسمبرغ سنوات عمرها ونضالها في سبيل نقده ومناهضته: أي الدمار الهائل الذي ستجلبه الرأسمالية على العالم والبيئة وخاصة على شعوب البلدان غير الرأسمالية. وكثيراً ما نسمع العديد من المفكرين والنشطاء يرددون ما دعت اليه لوكمسبرغ قبل قرن من الزمان.
يأتي الاهتمام المتجدد بروزا لوكسمبرغ في سياق تنامي وتجذر المقاومة للمشروع الرأسمالي ـ الامبريالي في تجلياته المختلفة: عولمة الفقر والظلم والاستغلال الاقتصادي والاجتماعي للجماهير الشعبية في مجتمعات العالم الثالث ونهب ما تبقى من مواردها، وعولمة العسكرة الامبريالية والاحتلال الكولونيالي في العراق وأفغانستان وفلسطين. كما يأتي في سياق خيانة الطبقات الحاكمة في كثير من تلك بلدان العالم الثالث وإصطفافها في معسكر راس المال وهرولة كومبرادورها نحو "مساومات الاصلاح والديمقراطية" مع رأس المال ومهادنته كبديل عن التغير الثوري.
كما يتزامن هذا الاهتمام مع مرحلة ما ـ بعد ـ إنهيار الاتحاد السوفيتي معيداً الى الاذهان مواقف روزا لوكسمبرغ ضد التحجر البيروقراطي والنخبوية في الحزب وانحرافه بعد الاستيلاء على السلطة. لذا ينفرد هذا الكتاب باهمية وميزة خاصة حيث يلح، من خلال نصوص لوكسمبرغ ذاتها وما ينشر منها للمرة الاولى، على أعادة تقويم العديد من القضايا (السياسية والفكرية والتنظيمية) والاشكاليات المتعلقة بالبحث عن بديل معادٍ للراسمالية والامبريالية من ناحية، ولكنه بديل يتلمس البناء الاشتراكي مستفيداً من عبر ودروس التجارب الاشتراكية السابقة ويسعى الى بناء الحزب الاشتراكي الثوري ويخلو من أساليب وأجهزة القمع والبيروقراطية وإستبدادها من ناحية اخرى. ألم يكم هذا هو مشروع الانسانية التي سعت اليه ورسمت هويته قوى التغيير والثورة عبر القرن المنصرم قبل أن تعتريه إخفاقات الانظمة الاشتراكية القائمة آنذاك.
لم تأل لوكسمبرغ جهداً في صياغة الرد على القضايا والاشكاليات التي شغلت الحركات الاشتراكية منذ اوئل القرن العشرين والتي إزدادت تعمقاً وتعقيداً مع تفاقم الازمات الاجتماعية: ما هو السبيل لضمانة "الديمقراطية الثورية" في الحزب والمجتمع بعد الاستيلاء على السلطة؟ ولا شك أننا نطل اليوم على تاريخ حافلٍ من التجارب الاشتراكية (تلك التي إنهارت أو التي ما زالت تصارع من أجل الحياة في الصين وكوبا وفيتنام وكوريا الشمالية) وتجارب العديد من حركات التحرر العالمية في العالم الثالث التي توجهت، حال وصولها الى دفة الحكم، نحو الخيار الاشتراكي كدرب للتنمية والتقدم. إلاّ ما زلنا نقف اليوم، بعد كل هذه التجارب أمام التحدي الكبير: هل هناك من وسيلة، غير الاشتراكية، لهزيمة الراسمالية ولجم عولمة رأس المال المندفعة نحو التوسع والهيمنة على شعوب الارض؟ وما هي تلك الوسيلة؟ أمّا إذا كانت الاشتراكية هي الدرب الوحيد، فكيف لنا أن نتجنب الوقوع في فخ البيروقراطية والاستبداد وإخفاقات النمط السوفيتي في البناء الاشتراكي وما جلبته على شعوبها وطبقاتها الشعبية والانسانية من أهوال ومعاناة؟

لوكسمبرغ وثورة أكتوبر
تمحور كفاح الانسانية عبر كافة العصور حول القضاء على الظلم والاستغلال والاستبداد. وقد جاء البيان الشيوعي (1848) ليعبر عن هذه الصرخة، الى أن انتصرت الاشتراكية للمرة الاولى في روسيا القيصرية (1917) مؤذنة ببزوغ فجر جديد. إلاّ أن قوى الثورة المضادة والراسمالية سارعت منذ اللحظة الاولى عن التآمر ضد هذه الثورة وغزو الاتحاد السوفيتي الفتي من أجل سحق ثورته، فكان على الثورة والحزب أن تتصدى بحزم لهذه المحاولات والمؤامرات. إلاّ أن متطلبات عملية "تثبيت السلطة" والحفاظ على الثورة والحزب وبناء المجتمع الاشتراكي وإدارة مرحلة التحول الاشتراكي خلال الحقبة الستالينية، والتضحيات الجسيمية للشعوب السوفيتية من أجل الحفاظ على منجزات الثورة الاشتراكية وحرية الوطن ضد الغزو النازي، وخوض ستالين لاشرس حروب البشرية وأكثرها بطشاً وتدميراً، كل هذا لا يشفع ولا يمكن أن يبرر أو يقدم الذريعة لما آلت اليه الدولة السوفياتية والسياسات التي إتبعتها على المستويات الداخلية والخارجية، منذ خمسينات القرن الماضي حتى لحظة إنهيارها النهائي (1989-1990).
لم تتردد لوكسمبرغ في دعمها العلني للثورة البلشفية (1917) ، وفي كتابها "الثورة الروسية" أيدت البلاشفة في الثورة الاجتماعية، إلاّ أنها إنتقدت سياساتهم في توزيع الاراضي ومعالجتهم لمسألة القوميات الاثنية، كما إنتقدت بشكل خاص "تقليصهم للديمقراطية الاشتراكية". وعليه فلم يكن موقفها من هذه الثورة موضع خلاف مع لينين. بل كان جوهر هذا الخلاف في مطالبة لوكسمبرغ بعدم تقييد الثورة داخل صفوف وقيادة الحزب وإملاءاته التي، كما إرتأت، ستؤدي لا محالة الى إعاقة الديمقراطية الثورية. وعليه إرتكزت محاججتها مع لينين على أن قمع الديمقراطية الثورية في مرحلة ما بعد الاستيلاء على السلطة، سيهدر الطبيعة التحررية للثورة. أما ناقدو لوكسمبرغ فقد جاء ردهم مرتكزاً الى أن مواقف لينين وجهوده، بعد إنتصار الثورة وإختلال النظم التي تتحكم في عملية الانتاج، توجهت نحو خلق نظم أشد حزماً وأنضباطاً. كما أنهم استخدموا إرث ومفاهيم جورج لوكاش التي تؤكد على الارادة الثورية الصارمة التي تمضي الى نهاية المشوار: الى الاستيلاء على السلطة ونسف الواقع القائم بكليته. أما وقد مضى على إنطلاقة ثورة أكتوبر ما يقارب تسعة عقود وعلى إنهيار الاتحاد السوفيتي ما ينوف على خمسة عشر عاماً، فقد أصبح جلياً أنه لا يجوز الانتقاص من وجهة نظر لوكسمبرغ وان السؤال لا يقتصر على "الثورة" و"الاستلاء على السلطة"، بل يتعدى ذلك الى: "كيف نضمن إستمرار العملية الثورية بعد الاستيلاء على السلطة؟"

القضايا الخلافية مع لينين
يسجل العديد من النقّاد أنّ كلاً من لينين ولوكسمبرغ قد شكّلا قطبين مختلفين إزاء العديد من القضايا المتعلقة بالثورة والتنظيم. والحقيقة أن هذه المقولة لم تتفشى، من الناحية التاريخية، إلاّ بعد مقتل لوكسمبرغ. وبالرغم من نقدها ذائع الصيت (1904) لكتاب لينين "ما العمل؟"، فقد ألقت الكتابات المنشورة في هذا الكتاب، موضوع هذه النراجعة، ولتي تسنى الاطلاع عليها بعد العثور على المخطوطات الاصلية في أرشيف الحزب الشيوعي السوفيتي مؤخراً، أضواءً جديدة على نقد لوكسمبرغ للمفاهيم النظرية والسياسية والتنظيمية لدى لينين. وفي خضم المبالغات التي إعترت الخلافات والتوترات بيها وبين لينين، يجدر التذكير بانهما إلتقيا حول العديد من القضايا الاساسية في الثورة وخاصة فيما يتعلق بثورة 1905 وعبرها وتداعياتها الدولية. كما يتوجب الحذر من الخلط بين النقد الذي مارسته لوكسمرغ (والذي إرتكز على ثورية ماركسية أصيلة) وبين الاتجاهات المعادية، ليبرالية واصلاحية وفوضوية، التي أكالت النقد، وما زالت، للفكر الماركسي الثوري.



