أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مسعد عربيد - التوظيف السياسي للدين: الولايات المتحدة نموذجاً















المزيد.....



التوظيف السياسي للدين: الولايات المتحدة نموذجاً


مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 1989 - 2007 / 7 / 27 - 11:27
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(1)
مقدمة

• هل الولايات المتحدة "دولة علمانية" ذات "سياسات دينية"؟ أم "دولة دينية" تدّعي "سياسات علمانية"؟
• هل هناك فصل فعلي بين الكنيسة والدولة في ذلك البلد، أم أنه مجرد فصل شكلي ونصوصي ولا يعدو كونه تلفيقة لخداع الشعب والعالم؟
• أم أن الدين في الولايات المتحدة يُوظَف، في سياق تلاقي المصالح بين المؤسسة الدينية من جهة والطبقة الحاكمة من جهة اخرى في خدمة السياسة؟

نتناول في هذا البحث التوظيف السياسي للدين في الولايات المتحدة من محورين اساسيين:
الاول: توظيف الدين وتطويعه لخدمة غايات سياسية في إطارة العام وتجارب المجتمعات البشرية؛
والثاني: معالجة لتطبيقات هذا التوظيف في النموذج الاميركي من خلال تعبيراته في الحياة العامة (السياسية والاجتماعية والثقافية) وفي أفعال وأقوال النظام الحاكم في الولايات المتحدة.
وفي خاتمة البحث سأقدم الحجة على أن تلاقي المصالح هو الاساس في العلاقة بين الدين والمؤسسة الدينية من جهة والسلطة السياسية من جهةٍ اخرى، وأن الدين في الولايات المتحدة يُوظف في خدمة مصالح وهيمنة الطبقة الحاكمة.

(2)
حول معاني الدين ودلالاته

يرتكز الدين، أي دين، من حيث الجوهر وفي أبسط تفسيراته، على المفاهيم التالية:
• تعبير الفرد عن احساسه او تعلقه واعتماده على قوة خارج نفسه.
• ان الحياة (والسعادة) ليستا على هذه الارض، بل في عالم آخر، ‘الحياة الاخرى‘.
• إفتراض أن القوة مهما تنوعت مسمياتها (الله، الرب، يهودا، الخالق...الخ) والتي تصبح موضع التعبد هي في رمز التفوق (والاميتازات) في المجتمعات البشرية.
يجدر بنا، منعاً للالتباس، التوضيح ان دلالات الدين لا تقتصر على مفهوم أو شأن أو مستوى واحد، وعليه لا يتسنى النظر اليه من منظور واحد فقط. وبدون الدخول في متاهات لاهوتية وروحانية تخرج بنا عن موضوعنا، وليس لها ضرورة أصلاً وقد تسيء الى مشاعر التدين الشعبي، نلحظ أن ان في الدين أبعاداً ومستوياتٍ متعددة:
أ ـ فالدين على مستوى الفرد عقيدة إيمان وعلاقة بين المؤمن وربِّه؛
ب ـ وفي مستوى آخر فان الدين تدينٌ شعبيٌ يتمثل في تقاليد وشعائر وطقوس؛
ت ـ كما ان الدين، كما هو في الاسلام، مجموعة من النظم والتشريعات التي تحكم شؤون الحياة الدنيا وتضبط النواحي الحياتية للفرد والاسرة والمجتمع؛
ث ـ ثم هناك دور الدين في المجتمع والسياسة ومن هنا يأتي التوظيف السياسي للدين وتسخير الطبقات الحاكمة له لخدمة اهدافها ومصالحها. وكثيرا ما يستدعي ذلك مأسسة institutionalization (أي نشوء وتطور المؤسسة الدينية من أجل رعاية العقيدة الدينية) الدين ضمن إيديولوجية معينة تزعم امتلاك الحقيقة ومحاولة فرضها على الآخرين وهكذا يستخدم الدين (والمؤسسة الدينية) كواحدة من آليات "جهاز القمع الايديولوجي" للدولة/السلطة.
وعليه، ينبغي التمييز بين الدين كعقيدة ومفاهيم ومبادئ يعتنقها ويمارسها الفرد في حياته الخاصه وفضائه الروحي، من ناحية، والسلوك او الممارسة الدينية كمؤسسة وجماعة وطائفة تأخذ شكل التنظيم الاجتماعي وتحدد بالعادة هويتها وولائها للمؤسسة الدينية وللسلطة السياسية. ولسنا معنيين في سياق هذا البحث بالنصوص الدينية والمعتقدات، بل ما يعنينا هو توظيفياتها في السياسة والحياة العامة بكافة مستوياتها. ومن باب التوضيح، يلاحظ القارئ ذكر المسيحية على وجه الخصوص، ويعود هذا الى أنها الدين السائد في النموذج الاميركي، الذي هو موضع نقاشنا.
(3)
دور الدين في المجتمع والسياسة

الدين والمؤسسة الدينية: إرتباط بالطبقة الحاكمة
قد يشكل الدين في مراحل نشأته الاولى قوة إيجابية إحتجاجية ودافعة نحو التغيير الاجتماعي كما حصل في المراحل المبكرة من تاريخ المسيحية والاسلام أو كما حصل في النضال ضد العبودية في اميركا والنضال من اجل الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي وكذلك نضال زعماء ثيولوجيا التحرير في دول اميركا اللاتينية حيث لعبت هذه الثيولوجيا دوراً إجتماعياً وسياسياً أيجابياً وتقدمياً وإصطفت مع مصالح الشعب والطبقات الشعبية. إلاّ انه، يمكننا القول، بشكل عام، ان هذا الدور الانتقادي للدين قد تلاشى ولم تعد له تلك الاهمية في عصر الصراع الطبقي في المجتمعات الحديثة. فعلى نقيض الدور الانتقادي والاحتجاجي الذي إتسم به الدين في مراحله المبكرة، نرى أنه كان يقف دوماً، مع بعض الاستثناءات التي أتينا على ذكر بعضها، الى جانب الطرف القوي أي جانب السلطة والحكم. ففي كل مرة انتفضت الجماهير المظلومة والمسحوقة ضد بنى القوى الحاكمة، نجد ان الدين والمؤسسة الدينية تنتهي الى الوقوف مع القوى الحاكمة التي جاءت تلك الاديان أصلاً لمعارضتها والنضال من أجل العدالة الاجتماعية.
بعبارة أخرى، نجد أنه في مقابل الدور الاحتجاجي المبكر للدين، الكثير من الامثلة والحالات المناقضة حيت تم توظيف الدين في خدمة السلطة والسياسة وحيث شكّلت المؤسسة الدينية، في مراحل تاريخية مختلفة، قوةً معيقةً للتقدم ومضادة للتغيير وعملت في خدمة الطبقة الحاكمة ومصالحها. ويعود هذا الى عدة أسباب أهمها:
1) ان الطبقات الحاكمة وقواها السياسية قادرة على التلاعب وتسخير الدين لخدمة أهدافها وربما يعود ذلك الى طبيعة الدين ومنطقه المتناقض: فالدين يرتكز على ان الحياة ليست على هذه الارض بل تقبع في مكان آخر، عالم آخر وحياةٍ اخرى "ثانية"، وهو بهذا يعزز الاوهام والمفاهيم الغيبية ويدمر وعي الانسان (الفرد) وفهمه لمصالحه الراهنة كفرد ومجموعة ويقضي على حوافز الثورة على الاوضاع الراهنة من أجل تغييرها فيرتكن الى إبقاء الامور على ما عليه في إنتظار الخلاص والسعادة في الحياة الخرى.
2) تؤدي مأسسة الدين الى ترسيخ دور المؤسسة الدينية ومصالحها التي ما تلبث أن تتلاقى مع مصالح السلطة السائدة/الطبقة الحاكمة. وعليه، تتحدد مواقف هذه المؤسسة من الطبقات الاجتماعية وصراعاتها ومصالحها على اساس تلاقي المصالح بين المؤسسة الدينية والطبقة الحاكمة. وهذه نقطة هامة فاصلة في تاريخ نشوء وتطور الاديان والمؤسسة الدينية.
3) تتزامن عملية مأسسة الاديان، وترسيخ المؤسسات الدينية في المجتمع وتحديد مصالحها ومواقفها من الطبقات والصراعات الاجتماعية وإرتباطها بالسلطة، مع إزدياد عدد أعضائها ونموها التنظيمي ونفوذها الاجتماعي وشيوع طقوس العبادة. وعبر هذه العملية الاجتماعية والتاريخية تتعاظم هيمنة المؤسسة الدينية على الفرد والمجتمع ويفقد الفرد قدرته على إتخاذ القرار المستقل والتمييز بين الوسائل والغايات.
4) تتعزز العلاقة بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية لان هذه المؤسسة توفر للسلطة الشرعنة والذريعة (الشرعية والاخلاقية) لسياساتها وبذلك تضمن قبول الشعب بهذه السياسات وإلتفافه حولها مما يساهم في تحقيق مصالح الطبقة الحاكمة وتسويغ إمتيازاتها في السلطة والثراء. في مقابل ذلك، تحظى المؤسسات الدينية فيما يشبه التبادل والصفقة التجارية، بتعزيز دورها الاجتماعي فتنمو وتزداد تأثراً وثراءاً.

