ليس دستور الثورة ولا يجب أن نوافق عليه


محمد منير مجاهد
الحوار المتمدن - العدد: 4300 - 2013 / 12 / 9 - 14:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في مقال سابق (http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=382649) تساءلت عما إذا كنا نستطيع من خلال لجنة الخمسين التي يرتع فيها حزب النور شريك الإخوان في نشر التخلف والاستبداد، وأنصار عسكرة الدولة أن نحافظ على الحلم من الضياع، والآن بعد أن انتهت اللجنة من إعداد مسودة الدستور وتسليمها للرئيس المؤقت للبلاد نستطيع أن نجيب عن هذا التساؤل بقدر أكبر من اليقين.

يسوق البعض لنظرية الحساب العددي للمواد غير المقبولة والمواد المقبولة وبناء على نتيجة المقارنة يتم اتخاذ القرار بقبول أو رفض الدستور، والحقيقة أن هذه الرؤية تعكس إما نوع من العبط السياسي أو سوء النية الذي يحاول تمرير دستور لا يحقق مصالح المصريين، فالأمر عندي أشبة بالذهاب إلى مطعم فاخر لتناول وجبة من إعداد أعظم الطهاة وقبل وضع الطبق أمامك يقوم النادل برش بعض الجلة (= براز المواشي) على الطبق، في هذه الحالة لا تستطيع أن تقرر ما إذا كنت ستأكل الطبق بناء على حساب نسبة الجلة إلى بقية المكونات، لقد فسد الطبق وضاعت الوجبة.

نفس الشيء أراه قد حدث في الدستور المعدل الذي كان أهم أهدافه إزالة الدنس الذي أدخله الإخوان والسلفيين والمؤلفة قلوبهم على تراثنا الدستوري، وتأسيس الدولة المدنية الحديثة التي تهدف لتحقيق شعارات ثورتي 25 يناير و30 يونيو وهي العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، والدولة المدنية المنشودة عكس الدولة الدينية وعكس الدولة العسكرية، ولكن الدستور المعدل حافظ على ما أدخله الإخوان من قسمات لدولة دينية ودولة عسكرية.

وقد شهدت جلسات لجنة الخمسين قدر لا بأس به من تزييف إرادة أعضاء لجنة المقومات الأساسية الذين صوتوا بنسبة 10 إلى 4 كي تتضمن المادة الأولى النص على أن "جمهورية مصر العربية دولة مدنية حديثة"، إلا أن لجنة الصياغة حذفت هذا النص، كما تم الاتفاق على أن تتضمن الديباجة (الركيكة) أننا "نكتب دستوراً يستكمل بناء دولة ديمقراطية حديثة حكمها مدني"، فقرر السيد عمرو موسى وهو يقرأ نص الديباجة تغييرها إلى "نكتب دستوراً يستكمل بناء دولة ديمقراطية حديثة، حكومتها مدنية"، وهو ما يغير المعنى على النحو الذي شرحه العديد من الخبراء ويعد نوعا من التدليس، كذلك قصر حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة على ما يسمى "أصحاب الأديان السماوية"، وذلك استجابة لضغوط وابتزاز أنصار مفاخذة الزوجة الطفلة ومضاجعة الزوجة المتوفاة في لجنة الخمسين.

إلا أن الكارثة الحقيقية والجزء الأكبر من "الجلة" يتمثل في وضع الجيش في الدستور ككيان مستقل عن الدولة ولا يخضع للسلطة التنفيذية بشكل أكثر فجاجة مما تضمنه دستور الإخوان المعطل، فالمادة (201) تنص على أن "وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعين من بين ضباطها"، وهو دسترة لأمر واقع ساد منذ ثورة 23 يوليو حيث أصبح الوزير هو كبير موظفي الوزارة التي يعمل بها فوزير الدفاع ضابط، ووزير الصحة طبيب، ووزير الداخلية ضابط شرطة، وهكذا وهو أمر كنا نتمنى أن نتخلص منه ولو بالتدريج بحيث يعود الوزير كي يكون المسئول السياسي عن الوزارة وتكون المسئولية الإدارية والفنية من اختصاص وكيل أول الوزارة، وفي حالة وزارة الدفاع رئيس الأركان الذي يجب أن يكون القائد العام للقوات المسلحة.