(1) بين طليعية الحزب وعفوية الجماهير
لعل إيمان لوكسمبرغ المطلق بالانهيار المحتوم للرأسمالية والعفوية الجماهيرية كان مدعاة لكثيرمن التأويلات المجحفة لفكرها والتي ذهبت لتفسر نظريتها هذه كشكل من أشكال الحتمية أو الجبرية السياسية. فعلى النقيض من ذلك، إعتقدت لوكسمبرغ بان تطور الراسمالية سيكون حافلاً بالازمات والاضطرابات الاجتماعية وشتى أشكال الحروب والكوارت، وهو ما نراه حاصلاً اليوم، مما يوفر الشروط الموضوعية لنهوض المشروع الاشتراكي. وعليه، رأت لوكسمبرغ، أن النضال من أجل الاشتراكية ضرورة ملحة وعاجلة ولم ترتكن الى الانهيار الحتمي للرأسمالية. إلاّ أن ما تميزت به لوكسمبرغ هو إصرارها على أن مادة النضال الاساسية تكمن في عفوية الجماهير الشعبية وتلقائية الطبقة العاملة وسعيها المستمر نحو الانعتاق والحرية، كما وجدت في الاضراب الجماهيري الوسيلة المثلى والفعّالة لنضال الطبقة العاملة. فمن المغالطة، إذن، القول بانها نفت الحاجة الى التنظيم الثوري أو أنها تنكرت لاهمية النظرية الثورية الماركسية والقيادة الكفؤة.
آمن لينين، كما أكد ماركس وانجلز من قبله، باهمية الاضراب في نشر وترسيخ الوعي الطبقي، إلاّ أنه أوضح في "ما العمل؟" أنه لن يتسنى للاضراب، إن لم يرافقه تنظيم ونضال سياسي، دحر الهيمنة الراسمالية حتى لو كان ذلك الاضراب شاملاً. وضمن هذه الرؤية عرض لينين حجته المركزية التي ضمّنها كتابه "ما العمل؟": ان الوعي الطبقي السياسي يجب أن يأتي الى العمال من الخارج أي من خارج العلاقات الاقتصادية والنضال الاقتصادي. ورغم تفاوت وجهتي نظر لينين ولوكسمبرغ حول دور وأهمية الاضراب، فقد إتفق كلاهما على أنّ الاضراب مربط ديالكتيكياً بنهوض الوعي الثوري.
يمكننا إيجاز المسائل الخلافية بين لينين ولوكسمبرغ في هذا الصدد، وفي فضائها الاوسع دون الدخول في التفاصيل، بما يلي: في حين ركّز لينين على دور الحزب وطليعيته في قيادة الثورة، أصرّت لوكسمبرغ على "التلقائية أو العفوية الجماهيرية" والديمقراطية الثورية.
بين المغالاة في الدفاع عن عفوية الجماهير وتلقائية العملية الثورية والديمقراطية الثورية لدى لوكسمبرغ من جهة، "وطليعية حزب البروليتاريا" لدى لينين من جهة ثانية، يكمن الخلاف بينهما وتظل إشكالية الحزب وإستمرارية العملية الثورية قائمة ليومنا هذا. وبالرغم من مفاهيم لوكسمبرغ حول الحزب، والتي تتاخم في كثير من أبعادها المثالية، وممارسات لينين التطبيقية وتعاطيه المباشر مع الحزب والتنظيم الثوري، فانه يتوجب الحذر والتعاطي بشفافية ونقدية تامة مع هذه المعضلة والتي لم يتوصل الماركسيون، في مرحلة ما بعد ماركس الى دواء شاف لها.

(2) إلتقاط اللحظة التاريخية
أخذ الكثيرون من النقّاد على لوكسمبرغ أنها أخفقت في التقاط اللحظة الموضوعية والمبادرة التاريخية، أي أنها بسبب اطروحتها حول العفوية الجماهيرية ودور الحزب، تلكأت في أتخاذ القفزة النوعية وقيادة الثورة والاستيلاء على السلطة. وليس هناك أبعد من ذلك عن الحقيقة حول موقف لوكسمبرغ: فهي في حين أيدت الثورة البولشفية وأطرت على شجاعة البلاشفة في الاستيلاء على السلطة، صبّت جلّ نقدها، وهنا تكمن حقيقة خلافها مع لينين، على "سياسات ودور الحزب في مرحلة ما بعد الاستيلاء على السلطة". لعل مواقف لوكسمبرغ ومسلكيتها خلال الاسبوع الاول من كانون الثاني/يناير1919 خير رد على الذين عمموا نقدها للينين في التقاط اللحظة التاريخية وانتزعوها من سياقها الموضوعي (انظر هامش رقم 9). أما فيما يتعلق بالتقاط المبادرة التاريخية والقفزة النوعية فقد إتفق كلاهما على أنه لن يتسنى للبروليتاريا الانتظار لاكتمال ونضوج شروط الاستيلاء على السلطة، وعليه فان الاستيلاء سيتم موضوعياً، وفي غياب أي خيار آخر، بشكل مبكر وقبل أن تكتمل كافة الظروف. وعليه فان هذه المحاذير، ليست إلاّ تنكراً لطموحات البروليتاريا وحقها في إنتزاع السلطة والاستيلاء على الحكم.


(3) حول الوعي الطبقي
كان لينين يرى أنه لا بد من إحضار الوعي الطبقي الناضج سياسياً الى الطبقة العاملية من "الخارج" أي أن الطبقة العاملة غير قادرة لوحدها على إنتاج هذا الوعي. وقد أوضح لينين أن الشكل الوحيد من الوعي الطبقي الذي يمكن ان ينمو تلقائيا بين صفوف الطبقة العاملة هو ما أسماه "وعي النقابات العمالية" أو الوعي بضرورة إستخدام تمثيل مصالح الطبقة العاملة ضد المصالح الراسمالية. أمّا الوعي الطبقي السياسي، فالمثقفون هم الوحيدون القادرون على صياغته وتطويره بحكم ثقافتتهم ومعرفتهم وأيضا بحكم وقوفهم على بعد من (أي خارج) عملية الانتاج المباشرة والعلاقات الاقتصادية بين البروليتاريا والراسمالية حيث يتسنى لهم فهم المجتمع البرجوازي والعلاقات الاجتماعية السائدة فيه بكل شموليتها. وتمضي النظرية الماركسية ـ اللينينة لتقول بان الوعي الذي ينتجة هؤلاء المثقفون لا تتبناه سوى البروليتاريا ولا تستطيع البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة ان تتبناه. ينحاز لوكاش في هذا الشأن لموقف لينين إذ يصرّ على أنّ "كل شيء يعتمد على الوعي الطبقي، على الارادة الواعية للبروليتاريا. هنا تمكث لحظة القرار ...إن مصير الثورة البروليتارية يعتمد على العنصر الذاتي". ثم يقول:"أن هناك مسافة بين الوعي بالحالة الراهنة للبروليتاريا وبين إمكانيات ما يمكن أن يصبح هذا الوعي عليه، وهنا يقف الحزب جسراً لعبور هذه المسافة...". وهنا يلتقي لوكاش مع لينين الذي قال (1903):"إن الوعي الطبقي السياسي يجب ان يستحضر للعمال من الخارج... من خارج العلاقات بين العمال واصحاب العمل".
وعلى خلاف هذه المفاهيم، أولت روزا لوكسمبورغ الموقع الاساسي والبارز في تشكيل الوعي الطبقي لدور التجربة الاجتماعية، تجربة الصراع الطبقي. وذهبت الى أن الاخطاء التي ترتكبها البروليتاريا خلال خوضها للصراع الطبقي، تساهم أيضاً في تطور الوعي الطبقي السليم والذي يشكل الضمانة الوحيد للنصر. أما أن "تتفضل" نخبة من المثقفين على الطبقة العاملة باسداء الوعي لها، فلن يؤدي إلاً الى السلبية وإضعاف قدرة الحزب على الاداء.

