نحن والطاقة النووية - 1


محمد منير مجاهد
الحوار المتمدن - العدد: 5731 - 2017 / 12 / 18 - 16:33
المحور: الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر     

بسبب النشأة التاريخية لاستخدام الطاقة النووية التي توجهت أولا للأغراض العسكرية ظهرت بعض الأحاسيس المناوئة لإنشاء محطات نووية بدرجات مختلفة في البلدان التي توجد بها أو تعتزم إنشاء هذه المحطات، فقد تعرف العالم على الطاقة النووية لأول مرة حينما قصفت الولايات المتحدة الأمريكية مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 مما أثار رعب البشرية من المخاطر الهائلة التي تهدد بفناء العالم في حالة نشوب حرب نووية، ومنذ هذا الوقت واجه العالم تحديا مزدوجا يتمثل في عدم استخدام الطاقة النووية للحرب من ناحية مع استغلال هذه الطاقة الهائلة بشكل مأمون لمصلحة البشرية من ناحية أخرى.

كانت مبادرة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في عام 1953 المسماة "الذرة من أجل السلام" أول محاولة ناجحة على الصعيد العالمي لاستغلال الطاقة الهائلة الكامنة في نواة الذرة في تطبيقات سلمية لصالح البشرية، ويعود إلى هذه المبادرة الفضل في إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1957، والتي كانت مصر من أوائل الدول المؤسسة لها، وفى وضع الأساس الذي تقوم عليه صلاحياتها أي دعم الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والمساعدة في حظر انتشار الأسلحة النووية.
كانت مصر من أوائل الدول التي أدركت الإمكانات الهائلة الكامنة في الذرة والتي يمكن الاستفادة منها من أجل توفير الطاقة والمياه اللازمتين لضمان التنمية المستديمة في مصر، وفي هذا السبيل أنشئت لجنة الطاقة الذرية عام 1955 برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر ثم أنشئت مؤسسة الطاقة الذرية عام 1957، وبدأ التفكير في استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء في أوائل الستينيات.

كان توجه مصر للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية جزء من توجه عام نحو التقدم قاده جمال عبد الناصر يعتمد على تصنيع مصر وتوفير الطاقة الكهربية اللازمة، فرأينا إنشاء مجمع الحديد والصلب ومجمع الأومونيوم وكهربة خزان أسوان وبناء السد العالي، وفي هذا الإطار أصدر مجلس الوزراء برئاسة جمال عبد الناصر قرارًا عام 1955 بتشكيل لجنة للطاقة الذرية من 5 أعضاء وحدد القرار اختصاصها في إعداد وتنفيذ وتنسيق كل ما يتعلق بالطاقة الذرية من برامج ومشروعات لتمكين مصر من استغلال الطاقة الذرية في الأغراض السلمية والفنية والصناعية والزراعية وما إليها ومسايرة التقدم العلمي، واستكمالاً لتنظيم العمل في المجال النووي، تم إنشاء مؤسسة الطاقة الذرية عام 1957 وأُلحِقت برئاسة الجمهورية وكان يرأس مجلس إدارتها رئيس الجمهورية أو من ينيبه. وقد باشرت هذه المؤسسة الإشراف على كل الأنشطة المتعلقة بالاستخدامات السلمية للطاقة الذرية ومع تطور الأنشطة وتنوع المسئوليات خرجت منها كل الهيئات النووية العاملة في مصر حاليا وهي:

1- هيئة الطاقة الذرية
تتبع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، وتتلخص رسالتها فيما يلي:
• البحوث والتطوير من أجل تطبيق التكنولوجيا النووية فى مختلف مجالات التنمية من زراعة وصناعة وصحة وبيئة وغيرها.
• توفير الإمكانات والمرافق البحثية والخدمية المتقدمة واللازمة لدعم وتوسيع رقعة الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية.
• نقل التكنولوجيا وتنمية وإعداد الكوادر المؤهلة والمدربة القادرة على التطورات فى مجال الاستخدام السلمى للطاقة الذرية.
وتتكون هيئة الطاقة الذرية من ثلاث مراكز أساسية وهم:

أ‌) مركز البحوث النووية
يعتبر هذا المركز النواة الأساسية للهيئة وأقدم مراكزها. فقد تم افتتاح باكورة مشروعات الهيئة فى موقعه، وهي أول مفاعل بحوث بالإضافة إلى معجل فان دي جراف ومعامل للكيمياء والفيزياء النووية وإنتاج النظائر. ويقع المركز بالقرب من مدينة إنشاص، وتتنوع أنشطته لتغطية البحوث النووية الأساسية التى تشمل مختلف فروع الفيزياء النظرية والتجريبية، وتصميم وتشغيل المعجلات الأيونية، وبحوث وتطبيقات الليزر والبلازما، وبحوث تطوير الإلكترونيات لأهداف القياسات النووية. بالإضافة إلى البحوث والتطوير فى مجال المفاعلات الذى يشمل فيزياء وهندسة المفاعلات وعلوم وهندسة المواد ومواد المفاعلات، والتحليل التنشيطى النيتروني والتدريع الإشعاعي... وغيرها، وكذلك تطبيقات النظائر المشعة فى الطب والصناعة والزراعة ...الخ

ب‌) المركز القومى لبحوث وتكنولوجيا الإشعاع
يهتم هذا المركز بأعمال البحوث والتطوير لاستخدام مصادر الإشعاع فى الأغراض الطبية والزراعية والصناعية وغيرها، والقيام بالتطبيقات التكنولوجية فيها. ويساهم المركز فى تقديم الخدمات التشعيعية للجهات المختلفة عن طريق القيام بتعقيم المنتجات الطبية والأنسجة البيولوجية وحفظ الأغذية بالإشعاع بالإضافة إلى القيام بالتجارب على المستوى نصف الصناعى لتحسين خواص المواد البوليميرية والمنسوجات والمطاط والأخشاب والبويات مما يرفع من قيمتها الاقتصادية.