الدور الاجتماعي والسياسي للدين:
تزوير الصراعات الطبقية

1) في البعد الطبقي: يستخدم الدين كستار للمصالح الطبقية، بمعنى ان كل طبقة تستخدم الدين/المؤسسة الذي يتوافق ويتلائم مع مصالحها. واذا نظرنا الى الدين من منظور طبقي فاننا نجد، كما قال انجلز، ان كل طبقة من الطبقات المختلفة تستخدم الدين الملائم لها. أما جرامشي فقد رأى "إن كل دين... هو في الواقع عديد من الأديان المختلفة والمتناقضة غالبا: فهناك كاثوليكية للفلاحين وكاثوليكية للبرجوازية الصغيرة وعمال المدن وكاثوليكية للمرأة وكاثوليكية للمثقفين....".
تفسر هذه الظاهرة كيف ولماذا انقسمت الكنيسة في بعض المنعطفات التاريخية بحسب تركيبها الطبقي (وما زالت عملية الانقسام هذه مستمرة تفرّخ عدداً لا حصر له من الكنائس والجمعيات والمنظمات والبدع الدينية). ففي زمن الإصلاح في اوروبا، كان كبار رجال الدين (القمة الاكليركية الإقطاعية) على طرف من الصراع، في حين وقف صغار رجال الدين، الذين إنبثقت من بين صفوفهم إيديولوجية الإصلاح وإيديولوجية الحركة الفلاحية الثورية، على الطرف النقيض. كما تفسر التناقض بين دور المؤسسة الدينية في إضفاء الشرعية على النظام القائم وتبرير سياساته الظالمة تبعاً للظروف الاجتماعية، هذا من ناحية، ودورها الإنتقادي والاحتجاجي، من الناحية الاخرى. ويؤدي حسم هذا التناقض الى تحديد شكل علاقة المؤسسة الدينية بالسلطة السياسية كتحالف في الاهداف والسياسات، ليؤول، في نهاية التحليل، الى إخضاع المؤسسة الدينية للدولة.
أ) تسويغ الفقر: يساهم النزوع نحو التدين لدى الطبقات الفقيرة في تغلبها على البؤس واليأس حيث تتطلع هذه الطبقات الى السعادة والراحة وربما الثراء في حياة اخرى. وهو ما يفسر لجؤ الاديان الى خلق وهم ’الحياة الاخرى/الثانية‘ وتواطئ المؤسسة الدينية ورجالها مع الطبقات الحاكمة في شرعنة الظلم وإنعدام المساواة، إذ نراهم ينظرون ويبشرون بان المساواة لن تتحقق على هذه الارض، فتدخل ’مملكة السماء‘ في حساب القسمة والاقتسام وتصبح الارض والسماء سويةً أساساً لتوزيع القسمة، فمن حُرِمَ من جنة الارض فسيأتيه حظه في جنة السماء.
ب) تبرير الثراء: يتميز الاغنياء بحاجة (نفسية واجتماعية) لتبرير غنائهم على أنه إستحقاق لهم أي انهم يحتاجون لتصديق أكذوبة لفقوها كي تبرر إستحقاقهم لما يملكون. فالغني لا يقنع بان ما يمتلكه من ثراء جاء نتيجة الاستغلال والنهب او توارثاُ لهذا الاستغلال، بل يريد ان يقتنع بانه يستحق ما يملكه وأنه قد إقتناه بجدارة. ويتطلب هذا، في الطرف النقيض، ‘الاعتقاد‘ بان الفقراء يستحقون أيضاً ان يكونوا فقراء وليسوا جديرين إلا بالقليل الذي يملكونه. هكذا يوفر الدين غطاءاً أخلاقيا للحظ وتبريراً أخلاقياً للفقر.
ت) الدين والمصالحة الاجتماعية/الطبقية: في واقع الظلم والاستغلال تستخدم الطبقات الشعبية المسحوقة الدين لتحقيق ‘المصالحة‘ مع نفسها ومع الظالم باللجوء الى قوة وهمية خارجية والى حياة اخرى سعيدة تنتظرها في مكان آخرلتضع حداً للألم والجوع والحرمان. وهذا يضمن للطبقة الحاكمة ‘الامن‘ الاجتماعي وإخماد الثورة وإجهاض محاولات التغيير.
2) إجهاض عملية التغيير الاجتماعي: يقف الدين على رأس العوامل والقوى التي تدفع المواطن/الفرد الى الاحباط والمساومة وتقديم التنازلات أمام بطش وإستبداد السلطة ومؤسساتها القمعية. وهكذا يصبح الدين، من حيث توظيفه إجتماعياً وسياسياً، أداة سيطرة وضبط سياسي وإجتماعي. وكما هو الحال في العلاقة مع السلطة السياسية، تصبح المؤسسة الدينية مرادفة للسلطة السياسية، وتتصرف الكنيسة حيال أتباعها وأعضائها وجماعاتها كحزب/تنظيم سياسي.
3) الدين كأداة سيطرة وتكريس الخوف: يقوم الايمان أساساً على علاقة الخوف من المجهول (الخوف من قوى خارجية مجهولة) لا يستطيع الانسان فهمها أو التحكم بها، مما يحدو بالفرد (والجماعة) ان يلجأ للحاكم لتحقيق أمنه وسلامته. ولعل حرب بوش على ‘الارهاب‘ وتخويف الشعب الاميركي بشكل متواصل.
4) التنشئة الدينية: تنادي التنشئة الدينية بقيم الطاعة والامتثال لأوامر السلطة والحاكم والمؤسسة الدينية ذاتها مما يؤدي الى تدمير المبادرة لدى الفرد وفقدانه لإستقلالية قراره وإنقياده للمؤسسة الدينية. فعلى سبيل المثال، يتوسل المؤمنون في صلواتهم طالبين من الله حماية الملك والرئيس والقوات المسلحة، فماذا لو كانت هذه الحكومة تحتل وطن شعب آخر وتنكل بابنائه وتدمر بناه الاقتصادية والاجتماعية والحضارية، كما هو حاصل الآن في العراق؟ ومن هنا يأتي تركيز المؤسسة الدينية (وخصوصاً اليمن الديني الاصولي) علي الأطفال وتنظيم البرامج الشعبية الجذابة والمسلية.
للتدليل على تشوية الوعي وتدميره، نسوق فيما يلي حديثاً دار في حصة تدريس الديانة المسيحية (مدرسة الاحد Sunday School) بين المدرِس وابناء العمّال الانكليز الفقراء في مانشستر في اوائل القرن التاسع عشر :
ـ (يسال المعلم تلاميذه) هل من الأمانه ان يهدر العمال المواد الخام التي يستخدمونها في إنتاج السلع؟
* (التلاميذ) لا.
ـ من هو المالك الحقيقي لهذه المواد؟
* رب العمل.
ـ هل هناك من عيونٍ تراقب هؤلاء العمال عندما يكون رب العمل غائباً؟
* نعم، عيون الله.
ـ من يرى الناس عندما يسرقون السكر والشاي وغيرها؟
* الله.
ـ هل يوافق الله على مثل هذه الافعال؟
* لا.
ـ ماذا يفعل الله باللصوص على كافة أشكالهم؟
* ينزل بهم العقاب الشديد.
(4)
التجليات الدينية في النموذج الاميركي

في السياق التاريخي
لا يتسنى فهم الدين ودوره في الولايات المتحدة دون تحليله في سياق تاريخ ونشوء الدولة الاميركية. وفي هذا الصدد نقدم بعض الملاحظات السريعة:
1) لم يبحر كولومبوس من شواطئ إسبانيا سعياً وراء ’الاكتشافات‘ بل غزواً لاراضي جديدة سعياُ وراء الاستيلاء على مستعمرات وأسواق ومواد خامة من أجل إثراء الطبقة الحاكمة التي دعمت رحلاته ‘الميمونة‘. ومع الاقرار ببعض الاستثناءات القليلة، فان الكنيسة الكاثوليكية وغيرها من الكنائس المسيحية، قد شرعنت عبر تاريخها التوسع الاستعماري والاستغلال ووفرت الذرائع والتبريرات اللاهوتية لهذه الافعال الوحشية: الابادة العرقية للشعوب الاصلانية في القارة الاميركية ، الاستغلال والعبودية وكافة اشكال التمييز الممؤسس.
2) إنتحلت جماعات البيوريتانيين البروتستانت لهجرتها لأمريكا إسم ’الحج‘ وإعتبروا أنفسهم حجاجاً. ومن هنا جاء الربط بين غزو المهاجرين الاوروبيين للعالم الجديد برواية الارض الموعودة. ومن الملاحظ ان البيوريتانيين اختاروا الاقامة في التلال تأكيدا لعزلتهم الدينية (والحضارية) وحفاظا علي طهوريتهم. إلا انهم رغم هذا التدين والتطهر لم يروا مشكلة في قتل السكان الاصلانيين وإغتصاب اراضيهم بل إستندوا في تبرير أفعالهم هذه الى نصوص إنجيلية.
3) جاءت دعوة ‘الثورة الاميركية‘ للاستقلال عن انكلترا الام أساساً للتخلص من دفع الضرائب للملك ورغبة البرجوازية الاميركية الناشئة في إقامة سوقها المستقلة.
4) جاءت الدعوة لتأسيس دولة علمانية في الولايات المتحدة من أجل حماية الاقليات المسيحية من هيمنة الكنيسة الاسقفية البروتستانتية Episcopal Church وكان تأسيس هذه الدولة ثمرة التحالف الذي قام آنذاك بين الانجيليين والمفكرين الليبراليين وغيرهم والذين كانوا يدفعون بهذا الاتجاه لحماية حقوقهم ومصالحهم خشية من الكنيسة الاسقفية المهيمنة حيث كانوا يستشعرون الخوف والتهديد من قيام دولة (نظام حكم) يجمع بين السلطة والكنيسة ويهدد مصالحهم. أما إذا إستطاعوا أن يفصلوا بين الكنيسة والسلطة السياسية فسيكون بامكانهم ان يقفوا على قدم المساواة مع الكنيسة الاسقفية المهيمنة.