(4) مهمة الحزب السياسي
يمكن أيجاز المفاهيم البولشفية حول الحزب السياسي بشكل خاطف في النقاط التالية: (1) الحزب الماركسي هو "الطليعة" أو "قيادة الطبقة العاملة"؛ (2) تكمن مهمة الحزب في قيادة النضال الثوري ضد البرجوازية؛ (3) لا تستطيع الجماهير ان تتبنى تلقائياً نظرية سياسية مستندة الى الوعي الطبقي، وعلية فان مهمة الحزب تكون في صياغة النظرية الماركسية الثورية وتقديمها للجماهير؛ (4) يتكون الحزب من الاعضاء الماركسيين العاملين والفعّالين والملتزمين بالثورة الاشتراكية. أمّا الانصار والمؤيدون فيظلون خارج الحزب؛ (5) يحتكم الحزب في حياته الداخلية الى مبدأ المركزية الديمقراطية حيث يشارك كافة الاعضاء في صياغة وإعداد البرامج والسياسات وفي إنتخاب المواقع القيادية، وبعد أن يتم إقرار هذه السياسات والانتخابات، فانه يتوجب على كل عضو أن يلتزم بها وأن يعلن الولاء للقيادة.
ضمنت لوكسمبرغ خلافها مع لينين كتيبها "المسائل التنظيمية في الديمقراطية الاجتماعية الروسية" “Organizational Questions of Russian Social Democracy” . فلم يختلفا حول "طليعية" الحزب الثوري، بل في فهم كل مهنما للعلاقة بين الوعي الثوري والتنظيم حيث تناولها كل منهما من منظور مختلف. ففي حين رأي لينين أن الحزب هو الحاملة الرئيسية للوعي الطبقي، آثرت لوكسمبرغ ان تموضع هذا الوعي في النضالات والتجارب اليومية للجماهير التي يتوجب على الحزب أن يلتقطها ويرتقي بها حتي يتم تحقيق الغايات التي قامت من أجلها وسعت اليها هذه النضالات. وعليه عارضت لوكسمبرغ فكرة التنظيم الحزبي المركزي وهيمنتة لان هذا يحدّ من ويعيق النضال الثوري للطبقة العاملة. تقول لوكسمبرغ "إنه من مصلحة الجماهير البروليتارية في الحزب، إذن، أن تتعرف وبشكل فعّال وبالتفصيل على القضايا النظرية الخلافية الراهنة التي تعالج الانتهازية. فطالما بقيت المعرفة النظرية إمتيازاً وحكراً على زمرة من "المثقفين" في الحزب، فانه [أي الحزب] سيواجه خطر الانحراف. وعندما تقبض جماهير العمال العظيمة بيدها على أسلحة الاشتراكية العلمية الموثوق بها فانه يصبح بالامكان القضاء على كافة الميول البرجوازية الصغيرة والتيارات الانتهازية". كان هاجسها الكبير ألاّ يصبح الحزب السياسي وصياً على الطبقة العاملة، لذا وقفت طيلة سنوات نضالها مدافعة عن المبادرة المستقلة والابداع الذاتي للعمال وقدرتهم على التعلم من تجربتهم وأخطائهم. ورأت أن هذا لا يتحقق إلا من خلال "تنظيم ديمقراطي ذي قاعدة عريضة".
تمسك لينين في محاربته للتيارات الانتهازية داخل الحزب بمبدأ المركزية التنظيمية (المركزية الديمقراطية). أمّا لوكسمرغ فقد إنتقدت هذه المركزية المغالية (والتى وصفتها بالفائقة ultra) وإعتقدت أنه من شأنها ان تخنق وتعيق المبادرة العفوية أوالتلقائية الديمقراطية أي التبادل الديمقراطي للافكار وحاججت ان الوعي الطبقي البروليتاري يتطلب "مراجعة كاملة لمفهوم التنظيم" أي الحزب ورغم إقرارها بضرورة محاربة الانتهازية، إلاّ انها رأت أن هذا لا يتم من خلال إعادة تكرار أدواتها التنظيمية (أي الانتهازية).
وفي مقالة بعنوان "العقيدة" Credo كتبتها لوكسمبرغ في خريف عام 1911 عبّرت عن إنحيازها التام للينين وتروتسكي والبلاشفة ضد المناشفة وميولهم الانتهازية في الصراع القائم بين هذين التيارين داخل الحزب آنذاك. إلاّ انها ضمّنت المقالة هجوماً لاذعاً على ما أسمته "الاجراءات الثورية الفجّة لليسار اللينيني". ويجدر بالذكر أن هذه المقالة جاءت في سياق مرحلة تاريخية عصيبة وحرجة مرّ بها حزب الديمقراطية الاجتماعية الروسي، وقف خلالها لينين وبشدة ضد التيارات "غير البلشفية" والتي تنامت داخل صفوف الحزب وعمل على إزالتها. وهي كذلك مرحلة إتسمت بتصاعد حدة التوتر والخلاف بين لينين ولوكمسبرغ. أما مؤرخو سيرة لوكسمبرغ، فيعتبرون هذه المقالة من أهم أعمالها التي تناولت سياسات لينين والتي تعبر بوضوح عن الخلافات المبدئية التي أحتدت بينهما حول وحدة الحزب ومسألة الديمقراطية داخله.

(5) الديمقراطية الثورية ومصير الثورة بعد الاستيلاء على السلطة
أنجزت لوكسمبرغ، خلال فترة سجنها، كتاب "الثورة الروسية" (في سبتمبر1918 ونشربعد موتها في عام 1922). وقد روّج الكثيرون أن الكتاب شنّ هجوماً شديداً على الثورة البولشفية (1917)، في حين أنه جاء في الحقيقة دفاعاً عن هذه الثورة، كما يعتبرمن أكثر كتابات لوكسمبرغ شمولية في تقييم أنجازات وإخفاقات الثورة البولشفية. وبعد أن أطرت لوكسمبرغ المديح للبلاشفة على نضالهم وبسالتهم في خوض معارك الثورة، وجهت النقد اللاذع:
ـ لبعض السياسات التي إتبعوها بعد إنتصار الثورة مثل منح الاراضي للفلاحين ومعالجة مسألة القوميات الاثنية في الاتحاد السوفيتي والاصرار على حق الشعوب في تقرير المصير وغيرها.
ـ أما في "إحتكار" السلطة في حزب واحد، فقد رأت لوكسمبرغ أن كلاً من لينين وتروتسكي، قد جازفا بتدمير اسس التنمية للثورة الروسية.
ـ كما وجهت لوكسمبرغ جلّ نقدها لقمع لينين وتروتسكي للديقراطية الثورية داخل الحزب، حيث كانت تخشى ان تؤدي "الميول البولشفية في كبت حرية الرأي والصحافة والتجمع" الى الهدر بالنضال نحو بناء المجتمع الاشتراكي. وكانت ترى انه لا يمكن الفصل بين الاشتراكية والديمقراطية ولا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر. إعتقدت لوكسمبرغ أنه، بعد الاطاحة بالنظام القيصري القديم في روسيا، يصبح من الضروري توفير حيز من حرية الفكر والتعبيرالعفوي والتلقائي. ولعلها في هذا، تكون قد بلورت الاشكاليات الاساسية والصعبة التي تواجهها الحركة الماركسية اليوم كما واجهتها آنذاك في عقب إنتصار الثورة البولشفية والتوجه نحو البناء الاشتراكي: فماذا بعد إنتصار الثورة؟ وهل من الممكن للعملية الثورية أن تستمر بعد إنتصار الثورة والاستيلاء على السلطة؟ وما هو المطلوب عمله كي لا تهيمن "الطبقة الجديدة" أو البيروقراطية على مستقبل الثورة؟
وقد إزدادت هذه الاسئلة التي طرحتها لوكسمبرغ عام 1918 حدّة وإلحاحاً بعض نهوض الستالينية وهيمنتها على الحزب والدولة في الاتحاد السوفياتي. وما زالت هذه الاسئلة / الاشكاليات، والتي طرحتها لوكسمبرغ، بشكل جذري وربما عاصف وبوعي ندرت جرأته وضمن سياق تاريخي مغاير ليومنا، ما زالت تؤرّق الملايين من الجماهير الشعبية التي تتسائل اليوم: أين هو درب الخلاص؟ وما هو البديل عن "الرأسمالية القائمة فعلاً"، الرأسمالية المتوحشة؟ كيف نبنى الاشتراكية دون السقوط في فخ الاستبدادية والقمع والبيروقراطية التي شهدناها في التجارب الاشتراكية السابقة في الاتحاد السوفيتي وغيرها من الدول الاشتراكية؟

