هل ان الشيوعية العراقية هى الشيعية القديمة ؟ القسم الثاني(العقدة الشيعية من ايران)


سلمان رشيد محمد الهلالي
الحوار المتمدن - العدد: 6456 - 2020 / 1 / 5 - 21:20
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

خلافا لما يروج له الكتاب التقليديون والمحرضون الطائفيون والمرتزقة البعثيون والمخصيون المغفلون حول تبعية الشيعة العراقيون لايران وتعاطفهم معها ومحبتهم لها فاني اقول بان الامر ليس كذلك ابدا , فاغلبية الشيعة العراقيون (العامة منهم والمثقفون) يحملون عقدا نفسية واجتماعية وسياسية من ايران , ترجع في اغلبها الى اسباب عدة (سنشير اليها في هذه المقالة بالتفصيل) ولكن يبقى اهمها انعدام الهوية الشيعية وهيمنة القيم العشائرية والريفية واستحكام التربية البعثية عند العامة وعقدة الخصاء والشعور بالدونية والنقص والاستلاب من الاخر القومي والطائفي السني عند الخاصة والنخبة من المثقفون (الانتلجنسيا) . وهذه الاسباب شكلت حاجزا نفسيا وهوياتيا بين شيعة العراق وايران تطور بعد الثورة الاسلامية الايرانية عام 1979 الى مايشبه العقدة النفسية التي تضخمت على مر السنين ,حتى انفجرت في تظاهرات تشرين الثاني 2019 . اذن هذه العقدة – وكما قلنا - هى احدى افرازات حالة اعم عند شيعة العراق ,الا وهى فقدان الهوية ,وفقدان الهوية عند الشيعة العراقيين انتج انماطا وصورا متعددة من السلوكيات والتوجهات والاختراقات كان اهمها العقدة من ايران . فالقاعدة التي استخلصتها من خلال اطلاعي على المجتمعات المازومة التي تفتقر للهوية في منطقة غارقة بصراع الهويات هى : ان من ليس عنده هوية سيكون هوية الاخرين ,ومن ليس عنده هدف فانه سيكون هدف الاخرين , ومن ليس عنده مشروع فانه سيكون مشروع الاخرين (فالطبيعة تكره الفراغ) - كما يقال - ولاحاجة الى القول ان شيعة العراق يفتقدون الهوية والهدف والمشروع الخاص بهم , فهم - بالتالي - يسيرون وفق هدف ومشروع وهوية الاخر المختلف بالتوجه والثقافة والمصير , واعني بهم السنة العرب والسلطات القومية والطائفية الحاكمة . وسبق ان ذكرنا في دراستنا المنشورة في موقع الحوار المتمدن (المجتمع العراقي بين الشروكية والانكشارية)(اربع اقسام) ان شيعة العراق هم في الاساس ليسوا شيعة , وانما هم شيعة في طور التكوين والتكامل والسبب الرئيسي يرجع الى عاملين :
الاول : انهم اغلبية البلد العددية . والاغلبية لايمكن ان تسلك سلوكا طائفيا او تبلور هوية خاصة بها , لان الاخر سيكون من ضمن صفوفها , والاخر - كما قال سارتر - شرط الهوية . واعتبار الشيعة في العراق (طائفة) اسوة بالطائفة السنية او السريانية المسيحية انما هي انطلاقة قاصرة وغير علمية ، فالشيعة في العراق ليسوا (طائفة) الا بمقدار ان قلنا ان السنة في مصر والشيعة في ايران هم طائفة ، بل هم (مجتمع) متعدد التوجهات والميول والثقافات ، وافرادها المتعلمون كانوا على الدوام عابري الهوية ,فهم وطنيون وماركسيون وليبراليون وقوميون واسلاميون اولا, وساعديون وركابيون وفتلاويون ومالكيون ولاميون ومياحون وموسويون وربيعيون ثانيا (اي ان الهويات البدائية الاخرى كالعشيرة والعائلة اكثر رسوخا عند العامة وغير المتعلمين) وعدم احساسهم بذاتهم كشيعة , يرجع الى كونهم اغلبية البلد وهويته الانسانية والاجتماعية والوطنية , والانعكاس الحقيقي لتاريخه الحضاري المتعدد , (فالاغلبية لا يمكن ان تسلك سلوكا طائفيا، لان ذلك يتناقض مع كونها اغلبية، فمن طبيعة الاغلبية (قومية او مذهبية) التنوع والاختلاف كاي شعب من