إشكالية الدولة والكنيسة
يصر اليمين الديني (بكافة أطيافه) وحلفاؤه على ان الولايات المتحدة تأسست قانونياً ورسمياً كدولة مسيحية، وعليه فعلى الدولة والسلطة السياسية ان تدعم الدين (والمؤسسة الدينية) وأن تعزز الركائز والمعتقدات المسيحية. بالمقابل يؤكد الموقف الرسمي والقانوني في الولايات المتحدة أنها تأسست كدولة علمانية تفصل بين الكنيسة والدولة.
ليس هناك ذكر للمسيح أو المسيحية في إعلان الاستقلال الاميركي والدستور والتعديل الدستوري الاول، كما أنه ليس في تلك الوثائق ما يمنح المسيحية أية خصوصية أو أفضلية فوق غيرها من الديانات، ولم يخص الآباء المؤسسون للولايات المتحدة Founding Fathers، المسيحية باي اعتراف خاص لدى الدولة ومؤسساتها. كما أن إعلان الاستقلال لا يذكر مفردة الله بل يستخدم مفردةً عامة "الخالق"، في حين لا يذكر الدستور مفردة ‘الخالق‘ على الاطلاق. أما مفردة ‘الدين‘ فقد أتى التعديل الدستوري الاولFirst Amendment على ذكرها مرتين: مرةً في سياق تحريم إحترام تأسيس الدين، والثانية عندما أقرّ بضمانة حرية الاديان.
من الواضح، إذن، ان مؤسسي الولايات المتحدة قد إختلفوا، في سياق تلك الحقبة التاريخية من نشوء الدولة الجديدة، في هذه العلاقة المتشابكة بين الكنيسة والدولة. إلاّ أن الكثير من المحللين يؤكدون ان الجدل حول الفصل بين اليدن والدولة كان محتدماً وخلافياً وأن القرار باقامة الدولة على هذا الاساس العلماني كان قراراً واعياً ومقصوداً. لقد طالب مؤسسو الدولة الاميركية بفصل الكنيسة عن الدولة، وكانوا في الوقت ذاته مسيحيين مؤمنين يحمل كل منهم عقيدته وإيمانه المسيحيين. وفي حين إتفقوا نصياً على عدم "إحترام الدولة لانشاء المؤسسة الدينية"، إلاً انهم إتفقوا على ان الصلاة والصوم والتعبد لله "امور جيدة للبلاد". ومن المؤكد ان بعضهم أراد بناء دولة مسيحية. ومهما يكن عليه الامر، فقد حسمت هذه النزاعات، بين معارض ومؤيد، في النصوص القانونية الاساسية التي قامت عليها الولايات المتحدة: إعلان الاستقلال، الدستور وتعديلاته وخاصة التعديل الدستوري الاول. وربما يعود الفضل الاكبر في هذا الى توماس جفرسون وجيمس ماديسون اللذان درسا التجارب الاوروبية (وخاصة الانكليزية) إضافة الى خبراتهما خلال حقبة ‘الاستعمار الانكليزي‘، وعاينا المخاطر التي تحيق بالتوحيد بين الكنيسة والدولة، وإعتقدا أن الحل يكمن في الفصل بين الكنيسة والدولة مع الاحتفاظ بالايمان كممارسة للفرد والتأكيد على انه (الايمان) لا يحتاج الى دعم الدولة أو مصادقتها. ومن هنا نفهم جذور نشوء التعددية الدينية التي أضحت اليوم المألوف في الحياة الاميركية العامة. لقد أراد جفرسون ان يبني دولة مختلفة عن انكلترا، لذا طالب بان تتحاشى الدولة التدخل في شؤون الناس العامة.
يمكننا، إذن، أن نوجز الاشكالية على النحو التالي: في حين كان المؤسسون مسيحيين ومؤمنين، فقد خطوا نصوصاً دستورية وقانونية تطالب، أو ربما الادق القول بانها تدّعي المطالبة، بفصل الدين عن الدولة.

نماذج من الفصل بين الدين والدولة
1) عبّر توماس جفرسون (1743ـ1826) عن وعيه وخشيته من مخاطر الخلط بين الدين والدولة في العديد من كتاباته.
2) خاطب الرئيس الاول للولايات المتحدة جورج واشنطن الجالية اليهودية في بلده عام 1790 مؤكداً لهم حريتهم التامة في ممارسة ديانتهم وشعائرهم الدينية قائلاً "كل فرد يحظى بحرية الضمير وحصانة المواطنة".
3) أما اتفاقية طرابلس الغرب التي تم ابرامها بين حكومة الولايات المتحدة وحكام شمال أفريقيا المسلمين والتي صادق عليها مجلس الشيوخ الاميركي بالاجماع عام 1797 فتنص على ان "حكومة الولايات المتحدة لم تتأسس، بأي شكل، على الديانة المسيحية".
4) تذهب القاضية ساندي أوكونر، واحدة من أبرز قضاة المحكمة العليا وأول إمرأة عينت في هذا المنصب، الى أبعد من ذلك فتقول ان أي فعل حكومي يخلق الانطباع بان الحكومة تؤيد أو تعرض الدين لهو فعل "غير ساري المفعول".

نماذج مناقضة للفصل بين الدين والدولة
1) تصريح بنجامين فرانكلين (1706 ـ 1790) في المؤتمر الدستوري للولايات المتحدة حين قال: "...ان الله يحكم في امور الناس".
2) يقول جون جي، أول رئيس قضاة المحكمة العليا وواحد من أعضاء اللجنة الثلاثية التي صاغت دستور الولايات المتحدة:" إن العناية الربانية قد منحت الناس إختيار حكّامهم....وأن مهمتهم تكون في إختيار وتفضيل حكّام المسيحيين".
3) قضت المحكمة العليا الاميركية عام 1811 بان أخلاقية البلاد تقوم على المسيحية لا غيرها من الديانات.

التجليات الدينية في مؤسسات ورموز الدولة
1) يتصدر تمثال موسى المحكمة العليا، وموسى، كما هو معروف، هو ابو العقيدة اليهودية (والمسيحية).
2) تعرض الوصايا العشر في العديد من المؤسسات الحكومية.
3) نجد عبارة "بالله نثق" In God we trust على مدخل مبنى مجلس الشيوخ الاميركي.
4 ) تعلق صورة جورج واشنطن وهو يصلي في كابيتول (مقر الكونغرس الاميركي).
5) كتبت على النصب التذكاري لواشنطن في العاصمة Washington Monument
عبارات دينية متعددة مثل: Praise the Lord و Holiness to the Lord
6) أما على النصب التذكاري لجفرسون فنجد عبارة مأداها ان الله هو الذي منحنا الحرية ولا ضمانة لهذه الحريات دون الاعتقاد بان هذه الحريات هي منحة من الله. فبالاضافة الى المضمون الديني الصريح في هذه العبارة، فانها تتضمن تفضيلاً مبطناً للمسيحية والمسيحيين: فذكر الله يأتي في سياق إله المسيحيين او ‘الله‘ في المعتقدات المسيحية. إلا أن الامر الاكثر أهميةً وخطورة، هو ان هذه العبارة تقيم الرابطة بين ‘الله‘ و‘الحقوق والحريات‘ التي هي ‘منحة من الله‘ والله هنا هو إله المسيحية أيضاً. تثير هذه العبارة سؤالين:
الاول، هل تزول هذه الحريات ويجرد الانسان من تلك الحقوق اذا لم يؤمن بالله او بإله المسيحيين تحديداً؟ وإذا كان الامر كذلك، فأي علمانية هذه؟
والثاني، توحي هذه العبارة ومثيلاتها بان الذين يؤمنون باله المسيحية يحظون بالحريات والحقوق أي بالافضلية عن غيرهم (أي يصبحون أصحاب امتيازات) ويشكلون جماعة متميزة ومتفوقة وموحدة ضد غيرهم. أما الآخرون فهم مهمشون منبوذون وهذا بحد ذاته يلغي ويتناقض مع الدستور ومع مساواة الكل أمام القانون.
7) تثبت الاوراق النقدية الاميركية تحت إسم الدولة عبارة "بالله نثق". والمفارقة هنا ان هذه العبارة لم تكن موجودة أصلاً على أوراق النقد الاميركية، بل انها اضيفت عام 1952 في سياق محاربة الشيوعية والحرب الباردة لإقامة الرابطة بين ‘الله‘ من جهة ومحاربة الشيوعية ‘الملحدة‘ والاتحاد السوفييتي ‘الشيطاني‘ من جهة اخرى.

الدين في أقوال وأفعال الحكومة الاميركية
1) قسم التجنس الاميركي: يقسم المتجنسون من المهاجرين في حفل قبولهم الجنسية الاميركية قسم التجنس والذي يُختتم بعبارة:I hereby declare……. so help me God.. والمقصود هنا بالطبع هو إله المسيحية. فماذا عن المتجنسين من غير المسيحيين؟ يشير الاحصاء الرسمي للولايات المتحدة أنه تم تجنيس ما يقارب مليوناً من المهاجرين الهنود بين عامي 1981 ـ 2000 ، كما يشير الاحصاء ذاته الى ان أكثر من 80% من هؤلاءهم من أتباع الديانة الهندوسية. ونستطيع ان نسحب الامر ذاته على المتجنسين من القوميات والاديان الاخرى: فعلى سبيل المثال تبلغ نسبة المسلمين من مهاجري ‘الشرق الاوسط‘ حوالي 90%.
2) التعبد والصلاة في الكونغرس: أسلفنا ان النص القانوني في الولايات المتحدة يحرم على الكنيسة من التصرف بطريقة تعزز او تصادق او تتبنى ديانة معينة. وعلى الرغم من ذلك فان هناك من يقوم بتأدية الصلاة في إجتماعات الكونغرس. ويسوق مؤيدو ممارسة هذه الشعائر الدينية المبررات التالية: (1) أن الصلاة جزء من التاريخ والتقاليد الاميركية، (2) وان الولايات المتحدة بنيت على اساس الديانة المسيحية وبالتالي فالصلاة أمر طبيعي ومقبول.
إن العلاقة بين ممارسة إفعال الصلاة وشعائر التعبد من ناحية والايمان من ناحية ثانية هي علاقة وهمية لا تنطلي على أحد. فالصلاة فعل ليتورجي طقسي لا علاقة له بفعل الايمان، وليس إتشاح رداء الدين في الاجتماعات الحكومية والسياسية، سوى غطاءً سياسياً وآلية لخلق وتكريس الانطباع بان الساسة والقادة والحكام أناس صالحون وذوو أخلاق حميدة وموضع ثقة. وكثيراً ما تستخدم هذه السمات في الولايات المتحدة وغيرها من أجل تحقيق غايات سياسية بل تعتبر ضرورية لنجاح المرشح السياسي في كسب الاصوات والوصول الى السلطة وتحقيق مصالحه ومصالح طبقته.
3) يردد رؤساء الولايات المتحدة وأعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ في خطبهم العامة وأقوالهم عبارات مثل God Bless America و One Nation under God.
4) ينص البرنامج السياسي للحزب الجمهوري في ولاية تكساس لعام 2006 على أن أحد أهداف الحزب هو "تبديد أسطورة فصل الدين عن الدولة". لا يقتصر الهجوم على الفصل بين الكنيسة والدولة على الجمهوريين من اليمين الدين المتشدد، بل لم يتواني الديمقراطيون أيضاً في توظيف هذه المسألة في خدمة أهدافهم السياسية وتحريكها في حملاتهم الانتخابية المنافسة للجمهوريين. ففي إنتخابات الرئاسة الاميريكة لعام 2000، صرّح المرشح الديمقراطي لنائب الرئيس جوزيف ليبرمان، اليهودي المعتقد، في إشارة منه الى التعديل الدستوري الاول، بان "الدستور يضمن حرية الاديان، لا الحرية من الدين". أما آل غور، المرشح الديمقراطي للرئاسة، فقد وَعَدَ في الحملة الانتخابية ذاتها بان يستهل كل "قرارا تنفيذي هام بالسؤال التالي: ماذا كان المسيح ليفعل؟ [لو كان هو الذي يتخذ مثل هذا القرار]". بالطبع، فاننا لا نسوق هذا من باب المماثلة أو الدفاع عن الرئيس بوش الذي يفتتح إجتماعات إدارته بالصلاة.
5) تديّن الرئيس الاميركي، جمهورياً كان أم ديمقراطياً، في صورة شبه نمطية حيث يتعبد صباح كل أحد في الكنيسة مصطحباً معه زوجته وأطفاله.
6) يعتبر استخدام الدين في الحملات الانتخابية امراً شائعاً في الولايات المتحدة وغيرها، حيث يثير المرشحون قضايا وشؤون دينية عامة أو محلية ويستخدمون رموزاً وإيحاءات وإدعاءات دينية كمصدر لشرعنة برامجهم ويحولون الدين الى تأثيرات و‘قوة ثقافية‘ يجيرونها في خدمة غاياتهم. يصبح الدين، عبر المؤسسة الدينية، حليفاً للسياسة والسياسيين في مسعى الفوز في الانتخابات والوصول الى السلطة وهيمنة الطبقة الحاكمة؟