الرد على لوكسمبرغ
تعرض نقد لوكسمبرغ للينين والبلاشفة الى الكثيرمن إساءة الفهم وربما التشويه. ويمكننا في محاولة للتبسيط ان نوجز الفهم السائد لوجهة نظر لوكسمبرغ في هذا الصدد على النحو التالي: لقد إلتقط لينين، في ثورة اكتوبر، "اللحظة التاريخية" وأدرك ضرورة القفز فوق الحواجز الموضوعية مؤمناً ومبشراً بالحدث التاريخي. أما لوكسمبرغ، فقد ترددت، بل أخفقت بالامساك بهذه الفرصة التاريخية. وتكمن المغالطة هنا في أنّ لوكسمبرغ لم تعارض إنطلاقة ثورة أكتوبر ولم تتردد أو تحجم عن الاستيلاء على السلطة ويتجلى هذا في نقدها الشديد والمستمر لبيرنشتاين كما يتألق في مشاركتها ودورها الفعّال في الثورة الالمانية (1918ـ1919 ).
خلافاً لذلك، تركز نقد لوكسمبرغ للثورة البولشفية في مسألة مركزية تمثلت في طبيعة الاستيلاء على السلطة والخطوات الواجب إتخاذها فور إنتصار الثورة من أجل ضمانة أوسع وأشمل شكل ممكن من أشكال الديمقراطية الثورية. تقول لوكسمبرغ في هذا الصدد: "حين تستولي البروليتاريا على السلطة ... يجب عليها في الحقيقة، وبكل ما اوتيت من قدرة وباسلوب لا يعرف المهادنة، أن تتخذ فوراً الاجراءات الاشتراكية، وبعبارة أخرى، أن تمارس الديكتاتورية ولكن ديكتاتورية الطبقة لا ديكتاتورية الحزب أو زمرته. أمّا دكتاتورية الطبقة هذه فتكون على مرأى من الجماهير العريضة وباقصى تفاعل ممكن وبمشاركة غير منقوصة أو محبطة لجماهير الشعب في أطار ديمقراطية غير محدودة". كما رأت لوكسمبرغ ان المهمة التاريخية للبروليتاريا، بعد استيلائها على السلطة، تتمثل في خلق الاشتراكية الديمقراطية لتحل محل الديمقراطية البرجوازية لا أن تهدر الديمقراطية برمتها. كما أصرت على أن الممارسة الاشتراكية تعنى "التحول الروحاني التام للجماهير" التي عانت لقرون طويلة من القمع والاهانة في ظل حكم الطبقة البرجوازية. ("الثورة الروسية" ص 307 و 308 )

(6) المسألة القومية وحق الشعوب في تقرير مصيرها
كانت المطالبة بإستقلال بولندا ومسألة القومية البولندية الفتيل الذي أشعل الخلاف بين لينين ولوكسمبرغ حول مسألة القومية وحق تقرير المصير للشعوب وكانت بولندا آنذاك تحت سيطرة الامبراطورية الروسية القيصرية. وقد وقفت لوكسمبرغ معارضةً للقومية البولندية ورأت أنها "ستأخذنا الى الوراء" وأن وحدة العمال الروس والبولنديين هي القضية الاسمي. تقول لوكمسبرغ إنّ:"بالنسبة للاشتراكي، فليس هناك أمة حرّة، عندما يكون وجودها الوطني يعتمد على إستعباد شعبٍ آخر"، وفي مكان آخر تقول "تعترف الاشتراكية الاممية بتمتع الامم الحرّة المستقلة بحقوق متساوية. إلاّ أن الاشتراكية هي وحدها القادرة على خلق مثل هذه الامم وعلى ضمانة حق تقرير المصير لهذه الشعوب. وشعار الاشتراكية هذا، كسائر شعاراتها، ليس إعتذاراً عن الظروف القائمة، بل هو دليل عمل، شعلة لسياسة بروليتارية ثورية متجددة وفاعلة. فطالما بقيت هناك دولة راسمالية، أي طالما أن سياسات العالم الراسمالي هي التي تتحكم وتضبط الحياة الداخلية والخارجية للامة، فلن يكون هناك "حق تقرير مصير قومي" لا في الحرب ولا في السلام". (من "كراس جونيوس"، ص 325)
على النقيض من ذلك أكدّ لينين أنه لا يمكن إقامة علاقة سليمة بين العمال الروس والبولنديين دون الاعتراف بحق بولندا في الحرية والاستقلال، منبهاً الى أن هدف الاشتراكية النهائي هو توحيد كافة الشعوب والامم وإنصهارها في عائلة واحدة، وإن لم تتوفر الفرصة لكل شعب وأمة في إختيار طريقها فان هذه الغاية لن تتحقق. وقد إنتقد لينين مواقف لوكسمبرغ في هذا الصدد بشدة لا تحوجها السخرية في بعض الاحيان:" ولكن من الاغرب بكثير، أن روزا لوكسمبرغ التي طالما جعجعت...قد إرتكبت نفسها خطأ التجريدية والميتافيزيائية هذا. فان روزا لوكسمبرغ ذاتها تنزلق دائماً الى بحث الاعتبارات العامة لحرية تقرير المصير (الى حد المحاكمة المضحكة على ما يجب استخدامه من وسائل لمعرفة ارادة امة من الامم)، دون أن تطرح إطلاقاً هذا السؤال بصورة واضحة دقيقة: أيتلخص كنه القضية في التعاريف القانونية، أم في تجارب الحركات القومية في العالم باسره؟" كما عارض لينين بشدة إعتماد لوكسمبرغ العامل الاقتصادي وتجاهل العوامل الاخرى في معالجة المسألة القومية وخلافها مع كارل كاوتسكى حول الدولة القومية. كان كاوتسكى يرى:"ان الدولة القومية هي شكل الدولة الذي ينسجم أكمل إنسجام مع الظروف العصرية" كما أنها "الشكل الذي يتهيأ لها فيه تأدية مهامها باسهل ما يمكن" أي مهام إفساح المجال أمام الرأسمالية لتتطور الى أبعد حدود الحرية والشمول والسرعة. أما لوكسمبرغ فذهبت، في ردها على كاوتسكي، الى :"... ان هذه الدولة القومية "المثلى" ليست سوى شيء مجرد يسهل عرضه نظرياً والدفاع عنه نظرياً، ولكنه ليس مطابق للواقع". أما لينين فقد راعه "قدرة الكاتبة [لوكسمبرغ] على عدم فهم القضية" وتابع قائلاً:"ان جهود روزا لوكمسبرع لتلقين كاوتسكي، بلهجة المعلم، ان الدول الصغيرة تابعة اقتصادياً للدول الكبيرة، وان الصراع بين الدول البرجوازية متواصل لسحق الامم الاخرى بضرواة، وان ثمة امبريالية ومستعمرات، ليست في الحقيقة سوى محاولة صبيانية مضحكة للوعظ والارشاد، لان هذه الامور كلها لا تمت بصلة الى الموضوع. ان التبعية الاقتصادية الكاملة لسلطان راس المال المالي الامبريالي في البلدان البرجوازية "الغنية" ليست شيئاً مقصوراً على الدول الصغرى فقط، بل انها تشمل اقطاراً كروسيا. ولم تكن دويلات البلقان وحدها مستعمرة لاوروبا من الوجهة الاقتصادية، بل ان اميركا ذاتها كانت كذلك في القرن التاسع عشر، على حد ما ذكره كارل ماركس في "راس المال". ووصفها لينين بانها:" إستعاضت روزا لوكسمبرغ عند قضية حرية الامم في تقرير مصيرها السياسي في المجتمع البرجوازي، أي قضية استقلالها كدول، بقضية حريتها واستقلالها في الميدان الاقتصادي."

