دولة تنموية أم وطنية ديمقراطية 2_2


تاج السر عثمان
الحوار المتمدن - العدد: 5917 - 2018 / 6 / 28 - 09:59
المحور: الادارة و الاقتصاد
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

دولة تنموية أم وطنية ديمقراطية (2-2)
بقلم: تاج السر عثمان
أشرنا سابقا إلي ضرورة أن تراعي التنمية واقع وخصائص السودان واحتياجاته، وتستهدف الإنسان بتلبية احتياجاته الأساسية في التعليم والصحة وبقية الخدمات وتطويره من كل الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية، بدلا من الحديث عن " الدولة التنموية" التي استهدفت تنمية فئات رأسمالية محددة علي حساب الأغلبية الساحقة من الفقراء والكادحين.
معلوم التطور الذي حدث بعد ماركس في دراسة الاقتصاد السياسي للتخلف أو الاقتصاد السياسي للنمو، وهو فرع جديد في الاقتصاد السياسي الماركسي، والذي قام علي نقد المفاهيم الأساسية للتنمية الرأسمالية استنادا علي حصيلة تجاربها في بلدان العالم الثالث، وقد أسهم علماء اقتصاد ماركسيين محدثين في وضع أساس ذلك العلم الجديد مثل: بول باران، شارل بتلهايم، توماس سنتش، وفي العالم العربي هناك مساهمات فؤاد مرسي، إسماعيل صبري عبد الله، سمير أمين، سعيد الخضري، رمزي زكي، العيسوي.الخ.
ومعلوم أن ماركس درس المجتمع الرأسمالي في مؤلفه (رأس المال) من خلال دراسة حالة انجلترا المحددة التي وصلت قمة التطور الرأسمالي في القرن التاسع عشر.
وفي القرن العشرين حدثت ظواهر جديدة مثل تحول الرأسمالية إلي احتكار، والتي درسها لينين في مؤلفه (الامبريالية أعلي مراحل الرأسمالية 1916م)، والذي أشار فيه إلي مصدر جديد من مصادر الأرباح الرأسمالية، وهو نهب شعوب المستعمرات، إضافة إلي نهب فائض القيمة من العاملين، والأرباح الطفيلية الأخري الناشئة من الاحتكار وغيره، وبالتالي طرح لينين الشعار( ياعمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا).
يبحث علم الاقتصاد السياسي للنمو في الجذور التاريخية للتخلف، باعتبار أن التخلف يرتبط بقطع التطور الطبيعي لبلدان العالم الثالث، بعد دمجها بالنظام الرأسمالي العالمي والذي نتج عن الاستعمار والتبادل غير المتكافئ الذي جعل من تلك البلدان مستهلكة للسلع الصناعية الرأسمالية، ومصدرا للمواد الخام.

من خلال النقد للفكر الاقتصادي البورجوازي وفشل مفاهيمه ومقولاته حول التخلف والنمو وعجزها عن تفسير التخلف وفشل تجارب السير في طريق التطور الرأسمالي الذي عمق التفاوت الطبقي وودمر القطاع الزراعي وقاد للتطور غير المتوازن مما نشأت عنه الحروب.الخ، ظهرت دعوات جديدة بديلة لنظريات التنمية التقليدية، تري ضرورة التنمية المستقلة، ويمكن تحديد مقولات ومفاهيم التنمية المستقلة علي النحو التالي:
1- الاعتماد علي النفس في مواجهة الاعتماد فقط علي المعونات والقروض والاستثمارات، دون الانغلاق والانعزال عن العالم.
2- التوجه الداخلي للتنمية في مواجهة انقسام الاقتصاد إلي قسم حديث مرتبط عضويا بالشركات متعددة الجنسيات وقسم تقليدي.
3- توفير احتياجات الناس الأساسية في مواجهة اثراء الأقلية وفقر الأغلبية.
4- التنمية البيئية في مواجهة نهب الموارد الطبيعية حتي الاستنفاد.
5- في مواجهة النظم الشمولية والديكتاتورية ظهرت فكرة الديمقراطية ومشاركة الجماهير باعتبارها الشرط لنجاح التنمية.
6- برزت فكرة التكنولوجية الملائمة في مواجهة الانبهار بأحدث تكنولوجيا العصر.