(5)
الدين والتديّن في الثقافة الشعبية الاميركية

تحفل الثقافة العامة والشعبية الاميركية بالعديد من المفاهيم والمفردات الشائعة التي يتداولها الجمهور والاعلام والناس العاديون دون الالتفات الى جوهرها وحقيقة دلالالتها من الناحية السوسيوـ سياسية. وسنكتفي بايراد بعض هذه المفردات المألوفة والتي ليست سوى غيض من فيض:
1) الله: نلحظ ان مفردة الله تستخدم كمصطلح ديني ذات دلالات وتفسيرات متباينة، كل حسب مصلحته: فالله في عيون الفرد المؤمن يعني المحبة والخشوع والخلاص، ومن منظور السلطة فهو يمثل القوة والردع والعقاب، أما مفردة الله في الخطاب السياسي والاجتماعي فالمقصود بها الله المسيحيين وتوفير الذريعة الدينية والاخلاقية لشرعنة سياسات الدولة. ويثير إستخدام هذه المفردة على المستوى الحكومي الرسمي إشكالية هامة: فاذا كانت مفردة الله تعبر عن أرقى أشكال الدين وتعبيراته (وهي كذلك)، فكيف نفسر أو نفهم إستخدامها في رموز وأفعال حكومة ودولة تدعي العلمانية والفصل بين الكنيسة والدولة؟
2) الدين والاسرة: تعتبر الاسرة، الى جانب المؤسسة الدينية، أكثر المؤسسات الاجتماعية تقليديةً وتداخلاً في علاقاتها لدرجة يتعصي معها الفصل بين أفرادها. إضافة الى أنها (الاسرة) احدى المؤسسات الاساسية في صياغة النظم القيمية value systems لتنشئة الاجيال الصاعدة. وفوق هذا كله، تبقى العائلة الاطار الذي ‘يحدد‘ وضع المرأة في المجتمع وعملية الانتاج وحصر وظيفتها في الانجاب والمهام المنزلية وتغييب دورها عن مواقع الانتاج وصناعة القرار والفعل في السياسية والمجتمع بحيث تبقى تحت رحمة الهيمنة الذكورية والعلاقات الابوية (البطريركية).
من هنا تأتي أهمية تحديد وتعزيز ما يسمى بالقيم العائلية (أو الاسرية) family values فكل من هاتين المؤسستين (الدين والعائلة) تدافع عن التقاليد الموروثة وتقاوم محاولات التغيير والتحولات الاحتجاجية أو الثورية. وضمن هذا السياق يجدر بنا ان نفهم الكم الهائل من التركيز على مقولة القيم العائلية وترديدها الى ما لانهاية في الخطاب السياسي الاميركي كما في الثقافة الدينية والعامة.
3) إمتيازات ‘الاغلبية المسيحية‘وأفضلية الاوروبيين البيض في أميركا: تعمل الطبقة المهيمنة في كافة المجتمعات، من أجل شرعنة سلطتها ومواقعها المصلحية، على تصوير نفسها بانها الاغلبية أو أنها تمثل الاغلبية ومصالحها. فالاغلبية هي التي تفوز دوماً ولضمانة فوزها فانها تعمل على خلق ‘الامتيازات‘ التي تساهم في تحقيق أهدافها مصالحها وتؤدي، هذه الامتيازات (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية) من ثَم الى تمييز وتفضيل جماعة (جماعات) معينة على غيرها.
وترتكز هذه الامتيازات (والتي هي بطبيعتها تمييزية وإضطهادية ضد الآخرين) على السيطرة على مواقع النفوذ (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) ومصادر الثروة والمكانة الاجتماعية. لذلك نرى أن النزاعات تتخذ مظاهر طائفية أو دينية (أي أنها تحتدم بين بين طوائف وأديان وكنائس مختلفة)، أما في حقيقتها فهي صراعات اقتصادية أي طبقية. على سبيل المثال، تبدو الامتيازات في الولايات المتحدة وكأنها إمتيازات للمسيحيين،( وهي كذلك)، كما أنها تبدو وكأنها إمتيازات للبيض، (وهي كذلك أيضاً)، إلا انه خلف ستار الدين والعرق تقبع الحقيقة الاساسية والجوهرية: وهي انها إمتيازات اقتصادية أي طبقية للطبقة الراسمالية المهيمنة. بهذا المعنى يصبح الدين ـ عبر المؤسسة الدينية التي تنشأ لذاتها طائفة دينية وترعاها وتسيّر شؤونها وتمثل مصالحها ـ أداةً سياسية وآليةً إقتصادية تنأى عن العقيدة الدينية ولا علاقة بها بالايمان والمعتقدات الدينية.
لقد كان جلياً منذ أن حطّ كولومبس رحاله على شواطئ المستعمرة الاوروبية البيضاء الجديدة، أن نظام السلطة والحكم في هذا ‘العالم الجديد‘ سيمنح المسيحيين ‘الافضلية‘ والتفوق على غيرهم كي يضمن لهم وللمسيحية مواقع التأثير في السلطة. وبالطبع لعب الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية الدور الاساسي في ‘مباركة‘ أفعال الاوربيين البيض في الذبح والابادة، فوفرت لهم باسم الدين والله التبرير والذريعة لجرائمهم وربما منحتهم موقعاً في الجنة، إلاّ أن الاهم من ذلك أنها (أي الكنيسة) منحت الاوروبيين البيض (وأجيالهم القادمة) غطاءاً للتمييز ضد الآخرين: بدايةً ضد الشعوب الاميركية الاصلانية ولاحقاً ضد السود المستحضرين من إفريقيا وغيرهم من المهاجرين والملونين من كافة الاعراق والاجناس (مثل شعوب أميركا اللاتينية والصين وبلدان العالم الثالث...الخ).
مجمل القول، انه هناك ‘إجماع صامت‘ في الولايات المتحدة على أن المسيحيين هو أصحاب الامتيازات كما يسود الانطباع بان الدولة والنظام الحاكم في ذلك البلد متحيزان للمسيحية والمسيحيين ضد غير المسيحيين. بعبارة اخرى يشعر المسيحيون في هذا البلد بانهم ‘داخل الاطار‘ ويغردون مع السرب فيما يشعر غير المسيحيين بانهم ‘خارجه‘. وعليه فان الترجمة العملية لركائز الافضلية المسيحية هي أن المسيحيين مقبولون أما الآخرون فمرفوضون ومنبوذون.
لا تصعب بعد هذا رؤية المخالفات الصريحة لمبدئيين أساسيين، تدّعي النصوص القانونية والدستورية ان الدولة والمجتمع في الولايات المتحدة قائمة عليهما، وهما (1) عدم تدخل الحكومة بالدين، و(2) المساواة بين البشر.
4) تدين الشعب الاميركي: تشير إستطلاعات الرأي المتعددة والمتكررة الى ان الشعب الاميركي من أكثر الشعوب تديّناً كما تشير الى أن أغلبية الاميركيين تعتقد أنهم أكثر شعوب الارض مسيحيةً. تؤمن أغلبية الشعب الاميركي بالله والشيطان وما يتبع هذا من تفسيرات في المجتمع والحياة والطبيعة والكون...الخ. هناك الملايين من الاميركيين الذين يؤمنون إيماناً عميقاً بان سفر التكوين في العهد القديم أي الرواية التوراتية لخلق العالم هي رواية صحيحة بمعناها الحرفي لا الرمزي وينكرون بحنق شديد نظرية التطور العلمية (الداروينية) وغيرها من نظريات نشوء الحياة والكون. في مقابل تأصل هذه الظاهرة في الولايات المتحدة، نجد ان الشعوب المسيحية في الدول الاوروبية الغربية المتقدمة صناعياً مثل بريطانيا والمانيا والسويد والدنمارك وهولندا، تتجه نحو التقليل من دور الدين والتدين وتأثيرهما في الحياة العامة حيث يرتاد الكنائس ويمارس شعائر العبادة أقل من 10% من السكان وحيث يعتقد 55% من السويديين، على سبيل المثال، ان الله ليس مهماً في حياتهم.
يشير إستطلاع للرأي نشرته مجلة Newsweek بتاريخ 30 مارس 2007 الى معطيات بالغة الاهمية : 91% من الاميركيين يؤمنون بالله، 78% منهم ينتمون الى ديانة معينة (82% من هؤلاء مسيحيون، 5% ينتمون الى ديانات اخرى غير المسيحية مثل اليهودية والاسلام وغيرهما). كما يرفض 48% من الاميركيين النظرية العلمية في التطور في حين يعتقد 34% من خريجي الجامعات الاميركيين بان رواية التوراة في نشوء الكون (سفر التكوين) حقيقية. وفي الاجابة على سؤال اذا ما كان الله قد خلق الانسان في شكله الحالي منذ 10 آلاف سنة ـ اجاب بالايجاب 73% من الانجيليين، 39% من البروتستانت غير الانجيليين، و41% من الكاثوليك. وحين جرى إستطلاع أراء الاميركيين حول إنتخاب مرشح ملحد، جاءت الاجابات كما يلي: 62% من الناخبين المسجلين صرحوا بانهم لن يصوتوا لمرشح ملحد، وكان هذا أيضاً رأي 78% من الجمهوريين و 60% من الديمقراطيين و 45% من الناخبين المستقلين. بعد هذا، يلح علينا السؤال التالي: ما هو إحتمال ان يقوم المرشحون بالافصاح عن حقيقة عقيدتهم الدينية أو سواء كانو مؤمنين ام ملحدين، متدينين أو علمانيين، اذا كان من الواضح مسبقاً ان هذا سيؤدي الى خسارة أصوات الناخبين؟
5) الدين والعلم في أميركا: بصمت ومثابرة يقضي العلماء والباحثون عمرهم بحثاً عن فهم وتفسير ظواهر الطبيعة والحياة ولم يدعوا يوماً بانهم وصلوا الى الحقيقة والمعرفة. بل نراهم يقرون بتواضع بانهم ما زالوا يجهلون الكثير وأن ما يقدموه لا يعدو كونه خطوات متواضعة في مسيرة الانسان نحو المعرفة والعلم وتطويعهما في خدمة الانسان والمجتمع.
في المقابل، يتخذ رجال الدين، ربما في الولايات المتحدة أكثر من غيرها من الدول الغربية، مواقف دخيلة على العلم ويطلقون فتاوي في شتى المسائل العلمية والطبية بدرجة من اليقي لا يجرؤ على إدعائها حتى كبار العلماء. وفضلاً عن إفتقار هذه المواقف الى الامانة العلمية، يكيل رجال الدين للعلم والفكر والعاملين فيهما تهماً مفبركة تهدف الى تعطيل سعيهم نحو المعرفة والاكتشاف. هكذا، يُنصِب رجال الدين أنفسَهم ملاّكاً وحيدين للحقيقة والمعرفة الازلية، أما الآخرون فهم من صنف الهراطقة أو الجهلة على أحسن الاحوال. وهكذا هو الامر في المسائل العلمية كما كان دوماً في المسائل الاخلاقية والاجتماعية، وهو قاسم مشترك لكافة الاديان مهما تنوعت الاساليب والادعاءات. ولا يخفي ما تكتنفه هذه الادعاءات من أكاذيب مغرضة وعنجهية تحمل في ثناياها تغييباً للعقلانية والمنطق. الدين، إذن، يخشى العلم والمعرفة وترتعش فرائسه من آفاقهما الرحبة وإنجازاتهما التي لا تفتأ تتفتق عنها عقول العلماء والباحثين والمفكرين. لذلك، تريد المؤسسة الدينية ان تصد الباب أمامهم كي تبقى الانسانية عائمة تائهة فوق موجات الجهل تتفاذفها عواصف الاوهام والغيبيات.
وصلت هذه المعركة حدّتها مع تصاعد المد الديني اليميني المتشدد في المجتمع الاميركي. ولعل موقف الدين ومؤسساته، على مختلف تلوناتها، من نظرية النشوء والتطور (الداروينية) مثالاً جيداً على ما نقوله. فقد حسبنا لحقبة من الزمن، انها (أي نظرية التطور) قد أصبحت من المسلمات العلمية وأن الامر قد حُسم أخيراً لصالح العلم والعلماء. ولعله كان كذلك في المجتمعات الاشتراكية السابقة أو الدول الاسكندنافية حيث إنتعشت العلمانية ودخلت النهضة العلمية عصرها الذهبي. إلاّ أن الكنيسة لم تتوقف يوماً عن شن الحروب بلا هوادة على هذه النظرية، وهناك ما ينبأ بالمزيد من المعارك الطاحنة على كافة المستويات، بدأً بالهجوم على الابحاث البيولوجية والمناهج التدريسية في المدارس والجامعات وقطع التمويل وتقليص المخصصات للبرامج العلمية والبحثية وصولاً الى تدمير الوعي الشعبي وما تراكم لديه من مخزون العلم والمعرفة وإحلاله بالروايات التوراتية الميتافيزيقية حول نشوء الكون وخلق الانسان. وتشتد هذه المعارك ضراوة في الولايات المتحدة رغم رداء ’الديمقراطية‘ والعقلانية الذي تجهد الآلة الاعلامية الرأسمالية في إضفائه على الجدل المحتدم في المجتمع الاميركي. فما زالت الكنيسة، بعد عقود طويلة، تطالب دون كلل بالغاء نظرية التطور من المناهج التدريسية وإحلالها بالخرافات التوراتية في خلق الكون والانسان بصها الحرفي وكما وردت منذ ألاف السنين. وتشير إستطلاعات الرأي بان 30 % من مدرسي العلوم البيولوجية في المدارس الاميركية لا يجرؤون على ذكر نظرية التطور خشيةً من غضب التلاميذ ووالديهم وتفادياً لنقمة الكنيسة ومؤسساتها. كما تشير هذه الاستطلاعات الى أن أكثر من نصف الاميركيين يؤمنون بخرافة خلق الكون حرفياً كما وردت في العهد القديم من التوراة.
6) اكذوبة الاعتدال والتسامح: في حين تتشدق أبواق الدعاية الراسمالية ’بالتسامح‘ في المجتمع الاميركي، فان الواقع يشير الى أن الشكل الوحيد للتسامح الحاصل فعلاً هو التسامح مع ’عدم التسامح‘ وإقصاء وجهة النظر الاخرى أو المغايرة. فقد وصلت هيمنة الدين على شؤون الفكر والعلم والمعرفة حداً خانقاً من التشدد والقمع تنذر بمستقبل كارثي.
يعتقد 44% من الاميركيين بان المسيح قادم (في مجيئه الثاني) خلال الخمسين سنة القادمة، كما أن نسبة كبيرة من الاميركيين تؤمن بصدق النبوءات التوراتية التي تدعي بان المعركة الفاصلة بين ’قوى الخير والشر‘، معركة ارماجيدين Armageddon ، قد أصبحت وشيكة وإنها المقدمة الضرورية للمجيء الثاني للمسيح.
مقابل هذا الإنفلات للمؤسسات الدينية في شؤون المجتمع والفكر، يتلحف قطاع كبير من الاميركيين، أفراداً ومؤسسات، بمقولة ’الحياد‘ أو ’التسامح‘ أو ’الاعتدال‘ في موضوعة الدين. وليست هذه المقولة في حقيقتها سوى غطاء للتطرف الديني حيث تقدم الذريعة للهجمة الدينية/الكنسية من أجل كم الافواه والحيلولة دون نقد الدين والمؤسسات الدينية ودورها في المجتمع وإجهاض المحاولات المناهضة لتأثيراتها التدميرية في المجتمع.

