-محارب- الشيوعيين! في خدمة مؤامرات الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية اليوم أيضا

عصام مخول
الحوار المتمدن - العدد: 7532 - 2023 / 2 / 24 - 14:19
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     


في مراحل الصراع الشرس الذي واجهه شعبنا، تعلمت جماهيرنا العربية في إسرائيل بتجربتها الغنية وحسّها السياسي المتطور ووعيها الوطني المجبول بالتضحيات، أنه في كل مرة تألبت القوى الرجعية والانتهازية الموالية لثلاثي الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية لتمرير مؤامرة تاريخية كبيرة بحق الشعب الفلسطيني، كما يحدث الآن في عصر التطبيع العربي وصفقة القرن، وما يجري بحق الأقلية القومية الفلسطينية المواطنة في إسرائيل وحلفائها من القوى التقدمية العربية واليهودية في عصر قانون القومية، والانتقال الفاشي في إسرائيل ومشاريع تأسيس الميليشيات الفاشية والعنصرية في شكلها الكلاسيكي - تقوم القوى الإقليمية الأكثر رجعية وامتداداتها على ساحة الجماهير العربية في إسرائيل، بشن هجوم حاقد على الشيوعيين، قوامه تشويه تاريخهم وتزوير مواقفهم وتضليل الناس.

وقد وصل الحال ببعض السفهاء حدّ نشر فرية رخيصة جعل منها محمود محارب عنوانا لكتاب حول ما أسماه: "دور الشيوعيين في النكبة"!! وتلقفته بعض المواقع والأطر والكتاب المعادين للشيوعيين وللتاريخ الوطني التقدمي وللنضال التحرري العربي والفلسطيني على امتداد رقعة الردّة في العالم العربي المختنقين بالتصحّر الفكري والكفاحي.

واللافت أن محارب والمروجين لافتراءاته، على عكس ادعاءاته وعلى نقيض ما حاول الإيهام به من أنه يناقش وثائق الشيوعيين، فإنه في الحقيقة تجاهل كل الوثائق الصادرة عن الشيوعيين إبان النكبة، وتجاهل وثائقهم التاريخية، ولجأ الى أدبيات أولئك المنحرفين اليهود والعرب، الذين لفظهم الحزب الشيوعي في تجلياته التنظيمية المختلفة وتقيّأهم من صفوفه، حتى باتوا ألد أعدائه من مواقع انحرافهم الصهيوني، وأكثر حقدا على الشيوعيين من محارب نفسه، الذي فصَّل كتابه على مقاس انحرافاتهم. وحتى لا يزعج هذا الـ"محارب" افتراءاته، امتنع في أية مرحلة عن إعلام قرائه بأن الحركة الشيوعية في فلسطين والحزب الشيوعي الإسرائيلي قد انتفضا في محطات تاريخية حاسمة على كل المنحرفين وكل الانحرافات، وتخلص منها ومنهم بعد صراع انتهى بتطهير الحزب منها ومنهم، لكن ذلك لم يمنعه عن "مطالبة الشيوعيين بمراجعة مواقفهم والأدبيات المنسوبة اليهم عنوة وتضليلا"..

والحقيقة أننا كنا دئما وسنكون دائما أكثر المعنيين بأن نعيد الى الأذهان حقيقة الدور الذي قام به الشيوعيون إبان النكبة وقبلها، وتفاصيل مشروعهم لإفشال مؤامرة النكبة وإنقاذ حق تقرير المصير لشعبنا الفلسطيني لو أنه تسنى للشيوعيين إنجاز برنامجهم الكفاحي الذي شكّل رأس الزاوية في مشروع تحرر الشعب الفلسطيني، فأهمله البنّاؤون، كما يهمله مؤرخو بلاط أمراء "مدن الملح"، بفعل ارتباطاتهم بثلاثي الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية.



قطار التاريخ أبقى وأثبت من المندسين على رحلته!



كثيرون وصفوا مسيرة الحركة الشيوعية في بلادنا، باعتبارها قطارا تاريخيا سافر وما زال مسافرا على مدار أكثر من قرن من الزمن في أرض فلسطين وتاريخ الصراع فيها، بدءا من الحزب الشيوعي الفلسطيني PKP وعصبة التحرر الوطني، وما تفرّع عنها بعد النكبة وبسبب الشتات، من منظمات شقيقة: الحزب الشيوعي الإسرائيلي، والحزب الشيوعي الأردني، والحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة التي بقيت تحت الإدارة المصرية من دون أن تصبح جزءا من مصر.

