بورخيس - كاتب على الحافة


خليل كلفت
الحوار المتمدن - العدد: 7112 - 2021 / 12 / 20 - 20:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

  بورخيس - كاتب على الحافة
 
 
تأليف: بياتريث سارلو
 
ترجمة: خليل كلفت
صدرت الطبعة الأولى عن المشروع القومى للترجمة،
المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2004
 
 
 
 
 
هذه ترجمة كتاب
Jorge Luis Borges: A Writer on the Edge, by Beatriz Sarlo, Verso, London. New York, 1993.                                                              
                       
 
إهداء المؤلفة
 
إلى
خوان پابلو رينثي
Juan Pablo Renzi
 
 
 
المحتويات
 
مقدمة المحرر.............................................................
مدخل:....................................................................
القسم الأول: الكتابة على الحافة.....................................
الفصل الأول: صورة عامة لبورخيس......................................
الفصل الثاني: بورخيس والأدب الأرجنتيني.................................
الفصل الثالث: التراث والصراعات.........................................
الفصل الرابع: مجازات الأدب الفانتازي.....................................
الفصل الخامس: أبنية خيالية...............................................
الفصل السادس: مسألة النظام................................................
القسم الثاني: الطليعة وبوينوس آيرس و والحداثة...................
الفصل السابع: مغامرة مارتن فييرو: الطليعة والكريولية.......................
الفصل الثامن:  اليوتوپيا والطليعة............................. .............
ببليوجرافيا:................................................................
 
 
 