7- كما ظهرت فكرة بناء قاعدة علمية وتكنولوجيا وطنية في مواجهة التبعية الناشئة عن الاعتماد علي استيراد تقنيات الإنتاج.
8- ظهرت فكرة الأصالة والهوّية الثقافية في مواجهة الذوبان في الثقافة أو الحضارة الغربية.
9- كما برزت فكرة الانفلات الجزئي عن الدوران في مسار أو فلك النظام العالمي.
10- كما ظهرت فكرة الاستقلالية بمعني انتقال مركز صنع القرار من الخارج الي الداخل.
علي أن الفكر النظري توصل إلي إجراءات، لا بد من اتخاذها لدولة تهدف للتحرر من التخلف مثل:
أ‌- سياسة ضريبية تصاعدية تمتص الفائض من القوي الشرائية (القضاء علي الاستهلاك غير الضروري)، وتوجيه الادخارات الاجبارية نحو استثمار منتج.
ب‌- إنشاء محطات توليد الطاقة، سكك حديد، نقل، وسائل ري، استصلاح التربة، مما يؤدي في النهاية الي خلق جو يساعد علي الإنتاجية.
ت‌- انشاء مدارس مهنية علي مختلف المستويات لتقديم التدريب الصناعي للشباب وللعمال العاطلين عن العمل، ونظام منح يفسح المجال أمام ذوي الدخل المحدود في التخصص.
ث‌- تعهد الدولة بتغطية الخسارات في المرحلة الاولي من المبادرة والتعليم مما يؤدي الي تطور رجال الأعمال منها.
ج‌- القضاء علي ضغط التضخم المالي: سياسة ضرائبية لابطال مفعول زيادة الدخل التقليدي الاجمالي الذي ولده الاستثمار.
ح‌- وضع حد للأرباح نتيجة للاتجار بالسلع النادرة والأساسية.
خ‌- التقليل من استيراد السلع الكمالية( قوانين تحدد الأسبقية).
د‌- الرقابة علي التبادلات المتعلقة بالنقد الأجنبي تحول دون خروج روؤس الأموال وصرف الأموال الأجنبية المحدودة علي السلع الكمالية والرحلات الباذخة إلي الخارج وماشابه ذلك.
الإجراءات أعلاه كما يقول بول باران تحقق حدا أدني لاشباع حاجة المجتمع إلي الإنماء الاقتصادي وبواسطة الحد من استهلاك ذوي المداخيل الكبيرة ، يمكن وضع حد لبعثرة موارد النقد الاجنبي المحدودة الناتجة عن تهريب رؤوس الأموال واستيراد كميات ضخمة من السلع والخدمات الأجنبية، وبذلك يمكن توفير النقد الأجنبي لشراء الآلآت المصنوعة في الخارج التي يحتاجها الإنماء الاقتصادي( بول باران: الاقتصاد السياسي للتخلف، دار الطليعة، بيروت 1978، ص 29).
وغني عن القول، لكي تتمكن البلدان المتخلفة من السير علي طريق التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، لا بد من تغيير كامل في الإطار السياسي الذي تعيش ضمنه.
كما توصل الفكر النظري التنموي الحديث الي خمسة مبادئ لتعزيز فاعلية المساعدات الحكومية للبلدان النامية تتلخص في الآتي:
1- ينبغي أن تكون المساعدة مندمجة في مجهود قومي للتنمية.
2- ينبغي للمساعدة الا تكون هبة بصورة ثابتة.
3- يجب أن تأخذ المساعدة الغذائية طابعا وظيفيا.
4- المساعدة التقنية يجب الا تسبب شكلا جديدا من التبعية.
5- ينبغي للمساعدة أن تصب في تعاون دولي حقيقي.
كما يحددون خاصيتين هامتين للقروض الانمائية:
أ – إن مهلة الوفاء ينبغي أن تكون طويلة جدا، لأنه من غير الممكن مباشرته، الا منذ اللحظة التي يعطي فيها مجهود التنمية ثماره.
ب – إن معدلات الفائدة ينبغي أن تكون منخفضة جدا، ان لم تكن معدومة.
وحول المساعدات التقنية توصل الفكر التنموي الحديث الي الآتي:
1- ينبغي أن يكون من هدف العون التقني أن يهئ ما يعوضه، ويجعل الأمور تسير بدونه.