الشعوب، والسلوك الطبيعي لها التنوع والتحزب والاتجاهات المتعددة من اليمين واليسار، المتدين والملحد ، المعتدل والمتطرف). ) كما يقول عبد الاله الفكيكي . فضلا عن ذلك ان الاختراق العلماني والتماهي مع المنظورات الايديولوجية والنضالية – حسب تعبير اركون - كان اكثر تفاعلا ورسوخا . صاحبها انعدام وجود السلطة السياسية الخاصة التي تعمل على نقل الكراهية للاخرين والاعداء المفترضين , الامر الذي ادى الى تركيز الكراهية والحقد الى داخل الجماعة والطائفة وليس الى الخارج , كما حصل مع السنة في العراق واليهود في اسرائيل والموارنة المسيحيين في لبنان التي عملت السلطات على نقل كراهيتهم واحقادهم الى الخارج . وبالتالي فالشيعة العراقيون يعيشون حربا اهلية غير منظورة فيما بينهم , حربا عشائرية , سياسية , ايديولوجية , اثنية , مناطقية , طبقية . كما بينا ذلك في دراستنا في موقع الحوار المتمدن (ظاهرة الحقد في المجتمع العراقي)(القسم الاول والرابع) .
الثاني : حداثة القبائل العربية الكبرى في جنوب العراق بالتشيع وانعدام رسوخه في وجدانهم وضميريهم وعقولهم . حيث ذكر الكثير من المؤرخين امثال ابن سند وابراهيم الحيدري ومحمود شكري الالوسي , والباحثين المعاصرين امثال علي الوردي وحنا بطاطو واسحق النقاش وفالح عبد الجبار وغيرهم ان تلك القبائل البدوية التي كانت سنية في شمال وغرب العراق قد تشيعت قبل اكثر من ثلاث قرون فقط بعد انسيابها لجنوب العراق , وان الشيعة كانوا متمركزين في بغداد وكربلاء والنجف والبصرة فقط . وحتى تلك القبائل التي تشيعت فهى لاتعرف من التشيع سوى الاسم , فالقيم البدوية والعشائرية - البعيدة اصلا عن الاسلام نفسه - كانت هى المستحكمة بتوجهاتها وسلوكياتها . وقد نقل عن صاحب المنار محمد رشيد رضا قوله ردا عن تحذير العلامة الطائفي المعروف محمود شكري الالوسي حول تشيع القبائل العربية في جنوب العراق , بان ذلك لايشكل اي حرج او مشكلة لان البدو اصلا لايعرفون الاسلام , وان تشيعهم هو افضل من تلك المرحلة التي يعيشون فيها من السلب والنهب وقطع الطريق . وبهذا الصدد قال حنا بطاطو في مقال (الدور السياسي للشيعة وعملية الاندماج) نشره كفصل في كتاب (الاسلام السياسي) عام 1987 : (حين نشات الدولة الحديثة في العراق عام 1921 لم يكن الشيعة يؤلفون كيانا وثيق التماسك ,رغم انهم كانوا يمتازون بعدد من الخصائص المشتركة ,فقد كانوا منقسمين الى جماعات متمايزة قائمة بذاتها , وفي اطار حالات عديدة لم يكونوا يعتبرون انفسهم كشيعة اولا فالولاء الاول والاقوى كان للقبيلة والعشيرة) واضاف بطاطو (ادت كل هذه العوامل الى ضعف الحس بالهوية الشيعية , والافتقار الى تلاحم طائفي بين الشطر الاعظم من الفلاحين الشيعة , وضعف اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية ,واستقرارهم في مناطق ريفية معزولة , الى انعدام فاعليتهم السياسية بشكل محسوس) . فيما ذكر فالح عبد الجبار في مقاله (الصعود الشيعي والتصادم الطائفي في السياسية والاجتماع العراقيين) المنشور في كتاب (نواصب وروافض) (تاريخيا وحتى الثمانينات من القرن الماضي كانت طبقة رجال الدين الشيعة في العراق ضعيفة جدا بالمقارنة مع نظيرتها الايرانية , فهذه الاخيرة كانت تتمتع بقاعدة مالية قوية وقاعدة شعبية ريفية قوية منظمة في مؤسسات نقابية ... وكان المذهب الشيعي الايراني مندغما في القومية الايرانية على نقيض ذلك كانت الطبقة الدينية العراقية غير متجانسة في وطن يسوده الانقسام الحاد على مستوى الطائفة والاثنية) .
وبعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 حدث اختراق حكومي وعلماني وايديولوجي اخر للجماعة او الرابطة الشيعية - التي كانت اصلا ضعيفة - وهذا الاختراق تبلور من خلال طريقين :
الاول : الاختراق الحكومي الذي نشا لاغراض سياسية وسلطوية تتعلق بطبيعة المقاومة والرفض الذي كانت تقوم به القبائل الشيعية وقادتهم الروحيين للاحتلال الانكليزي وانتخابات المجلس التاسيسي عام 1922 التي ارادات تكريس سلطة الانتداب البريطاني على العراق . فعمل الانكليز والحكومات القومية المتعاقبة معا على طريقين :
1 . ترسيخ عملية الفصل بين الشيعة وقادتهم الروحيين من خلال تجفيف منابع الهوية التقليدية , وهى الثقافة الشيعية وسردياتها الخاصة بالتضامن العضوي والشعور بالجماعة والاعتزاز بالذات .
2 . تهميشهم عن الادارة والحكم , واقصائهم عن مقدرات الدولة ومكامنها الفاعلة من اجل عزلهم عن مصادر القوة والسلطة والثراء , الامر الذي بلور ارتباطا شرطيا عند الجماعة الشيعية بين الهوية من جانب والاستلاب والاقصاء والعبودية والفقر من جانب اخر . وبما ان العراقيين بصورة عامة عرف عنهم الانتهازية والبرغماتية والذكاء , فقد عرفوا بالفطرة ان هذه الورقة الشيعية هى محترقة ومعرقلة للتقدم في المسار الحكومي والتجاري وبالتالي فقد بادروا بالتملص والبراءة منها . وعندنا اقدم نص يتحدث عن وجوب اقصاء هذه الجماعة يرجع الى المس بيل مستشارة المندوب السامي في العراق ,التي اكدت ضرورة تهميش الشيعة وعزلهم عن الادارة والحكم . وبعد تاسيس الدولة وتعيين عبد الرحمن النقيب رئيسا لاول حكومة عراقية تحت الانتداب البريطاني عام 1920 ظهرت اصوات اخرى تؤيد خطاب المس بيل في ضرورة عزل الشيعة واقصائهم عن الادارة والحكم بعد معارضتهم انتخابات المجلس التاسيسي عام 1922 اهمها اراء محمود ابن عبد الرحمن النقيب وساطع الحصري وعبد الرزاق الحصان وغيرهم .
الثاني : الاختراق الايديولوجي الذي تبلور بقوة بعد الحرب العالمية الثانية وتوافد التيارات الماركسية والقومية التي خلخلت الرابطة الشيعية واعتبرت الانتماء الفكري والسياسي هو المعيار الاول للوطنية والتحضر والتقدم , والركيزة الاساس في الحكم والتقييم . فيما لم يحصل هذا الاختراق بقوة للجماعة السنية في البلاد , بسبب الحجر الحكومي والخشية من تخلخل قاعدة السلطة . واستمر نسق المذهب والقومية والاثنية هو المعيار الاول عندهم , ولم يحصل اي تخلخل في هويتهم وكينونتهم . ويعود سبب اعتبار الايديولوجيات الوافدة بعد الحرب العالمية الثانية هى الفاعل الاساس بالاختراق عند الجماعة الشيعية الى سببين :
الاول : انتشار تلك الايديولوجيات والاحزاب التابعة لها فكريا بين عامة الناس وافراد المجتمع بعد كانت مقتصرة تلك التوجهات قبل الحرب على النخبة من المثقفين والمتعلمين .