القطيعة مع كاوتسكي
عملت لوكمسبرغ بلا كلل، لدى عودتها الى المانيا على نشر وتعميق الوعي بتجربة الثورة الروسية 1905 لدى العمال الالمانيين مؤكدة أنه يمكن من خلال "العمل الجماهيري" التخلص من البراجوزية الصغيرة والقضاء على نهجها. وقد عثرت في الاضراب الجماهيري على ضالتها ووجدت فيه "الوسيلة المثلى للثورة البروليتارية" لانه يعبر ان أسمى أشكال إبداع الجماهير العريضة وتعبيراتها العفوية في النضال حيث تلتحم وسائل النضال السياسية والاقتصادية مع المطالب العمالية في تحدي هيمنة الراسمالية. وقد كان هذا الموقف الجذري من دور وأساليب النضال الجماهيري أحد الاسباب الرئيسية للقطيعة مع كارل كاوتسكي الذي إرتكن الى الحذر ولجأ الى الاساليب الانتخابية في النضال وقيادة الحزب.
وقد رأت لوكسمبرغ أن القضية الاساسية في إنحراف كاوتسكي تتمثل في رفض حزب الديقراطية الاجتماعية الالماني SPD لاتخاذ موقف أيجابي وفعّال ضد التوسع الامبريالي مقابل مكاسب إنتخابية آنية، كما إنتقدته عام 1911 مع سائر قيادة الحزب SPD بسبب عجزهم عن مناهضة التوسع الامبريالي الالماني في مراكش. أمّا القطيعة التامة مع كارل كاوتسكي فقد جاءت عام 1910 حين تصدت له ونقدته في كتيب "النظرية والممارسة": في حين قدم كاوتسكي "نظريات عاصفة، إلاّ أنه سمح بانحطاط الحزب وتدينه الى البرلمانية [وسائل النضال البرلمانيٍ]". وقد رأت لوكسمبرغ في تلك المواقف فشل وعجز الحزب الماركسي آنذاك عن إلتقاط المسألة المركزية في النضال، وهي إستحالة الفصل بين الرأسمالية والامبريالية مما أدّى الى الوقوف الحيادي وعدم إتخاذ موقف حاسم حيال هذه الظاهرة. كما توقعت لوكسمبرغ بفضل حدسها الاستباقي الى ذلك بوضوح الى ان كاوتسكي سيخون الثورة الاشتراكية وهو ما حدث عام 1914.

الامبريالية وتراكم رأس المال
تبوأت مناهضة الامبريالية والحرب والنزعة العسكرية (العسكرةmilitarism ) موقعاً مركزياً في فكر ونضال روزا لوكسمبرغ. لذا يكتسب هذا الكتاب، وغيره من الاعمال التي أخذت تظهر في الاعوام الاخيرة هادفة إحياء تراثها الفكري، أهمية ودلالة خاصة في زمننا هذا حيث تعاني البشرية من هيمنة رأس المال المعولم وفظاعة الاضطهاد والاستغلال الطبقي والاجتماعي للطبقات الشعبية، من ناحية، وبربرية العسكرة والاحتلال الكولونيالي للشعوب المضطهدة في العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها، من ناحية أخرى؟
تتألق لوكسمبرغ بين الماركسيين القلائل الذين أدركوا بوعي خارق ومبكر، في تلك الحقبة من تطور الفكر الماركسي، التأثير المدمر للامبريالية على البلدان غير ـ الرأسمالية (العالم الثالث) وعلى التشكيلات الاجتماعية المشاعية في ما قبل الراسمالية. وقد ساهمت مع لينين وبوخارين وهيلفيرديج Hilferdig في صياغة مفاهيم الاستقلال والتوسع الجغرافي والنزاعات على إحتلال الاراضي والهيمنة على مواردها وربط ذلك كله بتراكم رأس المال. كما يعود للكسمبورغ الفضل في الربط بين التوسع الامبريالي وطبيعة النظام الراسمالي وبنيته، تلك العلاقة التي تأخذ أهمية خاصة في عالمنا اليوم وتكتسب لونأ جديداً في النضال ضد العوامل البنيوية التي تقف خلف العطش المستديم لراس المال نحو المزيد من الحروب الدائمة. وتذهب لوكسمبرغ في اطروحتها هذه الى جوهر الاشكالية حين تؤكد على أن الاخفاق النظري سيؤدي بلا محالة الى نتائج كارثية: "إن الاعتقاد بامكانية التراكم في "مجتمع راسمالي معزول"، وبأن "الراسمالية ممكنة بدون توسع" لهو معادلة نظرية لميول تكتيكية معينة، كما أن هذا المفهوم يميل الى "إعتبار مرحلة الامبريالية، ليس كضرورة تاريخية ، ولا كسباق حاسم بين الراسمالية والاشتراكية، بل كاختراع خبيث لمجموعة من الفئات ذات المصلحة الخاصة". ( ص 20)
إختلف بوخارين ولينين مع لولكسمبرغ في جزمها بان الراسمالية تنزع نحو التوسع الى "المناطق أو البلدان غيرـ الرأسمالية" في سعيها لتأمين الاسواق لسلعها. وقد ساقا، في معرض ردهما عليها، مثالي المخططات التوسعية الالمانية في بلجيكا والفرنسية في لورين في مستهل القرن العشرين، كمثالين على التوسع الامبريالي الى مناطق تطورت فيها الصناعة الراسمالية. كما أخذ عليها بوخارين عجزها عن التمييز بين راس المال بشكله العام عن النمط المميز لراس المال في حقبة الامبريالية أي راس المال المالي. إلا أن بيت القصيد في ردهما يكمن في أن نزوع الراسمالية الى التوسع من أجل الهيمنة على الاقتصاديات الصناعية وغير الصناعية، لم يكن مجرد رغبة في التوسع والسيطرة على مناطق عذراء، بل كان تمظهراً لاعادة تقسيم العالم التي أضحت امرأ ملحاً نظراً لنضوج راس المال المالي وهيمنته. لقد وصل راس المال المالي، في السنوات التي سبقت الحرب الامبريالية الاولى، درجة من النضوج بحيث أرسى أركان نظام عالمي لا يتسنى فيه تصدير راس المالي (المالي أو الانتاجي) إلا إذا أرتبط العالم باسره براس المال المالي، "وان السمة المميزة للامبريالية هي رأس المال المالي وليس الصناعي" كما أوضح لينين في "الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية". وعليه أكد لينين أن الدول المصدرة لراس المال العالم قد تقاسمت العالم فيما بينها، على الاقل من الناحية الشكلة، أما رأس المال المالي فهو الذي أدّى الى التجزئة الفعلية للعالم".