مقدمة المحرر
 
1-
في سبتمبر 1973، التقيتُ ببورخيس، في شقته، في وسط مدينة بوينوس آيرس. وكنت قد سافرت إلى الأرجنتين لإجراء مقابلة مع صديقه الحميم الكاتب أدولفو بيوي كاساريس Adolfo Bioy Casares، الذي كنت قد التقيت به لأول مرة في قصة لبورخيس: "تيلون، أوكبار، أوربيس تيرتيوس" Tlön, Oqbar, Orbis Tertius. غير أن بيوي كان يقضي شهرين في فرنسا، ولهذا مضيتُ أبحث عن مجموعة من أصدقائه.
أخذني الطريق إلى منزل بورخيس عبر مدينة تغص بالأعلام والحشود الجماهيرية والفرق الموسيقية. وكان [خوان دومينجو] پيرون Perón [Juan Domingo] قد عاد مؤخرا، بعد ثمانية عشر عاما في المنفى، وكان كل شخص يدّعي، فيما بدا لي، أنه يخصه. واستغرق عبوري شارع كورينتيس وقتا، لأن مظاهرة ضخمة للشباب اﻟﭙيروني كانت تندفع عبر ذلك الشارع العام الرئيسي على قرع مئات الطبول. كانت الجدران مغطاة بالشعارات والملصقات. وكانت صورة إيبيتا (إيڤيتا) [ﭙيرون] [Perόn] Ivetta في كل مكان، مع أنها كانت قد توفيت قبل ذلك بعشرين عاما، وكان ﭙيرون عائدا بزوجة أصغر كثيرا هي إيسابيليتا [إيسابيل ﭙيرون] Isabelita [Isabel Perόn]. وسألني الطلاب في الجامعة عن سبب رغبتي في الالتقاء ببورخيس: ما صلة فانتازياته النخبوية الهروبية بهذا العالم من التعبئة السياسية؟ وبعد هذا بعقد من الزمان، علّقت عالمة الاجتماع الأرجنتينية سيلبيا سيجال Silvia Sigal على ردّ الفعل إزاء بورخيس في هذه الأعوام. فقد قال لها كاتب هو خورخي فيئينمان Jorge Feinman، "في بداية السبعينات، أحببتُ بورخيس، لكنني كنت أقول هذا همسا". كما أن ديبيد [ديڤيد] بينياس]David Viñas ، الناقد والكاتب، أجاب على سؤال سيجال بشأن من هو أهم مبدع أو مثقف في الأرجنتين في العشرين سنة الأخيرة، بشيء من السخرية boutade: "بورخيس، واأسفاه hélas".(1)
كان بورخيس واحدا من قلة لم تخرج إلى الشارع. فقد نظر إلى عودة پيرون على أنها انفجار دائري آخر لذلك الجنون الشعبوي الذي وصم المجتمع الأرجنتيني بصورة دورية. وسوف يكتب بعد ذلك بعام أو نحو هذا، في مقدمة كتاب الرمل El libro de arena (1975):
أنا لا أكتب لقلة مختارة، فهي لا تعني شيئا بالنسبة لي، ولا لذلك الكيان الأفلاطوني الذي يجري تملقه والمعروف باسم "الجماهير". فأنا لا أؤمن بكلا هذين التجريدين العزيزين جدا على قلب الديماجوجي (الغوغائي). إنني أكتب لنفسي ولأصدقائي، وأكتب لتسهيل مرور الوقت.(2)
وفي شقته الإسبرطية إلى حدّ ما، قادني بورخيس إلى رف الكتب الذي توجد عليه الأعمال- الإنجليزية- المفضلة. وفيما كان يبحث عن الكتاب الذي كان ينبغي أن أقرأه له- ولم يفلت إلا قليلون من الناطقين بالإنجليزية من شقة بورخيس دون أن يقرأوا له، رغم أنه كان يتولى الإلقاء عادة، مستشهدا بقصائد أو قطع نثرية كاملة من الذاكرة- حكى لي تجربة مرّ بها مؤخرا. ولم تكن هناك طريقة لمعرفة ما إذا كانت حقيقية أم محرفة- وكان بورخيس قد اعتاد تلفيق قصص يرويها للزائر الأجانب أو الصحافة المحلية منذ أن صار، في أوائل الستينات، مركز الاهتمام المتواصل لوسائل الإعلام. وكان قد سأله، فيما روى، صحفي محلي عن رأيه في ﭙيرون فأجاب بالسؤال عن كيف ظل پيرون على قيد الحياة طوال أعوام كثيرة إلى هذا الحد في المنفى في إسپانيا: ربما كان يعطي دروسا في إلإسپانية. (وهذه تنويعة من نكتة قديمة تشرحها سارلو Sarlo في الفصل السابع: كان بورخيس لاذعا في نقد ادّعاء الإسبان للنقاء اللغوي بقدر ما كان لاذعا في نقد التحريف أو التشويه اﻠپيروني الديماجوجي لإسپانية نهر پلاتي Plate الأصيلة). ولم يفهم الصحفي النكتة وقدم عنه تقريرا بلهجة مثيرة- بورخيس يتكلم بصراحة ضد پيرون! وبعد هذا بأسبوع، سافر بورخيس إلى لا پلاتا La Plata لإلقاء محاضرة، غير أنها ألغيت، لأن شخصا ما وضع قنبلة تحت