2- ينبغي أن يتكيف العون التقني مع الظروف الملموسة لكل بلد.
3- العون التقني يجب أن يتحول الي تعاون تقني.
علي أن الفكر التنموي الحديث وحسب ما أكدت تجارب بلدان العالم الثالث، أشار إلي أن الاقتصاد الليبرالي أو اقتصاد السوق الخالص غير قادر علي الحل التلقائي لمعضلات العالم الثالث. وهذا النظام لم يوجد البتة فتدخل مختلف السلطات المركزية (بدرجات متفاوتة) هو ثابتة في التاريخ الاقتصادي للبلدان من ثلاثة قرون علي الأقل.
كما يشيرون الي درجة معينة من التخطيط، لابد منها للانطلاق الاقتصادي للأغلبية من بلدان العالم الثالث (لايشمل المشروعات الصغيرة ولا قطاع التوزيع، إصلاح زراعي فعّال).
والحفاظ علي فعّالية الاستثمارات الكبيرة وادماج وسائل التقنية المتاحة، أي نظام مخطط علي درجة كافية من المرونة، هو الأنسب الذي ينصح به لتسهيل الانطلاق الاقتصادي في الشروط الصعبة التي تعيشها معظم بلدان العالم الثالث.
جاء في برنامج الحزب الشيوعي السوداني المجاز في المؤتمر السادس ما يلي:-
"إن تجاوز واقع التخلف والتشوهات التي أفرزتها سياسات التنمية الرأسمالية التابعة، يقتضي تنمية واعية ومستمرة ومتصاعدة تؤدي إلى إحداث تحولات هيكلية وتوليد قوة دفع ذاتية في الاقتصاد الوطني، وذلك من خلال توسيع وتنويع قاعدة الاقتصاد، وخلق روابط عديدة ووطيدة بين قطاعاته وداخلها. وتشترط هذه العملية توطين التكنولوجيا الحديثة وبناء قاعدة تكنولوجية وطنية باعتبارها أهم مصادر رفع الإنتاجية خاصة سكان الريف ووسيلة الاستغلال الفعال للموارد، لبناء اقتصاد وطني متماسك تتعدد قطاعاته وتتنوع منتجاته، يلبي الاحتياجات الإنتاجية والاستهلاكية، وتتوفر فيه الكفاءة لإنتاج وإعادة إنتاج قدراته بوتائر متزايدة، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي. هذا البديل يطرح تنمية ديمقراطية، ومتوازنة ومعتمدة على الذات. لأنها تقوم على أساس المشاركة الواسعة لجماهير الشعب في اتخاذ وتنفيذ القرارات السياسية والاقتصادية من أجل تحقيق أهداف التنمية، بحيث تكون هذه الجماهير هي المستفيد الأول وتجني فوائد هذه التنمية، وذلك وفق مبدأي الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.إن التنمية الديمقراطية تضمن حق كل إقليم ومنطقة في السودان وكل فرد من أفراد المجتمع في عملية وعائد التنمية، وتعطي أقاليم ومناطق البلاد فرصاً متساوية في التطور الاقتصادي والاجتماعي . ويعتبر التمييز الإيجابي للمناطق التي تضررت من الحرب ومن الإفرازات السالبة لسياسات التنمية الرأسمالية التابعة وسيلة من وسائل البديل الوطني الديمقراطي لتحقيق التنمية المتوازنة لإزالة التفاوت فيما بين أقاليم ومناطق البلاد هذا البديل يسعى لتوظيف المزايا النسبية لكل إقليم ومنطقة من أجل الاستغلال الأمثل للطاقات والموارد. مؤكداً على مبدأ قومية الموارد الهادف إلى تعزيز علاقات التكامل الاقتصادي والاجتماعي بين أقاليم ومناطق البلاد المختلفة. لتصبح هذه التنمية الديمقراطية المتوازنة بحق أداة لصيانة وحدة الوطن وتعزيز السلام الاجتماعي. هذه التنمية معتمدة على الذات دون أن يعني ذلك العزلة والانكفاء، بل إخضاع العلاقات الاقتصادية الخارجية لاحتياجات التنمية وتحقيق أهدافها".



تعليقات الفيسبوك