الشيوعية البدائية
لم تستحوذ دراسة العلاقات الاجتماعية غير ـ الرأسمالية إلاّ على إهتمام قلة من من الماركسيين، عندما قدمت لوكسمبرغ اطروحتها والتي ينشرها هذا الكتاب للمرة الاولى باللغة الانكليزية ضمن النصف الثاني لكتابها "مقدمة في الاقتصاد السياسي" الذي عالج أشكال الملكية العامة في مرحلة ما قبل الراسمالية من منظور تدمير الرأسمالية الاروروبية لهذه العلاقات ومحوها. وخلافاً للاعمال والكتابات في الاقتصاد السياسي التي سادت في زمنها، قدمت لوكسمبرغ في كتابها هذا تحليلاً للرأسمالية المبكرة والشيوعية البدائية primitive communism في العديد من مجتمعات ما قبل الراسمالية وفي مناطق جغرافية مختلفة من العالم.
باستثناء ما كتب ميشيل لويMichel Lowy، لم تلقى كتابات لوكسمبرغ في هذا المضمار الكثير من الاهتمام. كتب لوي "أصرت [لوكمسبرغ] على شمولية الشيوعية الزراعية كشكل عام للمجتمع البشري في مرحلة معينة من تطوره" وهو ما يجده المرء بيسر لدى "الهنود الاميركيين الاصليين مثل شعوب انكا وأستيكا (Inka, Aztecs) والقبائل الافريقية والهندوس". وفي تقويمها لهذه التجارب الشيوعية البدائية أدركت لوكسمبرغ العوامل الداخلية والخارجية التي أدت الى إنهيار هذه التشكيلات المشاعية في مرحلة ما قبل الرأسمالية. (ص 16)
خرجت لوكسمبرغ، في معالجتها لمسائل البلدان المستعمرة، عن الخطاب السائد آنذاك والذي أنحى باللائمة على تلك الشعوب و"تخلف" التشكيلات الاجتماعية فيها كتبرير للاستعمار الاوروبي. وقد رأت، على نقيض ذلك، أن هذه المجتمعات كانت "مستقرة ومتماسكة تماسكاً فائقاً"، وتتمتع بقدر كبير من "المرونة والقدرة على التكيف". وفي سياق تحليلها لتلك المجتمعات، كتبت لوكسمبرغ:"لقد وفرت الملكية الشيوعية لوسائل الانتاج، التي قامت على قاعدة إقتصاد منظم وصارم، العملية الاكثر إنتاجية للقوى الاجتماعية، كما شكلت أفضل ضمانة لديمومتها وتنميتها عبر حقبات عديدة". وعندما جاءت الامبريالية الاوروبية، على حد تعبيرها، دمرت ما تبقى من هذه التشكيلات المشاعية الاصلانية (indigenous communal formations ) فكان "إقتحام الحضارة الاوروبية" كارثةً بكل دلالات هذه الكلمة على تلك "العلاقات الاجتماعية البدائية". (ص 16)
لقد كان إنتزاع الارض وملكيتها من هذه الشعوب، حسب ما رأت لوكسمبرغ، إضافة الى أشكال الإخضاع والاستغلال الاقتصادي الاخرى، أسوأ ما حلّ بهذه الشعوب من جرّاء الاستعمار الاوروبي الذي زعزع إستقرار "الوجود الاجتماعي". وهكذا "حرمت الراسمالية الاوروبية هذا النظام الاجتماعي البدائي من الركن الاساسي الذي قام عليه". وما أن تمّ "الفصل" بين تلك الشعوب ووسائل إنتاجها (الارض)، حتى أضحوا، في نظر الراسمالية الاوروبية "مجرد عمّال". فان تمكنت هذه الراسمالية من تشغيلهم واستغلال عملهم فانهم يتحولون الى "عبيد" وإلاّ فتتم "إبادتهم الجسدية". (ص 110) لقد دمرت الراسمالية الاوروبية نظاماً إجتماعياً بدائيا تجاوز في ديمومته كافة المراحل التاريخية التي سبقته.

تراكم راس المال
إعتقدت لوكسمبرغ أن الماركسيين في عهدها وماركس نفسه، لم يقدموا تفسيراً وافياً "للدوافع الداخلية" و"لضرورة" التوسع الامبريالي. وفي كتابها "تراكم رأس المال: مساهمة في التفسير الاقتصادي للامبريالية" (1913)، أوضحت ان التناقض الجوهري في الراسمالية يكمن في "القدرة غير المحدودة لقوى الانتاج على التوسع" من جهة، و"القدرة المحدودة للاستهلاك الاجتماعي" من جهة اخرى. وقد فسّرت هذا التناقض ببساطة على النحو التالي: حيث ان الانتاج الراسمالي يرتكز أساساً على إستخراج فائض القيمة، فانه يستحيل على العامل أن يحصل على فائض القيمة لعمله (على شكل اجرته) بقدر يمكنه من "إعادة شراء" فائض الانتاج أي السلع الفائضة التي تغرق السوق. كذلك يصح القول ذاته على الراسمالي الذي ينبغي عليه ان يستثمر مبالغ هائلة من فائض القيمة في العملية الانتاجية (المعدات والآليات) كي يتمكن من تحقيق المزيد من تراكم رأس المال. وعليه استنتجت لوكسمبرغ انه يستحيل على العامل والراسمالي، اللذان يتواجدان في مجتمع واحد، أن يحققا قدراً كبيراً من فائض القيمة، وحاججت أن النظام الرأسمالي المنزل والمنغلق على ذاته، دون الوصول الى التشكيلات الاجتماعية غيرـ الراسمالية، لا بد أن ينهار لانه لا يستطيع ان يحقق فائض القيمة. وعليه فقد رأت في الامبريالية تعبيراً عن المزاحمة بين الدول الرأسمالية على ما تبقى من البيئة غيرـ الرأسمالية. وباستنفاذ هذه البيئة ونهب مواردها يصل النظام الرأسمالي الى الانهيار الشامل والنهائي للعلاقات الرأسمالية والانهيار الحتمي للنظام باسره. وعليه طرحت السؤال التالي: من أين، إذن، للراسمالية ان تحقق فائض القيمة أو المزيد منه؟ وجاء ردها، انه لا بد من توفير طبقات من المستهلكين خارج المجتمعات الراسمالية أي عالم ما قبل الراسمالية: "الحقيقة الناصعة هي أنه لا يمكن تحقيق فائض القيمة من خلال البيع [بيع السلع والمنتوجات] للعمال او للراسماليين فحسب، بل إن ذلك يتم عبر بيعها الى تشكيلات اجتماعية أو طبقات ذات نمط إنتاجي غيرـ راسمالي". لقد "استهدفت أشكال وقوانين الانتاج الراسمالي، منذ البداية، العالم كله لتجعل منه مخزوناً للقوى المنتجة. يحصل راس المال ... على القوى المنتجة من كافة بقاع العالم ويستولي عليها بالقوة إذا إقتضى الامرمن كل المجتمعات والحضارات على إختلاف مستوياتها...".