يزداد تغول العسكريين على سلطات الدولة في المادة الانتقالية رقم (234) التي تنص على أن "يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسرى أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارا من تاريخ العمل بالدستور"، وهو ما يغل يد رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء عن تعيين وعزل وزير الدفاع ويؤسس لدولة برأسين فوزير الدفاع الذي يسيطر على القوات المسلحة التي تحتكر السلاح لا يخضع لسلطة رئيس الجمهورية، وهو وضع شبيه باقتسام السلطة بين المملوكين مراد بك وإبراهيم بك قبيل الحملة الفرنسية على مصر.

لا يقتصر الأمر على استقلال وزير الدفاع الذي يعينه ويعزله المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولكن تكتسب القوات المسلحة نفسها استقلالية، فطبقا لمادة (202) "تختص اللجان القضائية لضباط وأفراد القوات المسلحة، دون غيرها، بالفصل فى كافة المنازعات الإدارية الخاصة بالقرارات الصادرة فى شأنهم"، أي لا ولاية لمجلس الدولة على المنازعات الإدارية مع الجيش، ولا ولاية لمجلس النواب على مراقبة ميزانية القوات المسلحة التي يختص مجلس الدفاع الوطنى طبقا للمادة (203) "بمناقشة موازنة القوات لمسلحة، وتدرج رقماً واحداً فى الموازنة العامة للدولة"، وهو وضع ليس له مثيل في أي دولة في العالم.

وتجيز المادة (204) محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى، فى الجرائم التى تمثل اعتداء مباشراً على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما فى حكمها وهو ما يعني أن أي خلاف مع عامل في محطة بنزين "وطنية" المملوكة للقوات المسلحة، أو مع جرسون في فرح مقام في دار من دور القوات المسلحة تضع المدني تحت رحمة القضاء العسكري كما يوضح السيد رئيس القضاء العسكري (http://www.youtube.com/watch?v=qiKYizlKu3U&feature=youtu.be).

القوات المسلحة بمقتضى هذا الدستور تصبح مستقلة بنفسها فهي التي تعين وتعزل وزير الدفاع قائدها العام، وميزانيتها لا تناقش ولكن تدرج رقما واحدا في ميزانية الدولة، وقضائها العسكري الذي يعينه وزير الدفاع ويصدق على أحكامه يصبح هيئة مستقلة يحق لها محاكمة أي مدني يمكن أن يسوقه حظه العاثر لصدام مع عسكري، حتى ولو كان في محطة بنزين، أو فندق تابع للقوات المسلحة.

بالإضافة للمتنفذين في أمور الجيش فلن يسعد بهذه المواد إلا المعارضين لترشح الفريق أول عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية، لأن هذا الوضع الدستوري يعني أنه لن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، فكيف يمكن أن يتخلى عن سيطرته على القوات المسلحة واستقلاله بشئونها، كي يصبح مجرد رئيس جمهورية لا ولاية له من أي نوع على القوات المسلحة.

إزاء هذا الوضع الشاذ الذي يؤدي إلى ازدواج السلطة ووجود رأسين للدولة، رئيس الجمهورية المنتخب والقائد العام للقوات المسلحة غير القابل للعزل إلا بإرادة من عينهم - وهي وصفة أكيدة للدولة الفاشلة التي يزيد من فشلها الطائفية والاستبداد – لا نجد أمامنا بد من اختيار رفض الدستور رغم اعترافنا بوجود العديد من المواد الرائعة، لكن الجلة أفسدت الوجبة.