الثاني : تراجع القيم الليبرالية وتلاشيها بعد الحرب العالمية الثانية في العراق التي كانت تشكل ضابطة ومكابح من الغلو والتطرف في اختراق الهويات الشعبية والجماعات التقليدية .
وهكذا اصبحت الجماعة الشيعية في العراق مهلهلة مثل (قميص المسيح) – حسب تعبير الشهيد كمال جنبلاط - والهوية مقطعة ومشتتة مثل (اوصال الحلاج على نهر دجلة) بسبب تلك الاختراقات والضربات القاصمة اولا وتجفيف منابع الثقافة الشيعية التي تحدد اطر الهوية وتشكيلها وتكاملها ثانيا . فالهوية Identity كما أشار الى ذلك محمد إبراهيم عيد : (مفهوم اجتماعي نفسي يشير إلي كيفية إدراك شعب ما لذاته، وكيفية تمايزه عن الآخرين، وهي تستند إلي مسلمات ثقافية عامة، مرتبطة تاريخيًا بقيمة اجتماعية وسياسية واقتصادية للمجتمع). اي ان الهوية يجب ان تستمد في مقوماتها على ثقافة الجماعة التقليدية والتاريخية التي تؤلف مجموعة من السمات القابلة لتعيين الهوية , فالهوية نتاج جوهري للثقافة التي تنتجها وتديم اقنعتها بما يوفر لها التاصيل الكافي للاعتزاز بها . وبما ان القيم البدوية والريفية والاستهداف الحكومي والاختراق العلماني بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 عمل على تجفيف الثقافة الشيعية التي تشكل رافدا اساسيا للهوية , فان هذا ادى - تدريجيا - الى ضمور الهوية الشيعية وتشتت الرابطة العضوية بين الجماعة المذهبية , الامر الذي مهد الارضية لدخول السرديات والخطابات والمفاهيم التي اراد الاخرون تمريرها عليهم وهى :
الاول : خطاب السلطة العلمانية : فالدولة العراقية عملت على نشر المفاهيم والسلوكيات العلمانية بقوة عند الجماعة الشيعية بالقياس الى السنة العرب , وذلك من خلال الاعلام والتعليم والجيش . وهذه السلوكيات هدفها الاول ليس ترويض الجماعة وتدجينها بعد ثورة العشرين وعزلها عن زعمائها الروحيين الثوريين فحسب , وانما تجفيف منابع الهوية التي تشكل الثقافة الشيعية التقليدية المرتكز الدلالي فيها , ومن ثم التمهيد لاخصائها واخضاعها لتوجهات السلطة وسردياتها القومية والطائفية . وبهذا الصدد ذكر الدكتور فالح عبد الجبار في كتابه القيم (العمامة والافندي) (بما ان المؤسسة الدينية السنية في الاصل غير مستقلة وتابعة للسلطات الحاكمة في العراق , وكانت مندمجة بصورة كبيرة بالنظام السياسي , فان الاختراق العلماني قد ظهرت نتائجه على المؤسسة الدينية الشيعية وعلى مقلديهم ) مستخلصا النتيجة الاتية في بحث اخر (ان العراقي علمانيته جامحة) .