نقد نظرية ماركس
نظّر ماركس أن راس المال قادر الى "التوسع الذاتي" وعلى "إعادة تكرار ذاته" في سياق المزاحمة الراسمالية وإفترض في نظريته لتراكم رأس المال (المجلد الثاني ل"راس المال") ومن باب الشرح والتبسيط،، أن المجتمع الراسمالي يتكون من عمال وراسماليين واستثنى عامل التجارة الخارجية. وقد جاء هذا نتيجة لوجهة نظره التي تقول أنه ليس من الضرورة أن يكون فائض القيمة نتيجة للاستهلاك الفردي (الشخصي) بل أنه من الجائز أن يتحقق هذا الفائض على شكل التوسع المستمر في رأس المال على شكل الموجودات الثابتة (المعدات والآلات). أي أن ما اراد ماركس أن يقوله هو أن مجمل فائض الانتاج، المخصص لتراكم راس المال، لا يشترط أن يأخذ شكلاُ نقدياً (monetary)، بل أنه من الجائز والممكن أن يتحقق جزء كبير منه بشكل مباشر ودون المرور بالشكل النقدي (أي ما يتأتى نتيجة إستهلاك الافراد وشراء السلع). (ص 18 و19)
أمّا لوكسمبرغ فقد انتقدت نهج ماركس هذا محاججةً ان الشروحات والرسوم البيانية التي ضمنها ماركس كتابه تشتمل على إقرار بان تراكم راس المال سوف يتحقق دون أزمات أو محدوديات موضوعية، أيّ ان نظرية ماركس لم تأخذ بالحسبان الانهيار الحتمي للراسمالية. وعليه كانت حجة لوكسمبرغ أنّ ماركس إرتكب خطأ جوهرياً حين إفترض مجتمعاً راسمالياً معزولاً مغلقاً على ذاته يتكون من عمال وراسماليين فقط.
أبدى العديد من الماركسيين ملاحظات متفاوته حول نقد لوكسمبرغ لنظرية ماركس نذكر منها:
أولاً: على نقيض ما طرحته لوكسمبرغ، فان ماركس لم يفترض أنّ عملية التراكم هذه ستكون سلسة وأنها ستتم دون محدوديات أو حواجز داخلية لان إعادة الانتاج المتوسع بحد ذاتها، تؤدي الى نمو غير متكافئ لوسائل الانتاج على حساب العمّال مما يضر بمعدل الربح. وبالرغم من أن الازمات الاجتماعية تتمظهر في فقدان القدرة على استهلاك الفائض، إلاّ أنّ جذور هذه الازمات تعود الى إنهيار تراكم رأس المال بسبب إنخفاض معدل الربح.
ثانياً: لقد أغفلت حجة لوكسمبرغ (القائمة على أن النظام الراسمالي سينهار فور إستنفاذ الراسمالية للطبقات في مجتمعات ما قبل الراسمالية، أي حين لا يعود هناك مستهلكون قادرون على توفير فائض القيمة) العامل الانساني واخفقت في تحديد القوى الذاتية التي تناضل ضد الراسمالية والامبريالية. وتتخذ هذه المسألة بالذات أهمية خاصة وتزداد مصداقيتها عندما يقرنها ناقدو لوكسمبرغ بمعارضتها للنضال الوطني للشعوب المضطهدة من أجل حقها في تقرير مصيرها وكذلك اعتراضها على الاطروحة التي تقول بان الحركات الوطنية والقومية المعادية للامبريالية مرشحة لان تصبح قوى ثورية مؤهلة لمقارعة الامبريالية والرأسمالية والاسهام في عملية تدمير النظام الراسمالي. وقد ردّ لينين عام 1916 على لوكمسبرغ في "كراس جونيوس" The Junius Pamphlet، ووصفها بانها تطبق "الديالكتيكية الماركسة حتى منتصف الطريق" حيث أخفقت في التمييز بين الاشكال التقدمية والاخرى الرجعية للقومية". ( ص 398)
على أنه رغم هذه الانتقادات، فهناك إجماع على أن كتاب لوكمسبرغ "تراكم رأس المال" يعتبر من أكثر المحاولات النظرية شمولية في تاريخ الفكر الماركسي التي أرست أسس ما يطلق عليه اليوم "عولمة رأس المال".

مسألة المرأة
ساد الاعتقاد لسنوات طويلة، خلال حياة لوكسمبرغ وبعد وفاتها، بانها قد أولت مسألة المرأة القليل من الاهمية وأنها ساهمت بالقليل في نضال المرأة وتحريرها. وقد ظهر في العقدين الاخيرين، عدد من الدراسات التي تلقي الضوء على مفاهيم لوكسمبرغ في التداخل الحميم بين تحرير المرأة وتحرير الطبقة العاملة كون نضال المرأة من أجل تحريرها جزء لا يتجزء من عملية التحول الاشتراكي وأحد أبعاده الاساسية. ويذهب الكثيرون من المفكرين الماركسيين أن لوكسمبرغ من أعظم مفكري النسوية الثورية. تقول روزا:"لا تعتبر نساء الطبقة المستغلة (بالكسرة)، من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، شريحة مستقلة من السكّان. وتتمثل وظيفتهن الوحيدة في كونهم أداة للدعاية للطبقات الحاكمة. على النقيض من ذلك، فان النساء البروليتاريات مستقلات إقتصادياً، لانهن ينتجن للمجتمع مثل الرجال. ولا أقصد بذلك إنجاب الاطفال ولا القيام بالمهام المنزلية التي تساعد الرجال ذوي الاجور المتدنية لإعالة اسرهم...إن مطالبة المرأة البروليتارية بحقوق سياسية على قدم المساواة مع الرجل، ترتكز على أساس إقتصادي متين. تشارك ملايين النساء البروليتاريات في إنتاج الربح الرأسمالي مثل الرجال في المصانع والمشاغل وفي المزارع والحوانيت والمكاتب والعمل المنزلي. وعليه فانهن منتجات بالمعنى العلمي الصارم في مجتمعنا الراهن.." وتضيف قائلةً: "ففي حالة المرأة البرجوازية، فانها انثى متطفلة على المجتمع وتتكون وظيفتها من الاشتراك في إستهلاك ثمار الاستغلال. وفي حالة المرأة البرجوازية الصغيرة، فهي القوة العاملة للاسرة. أما في حالة الانثى البروليتارية العصرية، فتصبح المرأة إنساناً للمرة الاولى، حيث أن النضال [البروليتاري] هو الاول من نوعه حيث يقدم الانسان مساهماته في الثقافة والتاريخ البشري".
لقد هاجمت لوكسمبرغ في العديد من كتاباتها "النسوية البرجوازية" ورفضت تولي مواقع ومهام حزبية في القيادة النسائية لحزب SPD مبررة ذلك بانها ترفض "تهميشها" وإبعادها عن القضايا المركزية التي تناقشها وتقرر بشأنها القيادة الذكورية. وفي عام 1907 أستعرت خلافات لوكسمبرغ مع قيادة الاممية الثانية حول مسألة المرأة. وطالبت عام 1912 طالبت بانشاء حركة للمرأة العاملة مستقلة عن المنظمات النسائية من الطبقة الوسطى في المانيا.
ينشر الكتاب للمرة الاولى مجموعة من الدراسات حول مسألة المرأة، أهمها:
ـ دراسة "سؤال تكتيكي" (1902) حيث هاجمت تنحية الحزب الاشتراكي البلجيكي لنضال المرأة واعتبرت هذه الموقف تخلياً معيباً عن مبادئ الاشتراكية الاساسية.
ـ "النساء البروليتاريات" (1914) وقد عالجت في تلك المقالة المقاومة النسائية في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية حيث سارعت "المرأة البروليتارية، الاكثر فقراً من كل الفقراء للالتحاق بالنضال من أجل تحرير المرأة والانسانية من فظائع الهيمنة الراسمالية".

الكتابة في غياهب السجون
صعقت لوكسمبرغ عندما صوّّت حزب SPD لصالح دخول المانيا الحرب الامبريالية الاولى (التي إندلعت يوم 4 آب /أغسطس 1914) على اثر إنهيار الاممية الثانية، وأخذت بالعمل فوراً على تنظيم الجهود لمناهضة تلك الحرب وانشأت عصبة سبارتاكوس Spartacus League حتى تم إعتقالها وسجنها عام 1915. وفي غياهب السجون الالمانية كتبت العديد من المؤلفات الهامة نذكر منها "الثورة الروسية"، كما أنجزت واحداً من أهم أعمالها "تراكم راس المال: نقد مضاد " Accumulation of Capital: an anti-critique . كذلك تابعت خلال سنوات السجن الكتابة في عملها الشهير "مقدمة في الاقتصاد السياسي" إلاّ أنّ المنية وافتها قبل ان تنجره. كما كتبت "أزمة الديمقراطية الاجتماعية الالمانية" والذي يعتبر من أفضل ما أنتجته لوكسمبرغ في مناهضة الحرب والعسكرة ونشرته تحت إسم جونيوسJunius المستعار وعرف لاحقاً ب"كراس جونيوس". وبالاضافة الى هذه الاعمال الهامة والاساسية في صياغة فكرها ونظريتها، كتبت لوكسمبرغ العديد من الرسائل والدراسات حول الادب الروسي والالماني الرومانسي والشعر الفرنسي.