المنصة. وعندما تذكر بورخيس، أو اخترع، حادثة القنبلة، ارتعش صوته غضبا. "أيّ جبناء كانوا، ليحاولوا قتلي بتلك الطريقة- قتلي أنا الذي لستُ سوى رجل عجوز أعمى! لماذا لم يهاجموني ببندقية، أو- ويظل هذا أفضل، بسكين؟" وهنا في، مكتبته، محميا بصورة مبهمة من الضوضاء بالخارج، حلم بورخيس بملاقاة قدره الأمريكي- مثل كثيرين جدا من شخصياته- في مبارزة كريولية، بطعنة سكين. وهنا فإن هذا المرشد الروحي  guru لنقاد الأدب الأوروپيين والأمريكيين الشماليين، المحتفى به كواحد من الكتاب العظام للقرن العشرين، كان لبعض الوقت محاصرا ومهجورا في المدينة التي أحبها- حيث كان يتجاهله، أو بألفاظه، يهدده مواطنوه- يتخيل قدرا بطوليا ربطه بأسلافه العسكريين في القرن التاسع عشر أو بالعنف الجوهري للجاوتشو gaucho. وكان لقاء مربكا: كيف يقرأ المرء بورخيس، وما هو مكانه ككاتب، كمثقف، في كل من الأرجنتين وأوروپا- اللتين ادّعى الانتماء إلى تراثيهما؟
وبعد هذا بسبعة أعوام، في 1980، بدا أن الديستوپيا dystopia التي استدعاها بورخيس عند عودة ﭙيرون قد صارت واقعا، وإنْ لم يكن هذا بالطريقة التي تصورها بورخيس. وكان ﭙيرون قد عاد، وحكم لعدة أشهر، ثم مات. وكانت زوجته إيسابيل، التي أحاط بها فريق متنافر من المستشارين، قد تولت الحكم، وتصاعد العنف والفوضى بصورة خرجت تقريبا عن السيطرة. وبالفعل فإن القتال الضاري كان قد أزهق أرواحا كثيرة ودفع بآلاف إلى المنفى قبل أن يستولي الجيش على السلطة في مارس 1976. والواقع أن أولئك الذين اعتقدوا، مثل بورخيس، أن الجيش سوف يضع حدا للفوضى السياسية ثم يعود إلى ثكناته، سرعان ما تحرروا من الأوهام بصورة وحشية. فالجيش كانت لديه الأجندة الخاصة به: أن يستأصل "سرطان" عدم الاستقرار السياسي والتعبئة الاجتماعية عن طريق إلغاء السياسة وشنّ هجوم عنيف ضد أعدائه الفعليين أو المتخيَّلين. ومات آلاف عديدة من الناس كما فرّ مئات الآلاف إلى المنفى في هذه الحملة التي حطمت المجتمع والمجال الثقافي.
وكنت قد أتيت إلى بوينوس آيرس، في وقت بدأ الجيش يفقد فيه سلطته المطلقة، لكي أقوم بدراسة مركز للفنون، مركز دي تيللا Di Tella، الذي كان يمثل بؤرة نشاط "بوينوس آيرس المترنحة" في الستينات. وكانت ما تزال تبدو لحظة غير ملائمة بصورة خاصة للقيام بتفحص فترة من الاضطراب الثقافي والسياسي حيث أن هذا الاضطراب كان قد جرى قمعه بوحشية، غير أنني وجدت عددا من الفنانين والمثقفين الذين كانوا يمثلون الشخصيات الرئيسية للستينات، يفكرون في نفس الأسئلة، كجزء مما سوف تسميه سارلو في وقت لاحق "سيرة ذاتية جماعية".(3) وقد التقيت ببياتريث سارلو بصحبة أصدقائها وزملائها، الفنان خوان پابلو رينثي Juan Pablo Renzi، والناقدين ماريا تيريسا [تيريزا] جراموجليو  Maria Teresa Gramuglio، وكارلوس ألتاميرانوس Carlos Altamiranos. وكان هؤلاء الأشخاص قد نظموا، جنبا إلى جنب مع عدد من النقاد والفنانين الآخرين، مجموعات قراءة في منازلهم كجزء من ثقافة "السرداب" catacomb ، وهي محاولة لإبقاء النقاش الفكري حيا في وقت كانت فيه الجامعات وكل أشكال انتشار الثقافة تحت الرقابة العسكرية الصارمة، التي حكمت على جيل من الشبان بأن يكبر في سياق خواء فكري. وكانوا قد بدأوا في نشر مجلة ثقافية، هي وجهة نظر Punta de Vista، لاستكشاف حدود ما كان يمكن نقاشه بصراحة أو بصورة غير مباشرة في تلك الفترة. (ومما له دلالته أن المقالات المبكرة قدمت إعادة نظر للتاريخ الأدبي الأرجنتيني وإعادة تقييم لكتاب مثل بورخيس). وفي نقاش على عشاء مشهود بدأ بهدوء غير أنه ظل محتدما طوال الليل، انطلقوا من موضوع البحث الذي كنت أقوم به ثم بدأوا يستقصون معنى الستينات وأوائل السبعينات في الأرجنتين، ذلك السعي المراوغ إلى تحقيق الالتقاء بين الطليعتين السياسية