فما هي المخاطر التي تحملها هذه المعتقدات؟

أ ـ يذهب بعض المحللين الى أن مثل هذا المعتقدات تقف وراء ما يسود المجتمع الاميركي ويثير الكثير من الاستهجان، من عدم إكتراث الكثيرين من الاميركيين بحياة الاخرين من شعوب وأعراق وأقليات إثنية ودينية. فاذا نظرنا الى إحتلال العراق، من منظور أرماجيدين حيث تعتبر بابل في بعض النبؤات التوراتية، المحطة الاولى في هذه المعركة، فاننا نستطيع أن ندرك كيف يبرر رجال الدين ويسوقون الذراتع لقتل مئات الآلاف من العراقيين وتدمير بلدٍ وحضارةٍ باسرها. ويبدو أن الامر لن يتغير، وفقاً لهذه المعتقدات، حتى لو وصل الامر الى إنفجار حرب أو حروب شاملة أو نووية في المنطقة العربية، لان هذا كله من شأنه ان "يقرّب من مجيء المسيح".
فهل هناك مبررات أفضل من هذه لشن الحروب الامبريالية ضد شعوب الارض؟ وأي مستقبل ينتظر الانسانية؟ وإذا علمنا ان أتباع هذه المعتقدات يشكلون نسبة كبيرة من الناخبين الاميركيين، لأدركنا جسامة المخاطر التي تحيق بالانسانية ومستقبلها ولأصبح في مقدورنا تفسير الهزيمة المحتومة للقوى العلمانية في مجتمع كهذا والتأثيرات بعيدة المدى للمواقف ’المحايدة‘ (المتواطئة) للأحزاب والقوى السياسية التي تدعي مناوءة الحزب الجمهوري الحاكم وأيديولوجية المحافظين الجدد، حيث تنذر كافة المؤشرات باستمرار النهج ذاته في الانتخابات القادمة.
ب ـ وماذا عن الحريات العامة؟ تفيد تجارب المجتمعات البشرية الحديثة بانه، في الواقع المادي والملموس، ليس هناك من متسع في المجتمعات الدينية للتسامح مع الرأي الآخر او حيز للقبول به. فاذا كان الدين والمؤسسات الدينية تحتكر الحقيقة، كما هو حاصل في الولايات المتحدة وفي بلادنا وغيرها، فهذا يعني ان الآخرين مخطئون وهراطقة ومصيرهم، من منظور الدين، جهنم والعقاب والاضطهاد مما يشعل فتيل التناحر والاقتتال بين الطوائف والاديان. بعد ذلك، يصبح الفارق بين إتهام ’الآخر‘ بالخطئية أو بالكفر فارقاً في الدرجة والاسلوب في حين يبقى الجوهر واحداً: وهو معاداة الاخرين وتكفيرهم وإضطهادهم وتضييق الحيز المتاح لهم أو إلغاؤهم كلية (كما هو حاصل في الكيان الصهيوني والحركات التكفيرية المتطرفة).
ت ـ الاخلاقية الدينية: يدعي الدين ورجاله بانهم معيار الاخلاقية والفاصل بين الشر والخير، وهنا يحدث الربط المتعمد بين ’الاخلاقية‘ وممارسة أفعال الايمان وتأدية شعائره. وهو ربط وهمي تعوزه العقلانية ويناقض وقائع التاريخ وتطور المجتمعات البشرية. والحقيقة أن الايمان (وأفعاله من شعائر وممارسات) لا علاقة له بالاخلاقية بل كثيراً ما إرتبط، على صعيد الدولة والسلطة السياسية والتنظيم الحزبي السياسي، بالحروب وجرائم القتل والتنكيل بالمجموعات الاثنية والقومية والدينية الاخرى والشعوب الفقيرة والمضطَهَدَة. وهو ما نشهده اليوم في السياسة الاميركية، إذ ’يرتبط‘ إزدياد الرئيس الاميركي إيماناً بالمزيد من الحروب وينذر بالمزيد من الدمار والويلات.
وإذا ما إنتقلنا الى الفضاء الشعبي والثقافة الشعبية فان مخاطر مثل هذه الاوهام/المعتقدات تصبح أكثر وضوحاً، حيث تنعكس في الوعي والثقافة الشعبية وتتمظهر في الفصل التام بين مفاهيم الاخلاقية الدينية من جهة، والمعاناة الانسانية من جهة اخرى. فحين يبرر الدين ورجاله إحتلال العراق وتدميره أو افغانستان أو محاصرة كوبا لما ينوف عن أربعة عقود و....غيرها من الجرائم على أرضية ’أخلاقية‘ دينية بحتة ، بغض النظر عن ’الذرائع‘ السياسية والاقتصادية، فانهم كمن يقول لنا: "ان معاناة الشعب العراقي أو الافغاني أو الكوبي.... محصلة حاصل وأمر ثانوي يسهل، بل يجب، تبريره وقبوله في سبيل ’الغاية الاسمى‘.