إن أولئك الذين لا تاريخ لهم، كأولئك الذين يخافون من تاريخهم وفكر "أجدادهم" السياسيين والأيديولوجيين وممارساتهم في خدمة المشروع الاستعماري السائد في فلسطين وفي المنطقة، لا يفقهون أن قطار التاريخ يمر فوق سكة الحديد، متنقلا من محطة تاريخية الى أخرى، وفي المحطات كما في المحطات، يصعد ركّاب ومسافرون جدد، ويغادر القطار بعض أولئك الذين أتعبهم السفر، واكتشفوا أنهم غير قادرين على مواصلة هذه الرحلة التاريخية الثورية المتحدية والمعقدة، أو أولئك المندسين على الرحلة التاريخية ولا يتورعون عن المجاهرة بخيانتهم ولا عن محاولاتهم لحرف القطار عن السكة التي انطلق إليها "ودهْوَرَته" الى الهاوية.

وبدلا من العودة الى وثائق الشيوعيين المفصلة المتوفرة بكثافة أمام من يدعي التأريخ والأمانة التاريخية، كما كان يفترض أن يفعل كل باحث جدّي وكل مؤرّخ يلتزم المهنية في بحثه، أو العودة الى تاريخ نضال الشيوعيين الموثّق والمتوفر في الارشيفات الجدية وأرشيفات الحركة الشيوعية، المكتوب منها والشفوي الذي تتناقله أجيال من الوطنيين التقدميين والفئات الشعبية في طول البلاد وعرضها ويسجّله المؤرخون المعتبرون، يخترع "محارب الشيوعية" فريته القائمة على تزوير مواقف الشيوعيين ومواقفهم من خلال النبش بالذات، في تاريخ أولئك الذين انحرفوا عن سياسة الحزب الشيوعي وفكره ومواقفه حدّ الخيانة في مراحل تاريخية مختلفة. وهو يصب جهده في تصوير "الانحراف" وكأنه هو تاريخ الحزب وتاريخ الشيوعيين، بينما يطمس وثائق الحزب الشيوعي والشيوعيين ومواقفهم الساطعة، ويصر على خلق الانطباع وكأن مواقف الذين اندسوا داخل الحزب وما لبث الحزب أن تقيّاهم وطردهم من صفوفه، وكأنها هي مواقف الحزب ومبادئ الشيوعيين، ما دام هذا التزوير يخدم اليوم، وليس في الماضي فقط، مشاريع أسيادهم الحاليين في ثلاثي االامبريالية والصهيونية والرجعية العربية.

ويصر الـ"محارب" على تزوير التاريخ عندما يتجاهل الانشقاقات التي مرت بها الحركة الشيوعية وأشكال وإشكالات إعادة تشكيل الحركة الشيوعية نتيجة هذا الصراع، ولا يحرج "محارب الشيوعيين" أن يقتبس وثائق يسميها وثائق "الحزب الشيوعي الإسرائيلي" في وقت لم يكن هذا الحزب قائما فيها، لا من حيث اسمه ولا من حيث مركباته ولا من حيث تنظيمه.

وأريد أن أخصص هذا المقال بالأساس لنناقش معا وتحت نور الشمس دور الشيوعيين في النكبة، بناء على الوثائق التاريخية والحقائق والوقائع الساطعة التي تقض مضاجع بعض الموتورين وتخربط لـ"محارب"ي الشيوعية نظرياتهم المشبوهة القائمة على تزوير التاريخ في خدمة الرجعيات العربية والإقليمية بالأمس كما اليوم، سواء بسواء.

ويجب أن يكون واضحا أن تاريخ، حركة ثورية شيوعية تناضل في فلسطين منذ أكثر من مئة عام في أعقد الظروف وتطرح بديلا فكريا وسياسيا للقوى المهيمنة على المنطقة والمتآمرة عليها – الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، هو تاريخ من الصراع نحو الخارج مع قوى المؤامرة على تحرر شعب فلسطين من براثنها، وهو في الوقت ذاته صراع داخل الحركة الشيوعية مع العناصر المندسة على "قطار" الحركة الشيوعية من الانتهازيين اليهود والعرب، وتصفيتها سياسيا وتعريتها فكريا، في أربعينات القرن الماضي كما في أوائل التسعينات منه، وواضح أيضا أن ثورية الحركة الشيوعية ابنة المائة عام تقاس بمدى قدرة الحركة الشيوعية على تطهير نفسها من القوى الانتهازية المنحرفة عن الفكر والسياسة الشيوعية والسير قدما مهما بلغت الأثمان التي تدفعها للتخلص من المنحرفين.