الثاني : خطاب القومية العربية : فالدولة العراقية عملت ايضا على نشر المفاهيم القومية العربية من خلال التربية والتعليم والاعلام على طول مراحلها المتعددة ابتدا من الملكية وحتى الجمهورية البعثية الاخيرة (1921 – 2003) . وهذا الخطاب القصد منه هدفين :
الهدف الاول : ابعاد الشيعة ثقافيا وسياسيا واجتماعيا عن الرابطة المذهبية مع ايران حتى اصبح الشيعي يقرب الوهابي السعودي على الشيعي الايراني بالتفضيل والحكم . وهذا التفضيل الغريب يرجع الى اسباب عده اهمها الرابطة القومية والتربية البعثية والنزعة العشائرية , فالقومية العربية روجت الى الرموز الثقافية والاسلامية التي ترجع للجزيرة العربية من قبيل الاصول الاسطورية للقبائل والعشائر العراقية واللغة والادب والتاريخ العربي . لذا ليس من المستغرب ان تجد اقوى تجليات العقدة من ايران عند اهل الريف والعشائر والافراد النازحين من الريف او ممن يحمل العقلية الريفية الذين يشعرون بالدونية من المدينة , فيما تقل تلك العقدة نسبيا عند اهل المدينة او ذوي الاصول المدنية . وكذا الامر مع الركائز الاسلامية التي ترجع الى الجزيرة العربية التي تهيمن عليها الوهابية السعودية من قبيل ولادة الدين الاسلامي ومكان الدعوة وحروبها وقبلتها وقرأنها ومرقد نبيها وغيرها . فاصبح الشيعي العراقي يرنو ببصره نحو الصحراء الغربية في الجزيرة العربية والدولة السعودية دون الاتجاه نحو الى ايران في الشرق .
الثاني : شعور الحاكمين السنة العرب بالاقلية (لاشعوريا) من الشيعة , والخوف من الذوبان بالطوفان الشيعي العددي الكبير والرغبة بالارتكان الى العمق العربي والاتحاد معه . فالمركزية السنية - وبذكائها وخبرتها – تعرف جيدا ان الشيعة يمتلكون سرديات تقليدية من الطقوس والبصريات والفلكلوريات في عاشوراء وغيرها , لها قابلية التمدد في اوساط العامة من الناس . والمفارقة ان الشيعة - وبخبرتهم - عرفوا قابلية تلك الطقوس البدائية المتخلفة من قبيل الزيارة والمواكب والطبخ المقدس وغيرها على انتشار التشيع عند العامة , فيما كان السنة اذكى منهم وعرفوا ايضا خطورة تلك الطقوس والممارسات على العامة فعملوا على محاربتها والغائها والحجر عليها . وقد نجحت الجماعة الشيعية قبل اكثر من ثلاث قرون في تغيير هوية العراق كليا نحو التشيع من خلال الخطباء وتلك الطقوس والسلوكيات , رغم تحذيرات السند الاول للمركزية السنية في العراق , وهم عائلة ال الالوسي وزعيمهم الاول في مطلع القرن العشرين ورائد الطائفية في تاريخ العراق المعاصر السيد ابو المعالي محمود شكري الالوسي . بل ان المركزية السنية واجهتها اشكالية اخرى بعد الحرب العالمية الثانية الا وهى تغيير المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة لهويتها العددية نحو التشيع , وهذا التحول يختلف عن التحول الاول عند القبائل العربية في الجنوب قبل ثلاث قرون الذي تبلور لاسباب اجتماعية تتعلق بالصعوبات والمعاناة الاقتصادية والصحية والحكومية التي يواجهها البدو في منطقة السهل الرسوبي (ذكرها علي الوردي) وسياسية تتعلق بالرفض والمقاومة الثقافية للدولة العثمانية الظالمة لهم (ذكرها اسحق النقاش) ونفسية تتعلق بالاغتراب والالم النفسي والاجتماعي (ذكرها فالح عبد الجبار) وتبشيرية تتعلق بقدرة الخطباء (الروزخونية والملالي) ورجال الدين الشيعة في عملية التحول (ذكرها الالوسي) , وانما تتعلق بالهجرة العددية لاهل الجنوب نحو البصرة وبغداد لاسباب اجتماعية واقطاعية وعملية