(6)
بوش والمحافظون الجدد

يعتبر الرئيس بوش من أكثر رؤساء الولايات المتحدة ‘تديناًً‘ وربما أكثرهم على الآطلاق. وهو لا يخفي تدينه هذا بل يعلنه على الملأ ويجعل منه شأناً عاماً حاضراً في كافة أنشطته وخطاباته، كما أنه يوظف الدين والتدين في القرار والممارسة السياسية. وفي تفسير هذه الظاهرة، يذهب المقربون من بوش والمتابعون لسيرته أن الرجل قد وجد ضالته و‘رسالة‘ حياته بعد أحداث 11 سبتمبر. ربما! إلا ان هذا التفسير لا يسعفنا بفهم عقلاني لرئيس وسياسات دولة عظمى، بل ان جلّ ما يقدمه لنا لا يعدو شخصنة للرجل والدين والسياسة معاً. فمواقف رئيس الولايات المتحدة ليست، ولا يجوز أن تكون، مجرد تعبير عن مواقف أو نوازع شخصية أو شجون إيمانية أو أوامر ربانية.
1) قبل الفوز بالرئاسة وبعد هجمات 2001: من المفارقات ان الرئيس بوش كان قد حذر شعبه خلال حملتة الانتخابية الاولي (عام 2000) من عنجهية السياسة الاميركية وإستياء الشعوب الاخرى من ذلك. ولم تكاد تمضي أيام معدودة على هجمات سبتمبر 2001 حتى أعلن حربه على ‘الارهاب‘ وتخليص العالم من الشر. وقد جاء هذا الاعلان من على منصة الكاثيدرالية الاميركية إيحاءً بان الحرب ضد الشر تستند الى، بل هي مرادفةً، للشرعية الاخلاقية (والدينية) للسياسة الخارجية الاميركية. وتحت شعار "الرسالة" التي أوكله "الله" بها في محاربة "محور الشر" والحرب "ضد الارهاب" ومسؤولية اميركا في حماية الشعوب وآمالها، أرسى الرئيس بوش سياساته المدمرة منذ هجمات سبتمبر 2001 حتى يومنا هذا. ولا يخفى ما تكتنف عليه هذه المواقف من خليط من السياسية والثيولوجيا.
2) الله في خطاب بوش: أدخل الرئيس بوش، أكثر من أي رئيس أميركي آخر، معاني ودلالات سياسية لمفردة "الله" في معجم السياسة الاميركية، وهو أمر له أبعاد سياسة هامة. فبوش يتواصل مع الله ويحادثه، أما الله فيحدد له مهامه ويوكله بتنفيذها، وربما يقول له انه الوحيد القادر على تنفيذها. وهذا يعني، في ابسط معانيه، الجمع بين ‘الايمان‘ والسياسية والايديولوجية وما يتفرع منهما.
3) من يكتب خطابات الرئيس؟ إذا صدقنا ما يشاع، فان أكثر وأهم كتّاب خطابات الرئيس الاميركي ينتمون الى الكنسية الانجيلية ومن غلاة المحافظين الجدد أيضاً. ومن الملاحظ في خطابات الرئيس بوش، أنه وكتّاب خطاباته، كثيراً ما يستخدمون عبارت الانجيل خارج سياقها التاريخي والموضوعي أحياناً في دلالات تناقض الدلالات التي جاءت بها أصلاً، كي يطوعوا معانيها ودلالاتها في خدمة أغراضهم السياسية والحزبية الآنية.
4) الشر في خطاب بوش: ‘نحن الخير وهم الشر‘، ‘نحن الصالحون وهم الطالحون‘، ‘من ليس معنا فهو ضدنا‘ الى غيرها من العبارت المحتقنة بالدين والله والشر. هل هناك أفضل من هذا التوظيف السياسي للدين لخدمة اهداف النظام الحاكم؟ فعبارات التحريض ضد الشر ومقاومته تضفي الطابع الديني والاخلاقي على السياسة الاميركية وخاصة الخارجية منها مما يوفر لهم الذريعة لدى الناخبين والشعب ويضمن إستمرار دعمهم.
5) بوش والحروب الصليبة ـ الدين كستار للحرب: يلاحظ الكثيرون من متتبعي سيرة بوش أنه يعرف القليل عن التاريخ، والقليل جداً عن تاريخ الحروب الصليبية، وربما لا يعرف عنها سوى إسمها، إلا أنه لم يتورع عن إستخدام هذه المفردات في الاسابيع القليلة التي تلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ليعدل عن ذلك عملاً بنصيحة بعض مستشاريه الذين التقطوا على عجل المطبات التي قد يسقط فيها رئيسهم اذا ما استمر في نهجه. إلا ان مفردات الحروب الصليبية والمقدسة holy wars، وإن لم تكن أمراً مستجداً في تاريخ الحروب الاستعمارية، فليست سوى ورقة توت للتمويه على الاهداف الحقيقية لحروب الامبراطورية الاميركية تضفي عليها طابع الدين والاخلاق الانسانية، كما فعل من قبلة الرئيس الاميركي غير المتدين بيل كلينتون الذي قصف يوغسلافيا لمدة 87 يومياً في آذار 1999 تحت شعار توفير الحماية الانسانية لاهل إقليم كوسوفو.
6) شخصنة السياسة والخلط بين بوش والله: تتسم سياسة بوش بخلط عجيب بين أدوار الله والرئيس والحكومة والشعب في الولايات المتحدة، وليس ذلك محض صدفة ولا من باب حسن النية. فمن منظور الثيولوجيا المسيحية، تعتبر مهمة مواجهة الشر مهمة الهية لا توكل الى البشر. أما مهمة البشر، فوفقاً لتلك الثيولوجيا، فتكمن في التعبد والايمان والعمل بضمير والامتثال للتعاليم الدينية. فالله لم يكلف أحداً، شعباً كان أم حكومة، بهذه المهمة وبالتأكيد لم يصنع من محاربة الشر وسيلة للربح وتحقيق المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
7) شيطنة الاعداء: لم تتوقف شيطنة الاعداء عند دول محور الشر (العراق وايران وكوريا الشمالية)، بل طالت قوى المعارضة الداخلية من مناهضي الحرب واليساريين والاشتراكيين وغيرهم، وهو أمر يغفله الكثيرون من اللذين يفصلون السياسة الخارجية للرأسمالية (في بعدِها الامبريالي) عن السياسة الداخلية (في بعدِها الاجتماعي ـ الطبقي) ولا يرون الربط الوثيق بينهما. وهنا يتم خلط الاوراق من جديد بين الله والثيولوجيا من ناحية، والشعب وحرياته وحقوقه ومطالبه بالعيش الكريم والإيفاء بحاجاته الاساسية من ناحية ثانية. فالطبقة المهيمنة لا تجد حرجاً في شيطنة الاعداء الداخليين من قوى المعارضة واليسار ووصفهم أيضاً بالقوى الشيطانيةsatanic forces إذا كان هذا من شأنه أن يشرعن قمعها وتصفيتها.
8) حول الكذب: هناك من يشك بان بوش مخلص وصادق في ايمانه الذي لا يتواني عن المجاهرة به وتكريسه جزءاً من السياسة العلنية للبيت الابيض. وسواء صدق هؤلاء أم كذبوا، فان الامر، في حقيقته، لا يعنينا. فالسياسية مصالح ليس إلاّ. بيد أن السؤال الذي يظل ملحاً هو: لو إقترضنا ان الرئيس كاذب، فكيف نفهم، المسيحي ‘المؤمن‘ الذي يبرر كذب رئيسه، والكنيسة التي تصمت (تتواطؤ مع السلطة السياسية) على جرائم حكومتها في العراق وأفغانستان وفلسطين وكوبا... وغيرها من شعوب تطول قائمتها على مدى قرنين من الزمن؟

