-قنطار-.. تصدي سياسي خير من درهم وقاية فجّة!

عصام مخول
الحوار المتمدن - العدد: 6472 - 2020 / 1 / 24 - 17:25
المحور: القضية الفلسطينية     


في عددها الصادر في 28.9.2004 نشرت صحيفة "دنيا الوطن"الفلسطينية، أسوة بصحف أخرى، خبرا مفصلاتحت عنوان: "في سجنه في هداريم:الاسير قنطار يحمّل النائب مخول تحياته الكفاحية في ذكرى احداث اكتوبر"، ونقل الخبر تفاصيل عن زيارة قمت بها للالتقاء بالأسير اللبناني سمير قنطار في سجنهداريم، بعد مماطلة طويلة من وزارة الامن الداخلي بشتى الذرائع والحجج منذ تنفيذ صفقة تبادل الأسرى مع حزب الله واستثناء القنطار منها.

وقد أخذ يلحّ عليّ الفضول للعودة الى خبر هذا اللقاء الهام الذي جرى منذ أكثر من خمسة عشر عاما، كلما تابعت حملة التحريض المكارثي ضد عضو الكنيست هبة يزبك من جهة،وضعف التصدي سياسيا لهذه الحملة وفجاجته من الجهة الاخرى.



إن المسألة الحقيقية في هذا الموضوع لا تقتصر على حملة التحريض الشخصي لشطب النائبة يزبك، بل تطال الهجوم على حقنا في خطاب سياسي مناقض للاجماع القومي الصهيوني ويشكل بديلا جذريا له، بما في ذلك في القضايا الامنية والسياسية الشائكة .. ان ما يجري على الساحة السياسية وفي الاعلام الاسرائيلي في هذه الايام هو يعكس تسلق المؤسسة الاسرائيلية على دماء العرب واليهود المسفوكة في الصراع الدامي، من أجلتشديد الهجمة العنصريةالشرسة في محاولة لتدجين خطابنا السياسي وحشره في الزاوية وتصويب ضربة قاضية لدورناالسياسي ليس في قضية القنطار، وانما لابتزازنا في قضية صفقة القرن ومخططات الضم، وقانون القومية، والهدنة طويلة الامد مع حماس وقطر في غزة، وتمرير المؤامرات للقضاء على فكرة الدولة الفلسطينية وعلى قضية فلسطين وقضية الشعب الفلسطيني بشكل سافر تحت الرعاية الامريكية وعلى عينك يا تاجر.



ويؤسفني أن يتملكني الشعور بأن انفلات الزعيق العنصري المجنون المطالب بشطب النائبة يزبك والمطالب بإخراجها خارج الشرعية، والذي اكتسح الساحة السياسية الصهيونية وأغرق وسائل الاعلام الاسرائيلية، قد أربك معظم الاصوات التي كان من المفترض أن تنطلق بقوة في وسائل الاعلام الاسرائيلية للتصدي لهذه الحملة سياسيا، وليس إجرائيا فقط، دفاعا عن حقنا في فكرنا السياسي، وعن حقنا في تميّزثقافتنا السياسية وعن حق سياسيينا وواجبهم في أن يصطدموا مع المنطق العدواني للسياسة الاسرائيلية ونهجها في التحريض الدموي على الجماهير العربية والقوى التقدمية اليهودية المناهضة للفكر السائد، وعن حقهم في أن يفضحوا عهر الاجماع القومي الصهيوني الذي يريد لنا كأقلية قومية أن نلعب في ملعب مفاهيم هذا الاجماع البائس، ومصطلحاته، والمربعات التي رسمها لنا، وطالبنا تاريخيا، ان نلعب في داخلهاوما زال يتوعدنا بالويل والثبور لو أخرجنا أقدامنا خارج الدوائر التي رسمها..



لقد رفض الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة دائما وبشكل مبدئي العمليات العسكرية التي طالت المدنيين أيا كانت انتماءات الضحاياوأيا كان انتماء منفذي هذه العمليات، وفي هذا الاطار أدان الحزب الشيوعي والجبهة في العام 1977 العملية الفدائية التي نفذها سمير القنطار في نهريا لأنها طالت مدنيين أبرياء، لكن الحزب الشيوعي والجبهة قاما سياسيا بتحميل السياسات الدموية العدوانية لحكام اسرائيل المسؤولية عن دماء العرب واليهود المسفوكة على مذبح سياسة الحرب والاحتلال والعربدة التي ميزت المؤسسة الحاكمة في اسرائيل منذ عشرات السنين بما فيها في عملية نهريا.



ونقلت "دنيا الوطن" في خبرها عن اللقاء المذكور أن قنطار صرح أمام مخول قوله:" أشعر أنني اكثر صلابة واكثر قدرة من اي وقت مضى على الصمود وعلى التفكير الصحيح، والتمييز بين ما يفيد معركة التحرر ويدفعها الى الامام ويجعلها نقطة استقطاب للتضامن العالمي مع قضايانا العادلة، وبين ما يسيء الى ذلك" (دنيا الوطن 28.9.2004).. وأضافت الصحيفة: "وعبّر قنطار عن قناعته انه في اعقاب الجنون اليميني الفاشي في اسرائيل، لا بد ان يستفيق المجتمع الاسرائيلي ويعود للبحث عن السلام".. وأضاف الخبر:
"واتفق مخولوقنطار في نهاية اللقاء، كما نقلت الصحيفة،على نشر موقف مشترك مفاده أنه ليس في مصلحة احد قياس كميات الدم المسفوك من كل جانب، بل المصلحة الحقيقية لشعوب المنطقة هي وقف شلال الدم، والبحث عن مخرج سياسي بديلا لدوامة الموت والدم والدمار". والحقيقة أن المؤسسة السياسية والاعلامية الاسرائيلية كانت وما تزال معنية بإخفاء هذه الرسالة المسؤولة من قنطارخوفا على روايتها وتضليلها من الانكشاف.