وسياسية وعدوى وجدانية . (اي ان التحول الاول للتشيع كان نوعيا فيما , كان التحول الثاني كميا) , الا ان الاشكال الذي واجه المركزية السنية والحكومات الطائفية والقومية من هذا التحول الاخير هو ليس تغيير هوية المدن للتشيع العددي فحسب , بل وتبنيهم للايديولوجية الشيوعية وتحولهم نحو المتبنيات العلمانية الثورية من اجل الخلاص والتغيير. وكما قال فالح عبد الجبار في كتابه (العمامة والافندي) (اغتراب البدوي في الريف جعله شيعيا واغتراب الشيعي في المدينة جعله شيوعيا) (بتصرف) . وهذا التحول نحو الشيوعية - فضلا عن البنية الشيعية الاصلية لهم - قد شكل عند المركزية السنية والحكومات القومية والطائفية تهديدا وجوديا وسياسيا خطيرا على هويتها وسلطتها وهيمنتها , لاسباب عده اهمها انتفاء مبررات الاقصاء للاغلبية الشيعية عن الادارة والحكم . فالحكومات القومية والطائفية كانت قد اشاعت اعلاميا – في حالات عديدة - على تهميش الشيعة الى النزعة التقليدية والطقوس البدائية للجماعة وعدم عصرنتها ومواكبتها للتطور , الا ان التحول الشيعي نحو الشيوعية العلمانية قد ادى الى انتفاء مبررات هذا التهميش . فعملت جاهدة بعد انقلاب شباط 1963 ليس على ابادته واقصائه وتهميشه فحسب , بل والانتقال نحو الهجوم والضغط عليه وتدجينه وترويضه واخصائه من خلال اقصى السلوكيات الاجرامية والمكافحة الثقافية والاعلامية والتربوية , لذا ليس من المستغرب ان نجد ان اشرس الحكومات العراقية الطائفية بين (1963 – 2003) قد تشكلت اثناء تلك المرحلة من تغيير المدن الكبرى لهويتها المذهبية نحو التشيع او تحولها الفكري نحو الشيوعية الثورية , او كرد فعل لهذا التغيير والتحول المفصلي الخطير , وقد نجحت في ذلك نجاحا باهرا من خلال استغلال مقدرات الدولة العراقية الهائلة في ذلك حتى اصبحت المدن الشيعية تحوي كتلا بشرية هلامية كبيرة وغير متجانسة تضم اغلبية عددية من الشيعة المدجنين ونخبة متعلمة من المثقفين والشيوعيين المخصيين ليس لها هدف او هوية او كينونة .
الا انه من جانب اخر يجب القول : كما ان الهوية نتاج جوهري للثقافة , فكذا الامر مع الثقافة التي قد تكون انعكاس حقيقي للهوية . فالهوية الفاعلة التي يكون بيدها مقاليد السلطة والحكم تعمل على تنظيم ثقافة الجماعة وتطويرها وتشذيبها وتقنينها من خلال اليات التعمية على السلبيات والاختلالات وابراز الايجابيات والافضليات وترسيخ الاعتزاز بالجماعة والهوية والترويج للذات والكينونة والاخذ بها نحو العصرنة والتحديث - كما هو حاصل عن السنة العرب في العراق واليهود في اسرائيل والموارنة في لبنان - فيما ان الجماعة الشيعية - وبسبب عدم تسنمها مقاليد السلطة ومقدرات الدولة - فانها بقيت ضمن الافق التقليدي والبدائي والديني والطقوسي , واذا كان ميشيل فوكو يقول (ان الدين عقل لمجتمع بلا عقل) فاني اقول (ان الدين هوية لمجتمع بلاهوية) . وقد يقدم المتابع المحايد اعتراضين على هذا القول :
الاول : اذا كانت الطقوس والدين هى من تشكل الهوية الشيعية في العراق , فكيف قلت سابقا انهم تعرضوا اكثر من غيرهم للاختراق العلماني والايديولوجي ؟ الجواب على ذلك هو ان الاختراق العلماني لم يكن للهوية وانما للجماعة الشيعية من اجل النيل من الهوية وتهميشها واضعافها , فيما كان الاختراق العلماني للسنة العراقيين في صالح الهوية وعصرتنها وتطويرها . اي ان الشيعة اصبحوا علمانيين حكوميا وتقليديين هوياتيا , فيما ان السنة اصبحوا علمانيين هوياتيا وتقليديين حكوميا .