(7)
الدين والدولة في الولايات المتحدة:
تلاقي المصالح

مصلحة الدولة في الدين
يستثمر النظام الحاكم في الولايات المتحدة الدين ويعتبر الاخلاقية المسيحية ونظمها القيمية هي السائدة في المجتمع. فأين تكمن مصلحة الدولة في هذا الاستثمار؟
1) توظف الحكومة الدين والمؤسسة الدينية لشرعنة سلطتها وقوتها والمصادقة على سياساتها.
2) كما تستخدمه في تبرير سياساتها ومنحها الذريعة والغطاء الاخلاقيين كي تضمن الدعم الشعبي لسياساتها. فقد إستخدم الساسة الاميركيون، منذ نشوء الدولة الاميركية وعلى إختلاف مشاربهم السياسية والحزبية، الدين والمؤسسة الدينية في تبرير سياسات وحروب وجرائم حكوماتهم المتعاقبة بدءً بابادة سكان القارة الاصلانيين وسود أفريقية وفقراء العالم من الملونين...وصولاً الى العراقيين اليوم.
3) الحريات الدينية ولعبة الديمقراطية: تتفاخر اميركا ب’ديمقراطيها‘ وحرية الاديان فيها وتعزو هجرة الملايين الهاربين من ’الدول المارقة‘ والاستبدادية لهذين السببين. وليس من شك ان الكثيرين من هؤلاء المهاجرين قد لاذوا بالهجرة الى اميركا هروبا من الاضطهاد في بلدانهم الاصلية والذي يتخذ في العديد من الحالات أشكالاُ دينية وطائفية، إلا ان هذه الذريعة تتعامى عن وتغيّب العوامل والاسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تقف وراء تلك الهجرة والتي كانت القوى الاستعمارية والامبريالية احد اسبابها الرئيسية. فضلاً عن أنها توحي بان اميركا هي ’الفردوس المنشود‘ حيث يعثر هؤلاء المهاجرون على حرياتهم المفقودة.
وما زلنا نشهد تجليات هذه اللعبة الذرائعية التي تستخدمها السياسة الاميركية في ’شيطنة الدول المارقة‘ تأهباً لهجمات عسكرية وقلب الانظمة والانقضاض على موارد الشعوب، مما يشوه حقيقة الصراعات الاجتماعية والاقتصادية في تلك البلدان ويطمسها إضافة الى انه يرسخ الصورة القائمة في الذهن الاميركي وهي ان هذه الصراعات في جوهرها صراعات دينية و/أو حضارية.
4) تزوير الاهداف السياسية: يعزز الدين ومؤسساته مفاهيم مضللة مثل "صراع الاديان والحضارات" بين الشعوب والامم، الهدف منها هو تزوير حقيقة وجذور الصراع القائم في العالم اليوم وتضليل الشعوب المضطهدة والمعتدى عليها وترويج خطاب وهمي يتطابق مع الدعاية الراسمالية ـ الامبريالية. وهكذا، تصبح محاولات الهيمنة على البشر والموارد وإحتلال الاوطان لاستغلالهم في البنية الرأسمالية حروبا ’صليبية‘ ذات طابع ديني وحضاري ويصبح العدوان من أجل السيطرة على احتياط النفط وتأمين الاسواق والايدي العاملة ’حربا على الاسلام وعلى الارهاب‘.

كيف تستفيد المؤسسة الدينية من الفصل بين الدين والدولة؟
قد يبدو السؤال مناقضاً لذاته، فالانطباع العام هو ان الكنيسة تعادي، أو من المفترض أن تعادي، الفصل بين الدين والدولة. إلا ان قراءة النموذج الاميركي قد تفيد بامر مغاير، وفيما يلي بعض الامثلة:
1) إنعاش الدين وتغذية المؤسسات الدينية: رأى ماديسون ان الفصل بين الدولة والكنيسة وقطع العلاقة بينهما قد غذّى الدين ونفخ فيه الحياة وزاد من اهتمام الناس فيه. فقد لاحظ ماديسون مبكراً ان إهتمام الناس بالكنيسة قد إزداد بعد أن تم الفصل بينها وبين الدولة.
2) يؤدي الفصل بين الكنيسة والدولة الى خلق سوق حرة للاديانreligious free market حيث تشتد المزاحمة بين المؤسسات والمنظمات الدينية على كسب الناس والمؤمنين وبناء تنظيمها او ما يسمى بالرعية كما يتزاحم رأس المال في سباق العرض والطلب على تسويق وبيع السلع وتحقيق الارباح.
3) المدارس والتعليم العام: يحرم القانون الاميركي تدريس الدين في مناهج المدارس العامة كما يحرم إلزام الطلاب بممارسة الشعائر الدينية ويترك القرار في هذا الشأن للوالدين لا لصانعي القرار السياسي. إلا ان هذا القانون، بالمدلول العملي، لا يمنع الطلاب من الصلاة أو دراسة الانجيل في المدارس في أوقاتهم وتجمعاتهم الخاصة. وخلافاً للاعتقاد السائد عن الولايات المتحدة، فان الدين وممارسته مسألة حاضرة حضوراً قوياً في المدارس العامة الاميركية على أساس تطوعي دون ان يلزم به القانون. فهناك ما يقرب من عشرة آلاف "نادي إنجيلي" Bible Club في المدارس العامة الاميركية وسيشهد هذا الحضور حيزاً أكبر مع صعود المد الديني للمحافظين الجدد.

(8)
الإشكاليات: الفصل بين الكنيسة والدولة أم بين النص والواقع!

دعونا نعيد تركيب المكونات الاساسية لاطروحتنا:
أ) حرص الاباء المؤسسون، في مرحلة نشوء الدولة، على صياغة نصوص قانونية ودستورية تضمن الفصل بين الكنيسة والدولة وبناء دولة علمانية تحمي الحريات الدينية. أما المعارضة فلم تتجاوز بعض الجهود والمحاولات ذات الطابع والتأثيرات الثقافية والدينية البحتة.
ب) على مستوى الدولة، نجد نصوصاً علمانية تقابلها ممارسات ورموز وافعال دينية تبدو متناقضة. إلا أنه بالرغم من هذا التناقض فقد ظلت العلاقة بين الكنيسة والدولة في الحاضر والماضي وطيدة لا تنفصم وإن كانت في كثير من الاحيان خفيةً أو غير مرئية ورغم ما إعتراها من توتر في بعض المراحل.
ت) على مستوى المجتمع والثقافة الشعبية، يمكننا القول بان الشارع الاميركي يتجاذبه تياران رئيسيان:
1) التيار الديني المتزمت واليميني المتطرف الذي تصاعد في العقدين الاخيرين، والذي يشد نحو دولة مسيحية ترتكز على العقيدة الدينية وتستلهم سياساتها من تعاليم المسيحية.
2) بالمقابل، هنك الكثيرون من الاميركيين اللذين يعتقدون أن الجدار الفاصل بين الكنيسة والدولة التي تحدث عنه توماس جيفرسون هو أحد الركائز الاساسية في نشوء وتطور الولايات المتحدة كدولة ومجتمع وأن الدستور يحول دون الاندماج بين الكنيسة والدولة أو التداخل بينهما. وبهذا المعنى، يظل الدستور والتعديل الدستوري الاول، في نظرهم سلاحاً فعّالاً في أيدي القانونيين والعلمانيين والمعارضين الذين يناضلون من أجل الحفاظ على علمانية الدولة وعدم الخلط بين السلطة السياسية والدين.
* * *
هل نحن، إذن، حيال تناقض بين النص والواقع، بين النظرية والتطبيق؟
هل كانت نية الآباء المؤسسين بناء شعب مسيحي يعيش في ظل حكومة مسيحية، أما علمانية الدستور والنصوص القانونية فقد كانت تلبية لمقتضيات سياسية آنية و/أو للتموية والتغطية؟
أم أننا امام حالة متطورة ومعقدة من توظيف الدين لخدمة السياسة والطبقة الحاكمة رغم الرداء العلماني التي ترتديه؟

في محاولة إستشراف الاجابة على هذه الاشكاليات، نقدم بعض الإضاءات علّها تساهم في فهم الواقع الاميركي وآليات حراكه.

إجماع أم مصالحة؟
يسود الاعتقاد بان الولايات المتحدة دولة علمانية ’بامتياز‘. ويعود هذا الى الآلة الاعلامية والسياسية الاميركية التي ملأت الدنيا على مدى عقود طويلة متبجحةً بعلمانية الدولة والفصل بين الكنيسة والدولة. في الوقت ذاته، يشتد الجدال (داخل البلاد وخارجها) حول التجليات الدينية الملحوظة في الممارسات والتطبيقات السياسية الاميركية (الداخلية والخارجية)، كما يحتدم الصراع داخل البلاد بين القوى العلمانية والدينية، وفي كثير من الأحيان بين الاطراف الدينية ذاتها بين "يمينيين متشددين" و"ليبراليين".
بالرغم من هذه الصراعات والتناقضات الحادة، لا يكف الاميركيون، حكومةً وشعباً بكافة أطيافهم السياسية، عن الحديث عن دولة الحريات وحكم القانون ولا يتوانوا عن تصوير ’أميركا‘ كمثال جديد ودليل ناصعٍ على ’الديمقراطية‘ وطرائق الحياة وحراك المجتمع الاميركي.
أما بعضهم الآخر فلا يرى في الامر تناقضاً، ويفسرون الاشكالية بين المعلن والمُنَفَذ فعلياً، على أن الولايات المتحدة دولة تجمع حقاً بين علمانية السلطة (الفصل بين الكنيسة والدولة) ودينية السياسة والمجتمع، أي ان اميركا في عيون الكثيرين، وربما الاغلبية، من مواطنيها تجمع بين ’فضائل‘ العلمانية والسياسة الدينية. ولعله أمر يتفاخرون به ويعتبرونه إنجازاً لمعجزة الديمقراطية الاميركية وأحدى خصوصيات بلدهم.
إلاّ أننا إذا ما خدشنا السطح لوجدنا تحت هذه التناقضات الظاهرة إجماعاً صامتاً بين أغلبية الاميركيين على قبول السياسات الدينية للولايات المتحدة، خصوصاً في ظل الادارة الجمهورية الراهنة وصعود اليمين المسيحي المتشدد، رغم محاولات المعارضة والمناهضة لهذ السياسات.