والثقافية. واستكشفوا حدود القومية الشعبوية والنماذج النظرية، من تشي [إرنستو تشي جيڤارا] [Ernesto Che Guevara] Ché  إلى ماو [تسي تونج] Mao [Zedong]، ومن [لويس] ألتوسير  [Louis] Althusserإلى [جاك] لاكان [Jacques] Lacan. وناقشوا آمال وأماني جيل كانت فيما بدا قد انهارت في منتصف السبعينات، وتأملوا في طريق السير إلى الأمام، محاولة إعادة بناء مجال ثقافي مفتت، في كل من الوطن والمنفى. وكانت هذه مهام الثمانينات، مع عودة الأرجنتين ببطء إلى الديمقراطية. ويأتي هذا الكتاب، بعد حوالي عشرة أعوام، ثمرة لمثل إعادة التفكير العميقة هذه في تراثٍ وإعادة كتابته. ولأن بورخيس أهم كاتب في أرجنتين القرن العشرين، ولأنه كاتب يراوغ التصنيف المتناسق، فإن التصالح مع إنتاجه œuvre يمثل أحد أهم التحديات أمام الناقد الأرجنتيني.
2-
إنه تَحَدٍّ رَدَّ عليه نقاد قليلون بطريقة مُرْضية. والواقع أن قراءة للنقد الذي يتناول بورخيس تتيح لنا أن نرسم ببعض التدقيق خريطة للمجال الثقافي المتنامي في أرجنتين القرن العشرين.(4) وقد لعب بورخيس دورا بالغ النشاط في الحركات الطليعية في العشرينات في الأرجنتين، كما يكشف الفصلان السابع والثامن من هذا الكتاب. وتمثلت مهمة هذه المجموعة في أن تنتزع لنفسها مكانا جديدا في معارضة لكل من شيوخ الثقافة الأرجنتينية العظام، كما يمثلهم ليوپولدو لوجونيس Leopoldo Lugones ، ولإنتاج المذهب الطبيعي naturalist والملتزم اجتماعيا لغيرهم من الكتاب الشبان. وقد زعموا أن دعم "الجديد" هو في حد ذاته نشاط ثوري. ولهذا فإنه ما كان لأيّ نقد لبورخيس أن يأتي إلا من أولئك الذين كانوا معارضين لتأكيد الذات لدى الطليعة الشبابية. وقد تبادلت مختلف المجموعات الشتائم وأكسبت تصريحات بورخيس اللاذعة التي كانت في الصميم هذه المجادلات حدا قاطعا مرهفا. وسوف يستمر الاعتراف بأن بورخيس كان في صدارة التجريب حتى الثلاثينات إلى حد كبير. وقد علّق الكاتب الفرنسي پيير دريو لا روشيل Pierre Drieu la Rochelle بطريقة لا تُنْسَى في الثلاثينات، خلال زيارة له إلى بوينوس آيرس، بقوله إن "بورخيس يستحق السفر" Borges vaut le voyage. ولم يحدث إلا في أواخر الثلاثينات، عندما بدأ بورخيس يكتب القصص القصيرة التي سوف تجلب له الشهرة العالمية في وقت لاحق، أنْ بدأ المجال الثقافي يصطف في صفوف وفقا لمختلف الأيديولوجيات السياسية وأنْ شهدت المناقشات حول القومية الثقافية التي برزت، كما تشرح سارلو في الفصل السابع، طوال العقود الأولى من القرن العشرين، انعطافا جديدا.
ومع الثلاثينات، بدأ النظام الليبرالي العريق الذي كان قد أشرف على التطور الاقتصادي الهائل للأرجنتين من ثمانينات القرن التاسع عشر إلى عشرينات القرن العشرين- وكان نظاما يمثل تراثا "عائليا" لبورخيس- يدخل في أزمة. وببطء بدأ يظهر نقد للقيم الأوروپية الليبرالية النخبوية؛ وصعدت إلى المشهد تجمعات سياسية أكثر شعبوية وذات طابع قومي ضيق، وفي عهد پيرون- خلال انتخابات 1946- اكتسبت قوة. وفي هذه الكتابات الجديدة، كان يمكن تصوير الكتاب الذين مثل بورخيس بصورة فظة على أنهم أذناب نظام كان قد سمح لنخبة من ملاك الأرض ومجموعات مصالح أجنبية بتشويه تطور الأرجنتين. غير أن مثل هذه الأفكار ظلت لفترة لا تلقى صدى أو تلقى صدى ضئيلا في المجتمع الأوسع. وقد تعززت القصص القصيرة الثورية التي كتبها بورخيس في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات- فترته الأكثر إنتاجية منذ منتصف العشرينات- بمجموعة قوية التأثير من الكتاب والنقاد. ومن الجلي أن شعبيته لم تكن بالغة الاتساع لأنه، كما أوضحت سارلو، اقترح قطيعة جذرية مع التقاليد السائدة للواقعية السيكولوجيةpsychological realism ، والكوستومبرية [واقعية تصوير العادات والمناظر والأنماط المحلية