على هامش تقرير الاجور العالمي: هل بدا مسار التغيير للسيطرة النيوليبرالية؟


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 7462 - 2022 / 12 / 14 - 10:51
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

|بعد انسياق استمر سنوات طويلة، مع السياسة الرأسمالية العولمية، والنمط الاقتصادي النيوليبرالي، بدأ العديد من واضعي السياسات في عدد من الدول، ومعهم الهيئات الدولية المختلفة، وحتى النقابات ذات التوجه الاصلاحي الداعم لتلك السياسات، باتخاذ مواقف معارضة لتلك السياسة الظالمة للشعوب عامة وللطبقة العاملة خاصة.
لاحظنا ذلك التغيير في موقف منظمة العمل الدولية، التي يتكون جهازها ومؤسساتها من ثلاثة مركبات هي الحكومات (ولها القوة الاكبر حيث لها نصف التمثيل) وارباب العمل والنقابات العمالية ولهما النصف الاخر مع زيادة ملحوظة لأصحاب العمل.
لقد جاء ذلك التغيير ضمن التقرير السنوي للأجور، والذي تُقَدّم فيه المنظمة تحليلا شاملا عبر تقرير الاجور العالمي لمنظمة العمل الدولية بعنوان "تقرير الاجور العالمي 2022-2023"حيث: "خلص تقرير منظمة العمل الدولية الى ان ارتفاع التضخم يؤدي الى انخفاض مذهل في الاجور الحقيقية، ان الاجور الشهرية العالمية انخفضت بالقيمة الحقيقية الى 0,9 في المائة في النصف الاول من عام 2022 - وهي المرة الاولى في هذا القرن التي كان فيها نمو الاجور العالمي الحقيقي سالبًا".
كما اكد التقرير ان: "من بين دول مجموعة العشرين المتقدمة، تشير التقديرات الى ان الاجور الحقيقية في النصف الاول من عام 2022 قد انخفضت سلبا بنسبة 2.2 في المائة، في حين نمت الاجور الحقيقية في بلدان مجموعة العشرين الناشئة بنسبة 0,8 في المائة، اي اقل بنسبة 2,6 في المائة مما كانت عليه في عام 2019، العام الذي سبق تفشي فيروس كورونا ”.
كما يُظهر التقرير مدى التاثير على القوة الشرائية وتاكل الاجور بسبب التضخم والغلاء الفاحش خاصة في تكاليف الحياة الاساسية ويشير الى: "ان ارتفاع التضخم له تاثير اكبر على تكلفة المعيشة على ذوي الدخل المنخفض. هذا لانهم ينفقون معظم دخلهم المتاح على السلع والخدمات الاساسية، والتي تشهد عمومًا زيادات في الاسعار اكبر من السلع غير الأساسية”. ويتضح من تعقيب لمدير عام منظمة العمل الدولية جيلبرت ف. هونجبو ان "عشرات الملايين من العمال في وضع صعب لانهم يواجهون شكوكًا متزايدة". وتوقع أن: "يرتفع التفاوت في الدخل والفقر اذا لم يتم الحفاظ على القوة الشرائية لادنى الاجور. بالإضافة الى ذلك، فان التعافي الذي تشتد الحاجة اليه بعد الجائحة يمكن ان يتعرض للخطر. وهذا يمكن ان يؤجج المزيد من الاضطرابات الاجتماعية في جميع انحاء العالم ويقوض هدف تحقيق الرخاء والسلام للجميع ".
من المعروف ان هذا التقرير يعتبر المصدر الدولي الموثوق بالنسبة لوضع الاجور في العالم وبالنسبة للأجور بمختلف الدول، ووفق ما جاء فيه من معطيات يتضح منها ان العمال على مختلف مستوى اجورهم وخاصة من يتلقون اجر الحد الادنى تفقد اجورهم القيمة الشرائية في ظل تسارع ارتفاع الاسعار بالرغم من الاجراءات التي قامت بها البعض من الدول وبذلك لقد كشف هذا التقرير: ”زيف نظريات بعض الاقتصاديين ومحافظي البنوك المركزية بان الاجور تسبب التضخم ويجب قمعها". وفق موقف اتحاد النقابات الدولي.
كنّا قد اشرنا من موقعنا النقابي وفي العديد من المناسبات النضالية بان قضية رفع الاجور وتقوية القيمة الشرائية للعمال لم ولن تكون المؤثر على قضية التضخم والغلاء، بل بالعكس ما هي الا رافعة هامة للحراك الاقتصادي وتقوية له، وسبق وواجهنا هذا الامر عندما خضنا النضال من اجل رفع الاجر الحد الادنى، حيث كان موقف ارباب العمل والحكومة السائرين على النمط الاقتصادي النيوليبرالي بان" رفع اجر الحد الادنى يسبب التضخم، وانهيار اماكن العمل "، الامر الذي لم يحدث، بل اكد عدد واسع من الخبراء بان هذه الخطوة كانت رافعه للانتعاش الاقتصادي وتقليص نسبة البطالة.
لقد صدق الامين العام للاتحاد الدولي للنقابات العمالية بتأكيده بان ما يجري من سياسات تقمع حق العمال برفع الاجور بالرغم من ارتفاع ارباح القوى الرأسمالية وارتفاع انتاجية العمل بفضل العمال، بقوله في تعقيب له على التقرير :”في عام 2022، كانت الفجوة بين انتاجية العمل والاجور الحقيقية هي الاعلى منذ اكثر من 20 عامًا. كانت انتاجية العمل ايجابية للغاية لسنوات عديدة ترتفع، لكن الدخل ظل راكدًا حيث رفضت الحكومات كبح جماح جشع الشركات، واضعفت، في العديد من البلدان، المفاوضة الجماعية وحرية تكوين النقابات، في عام 2022، تجاوزت انتاجية العمل الاجور بنسبة 12,6٪ على مستوى العالم، ومع ذلك يطالب محافظو البنوك المركزية الاقوياء في العديد من البلدان بقمع الاجور حتى مع تزايد الفقر”.
من الصعب الاسهاب في نقل كافة المعطيات التي حملها التقرير على صفحاته ال 148، لكن واضح انه حمل لنا جانب من الماساة التي تعصف بالطبقة العاملة في مختلف الدول، ضمن تاكل الاجور ومعارضة رفعها من قبل ارباب العمل والحكومات، وبالمقابل ترتفع اربح هؤلاء على حساب ضائقة معيشية حقيقة وارتفاع عدد العمال الفقراء في بلادنا والعالم اجمع، لذلك لا بد للنقابات من تغيير سياساتها الحالية والنهوض بسياسات نضالية لكسر الحصار الذي تفرضه الحكومات والقوى الراسمالية عليها وعلى الطبقة العاملة.