فماذا يعني هذا الاجماع الصامت وما هي دلالاته السياسية والاجتماعية؟

اولاً: يتم في ظل هذا الاجماع الشعبي التسليم السلبي والقبول الهادئ بسياسات الدولة لدرجة أصبح معها التداخل والاندماج بين الدين والسلطة هو الامر المألوف والدارج.. والمقبول.
ثانياً: تتم هذه العملية الاجتماعية ـ التاريخية في ظل تحالف متين بين الدولة والمؤسسات الدينية، رغم بعض مظاهر المعارضة العابرة.
ثالثاً: يسهّل هذا، في المحصلة النهائية، للسلطة السياسية مهمة توظيف الدين لخدمة أهدافها، وهو ما يعنينا هنا.
رابعاً: يتم توظيف الدولة للدين والمؤسسة الدينية في خدمة أهدافها في ظل ’تصالح‘ أو ’مهادنة‘ قائمة فعلياً بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية، تتيح لهذه السلطة توظيف الدين وتجنيد المؤسسة الدينية لخدمة سياساتها. وتستند هذه المصالحة، كما أسلفنا، الى تلاقي المصالح المتبادلة والايفاء بحاجة كل من هذين الطرفين بالآخر. وهكذا خدمت هذه المصالحة أهداف كلا الطرفين وشكلت العامل الرئيسي في تحالفهما على مدى أكثر من قرنين، وهو ما يفسر قدرة الدولة العلمانية والسياسات الدينية على التعايش في تناغمٍ وإعتماد متبادل.
وقد يكون من المفيد هنا التذكير بان الفصل بين الديني والعلماني كثيراً ما يكون مصطنعا وملفقاً. وعليه، نرى أن هذه المصالحة ـ التلفيقة في النموذج الاميركي الراهن تتجلى في دولة علمانية المظهر دينية السياسات، وأن الدين لا يعدو كونه ستاراً لتزوير وتشويه حقيقة الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (الطبقية) من أجل خدمة مصالح الطبقة الحاكمة وهيمنتها.
خامساً: لقد إختمرت هذه التحالفات والمصالحات عبر عقود طويلة في وعي وثقافة الشعب الاميركي، وتسللت الى كافة أبعاد حياته (السياسية والاجتماعية والثقافية والقانونية... وغيرها) وأصبحت جزءاً عضوياً في ثقافته الشعبية ونسيجه الاجتماعي والنفسي. وفي تقديري ان هذا التلاعب والتقافز بين النص والممارسة الذي رافق نشوء الدولة واستمر حتى يومنا هذا، سيدوم الى أمدٍ غير منظور طالما أنه يخدم مصالح الطبقة الحاكمة (على كافة الاصعدة الداخلية والخارجية) من جهة، ومصالح القوى الدينية (من مؤسسات وكنائس ومنظمات وجمعيات تعد بالالاف) من جهةٍ اخرى.
لا يقتصر إستثمار التصالح بين الدين والدولة على مستوى السياسة الخارجية الامبريالية بل يطال الحياة اليومية والظروف المعيشية للاميركين. ولعل أخطر ما في الامر، أن هذه التحالفات والمصالحات قد تقادمت لعقود طويلة، حتى أضحى تميز المسيحيين وإحتفاظهم بالافضلية وإحتكارهم للعديد من الامتيازات أمراً مألوفاً ومقبولاً، مما أدى الى مأسسة التمييز ضد ’الآخرين‘ وتطبيقاته العملية (وهذا هو الاهم والاكثر فتكاً بمصالح الطبقات الشعبية) وممارساته باشكال وأساليب سلسة ومقبولة ومموهة إجتماعياً وقانونياً.
لقد فهم اللاعبون اللعبة وأتقنوا قوانينها وإستفادوا منها بما لا يقاس. أما جماهير الشعب وطبقاته المهمشة والفقيرة فما زالت تأن في آلامها وبؤسها وتبحث عن البدائل والحلول.

(9)
نحو الخاتمة: ماذا يخبئ المستقبل؟

ليس هناك ما ينبأ بحدوث تغييرات جذرية في الاتجاهات السياسية والاجتماعية لدى الحكومة والمجتمع في الولايات المتحدة، بغض النظر عن الرئيس المنتخب والحزب الحاكم. على العكس، فان هناك الكثير من المؤشرات الى ان الدولة ووالمجتمع ومجمل القوى السياسية والاجتماعية الاميركية، على تنوع مشاربها وتحزباتها، ستستمر في النهج ذاته: توظيف الدين سياسياً وإجتماعياً في تأكيد شرعيتها وتعزيز ‘أخلاقيتها‘ وتبرير أفعالها وسياساتها وجرائمها.
فكيف يتسنى، والحالة على ما هي عليه، ناهيك عن التصاعد المسعور للمد الديني المتشدد في البلاد، كيف يتسنى لاي سياسيٍ أو مرشحٍ ان يحظى بدعم الناخبين اذا ما تجرأ على أبداء رأيه (أي ممارسة حقه وحريته) في الشأن الديني أو نقد الدين أو المؤسسة الدينية والكنيسة التي يرتادها ناخبوه؟ وكيف له أن يبوح بانه ملحد أو علماني أو بكل بساطة محايد ولا يأبه بالشأن الديني، إن كان هذا سيعنى هزيمته المؤكدة في الانتحابات؟ ولعل هذا ما يفسر ما نلحظه في الحملات الانتخابات من المغالاة في الادعاءات الكاذبة والوعود الزائفة وتملق الناخبين والاتشاح ب‘الاخلاقية‘ من أجل الوصول الى السلطة!

فما هي المخاطر التي يخبؤها المستقبل؟

إن كان لنا ان نستشرف المستقبل مفترضين إستمرار المسار السياسي ـ الاجتماعي الراهن في الولايات المتحدة دون حدوث هزّات إقتصادية أو سياسية في المدى المنظور وفي غياب تغيير جذري وثورة تقوض ركائز النظام الراسمالي، فان الراهن الاميركي ينذر بمؤشرات كارثية لن تنجو الانسانية من عواقبها الوخيمة:
أ ـ إستشراس رأس المال في سياساته الداخلية والخارجية لتحقيق الربح الاقصى بلا حدود ودون عوائق او حواجز.
ب ـ إزدياد النفوذ المالي والاجتماعي والسياسي للقوى الدينية، وخاصة تلك الموالية لليمين الديني المتشدد، وتعاظم دورها في سياق وإطار تحالفها مع رأس المال والطبقة المهيمنة.
ت ـ المزيد من تملق الدين (والمواطن على حد سواء)، في الحملات الانتخاية القادمة بما ينذر بتدني الخطاب السياسي والاجتماعي وإبتذاله للشعب ومصالحه والاندفاع في تطويع الدين والمؤسسة الدينية للفوز بالانتخابات والوصول الى السلطة. ومن يدري الى أي حضيض سيؤول اليه الامر، فقد تصبح مفردة العلمانية جريمة يعاقب عليها القانون وربما تختفي كليةً من المعجم السياسي الاميركي.
ث ـ هجمة ثقافية تشكل إمتداداً للغزوة الراهنة تدمر الثقافة العامة وتأتي على ما تبقى منها وتقدم المعلومة والمعطيات مهضومة جاهزة تُزرع في ذهن المواطن الذي لا يملك القدرة (ولا الاستعداد) على إثارة أي تساؤل أو تفكير نقدي بل يتلقن ويتمثل ما تقدمه الاجهزة الايديولوجية للطبقة المهيمنة.
ج ـ إستمرار الهجوم على الفكر والعلم والانقضاض على البحث العلمي وقطع موارد تمويله وتدمير ما توصلت اليه المعرفة الانسانية يرافقه تراجع في مناهج التدريس في المدارس والجامعات حيى تصبح الاوهام الميتافيزيقية المصدر الوحيد لتلقين الاميركيين ومعرفتهم وكي يتوهوا في غياهب الجهل والتخلف.
تلك هي اسئلة وإشكاليات الحاضر الاميركي. وهي هموم لا تقتصر على الحيز الاميركي بل تمتد تأثيراتها لتشمل الانسانية جمعاء. وهي أيضاً أعباء يحملها كل من يعنيه الشأن الانساني بآفاقه الرحبة. إلاّ أن هذه الهموم، وما تحمله من مخاطر جسمية ومهام ثقيلة ومعقدة، تبقى فاقدة للبوصلة إذا ما غُيّبَ العامل الاساسي في الصراع، الصراع بكافة أشكاله وإتجاهاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو العامل الطبقي المتمثل في التناقض التناحري بين الطبقة الراسمالية المهيمنة ومصالحها وسعيها المسعور نحو الاستغلال والربح من ناحية، والطبقات الشعبية المنطلقة في نضالها نحو التحرر والتنمية والاشتراكية من ناحية اخرى. ذاك النضال هو المحرك المادي للتاريخ، وهو القوة التي تحسم الصراع وتحدد اطرافه ومساره، وهو في نهاية الامر الوقود لحركة التاريخ والشعوب.







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- إشكاليات الاغتراب الثقافي العربي: مناقشة في كتاب -الاغتراب ا ...
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الرابع وال ...
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الثالث
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الثاني
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الرابع والأخير
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الثالث
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ - الجزء الثاني
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الاول
- نيبال: الثورة المنسية
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: مفاهيم وخلفيات
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: إشكاليات وتحديات
- الانتخابات الاميركية ـ الرئيس الاميركي: نموذجاً أم استثناءً؟
- مشاهدات مغترب في إشكاليات الانتخابات الاميركية ـ الحلقة الاو ...
- بين ناصر ولينين تأملات في الموت المبكّر وإغتيال الحلم
- الانتفاضة الساباتية بعد عشرة اعوام: مرحلة جديدة أم خيار بين ...
- في رحيل إدوارد سعيد مفكراً وإنساناً
- الهيمنة المطلقة...خواطر في اسلحة الدمار -الاشمل
- تشى غيفارا ... والحضور الدائم خواطر في الغيفارية في زمن العو ...
- مستقبل الاشتراكية في كوبا: اشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل


المزيد.....




- المرجعية الدينية بالعراق تؤكد ضرورة رفض -كل قيادة فاسدة-
- المسلمون اندمجوا في أوروبا لكن هل قبلهم الآخرون؟
- باكستان.. إصرار على مواصلة سجن مواطن ساعد على تعقب بن لادن
- "إنستغرام" المنصة الجديدة لجهادي تنظيم الدولة الإس ...
- استقالات جماعية في صفوف قيادات البام بجهة سوس
- الحكومة تتلكأ في الإفراج عن النظام الأساسي لرجال الأمن
- المغرب يؤكد بالامم المتحدة التزامه بالقضاء التام على الأسلحة ...
- خبايا اللقاء بين ملك البحرين وحاخامات أقاموا مؤسستهم على مقب ...
- فيسبوك تستعين بمراجعين بشريين لمنع إعلانات -كراهية اليهود-
- منفذ اعتداء المتحف اليهودي ببروكسل أمام القضاء


المزيد.....

- 150 عاماً على نشر كتاب رأس المال لمؤلفه المفكر كارل ماركس / صديق عبد الهادي
- العلمانية: المفهوم المظلوم (5/ 5) / السيد نصر الدين السيد
- التعاقب الحضاري للبشر واختلاق الديانات -1- / جواد بشارة
- ثقافة تصحير العقول والوجدان..ثقافة الخراب والتخريب / سامى لبيب
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصي ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- رؤية إلى الإسلام والإرهاب أم إلى المسلمين والإرهاب / محمد الحنفي
- دولة المسلمين لا إسلامية الدولة / محمد الحنفي
- مقدمة لنقد الدين في المجتمع العربي / العفيف الأخضر
- المحاكمة / محيى الدين غريب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مسعد عربيد - التوظيف السياسي للدين: الولايات المتحدة نموذجاً