الثورة الالمانية والنهاية المفجعة
إلتحقت لوكسمبرغ فور إطلاق سراحها من السجن (8 نوفمبر1918)، بعد إنهيار الجبهة الالمانية في الحرب الامبريالية الاولى (اوكتوبر 1918)، برفاقها من القادة الاشتراكيين الالمان في النضال من أجل تأسيس الحزب الشيوعي الالماني . وقد مثّل تأسيس هذا الحزب الخطوة الفاصلة والقطيعة النهائية مع حزب الديمقراطية الاجتماعية في المانيا والذي أصبح فيما بعد أداة في أيدي الطبقة الحاكمة لاحتواء النضالات العمّالية في ذلك البلد.
ويحتوي الكتاب، موضوع هذه المراجعة، العديد من كتابات لوكسمبرغ حول الثورة الالمانية (1918ـ1919). وفي خطابها الشهير، الذي ألقته في المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الالماني (31 كانون الاول / ديسمبر 1918) والذي عرف لاحقاً ب"برنامجنا والحالة السياسية"، حسمت القطيعة التامة مع الاممية الثانية من الناحيتين التنظيمية والفكرية. وقد تضمن هذا الخطاب نقداّ لحزب SPD وعقد الصلة بين خيانة الحزب عام 1914 (عندما صوّت لصالح دخول المانيا في الحرب الامبريالية الاولى) من جهة ، والبدايات التأسيسية للاممية الثانية، من جهة ثانية. ولم تتورع لوكسمبرغ عن الغمز بانجلز وإنتقاده لانه وافق على تأسيس الاممية الثانية رغم تحفظاته على برنامج ايرفورت Erfurt Program ورأت أنّ موافقة الحزب على دخول الحرب كانت نتيجة منطقية لسنوات طويلة من ممارسات ومواقف الاممية الثانية.
بعد أيام قليلة من تأسيس الحزب الشيوعي الالماني KPD، وعلى أثر إنتفاضة عمّالية كبيرة إجتاحت شوارع برلين وشارك فيها يوم 5 كانون الثاني / يناير 1919 ما ينوف على مئة ألف عامل ألماني، إتخذت قياد الحزب الشيوعي الالماني (بغياب لوكسمبرغ عن ذلك الاجتماع ودون إستشارتها) قراراً بالانقلاب على الحكومة الالمانية. وفي اليوم الثاني لهذه الانتفاضة (6 كانون الثاني / يناير 1919) شهدت برلين أكبر مظاهرة عمّالية في تاريخ ألمانيا حيث إجتاج أكثر من مليون عامل شوارع المدينة. لم تجد لوكسمبرغ أمام هذا الحشد الهائل من جماهير العمّال بدّاً من التعامل مع الحدث، فدعت في اليوم التالي (7 كانون الثاني / يناير 1919)، الى "إحتلال كافة مواقع السلطة" وفي 8 كانون الثاني / يناير 1919 وصفت الاطاحة بالحكومة الالمانية بانها "غاية ضرورية". كان الحزب الشيوعي الالماني آنذاك فتياً صغير العدد قليل العدة ولم يبلغ على تأسيسه سوى بضعة أيّام، ولم يكن من المتوقع ولا المعقول ان يكون قادراً على تجنيد هذا الحشد من العمّال ومجالس الجنود (الذين لم يشاركوا في إنتفاضة 5 و 6 كانو الثاني / يناير) وتأمين دعمهم لهذا الانقلاب، دع جانباً كسب دعم ومشاركة الفلاحين في الريف الالماني. ورغم إدراك لوكسمبرغ لاختلال ميزان القوى لصالح الطبقة الحاكمة (السلطة الالمانية)، إلاّ أنها رفضت أن تعارض الانتفاضة متعللة بان الحركة الثورية إذا ما إنطلقت فانها "لن تعود الى الوراء".
فشلت المحاولة الثورية في كسب دعم العمال ومجالس الجنود وتمكنت السلطات الالمانية من سحقها. على أثر ذلك، تم إعتقال لوكسمبرغ مع ليبكنخت(Wilhelm Liebknecht) ، شريكها في قيادة الحزب الشيوعي الالماني، يوم 15 كانون الثاني/يناير 1919 بعد أن إختبأت لفترة وجيزة رفضت خلالها أن تغادر برلين رغم نصيحة الاصدقاء. ما أن ألقت قوات Freikoprs (التي أصبحت لاحقاً القوة المؤسسة للحزب النازي) القبض على لوكسمبرغ حتى أتخذ القرار باعدامها وتم تنفيذه فوراً بعد أن عملوا بها تعذيباً وتنكيلاً. وقد تم العثور على جثتها المشوهة بعد عدة أشهر من مقتلها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- التوظيف السياسي للدين: الولايات المتحدة نموذجاً
- إشكاليات الاغتراب الثقافي العربي: مناقشة في كتاب -الاغتراب ا ...
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الرابع وال ...
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الثالث
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الثاني
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الرابع والأخير
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الثالث
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ - الجزء الثاني
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الاول
- نيبال: الثورة المنسية
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: مفاهيم وخلفيات
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: إشكاليات وتحديات
- الانتخابات الاميركية ـ الرئيس الاميركي: نموذجاً أم استثناءً؟
- مشاهدات مغترب في إشكاليات الانتخابات الاميركية ـ الحلقة الاو ...
- بين ناصر ولينين تأملات في الموت المبكّر وإغتيال الحلم
- الانتفاضة الساباتية بعد عشرة اعوام: مرحلة جديدة أم خيار بين ...
- في رحيل إدوارد سعيد مفكراً وإنساناً
- الهيمنة المطلقة...خواطر في اسلحة الدمار -الاشمل
- تشى غيفارا ... والحضور الدائم خواطر في الغيفارية في زمن العو ...


المزيد.....




- النبض بأنّ فلسطين
- وقفة تضامنية مع #فلسطين وبمشاركة الحزب الشيوعي اللبناني في م ...
- في بيتنا الثقافي .. الشيوعي يحتفي بالباحث ناجح المعموري وبمن ...
- الشيوعي العراقي يبارك للعراقيين المنجز الوطني: ليكن الانتصا ...
- الاحزاب الماوية والشيوعية تفوز بغالبية مقاعد برلمان نيبال
- بلاغ إخباري بانعقاد اجتماع اللجنة الوطنية للنهج الديمقراطي
- بلاغ صحفي للمكتب السياسي بخصوص زيارة من ادعى تمثيل البحرين ف ...
- المنظمات الشبابية اليسارية اللبنانية والفلسطينية تدين التصرف ...
- مواجهات بين الأمن اللبناني ومتظاهرين قرب السفارة الأميركية
- أحمد بيان//في ذكرى الشهيدة سعيدة المنبهي: مسار الشهداء يعري ...


المزيد.....

- الاشتراكية والمثلية الجنسية - توماس هاريسون / عايدة سيف الدولة
- المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (1- 2) / حسين علوان حسين
- تقرير المصير للقوميات فى الدولة الواحدة: حق داخل حق / محمود محمد ياسين
- مقالة فى الاسس المادية (2). تقسيم العمل فى المنشأة والتقسيم ... / خالد فارس
- رأس المال فى نسخته المترجمة للدكتور فالح عبدالجبار. / خالد فارس
- تأملات في واقع اليسار وأسباب أزمته وإمكانيات تجاوزها / عبد الله الحريف
- هوامش الأيديولوجية الألمانية - القسم الثالث / نايف سلوم
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- - القسم الثاني / نايف سلوم
- اليسار و«الاستفتاء» في إقليم كردستان.. ما العمل والمهمات؟ / رزكار عقراوي
- توسيع القاعدة الحزبية / الإشعاع الحزبي / التكوين الحزبي : أي ... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مسعد عربيد - روزا لوكسمبرغ: قراءة متجددة في سياق العولمة