الثاني : اذا كان للسلطة دور بتقنين الهوية وتنظيمها وتطويرها , فالشيعة بعد 2003 تسلموا السلطة (كذا) فمن يقول انهم لم يطوروا الهوية الشيعية ؟ او ربما الاصح لماذا لم ياخذوا بالهوية نحو التنظيم والتشذيب والعصرنة ؟ في الواقع اننا لايمكننا القول ان الحكم في العراق بعد 2003 شيعيا , وانما ديمقراطيا تعدديا , بل انه نظام توافقي ومحاصصة , والجميع مشترك بالسلطة والمغانم والمناصب حتى افتقدت الدولة العراقية العصبة والضبط التقليدي الذي تمارسه اي سلطة في العالم , وبالتالي افتقدت السيطرة على المجتمع باجمله . كما ان الاحزاب الشيعية الحاكمة كان من مصلحتها ابقاء الهوية الشيعية التقليدية ضمن افقها البدائي لاغراض سلطوية تتعلق الابقاء على سيطرتها وهيمنتها على الاتباع والموالين والقاعدة التي تستند عليها اولا ومواجهة التحديات الارهابية والمؤامرات العربية والخليجية التي عملت على استهداف الاغلبية الشيعية وتكفيرها وتخوينها ثانيا .
وكان من اهم تجليات اضطراب الهوية والاختراق الايديولوجي والعلماني والاستهداف البعثي والقومي للشيعة في العراق هو العقدة من ايران وتحديدا العقدة من ايران الشيعية . والعقدة الايرانية هى في الواقع موجودة عند السنة والشيعة على حد سواء . والعقدة السنية من ايران هى طبيعية وفق التوجه الطائفي السائد عند المجتمعات الباردة – حسب تعبير شتراوس - التي تعيش طفولة التاريخ والعقلية القرو – سطية والمفاهيم التقليدية والصراعات المذهبية والاثنية والقبلية والمناطقية . فالسنة العراقيين مازالت تتحكم بهم الغدة الطائفية والعقلية العثمانية والنوازع البدائية وتاثيرات الصراع الصفوي – العثماني الذي تبلور قبل اربع قرون , ثم تعززت العقدة وتضخمت مع السلطة البعثية الحاكمة بعد انقلابي 1963 و1968 الذين ينظرون لايران بعين القومية العنصرية من جانب والطائفية المقيتة من جانب اخر . واذا اردنا الدقة فالعرب القوميون يعلنون العداء لايران بدعوى الاستعلاء القومي والتفوق العرقي العربي , فيما ان الدافع الحقيقي والمضمر وغير المعلن هو الحقد الطائفي البغيض , وان الدعاوى القومية والوطنية حول ذلك العداء والحقد لاتصمد امام اول اختبار تاريخي او موقف سياسي . فمثلا نجد ان الترك العثمانيين قد احتلوا العراق - واغلب المناطق العربية - مدة قاربت اكثر من اربعة قرون متتالية , واحتكرت مواردهم وقسمت مجتمعاتهم واغتصبت نسائهم واحتقرت تراثهم وعرقلت تقدمهم , ومع تلك الاشكالات المفصلية والسلوكيات الاجرامية لانجد عند السنة العراقيين - وحتى باقي العرب - ذلك الهجوم والحقد والكراهية والنقد للترك , ان لم يكن العكس , فهناك نوعا من التعاطف والاعجاب والانبهار بهم (قد يصل لمرحلة النقص والدونية والاستلاب امامهم) سواء اكان للمرحلة الاسلامية والانبهار بالسلاجقة والعثمانيين , او الفترة العلمانية والاعجاب باتارتوك والاصلاحيين . وكذا الامر عند العراقيين في القرن العشرين , فرغم ان الترك يحتلون قسما من اراضيهم بدعوى تبعيتها العثمانية اولا وملاحقة المعارضين