وإذا أخذنا في الاعتبار أن سمير قنطار كان فتى في السادسة عشرة من عمره حين نفذ عمليته الفدائية،نرى أن قناعاته قد تبلورت ونضجت عبر اكثر من ثلاثة عقود قضاها في السجون، معتبرا وفق صحيفة "دنيا الوطن":"أن المصلحة الحقيقية لشعوب المنطقة تقتضي وقف شلال الدم والبحث عن حلول سياسية". وكانت صحف عبرية قد نقلت عنه مواقف شبيهة قبيل تحرره. بينما تعمق تورط الفكر السائد في اسرائيل في دوامة الدم والتنكر لحقوق الشعوب في المنطقة.



إن على من يريد أن يبني تحريضه على "المفاضلة" بين "الأيدي الملطخة بالدم" أن يذكر أنه، سبق عملية نهريا التي نفذها القنطار في آذار من العام 1979، عملية الليطاني الاجرامية في آذار 1978 والتي لم ينفذها فتى إسرائيليا في السادسة عشرة من عمره. بل نفذتها دولة اسرائيل الرسمية وجيشها الجرار.

لقد وصف الحزب الشيوعي الاسرائيلي في مؤتمره ال-19(شباط 1981)، عملية الليطاني في آذار 1978 وما تلاها من عدوان اسرائيلي دموي على المخيمات والقرى في الجنوب اللبناني في آب من العام نفسه قائلا: "إن الغزوة الاسرائيلية على لبنان والمجزرة المروعة التي نفذتها اسرائيل بحق جماهير الفلسطينيين واللبنانيين قد هزّت الكثيرين في اسرائيل وأثارت غضب الرأي العام العالمي كله". ووصف الاعتداءات الاجرامية التي نفذتها القوات الاسرائيلية في آذار وآب 1978 باعتبارها "اعتداءات اجرامية، وعمليات إبادة بحق سكان مدنيين فلسطينيين ولبنانيين، والتي تعتبر وفق القانونالدولي جرائم ضد الانسانية وجرائم إبادة شعب.

"إن هذه الجرائم لم ترتكبها عصابة إجرام عشوائية، وانما نفذتها حكومة رسمية لدولة " (كتاب المؤتمر ال-19 للحزب الشيوعي، ص 172، شباط 1981 ). إذن هذا هو النقاش الحقيقي مع حملة التهويش الدموي على الساحة السياسية الاسرائيلية اليوم. ومن المفترض أن تحسب المؤسسة الاسرائيلية ألف حساب قبل ان تفتح باب المفاضلة والتلويح بالايدي الملطخة بدماء الابرياء !

وإذا كانت وسائل الاعلام الاسرائيلية والساحة السياسية الاسرائيلية المأزومة تصر على التلهي ب"الأيدي الملطخة بدماء الابرياء" ومقارنة منسوب الدماء على الأكف فإنه يكفي في هذا السياق أن أستعيد مشادة عنيفة جرت في هيئة الكنيست العامة بيني وبين عضو الكنيست عن الليكود في حينه ونائب رئيس الشاباك السابق إيهود يتوم المتورط شخصيا وباعترافه أمام لجنة التحقيق الرسمية في القضية المعروفة بـ"باص 300" حيث اعترف أنه أشرف مباشرة على تصفية الفدائيين الفلسطينيين الأسيرين الذين ألقي القبض عليهما مع انتهاء عملية اختطاف الباص وشارك في تنفيذها شخصيا. وكانت صحيفة حدشوت في حينه قد نشرت صورا تظهر رجال الشاباك يقتادون الفدائيين سيرا على الاقدام، قبل أن يحطم رجال الشاباك جمجمتيهما بالحجارة والقضبان الحديدية في مكان معزول وفق شهادة يتوم نفسه أمام لجنة تحقيق اضطرت اسرائيل الى إقامتها، قبل ان تعلن قوات الأمن أنه الفدائيين الفلسطينيين"قتلا في المعركة".. وقبلان يصدر رئيس الدولة في حينه حايم هرتسوغ عفوا عن رئيس الشاباك ونائبه ايهود يتوم ورجال الشاباك الاخرين الذين شاركوا في تنفيذ الجريمة وتحطيم الجماجم.



وكان من العهر السياسي أن اعتلى عضو الكنيست إيهود يتوم منصة الكنيست ذات نقاش، وبات يحرض على الشعب الفلسطيني ويتحدث باستعلاء عن أعضاء كنيست يدعمون الارهاب ويدعمون فلسطينيين ملطخة أيديهم بالدماء.. فقاطعته من مقعدي وطلبت اليه أن يكشف عن يديه ويرينا إياها، وعندها توقف عن الكلام ونزل عن المنصة وسار نحو مقعدي هائجا غاضبا وشتمني وهددني ثم غادر المكان.