وفي رُبْع السَّاعة الأخير ظَهَرَ -البُعْبُع- وكان اسمه -داعش-!


جواد البشيتي
الحوار المتمدن - العدد: 4576 - 2014 / 9 / 16 - 13:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

وفي رُبْع السَّاعة الأخير ظَهَرَ "البُعْبُع" وكان اسمه "داعش"!
جواد البشيتي
وفي الفصل الأخير من الميلودراما، ظَهَر "البُعْبُع"؛ وكان اسمه "داعش"؛ فاتَّحَدَ المُتعادون والمتخاصِمون والمُقْتَتِلون جميعاً لمحاربته والقضاء عليه؛ وفي سبيل ذلك، هَانَ كل شيء؛ فحَقَّ لنا أنْ نَهْتِف: "يا مُوَحِّد العرب..!".
إذا كانت هي "الفوضى الخلاَّقة (الإبداعية)"، فإنَّ مُطْلِقها، ومُحَرِّرها من كل قَيْدٍ، يتجشَّم الآن، أيْ في هذا الفصل الأخير من الميلودراما، "تنظيمها"، وإدخال ما يُمْكِنه إدخاله من "النِّظام" فيها؛ فلقد انتهى "الزَّرْع"، وبدأ "الحصاد"؛ انتهى "التَّفكيك"، وبدأ "التَّرْكيب"؛ وَلْيَطْمَئِنَّ القَلِقون المُضطَّربون، وكل المُتَخَوِّفين من كارثة "تجزئة المُجَزَّأ"؛ فما أَنْجَزَه المرحومان، البريطاني مارك سايكس، والفرنسي جورج بيكو، لن تَذْهَب به "الفوضى الخلاَّقة"؛ والخط الحدودي الذي رَسَمَه المرحوميْن بين العراق وسورية لن يَقْوى "داعش"، وغيره، على مَحْوِه؛ فالأوطان والدول التي عرفناها وألفناها (كالعراق وسورية) ستبقى في الحفظ والصَّوْن؛ وكل "الخرائط الجديدة" ما هي إلاَّ حديث خرافة يا أُم عمرو!
إنَّ لـ "المكان"، ولو كان هذا المكان يُسَمَّى "الشرق الأوسط"، ثلاثة أبعاد هي "الطول"، و"العرض"، و"العُمْق (أو الارتفاع)"؛ ولقد أَلْزَمَنا آينشتاين أنْ نضيف إليها "البُعْد الرابع"، وهو "الزمان"؛ فلا شيء إلاَّ وله أربعة أبعاد، ثلاثة منها مكانية، تَتَّحِد اتِّحاداً لا انفصام فيه مع "الزمان (أو البُعْد الرابع)".
القوَّة العظمى في العالَم، والتي تُصارِع قوى تتحدَّى انفرادها بزعامة العالَم، أَدْرَكَت أنَّ "المكان" في الشرق الأوسط، سنة 2011، لَمْ يَبْقَ، ويجب ألاَّ يبقى، هو نفسه "المكان"، سنة 1916؛ فإذا كانت بريطانيا وفرنسا (سنة 1916) قد اجتهدتا في اقتسام "الشرق الأوسط"، من طريق تقسيمه "طولاً"، و"عَرْضاً"، مؤسِّستيْن لـ "دُوَل سايكس ـ بيكو"، فإنَّ الولايات المتحدة، وبدءاً من 2011، اجتهدت في تقسيمه "عُمْقاً"، من طريق "الفوضى الخلاَّقة"، ساعيةً، في الوقت نفسه، إلى المحافَظَة على تقسيمه القديم، طولاً وعرضاً؛ فهل يحقُّ لنا الآن أنْ نتحدَّث عن "خريطة (أو دُوَل) سايكس ـ بيكو ـ كيري"؟!
العراق، مثلاً، والذي فيه، وبه، أَسَّست الولايات المتحدة لـ "الفوضى الخلاَّقة"، مُحْيِيَةً عِظام كل صراعٍ شرقي (ديني وطائفي ومذهبي وعرقي..) قديم وهي رميم، سيظل العراق نفسه ببُعْديِّ "الطول" والعرض"؛ لكنَّ التَّفْكيك (والتَّجزئة، والتَّفْتيت) له، في بُعْدِه المكاني الثالث، وهو "العُمْق"، سيَجْعَله حتماً في شكل "دولة اتِّحادية"، هي في واقعها الموضوعي "دولة مُرَكَّبَة من ثلاث دُوُل فعلية" هي "الدولة الكردية" في الشمال، و"دولة" الشيعة العرب في الجنوب، و"دولة" السنة العرب في الوسط؛ فـ "حقبة التفكيك" انتهت أخيراً إلى "واقع المستحيل المزدوَج": استحالة أنْ يعود العراقيون إلى ما كانوا عليه من وحدة (قَسْرية، مصطنعة، خادِعة) قبل الغزو والاحتلال، واستحالة أنْ يتمادوا في اقتتالهم واحترابهم حتى انفصالهم النهائي في ثلاث دُوُلٍ؛ فحقائق التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا والاقتصاد، وَضَعَت قَيْداً على الميول الانفصالية. ومع تأكُّد وثبوت هذا "المستحيل المزدوَج"، وظهور البُعْبُع "داعش"، في رُبْع السَّاعة الأخير، انتقلت الولايات المتحدة من "التَّفْكيك"، الذي اسْتَنْفَد "مهمته التاريخية"، إلى "إعادة التركيب"؛ فـ "الحكومة المركزية (الشكلية، الصورية، الضعيفة؛ لكن المُسْتَوْفية شرعية تمثيل الدولة)" بيَدِها؛ و"المُكوِّنات الثلاثة"، أيْ الأكراد، والشيعة العرب، والسنة العرب، حان لها أنْ تتصالح بالمصالح المشترَكة، وبالإكثار منها، وأنْ تقضي، بتعاونها مع بعضها بعضاً، وبتعاونها جميعاً مع "الحليف (الدولي) المشترَك"، وهو الولايات المتحدة، على هذا البُعْبُع.
في البدء، كان احتلال العراق؛ فـ "التَّفكيك" بـ "التَّفجير" لكل صراعٍ طائفي ومذهبي وعرقي.. اختزنه في أحشائه زمناً طويلاً؛ ثمَّ كان "الاستثمار الاستراتيجي" في ثورات الشعوب العربية على الاستبداد (في تونس ومصر واليمن وليبيا وسورية). "رأس الاستبداد" كان يجب أنْ تُقْطَع، فقُطِعت؛ أمَّا الثورات الشعبية العظيمة فكان يجب أنْ تبقى بلا رأس "طبيعية" حتى تتحرَّر "الفوضى الخلاَّقة" من كل قَيْد، ويَسْهُل تسيير الرياح بما تشتهي سُفُن "أسياد اللعبة (التاريخية)" وأدواتهم (التي أكثرها يراه العقل، ولا تراه العين). ومن موت "داعش" المحتوم، سيُوْلَد "الشرق الأوسط الجديد" على يديِّ القابلة القانونية، الولايات المتحدة، التي أَبْقَت على "دُوَل سايكس ـ بيكو"، مضيفةً إلى التجزئة الطولية والعرضية تجزئةً في العُمْق؛ فدولة العراق الجديدة، مثلاً، هي أشبه ما تكون بـ "جامعة دُوَلٍ"!