هل غزا الاتحاد السوفياتي بولندا؟*


عبد المطلب العلمي
الحوار المتمدن - العدد: 6114 - 2019 / 1 / 14 - 15:36
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

هل غزا الاتحاد السوفياتي بولندا؟*

عبد المطلب العلمي

قبل الخوض في قضية الغزو ، الذي لم يحدث ، يجب على القارئ أن يكون على دراية ببعض المفاهيم الخاطئة حول ميثاق عدم الاعتداء(مولوتوف-روبينتروب). خطأ هذه المفاهيم سببه الدعاية المعادية للشيوعية ، والمنتشره على نطاق واسع ، على الرغم من سذاجتها.
الوصف ألأكثر شيوعاً والأكثر خطأً [النازيون والسوفيات قسموا بولندا ، و قد اتفقوا على القيام بذلك في ميثاق مولوتوف-ريبنتروب ]هذا خطأ تماما ، كما تظهر أي قراءة متمعنه لنص الميثاق.
لا شك أن سبب هذه الكذبة هو توقيع إنجلترا وفرنسا معاهدة عدم الاعتداء مع هتلر اي اتفاق ميونيخ في 30 ايلول 1938الذي بموجبه تم "نقسيم" دولة أخرى ، تشيكوسلوفاكيا.كما شاركت بولندا في "تقسيم" تشيكوسلوفاكيا. استولت بولندا على جزء من منطقة سيشين في تشيكوسلوفاكيا ، على الرغم من أن أقلية فقط من السكان البولنديين كانوا يعيشون هناك. لم يتم الاتفاق على هذا الغزو والاحتلال حتى في اتفاق ميونيخ. لكن لم تفعل فرنسا ولا المملكة المتحدة أي شيء حيال ذلك.استولى هتلر على بقية تشيكوسلوفاكيا في اذار1939. لم يتم النص على ذلك في اتفاقية ميونيخ. لكن بريطانيا وفرنسا وبولندا لم تفعل شيئا حيال ذلك.
وهكذا ، شارك بالفعل "الحلفاء" مناهضوالشيوعية ، بريطانيا العظمى ، وفرنسا ، وبولندا في تقسيم و احتلال دولة عاجزة! ربما لهذا السبب يدعون ان الاتحاد السوفيتي تصرف بنفس الطريقة؟ ولكن مهما كان سبب هذه الكذبة ، فإنها تظل كذبة.وقع الاتحاد السوفياتي معاهدة عدم اعتداء مع ألمانيا ، ليس لتقسيم بولندا ، كما قسم الحلفاء تشيكوسلوفاكيا ، ولكن للدفاع عن الاتحاد السوفييتي.
تضمنت المعاهدة خطا داخل بولندا يعتبر حدودا لمنطقه المصالح السوفييتية ، والذي لا يمكن للقوات الألمانية أن تجتازه إذا ما هزمت ألمانيا الجيش البولندي في اي حرب.والحقيقة هي أنه في حالة تعرض الجيش البولندي لأي ضربه ، فإن الحكومة البولندية ستكون قادرة على التراجع الى داخل منطقه المصالح السوفيتية وإيجاد ملجأ ، حيث أن هتلر وافق على عدم اختراق هذا الخط.و من هناك يمكنهم التفاوض مع ألمانيا.اي انه سيكون للاتحاد السوفييتي بين الرايخ والحدود السوفييتية دولة عازلة ، مسلّحة ومعادية لألمانيا.الاتحادالسوفييتي لم يفعل ذلك بسبب حبه لبولندا الفاشية. أراد السوفييت الحكومة البولندية - أي حكومة بولندية - أن تكون حاجزًا بين الاتحاد السوفييتي والجيوش النازية. و بسبب الخيانة الكاملة للحكومة البولندية الفاشية لشعبها فشلت هذه الخطة.
كان لدى الحكومة البولندية بديلين في حالة هزيمة جيشها من قبل الجيش المهاجم.
1. البقاء داخل البلاد ، وربما تغيير عاصمتها بعيداً عن الجيش الغازي. ومن هناك يمكن أن يقاضي المانيا أو الاستسلام.
2. الهروب إلى بلد حليفة تقاتل ألمانيا فرنسا أو إنجلترا.
لقد قامت حكومات جميع البلدان الأخرى التي هزمت من قبل ألمانيا بأحد هذين الأمرين أو كليهما. الحكومة البولندية - العنصرية والمناهضة للشيوعية والوطنية المتطرفة - باختصار ، الفاشية . فرت الحكومة البولندية إلى رومانيا المجاورة،بدلا من القتال .
كانت رومانيا محايدة في الحرب. بعد دخول رومانيا المحايدة ، أصبحت الحكومة البولندية مسجونة. حسب المفهوم القانوني "interned"اي تحت الاقامه الجبريه محرومه من حريه التصرف و الحركه. لم يكن باستطاعتهم العمل كحكومة في رومانيا أو المرور عبر رومانيا إلى بلد يقاتل ضد ألمانيا ، مثل فرنسا ، لأن تركهم يفعلون ذلك سيكون انتهاكًا للحياد الروماني ، وهو عمل عدائي ضد ألمانيا.
عندما اصبحت بولندا بلا حكومة ، لم تعد بولندا دولة. وهذا يعني انه في تلك اللحظة لم يكن لدى هتلر أي شخص يمكن التفاوض معه على وقف إطلاق النار أو اي معاهدة.بالإضافة إلى ذلك ، اصبحت البروتوكولات السرية لمعاهدة مولوتوف-روبينتروب باطلة ، لأنها كانت اتفاقية بشأن دولة بولندا ، ولم تعد هناك دولة بولندية. و إذا لم يتصرف الجيش الأحمر لمنع ذلك ، فلا شيء يمكن أن يمنع النازيين من الوصول الحدود السوفييتية.أو ،و كما نعلم الآن ، كانوا يستعدون لهذا ،كان يمكن أن يشكل هتلر دولة أو أكثر موالية للنازية في ما كان حتى وقت قريب ، شرق بولندا. وهكذا ، اي تمكين هتلر من اعلان أنه ما زال متمسّكاً بالاتفاق على "مجالات النفوذ" حسب البروتوكولات ، ليخلق في الواقع دولة فاشية قومية عدوانية نازية عسكرية على الحدود مع الاتحاد السوفييتي.
في تلك المناطق ، كان البولنديون أقلية حتى بعد حملة "الاستقطاب" لإعادة توطين البولنديين في المنطقة في العشرينات والثلاثينيات.
كيف لنا أن نعرف أن الأتحاد السوفيتي لم يعتدي على بولندا ولم "يغزوها" عندما احتل بولندا الشرقية ،في 17 ايلول 1939 ، بعد أن احتجزت الحكومة البولندية نفسها في رومانيا؟ فيما يلي تسعة اثباتات:

1. لم تعلن الحكومة البولندية الحرب على الأتحاد السوفياتي.أعلنت الحكومة البولندية الحرب على ألمانيا عندما غزتها ألمانيا في ألأول من ايلول 1939.لكنها لم تعلن الحرب على الأتحاد السوفياتي.

2. أمر القائد الأعلى للجيش البولندي الجنود البولنديين بعدم القتال ضد السوفييت ، على الرغم من أنه أمر القوات البولندية بمواصلة قتال الألمان.

3- اعترف الرئيس البولندي "إيجناز موسكيتسكي" ، المحتجز في رومانيا منذ 17 ايلول ، ضمناً أنه لم تعد هناك حكومة في بولندا.
بحلول 17 ايلول 1939 ، عندما عبرت القوات السوفيتية الحدود ،كانت الحكومة البولندية قد توقفت عن العمل.و حقيقة أن لا توجد حكومة في بولندا تعني أن بولندا لم تعد دولة.في 17 ايلول ، عندما سلم مولوتوف مذكرة إلى السفير البولندي في الاتحاد السوفييتي ، قال السفير لمولوتوف إنه لا يعرف أين هي حكومته ، و قيل له إنه يجب عليه الاتصال بها عبر بوخارست.
بدون الحكومة ، بولندا كدولة لم تعد موجودة بموجب القانون الدولي. يتم رفض هذه الحقيقة - في معظم الأحيان تجاهلها ببساطة - من قبل المناهضين للشيوعية ، لأنها مثل الموسى في الحلق.
التفكير للحظة سيكشف عن منطق هذا الموقف. بدون حكومة - الحكومة البولندية كانت محتجزة في رومانيا ، - لا يوجد من يمكن التفاوض معه ؛ لا توجد سلطة مسؤولة عن الشرطة والسلطات المحلية والجيش. لم يعد السفراء البولنديون في الدول الأجنبية يمثلون حكومتهم لأنه لا توجد حكومة هناك.