//استهداف الشيوعيين لتبرئة ساحة الرجعية العربية كانت وما زالت عنصرا حاسما في التواطؤ والتوطئة للمؤامرات على الشعب الفلسطيني



ويأتي أشد العداء وأقرف التحريض على التاريخ الكفاحي الثوري للشيوعيين من مصدرين أساسيين. إما من شيوعيين سابقين انحرفوا عن سياسة الحزب وأفكاره الثورية وانتقلوا بعد أن أغرقهم بريق الليبرالية البرجوازية الى صفوف معاداة الشيوعيين والتنكر لتاريخهم، وذهبوا لتأسيس أحزاب معادية للشيوعية وفي خدمة التيارات الرجعية المهيمنة والصناديق الممولة... وأما المصدر الثاني لهذا التحريض فيأتي غالبا من أشباه أولئك "العرب الجيدين" الذين نقموا على الشيوعية بسبب تحديها لتاريخهم الشخصي وتاريخ أسلافهم السياسيين الممالئ للهيمنة الصهيونية والخاضع للقوى الرجعية ومفاهيمها للسياسة والتاريخ. وفي كلتا الحالتين فإن المنحرفين نحو الرجعية اليهودية المتمثلة بالصهيونية، الذين تطهّر الحزب الشيوعي منهم، والمنحرفين العرب الذين ربطوا مصيرهم بالرجعية العربية في الخليج وخارج الخليج وعمالتها للامبريالية والصهيونية ومشاريعها وتطبيعاتها، وجدوا أنفسهم وقد انحرفوا عن الحزب الشيوعي يرتمون في أحضان الثلاثي الدنس ونظرياته الليبرالية البرجوازية المنهارة ومنهم من عمل "بنجاح" على الايقاع بأطر الوحدة الكفاحية على ساحة الجماهير العربية في اسرائيل.

ويلفت النظر بشكل خاص أن مثل هذا التشكيك والانفلات على الشيوعيين، الذين كانوا دائما عصب النضال في كل المعارك الوطنية والتقدمية، ومركبا حاسما في بلورة كل وحدة كفاحية مناهضة للإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية على مدار أكثر من قرن من الزمن، يأتي بشكل دوري متزامن مع تصعيد التآمر لتصفية القضية الفلسطينية والتآمر على قضية حضورنا القومي في وطننا وعلى مطلبنا بالمساواة القومية والمدنية، مرورا بتشريع قانون القومية الفاشي، وصفقة القرن التي تعيد الى المقدمة تآمر الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية للقضاء على القضية الفلسطينية. ويشتد هذا الهجوم وتتعدد مشاربه ومصادره، وفي إطار تجهيز أدوات الرجعية المناوبة اليوم على المؤامرة الحالية يجري استنهاض كل "محارب" للشيوعية (دون غيرها)، متمرس في التبعية الفكرية والسياسية لأحد مكونات هذا الثلاثي - الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، وكلما انبرى "محارب" متشنّج، احترف الحقد على الشيوعيين وتاريخهم ونذر "حياته البحثية" لتشويه تاريخ الشيوعيين ومواقفهم من جهة، بالتوازي مع التستر على مؤامرات مركبات الثلاثي الدنس وتبرئة ساحة الرجعية العربية بشكل خاص التي كانت وما زالت عنصرا حاسما في التواطؤ والتوطئة لنكبة الشعب الفلسطيني وللمؤامرات عليه لإعادة انتاج نكبته، وفي صلبها رجعيات البترودولار الفاعلة في محميات الخليج وقريبا جدا من كبريات القواعد الامريكية العدوانية في المنطقة.

وإيغالا في التضليل يستغل بعض الباحثين عدم معرفة الناس بتفاصيل تاريخ هذه الفترة ويعمل المفترون بالمراوغة، على إخفاء حقيقة أن إعادة تشكيل الحزب الشيوعي في إطار الحزب الشيوعي الإسرائيلي (موضوع البحث وموضوع الاتهام)، تمّت فقط في أواخر شهر تشرين الأول- أكتوبر 1948، بعد قرابة عقد من الانقسام في صفوف الحركة الشيوعية في البلاد أسفرت عن نشوء عصبة التحرر الوطني عام 1943 التي انتظم في إطارها الشيوعيون العرب، وانكفاء الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي انتظم فيه الشيوعيون اليهود للعمل في داخل الييشوف اليهودي بعد أن تشتتت قيادته وبعد أن اعتكف أمينه العام رضوان الحلو (موسى)، في ظروف التوتر والعزلة الناشئة بين العرب واليهود والتي سمحت باندساس مجموعات غير شيوعية الى صفوف الحزب كما تبين لاحقا.، مما يجعل الحديث عن "الحزب الشيوعي الإسرائيلي" على مدار عام النكبة مغالطة مقصودة.



(يتبع قريبا: عن الدور الحقيقي للشيوعيين في مواجهة النكبة ع.م)