ج) مركز المعامل الحارة
تتركز اهتمامات هذا المركز فى تطوير الخبرة الوطنية فى مجال معالجة النفايات المشعة، وكذلك تطوير وإنتاج النظائر المشعة لكافة الاستخدامات الطبية والصناعية والزراعية وغيرها. هذا بالإضافة إلى إنتاج المركبات الصيدلانية المرقمة واسعة الاستخدام فى التشخيص الطبى.

2- هيئة المواد النووية
تتبع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، وتختص بما يلي:
• اقتراح السياسة العامة ووضع الخطط في مجال المواد النووية ومتابعة التطور العالمي في مجال اختصاصها.
• إجراءات المسح الشامل لتحديد المناطق ذات الإمكانيات في الخامات الذرية.
• إجراء البحوث والدراسات والتجارب للكشف والتنقيب عن الخامات ذات الأهمية في الطاقة النووية.
• استخراج الخامات الذرية وتصنيعها وإعدادها للتصدير وتنظيم تداولها واستيرادها وتصديرها واستخداماتها.
• اقتراح الاتفاقيات وإبرام العقود مع الهيئات والشركات المصرية أو العربية أو الأجنبية أو الدولية في مجالات اختصاصها والاتفاق مع الجهات .الأخرى في العمليات المشتركة.
• تدريب وإعداد المتخصصين والأفراد اللازمين وإيفاد المنح والبعثات.

3- هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء
تتبع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، وقد صدر قانون إنشاء الهيئة عام 1976 باختصاصات محددة، وتم مؤخرا في 29 نوفمبر 2017 تعديلها لتختص الهيئة دون غيرها بما يلى:
• اقتراح إنشاء واستخدامات محطات القوى النووية فى توليد الكهرباء وإزالة ملوحة المياه فى إطار سياسة الدولة العامة .
• إجراء البحوث والدراسات اللازمة لمشروعات إنشاء محطات القوى النووية.
• وضع أسس مواصفات مشروعات إنشاء محطات القوى النووية وتهيئتها للتنفيذ.
• تنفيذ مشروعات إنشاء محطات القوى النووية والمشروعات المرتبطة بها أو المترتبة عليها أو المتفرعة عنها وتشغيلها وإدارتها طبقا لأحدث الأساليب العلمية والتكنولوجية والوقائية، سواء بنفسها أو عن طريق الغير ممن تكلفه بذلك.
• القيام بإعمال الخبرة وتنفيذ المشروعات التى تدخل فى اختصاص الهيئة فى الداخل أو فى الخارج مع إمكانيات الهيئة والخبرات التى تتوفر لديها أو بواسطتها.
• عقد الاتفاقيات في مجال أنشطة الهيئة مع الجهات المماثلة في الداخل والخارج بما لا يتعارض مع مقتضيات الأمن القومي والقوانين المنظمة لذلك.
• إجراء التجارب التطبيقية لتكنولوجيا محطات القوى النووية
• إعداد وتأهيل الكوادر البشرية بالداخل والخارج بما يلزم لتنفيذ وتشغيل وإدارة محطات القوى النووية.
• تأسيس شركات مساهمة بمفردها، أو مع شركاء آخرين، أو المساهمة في شركات قائمة، وفقا لأحكام قانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة الصادر بالقانون رقم 159 لسنة 1981، وبما لا يتعارض مع أهداف الهيئة.
وتباشر الهيئة اختصاصها بالتعاون مع الشركات والهيئات التابعة لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، وكافة الأجهزة المعنية بالأمر.

4- هيئة الرقابة النووية والإشعاعية
وهي هيئة مستقلة أنشئت بالقانون رقم 7 لسنة 2010 وتتمتع بالشخصية الاعتبارية وتتبع رئيس مجلس الوزراء، وتتولى الهيئة كافة الأعمال التنظيمية والمهام الرقابية المتعلقة بالأنشطة النووية والإشعاعية للاستفادة من الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، وعلى نحو يضمن أمان وسلامة الإنسان والممتلكات والبيئة من أخطار التعرض للإشعاعات المؤينة ولها في سبيل تحقيق كافة الصلاحيات اللازمة، على النحو الموضح في المادة (12) من القانون.

من أهم التطبيقات للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية هو استخدام مفاعلات القوى النووية في توليد الكهرباء وتحلية مياه البحر وتدفئة الضواحي السكنية، وقد بدأت مصر بداية طموحة لاستخدام مفاعلات القوى النووية وطرحت بالفعل عام 1964 مناقصة لإنشاء محطة نووية لتوليد الكهرباء بقدرة 150 ميجاوات، وتحلية مياه البحر بسعة 20 ألف متر مكعب في اليوم، إلا أن العدوان الإسرائيلي على مصر في يونيو 1967 والذي كان من أهدافه وقف البرنامج النووي نجح في إيقاف هذا المشروع كما أوقف مشاريع أخرى كمشروع الطائرة المصرية، ومشروع الصواريخ المصرية انتظارا لإزالة آثار العدوان. ومنذ ذلك الوقت تعرض البرنامج النووي المصري لانتكاسات عديدة جعلت دولا بدأت معنا كالهند أو كنا نسبقها بفراسخ ككوريا الجنوبية، تصبح مسيطرة بشكل كامل على تصميم وتصنيع وإنشاء وتشغيل المحطات النووية بشكل آمن واقتصادي، بينما ظللنا نراوح في أماكننا، وهو ما سنتناوله في سلسلة من المقالات التي تعالج كل القضايا المثارة بخصوص برنامج المحطات النووية المصري.