والريفية] costumbrismo، والمذهب الطبيعي naturalism. وقد تطلب إنتاجه، كما أوضح صديقه بيوي كاساريس في مقال نقدي مبكر، قراءً جددا كانوا تقريبا "متخصصين في الأدب". غير أن الكتاب والمثقفين، بصورة عامة، دعموا إنتاجه كما أنه سحر الكثيرين منهم، في الأرجنتين، ثم بالتدريج في كل مكان في أمريكا اللاتينية. وتأثر ببورخيس بعمق الروائيون والشعراء الذين برزوا في الستينات: خوليو كورتاثر Julio Cortázer، وأكتابيو پاث Octavio Paz، وجابرييل جارثيا ماركيث Gabriel García Márquez، وخوسيه دونوسو José Donoso، وكارلوس فوينتيس Carlos Fuentes، وماريو بارجاس يوسا Mario Vargas Llosa، بين آخرين.
وكان الكاتب الپولندي ڤيتولد جومبروڤيتش Witold Gombrowicz قد بقي في الأرجنتين طوال فترة الحرب العالمية الثانية. وقد رُوي أنه عندما غادر بوينوس آيرس إلى أوروپا أخيرا، صاح من فوق الباخرة قائلا لأصدقائه على الرصيف: "أيها الشبان، اقتلوا بورخيس" Jóvenes, matad a Borges. لقد أدرك أن بورخيس كان قد صار القوة السائدة في النظام الأدبي وأنه سيكون على الأجيال الجديدة أن تتصالح مع، أو أن تكتب ضد، تأثيره. وربما كان عدد من النقاد قد أخذوا كلماته بمبالغة في معناها الحرفي. ففي وقت أخذ بورخيس يسحر فيه الكتاب الشبان في كل مكان في أمريكا اللاتينية، كما بدأ يُعرف بالتدريج في فرنسا (يرجع تاريخ الترجمات الأولى إلى الفرنسية إلى منتصف الأربعينات)، وفيما بعد في العالم الناطق بالإنجليزية، بدأ النقاد الشبان ينهمكون في قتل الأب patricide الذي ألمح إليه جومبروڤيتش. وتباينت الانتقادات بصورة بالغة التعقيد. وفي أكثر الحالات فظاظة، وقع ضحية لشعبوية معادية للإمبريالية، تزداد اشتعالا بالخطابية القومية الطنانة المتفشية التي تميز بها النظام اﻠپيروني الأول (1946-1955). وجرى النظر إلى قصصه على أنها مراوغات نخبوية من "الواقع الفعلي"، وجرى تفسير آرائه المارقة بشأن المؤثرات الأجنبية على أنها extranjerizante [حب الأجنبي، على حساب الأمة]. وكان نقاد مثل أرتورو خاوريتشي Arturo Jauretche وخورخي أبيرلاردو راموس Jorge Aberlardo Ramos وخوان خوسيه إيرنانديث أرّيجي Juan José Heráandez Arregui طليعة الوحشية الجديدة.
وقد حاولت جماعة كونتورنو Contorno وهم نقاد شبان بجامعة بوينوس آيرس معروفون باسم مجلتهم كونتورنو، أن يتفادوا مثل هذه التجاوزات الشعبوية، إلا أنهم ظلوا يشعرون بأن بورخيس يمثل، بالنسبة لهم، نظاما وطبقة كان ينبغي أن تحملهما رياح الحداثة بعيدا. وهناك مفارقة تتمثل في واقع أنه في وقت بدأت فيه الأزمنة الحديثة Les Temps Modernes في نشر بورخيس، جرى توسيع نطاق انتشار [جان پول] سارتر [Jean Paul] Sartre في الأرجنتين لتعليم ضرورة الالتزام commitmemt. ولأن بورخيس لم يكن ملتزما بصورة علنية فقد أحسَّ بأشواك نقاد مثل أدولفو پرييتو Adolfo Prieto، الذي ألف في 1954 كتابا بعنوان بورخيس والجيل الجديد.(5) وهذا المقال ممتع فقط بقدر ما يكشف عن البقعة العمياء (i) blind spot التي أظهرها النقاد عند محاولتهم تناول بورخيس. وكان إنتاج مجلة كونتورنو بجانبه الأكبر فطنا ومعقدا في مراجعته للتقاليد الأدبية والسياسية وفي علاقة نصوصها الأدبية بسياقها. غير أن بورخيس لم يكن ليندرج في أيّ تصنيف سهل وكان يتم انتحال الأعذار له في سلسلة من الملاحظات المبتذلة إلى حد ما مثل "الفطنة والمعرفة الواسعة والأسلوب الممتاز لا تكفل الأدب العظيم"؛ وكانت مقالاته وشعره ونثره مجرد تسليات غير ملائمة للشبان الذين يواجهون المهام الجادة. وكانت مجموعة كونتورو معلمي جيل بياتريث سارلو، وسوف تتناول إنتاج معاصري سارلو لكي تستكشف هذه النقطة العمياء أو لكي تصحح ما أسمته سارلو "الحَوَل الأدبي" estrabismo literario عند كونتورنو.(6)
 