4. اعترفت الحكومة الرومانية ضمنا بأنه لم تعد هناك حكومة في بولندا.كل من القادة البولنديين والحكومة الرومانية أدركوا أن بولندا حرمت من الحكومة بعد أن عبرت الحكومة البولندية الحدود إلى رومانيا وتم فرض الاقامه الجبريه عليها.كان كل من رئيس بولندا ورومانيا في حاجة إلى أساس قانوني - ورقة تين – لذلك تم اعلان استقاله رئيس الدوله البولنديه.

5.كان هناك معاهدة عسكرية بين بولندا و رومانيا موجهة ضد الاتحاد السوفياتي. رومانيا لم تعلن الحرب على الأتحاد السوفياتي.في وقت لاحق ، أعلنت الحكومة البولندية أنها "اعفت" رومانيا من التزاماتها بموجب هذه المعاهدة العسكرية في مقابل اللجوء الى رومانيا.لكن لا يوجد دليل على هذا. و لا عجب حيث أنه من غير المحتمل أن رومانيا وعدت بولندا"بملجأً آمنً" ، لأن هذا سيكون عملاً عدائيًا تجاه ألمانيا النازية. كانت رومانيا محايدة في الحرب و أصرت على تقييد حريه الحكومة البولندية ونزع سلاح الجنود البولنديين الذين يعبرون الحدود مع رومانيا.ربما كان السبب الحقيقي لعدم إعلان رومانيا الحرب على الاتحاد السوفييتي هو وجهة النظر الرومانية فيما يتعلق بالاتفاق الروماني البولندي ضد الاتحاد السوفياتي، التي تتلخص في ان رومانيا لن تتصرف إلا إذا كان الهجوم السوفياتي حدثًا معزولًا ، وليس نتيجة لحروب أخرى. رومانيا أدركت أن الجيش الأحمر لم يكن متحالفامع ألمانيا ،اي لا وجود "لحرب أخرى" لكنها لم تعلن الحرب على الاتحاد السوفياتي. هذا اعتراف ضمني بالموقف السوفييتي والألماني بأن بولندا لم يعد لها حكومة ، وبالتالي لم تعد دولة.

6. فرنسا لم تعلن الحرب على الاتحاد السوفياتي ، على الرغم من أنه كان هناك اتفاق بشأن الدفاع المتبادل مع بولندا.

7. لم تطلب إنجلترا أبدا أن يسحب الاتحاد السوفيتي قواته من غرب بيلوروسيا وأوكرانيا الغربية ، اي اجزاء الدولة البولندية السابقة التي احتلها الجيش الأحمر بعد 17 ايلول 1939.
وعلى العكس من ذلك ، اقرت الحكومة البريطانية إلى أن هذه الأراضي يجب ألا تكون جزءًا من الدولة البولندية المستقبلية. و وافقت الحكومة البولندية في المنفى على ذلك!

8 - لم تعلن عصبة اﻷمم أن اﻻتحاد السوفياتي قد غزا دولة عضو.
المادة 16 من ميثاق عصبة الأمم تطلب من الأعضاء تبني عقوبات تجارية واقتصادية ضد أي عضو "يلجأ إلى الحرب".لم تتخذ أي دولة عقوبات ضد الاتحاد السوفييتي. لم تقم أي دولة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي بسبب هذا العمل.
ومع ذلك ، عندما هاجم الاتحاد السوفياتي فنلندا في عام 1939 ، صوتت عصبه الامم على طرد الاتحاد السوفييتي ، وقطعت عدة دول علاقاتها الدبلوماسية معها.

9 - اعتمدت جميع البلدان إعلان حياد الاتحاد السوفياتي.
الجميع ، بما فيهم حلفاء بولندا ، فرنسا وانكلترا ، اتفقوا على أن الاتحاد السوفيتي لم يكن دولة متحاربة ، ولم يشارك في الحرب. في الواقع ، قبلوا بيان الأتحاد السوفياتي حول كونه محايدا في الصراع.
بطبيعة الحال ، لا يمكن لدولة "غزو" بلد آخر ، ولكن في نفس الوقت تعلن بشكل صحيح أنها "محايدة" فيما يتعلق بالحرب مع هذا البلد. لكن أيا من هذه الدول لم يعلن الاتحاد السوفياتي كدوله محاربه. لا الولايات المتحدة الأمريكية ، ولا عصبة الأمم ، ولا أي بلد آخر في العالم.

*بتصرف عن بحث للدكتور غروفر فر



تعليقات الفيسبوك