الكورد ثانيا وقطعوا عن بلدهم المياه وادخلوا عليهم الارهابين من القاعدة وداعش واصبحت مدخلا للهجوم الامريكي عليهم عامي 1991 واحتلال البلاد عام 2003 والتدخل بشؤون العراق من خلال دعم التركمان في كركوك والمناداة بولاية الموصل واعادتها - كما اعلن صراحة ذلك الرئيس التركي رجب اوردغان دون تردد - الا ان السنة العراقيين لم تشكل عندهم تلك السلوكيات اي استفزاز للروح الوطنية الطبيعية او اي تحدي للنزعة القومية الاعتيادية , وانصب جهدهم بالتركيز الاعلامي والسياسي على ايران وتضخيم اخطائها وتدخلها واشكالاتها مع العراق , ومن ثم بلورت العقدة النفسية ضدها , وهذه العقدة السنية من ايران هى التي انتجت العقدة الشعية من ايران , بحكم المركزية السنية وهيمنتها الثقافية والسياسية والاجتماعية على الاقليات الدينية والاثنية والمذهبية والقومية في العالم العربي وصناعتها للمفاهيم والخطابات والتوجهات التي تفرضها على اتباعها من اهل السنة العرب اولا , والاقليات التي تعيش في وسطها الجغرافي من قبيل الشيعة والمسيحيين والكورد والتركمان والدروز والعلويين والامازيغ والصابئة والايزيدية ثانيا . واستطيع ان اقول بكل ثقة : لولا وجود العقدة السنية من ايران لما نشات العقدة الشيعية من ايران كذلك , فالوعي السياسي والثقافي عند المخصيين الشيعة في العصر الحديث هو صدى للوعي السني واجترار له في المفاهيم وتكرار له في الخطابات , بحكم السطوة والذكاء والقدرة التي تملكها المركزية السنية والحكومات القومية والطائفية في العراق التي خرجت منها , واحتكارها لجميع مقدرات الدولة الاعلامية والاقتصادية والامنية والتعليمية والتربوية والقانونية والسياسية . ولاحاجة لذكر امثلة اخرى عن العقدة الشيعية التي تكون صدى لعقدة اهل السنة ومحاكاة لها , لان هذا يحتاج الى دراسة خاصة ومستقلة , ولكن يمكن ادراج اهمها وهى العقدة من الكورد . فكلنا يعلم ان الكورد رفعوا السلاح بوجه جميع الحكومات العراقية القومية والطائفية السنية سواء اكانت الملكية منها (1921 – 1958) او الجمهورية (1958 – 2003) ولاغراض تتعلق بطبيعة المناداة بالديمقراطية الحقيقية والمساواة والحكم الذاتي وغيرها , ولم يكن للشيعة حظ من تلك الحكومات الصراعات والتداعيات سوى العبودية والاقصاء والتهميش ودفع الدماء لحروبهم ومغامراتهم , حالهم حال اخوتهم الكورد , الا اننا نجد ان عامة الشيعة من المثقفين والمتعلمين يحملون عقدة نفسية للكورد هى في الاخير صدى للعقدة السنية الحاكمة , حتى انهم يرددون نفس عبارات السلطات السابقة عن الكورد دون تغيير من قبل الخونة والعملاء وووو , فيما نسوا ان هذه المصطلحات هى نفسها قد طلقتها الانظمة القومية والطائفية ضدهم , وهذا يعني ان الانظمة العنصرية والطائفية السنية الحاكمة في العاق لم تقم بتزييف الوعي الشيعي فحسب , بل امتدت لتزييف حتى اللاوعي الشيعي , وتحويل الكراهية والحقد والغل الى مسارات اخرى هى تريدها من قبيل ايران والكورد .(يتبع القسم الثالث والاخير) الدكتور سلمان الهلالي / الناصرية .