وبشر سقوط پيرون في 1955 بعقد أو أكثر من التحديث في المجال الثقافي في الأرجنتين. فبعد الاكتفاء الذاتي الثقافي لتلك الأعوام، صارت الأرجنتين من جديد منفتحة على "الجديد". وكانت الستينات فترة من الاضطراب السياسي والثقافي. وصار الطالب أو المثقف الشاب في ذلك العقد- وهذا هو جيل بياتريث سارلو- منفتحا على كل المؤثرات. وكان عالم السياسة يغدو أكثر راديكالية بصورة متزايدة. وكان يتم النظر إلى پيرون واﻠپيرونية، بشعوذة غريبة ولكن مفهومة، على أنها القيادة المحتملة لوعي اشتراكي قومي للعالم الثالث. والحقيقة أن الثورة الكوبية، ونفوذ ماو، وتأثير حرب ڤيتنام، وإضفاء الطابع الراديكالي على مايو 1968، كانت لها جميعا أصداء في الأرجنتين. وكان لهذه العملية ناصحوها الفكريون المحنكون: أوّلا سارتر- لكنْ بعد ذلك أيضا ألتوسير، [ميشيل] فوكو [Michel] Foucault، لاكان (ظهرت الترجمات الأولى لألتوسير في غضون أشهر بعد ظهور الكتب في فرنسا: كان الأرجنتينيون دائما قراءً نهمين للنظرية). كانت تلك فترة جرى فيها إنفاق مبالغ طائلة على الإعلان، وصارت فيها الزيارة للمحلل النفسي جزءًا لا يتجزأ من حياة الطبقة الوسطى في بوينوس آيرس، وتدفق الناس على أفلام إنجمار بيرجمان Ingmar Bergman وساعدوا في خلق "رواج" في القصة الأمريكية اللاتينية عن طريق شراء الروايات بعشرات الآلاف من النسخ. أما بورخيس الذي كان يتندر دائما في العشرينات والثلاثينات بأنه تخلى عن كتبه لأنه لا أحد اشتراها، فقد وجد الآن أن لديه جمهورا واسعا ومتزايدا دوما داخل الوطن. ونضجت المجلات الأسبوعية لتعكس وتوجه هذه الأذواق الجديدة وصارت الأزياء بكل مظاهرها بالغة الأهمية. وكان بورخيس في صدارة اهتمام الصحفيين، واستجاب لهذه الشهرة الجديدة بارتياح ساخر. والحقيقة أنه صار بالنسبة لبعض القطاعات رمزا للستينات. وعندما طبعت مجلة ﭙريميرا ﭙﻼنا Primera Plana خريطة لبوينوس آيرس "المترنحة" في الستينات، واضعة فيها كل البارات والمعارض ودور السينما والمطاعم الحديثة الطراز، كان منزل خورخي “Jorgie” علامة بارزة جنبا إلى جنب مع مراكز الفنون والمعارض.
وربما كان من المتوقع أن يعكس الاهتمام النقدي ببورخيس صدى وضعه الجديد ﮐ "نجم". وعلى كل حال فإن البنيويين الفرنسيين من أحدث طراز، من فوكو، إلى [ج.] جينيت  [G.] Genette، إلى [تزڤيتان] تودوروف [Tzvitan] Todorov، كانوا جميعا يقتبسون استشهادات منه وكانت له جاذبية جامعية في كل أنحاء الولايات المتحدة. وقدم له المخرجون السينمائيون كل التقدير والتبجيل، وداعبت مفارقاته الفلاسفة. وإلى حد ما تابع النقاد في الأرجنتين هذه الكتابات الحديثة لأنه بدا، كما توضح سارلو، أن كتابات بورخيس تعكس وتستبق الاهتمامات النقدية الراهنة المتعلقة بالتناصّ intertextuality، أو وهْم المرجعية، أو "موت المؤلف".
غير أنه ظل يمثل مشكلة لأولئك الذين أرادوا أن ينظروا إليه على أنه كاتب "أرجنتيني" يعلق، وإنْ بصورة غير مباشرة، على التراث الأرجنتيني والحياة الأرجنتينية. والواقع أن اليسار والقوميين والشعبويين (وتشمل هذه الاتجاهات مجموعة متنوعة بكاملها من الاهتمامات المتداخلة المتشابكة) ظلوا مرتابين إزاءه بعمق. والحقيقة أن بورخيس لم يكن يساعدهم إذ أنه احتضن سلسلة من القضايا السياسية غير الراقية بكل جلاء. فقد كره ﭙيرون وعارض الثورة الكوبية، وتحدث بصراحة مؤيدا الغزو الفاشل لخليج الخنازير، وأيد الحزب الأرجنتيني المحافظ، وقبل وسام شرف من الديكتاتور التشيلي [آوجوستو أوجارتي]  بينوتشيت   Binochet  [Augusto Ugarte]أثناء أشهر الانقلاب الدموي في تشيلي. ولم يكن ليزكيه أيّ خيار من هذه الخيارات لدى جيل شاب يزداد راديكالية لم يكن بمستطاعه إلا أن يقرأ إنتاج بورخيس من خلال الخطابيات المُقْنعة عن الطبقة، والتبعية، والتخلف، والعالم- الثالثية (نظرية العالم الثالث) Third Worldism. وفي مثل هذا العالم من "الحقائق" التي يتم الالتزام بها، كان بورخيس في أفضل الأحوال يعيش في غير زمانه وكان في أسوأ الأحوال من الأذناب الثقافيين للقوى الإمبريالية الجديدة. وبهذا المعنى كانت الطليعة السياسية والطليعة الثقافية تندفعان متباعدتين جدا أو بالأحرى، كما تعبّر سارلو، "كان شباب الدارسين والمثقفين اليساريين من جيل النصف الأول من السبعينات يفكر في إخضاع قوي (أقوى كثيرا مما تحمل لفظة الهيمنة hegemony) للثقافة إزاء السياسة، والتجربة إزاء النظرية، والعالم الشعبي إزاء الأحزاب السياسية المنظمة على طراز لينيني".(7) وكان ألتوسير قد دافع عن دور قيادي للمثقفين في النظرية الثورية، في حين أن فوكو (الذي كان- في مفارقة أخرى- قارئا رفيع الثقافة لبورخيس في الوقت نفسه، كما يشهد مدخل نظام الأشياء) وتحليله للمعرفة والسلطة، "كان له تأثير قوي ومقْنع على عقلية الشبان الذين لم يشعروا بأي ميل إلى النزعة الإصلاحية وأرادوا أن يخضعوا ممارساتهم للإقرار العام للسياسة".(8) وكان فوكو بشأن السلطة مفهوما، أما فوكو بشأن بورخيس فقد جرى تركه جانبا. وكان انتصار النضال هو الذي يمثل النقطة المهمة، مما قام بتوطيد يوتوپيا التغيير الاجتماعي. ورأى قليلون أن بورخيس كان قد حذر في قصصه المكتوبة في أوائل الأربعينات، من النظم اليوتوپية التي انهارت واستحالت إلى ديستوپيا dystopia. كانت هذه حالة الأرجنتين في السبعينات. وكان من شأن الديكتاتورية العسكرية الوحشية لعام 1976 أن يدفع المجال الثقافي الممزق إلى إعادة التفكير في المقدمات الأساسية وإلى إعادة صياغة قوالب جديدة. وكانت بياتريث سارلو أساسية في هذا المسار.
3-
ورغم أن بعض الأعمال المبكرة لسارلو ظهرت في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، فإن إنتاجها الأكثر أهمية يرجع إلى أواخر السبعينات. ومنذ 1978 أدارت سارلو المجلة الثقافية وجهة نظر، وهي اليوم أهم مجلة للنظرية الاشتراكية في الأرجنتين. ومثل كل أفضل المجلات الصغيرة، تستمر مجلة وجهة نظر بدعم مشترك ومجموعة متماسكة من المساهمين: كارلوس ألتاميرانو، وماريا تيريسا جراموجليو، وخوان كارلوس ﭙونتييرو Juan Carlos Pontiero، وسارلو نفسها، وإيلدا ساباتو Hilda Sábato، وأوجو بيثيتي Hugo Vezzetti، وأوسكار تيران Oscar Terán، ورافائيل فيليپيللي Rafael Felipelli، وآخرون. وعلى صفحاتها نقرأ استجابة النقاد الاشتراكيين إزاء القضايا السياسية الراهنة: انهيار الديكتاتورية العسكرية، وعدم جدوى حرب فوكلاندز/ مالبيناس، والمصاعب التي واجهت النظام الديمقراطي الجديد للرئيس [راؤؤل] ألفونسين [Raúl] Alfonsin، وعار العفو الحكومي عن القادة العسكريين الذين كانوا قد أشرفوا على حملات الاغتيالات. وفي الآونة الأخيرة رسمت المجلة صورة دقيقة لبهلوانيات وشقلبات شعبوية [كارلوس] منعم [Carlos] Menem المحافظة، وهو  پيروني ثاتشري إذا استخدمنا تضادّا لفظيا oxymoron جديرا ببورخيس (رغم أن بورخيس لم يعش طويلا بما يكفي لأن يشهد هذه الپيرونية ذات الطراز الجديد). كما رسمت مجلة وجهة نظر صورة دقيقة للتبدلات في النظرية الثقافية، من موت الماركسية البنيوية عبر المجادلات المعاصرة عن الحداثة modernity وما بعد الحداثة postmodernity. وظل تقديم مؤرخين ونقاد بريطانيين مثل پيري أندرسون Perry Anderson، وإ. ﭖ. تومپسون E. P. Thompson، ورايموند ويليامز Raymond Williams، إلى القراء الأرجنتينيين جنبا إلى جنب مع نقاد أوروپيين من القارة ومنظرين من أمريكا اللاتينية. وفي عدة مناسبات أشارت سارلو كما أشار آخرون إلى الفائدة الخاصة لإنتاج رايموند ويليامز كمنهج لإعادة تحديد مفاهيم المجال الثقافي. وفي حين نظرت البنيوية والبنيوية الماركسية إلى "التجربة" experience على أنها كلمة قذرة، على أنها جزء من المادية المبتذلة أو التاريخوية بدا في هذا المناخ الجديد أن تحليلا ﻠ "التجربة المعيشة" lived experience، أو "أبنية الشعور" structures of feeling، وهي أشكال الوعي العملي، يفتح الباب أمام إمكانيات جديدة. كما أثبت ويليامز أن تاريخ الكلمات يمكن أن يفتح الباب أمام مناطق جديدة للتحليل الدلالي semantic والتاريخي. وكما تعبّر سارلو:
كانت لدينا كلماتنا الرئيسية لنستكشفها. وعلى سبيل المثال، كلمات جاوتشو gaucho، وجرينجو gringo، وكريولو criolo، والبربري، والمهاجر، التي شكلت سلسلة تتابعت عبر النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى العقود الأولى من القرن العشرين. وقدمت عملية إضفاء الدلالات الجديدة  resemantizationالتي استكشفها ويليامز إطارا جديدا يمكن أن نترجمه إلى أسئلتنا نحن عن التكوين الثقافي للأرجنتين.(9)
والحقيقة أن إعادة قراءة الثقافة الأرجنتينية من خلال ويليامز ومن خلال [أنطونيو] جرامشي [Antonio] Gramsci، بين آخرين، أتاحت للمجلة القيام بإعادة كتابة للتاريخ الأرجنتيني وبنقد شامل لما أطلقوا عليه تسمية "الشروح التبسيطية للتاريخ"، وبصورة خاصة أرثوذكسيات النزعة القومية الشعبوية ونظرية التبعية.
وتفتح مقالات سارلو الكثيرة في مجلة وجهة نظر ومجموعة كتبها إمكانيات جديدة للقراءات، أكثر مما تقدم المزيد من القوالب النظرية أو النماذج النقدية.(10) وقد ألقى أول كتاب رئيسي لها في الثمانينات، وهو مكتوب بالاشتراك مع كارلوس ألتاميرانو، نظرة جديدة على التاريخ الثقافي الأرجنتيني، منذ منتصف القرن التاسع عشر. والفصل السابع من الكتاب الحالي مأخوذ من هذا العمل المبكر مقالات أرجنتينية من سارميينتو إلى الطليعة argentinos: de Sarmiento á la vanguardia  Ensayos(ii). و بالاشتراك مع ألتاميرانو كتبت سارلو دليلا نقديا إلى النظرية الأدبية والثقافية الأدب /المجتمع Literatura/Sociedad(iii)- وهو مدخل شامل إلى الموضوع يجمع بين المنظرين الأوروپيين والأمريكيين ونقاد أمريكا اللاتينية الأكثر حدة، ويقدم قراءات لنصوص كأمثلة/ نماذج exempla لمجال إشكالي. وهما يؤكدان بصورة ضمنية أن النقاد الأرجنتينيين قاموا، بسرعة بالغة جدا وفي وقت مبكر جدا، بتشويش أيديولوجيات سياسية سيئة الإعداد وجعلوها تسقط في عالم النظرية الثقافية. ويتساءلان: ماذا نقرأ وكيف نقرأ؟
ومن هذه الزاوية، ركز بحث سارلو نفسها على تأثير الحداثة في الأرجنتين خاصة في العشرينات. وبهذا الصدد، تناقش سارلو مكونا أساسيا من مكونات التاريخ الثقافي لأمريكا اللاتينية ينظر إلى ما هو "شعبي" popular على أنه يكمن في الثقافة الريفية أو المحلية. وهنا تتمثل الكلمة المفتاح التي تستخدمها سارلو- وهي كلمة أساسية بالنسبة لهذا الكتاب عن بورخيس- في الامتزاج mixture الثقافي، في دمج مختلف طبقات التجربة، الحضرية والريفية، الأمريكية اللاتينية والأوروپية، النخبوية والشعبية. ولن يكون هذا الامتزاج خليطا بسيطا- كما يمكن أن يدل تعبير مثل "بوتقة الانصهار"- بل سيكون بدلا من هذا مكانا للتوترات الإبداعية. وتعبّر سارلو عن هذه الآراء بطريقة حاسمة: "أرفض أن أفكر في الثقافة الأرجنتينية على أنها فعل لإضفاء التجانس يتم القيام به باسم الهوية القومية، أو الطبقة العاملة، أو الناس (أو أية منظورات سياسية يتبناها اليسار في هذه الأمور). كما أنني لا أعتقد أنه يتفق مع الحقائق أن نفكر في تاريخ هذه الثقافة على أنه معركة بلا نهاية بين الكتائب القومية والكتائب المعادية للقومية. كما أنه ليس دقيقا أن ننظر إلى هذه العملية على أنها اختيار قاطع الوضوح بين القوى والقوى . وأخيرا، يتمثل إغراء آخر ينتاب اليسار في النزعة الأبوية التبشيرية، التي تجعلهم يحاولون إنقاذ القطاعات الشعبية من أخطار الثقافة والكوزموپوليتانية كما أنها تجعلهم- باسم احترام واجب للثقافات الإقليمية أو الريفية أو الشعبية (الفولكلورية)- يحتفون بأسلوب پانجلوسيّ Panglossian(iv)، بشيء من المحتمل أن يكون نتيجة لللامساواة والظلم والحرمان".(11)
ويتفحص إنتاج سارلو نفسها التراكب المعقد لطبقات المستويات الثقافية المختلفة هذه: من الأدب إلى الفن وإلى الرواية المسلسلة roman feuilleton. وقد نشرت عن المجلات النسائية والأدب المسلسل serial literature كتاب إمبراطورية العواطف(v)El imperio de los sentimentos وعن الحداثة وبوينوس آيرس كتاب حداثة طرَفية: بوينوس آيرس   1920 و 1930- Una modernidad periférica: Buenos Aires 1920 y 1930(vi). والفصلان الأول والثامن من الكتاب الحالي مستمدان جزئيا من هذا العمل الجديد الألمعي المتعدد الأوجه، الذي يستكشف تأثير الحداثة على المدينة ومثقفيها وكتابها. وتتخلل الفكرة الرئيسية المتمثلة في "الحداثة في الأطراف" modernity on the margins كلا المجلدين المذكورين أعلاه. وفي وقت أحدث جدا تدرس سارلو، في كتاب الخيال التقني La imaginación técnica(vii) الطرق التي أثرت بها الأحلام الحديثة للتكنولوجيا (الاختراعات، الإذاعة، وسائل الاتصال الجماهيرية) في مختلف مظاهر الثقافة الأرجنتينية خلال عشرينات وثلاثينات القرن العشرين. ويقوم إنتاجها على أساس من البحث الوثيق البالغ التدقيق الذي يشتبك باستمرار مع- لكنه يحتفظ أيضا بمسافة واضحة من- الأفكار السائدة والقراءات المقبولة/ المكرسة canonical. وبهذه الطريقة تزيح سارلو الأرثوذكسيات السائدة، بنيوية كانت أو شعبوية أو مابعد-حداثية postmodernist، وتستكشف فضاء وحرية الأطراف margins. ونتيجة لهذا فإن سارلو قارئة جيدة بصورة خاصة لبورخيس.
4-
ويجمع الكتاب الذي بين يديك مختلف هذه الاهتمامات. وهو ثمرة سلسلة من المحاضرات التي أُلقيت بجامعة كامبردج في 1992 وركزت على قراءة حميمة لبعض قصائد بورخيس وقصصه القصيرة. ويتمثل إطاره (في الفصول الأول والسابع والثامن) في أبحاثها حول المجال الثقافي الأرجنتيني في عشرينات القرن العشرين التي تقدم، حسب تعبيرها، صورة عامة لبورخيس، سياقا تتم فيه قراءة إنتاجه. وهي تضع في المدخل خطة لتطور مناقشتها، غير أنه لا بد من الإشارة إلى أن هدف سارلو مزدوج على الأقل. فهي تعطي القراء الأمريكيين الشماليين والأوروپيين معنًى لبورخيس باعتباره يكتب داخل وضد تراث أرجنتيني هو في حد ذاته تراث "كوزموپوليتاني" [يجمع بين ثقافات شعوب شتى]. كما أنها تتيح لنقاد أمريكا اللاتينية وخاصة للنقاد الأرجنتينيين أن يعالجوا "الحَوَل" squint الذي تفرضه القراءات المتحيزة، وأن يقدموا طرقا جديدة للرؤية.
وبطريقة بورخيسية حقيقية، يمثل هذا الكتاب نسيجا من لغات وترجمات مختلفة. فالمدخل والفصلان السابع والثامن كانت مكتوبة بالإسپانية وترجمها المحرر. والفصل الأول كان مكتوبا بالإسپانية وترجمه خورخي مييرس Jorge Myers الذي أدخلت المؤلفة تعديلات طفيفة على ترجمته. أما الفصول من الثاني إلى السادس فقد فكرت فيها وكتبتها المؤلفة بالإنجليزية، غير أن المقصود بها كان الإلقاء الشفاهي بجامعة كامبردج. ورغم أن المحررين أدخلوا بعض التصحيحات بغرض تفادي تباينات رئيسية في هذه التدوينات المختلفة، إلا أنه لم تجر أية محاولة متواصلة لإزالة اللهجة الشفاهية من الكتاب ككل. لقد تم إلقاء هذه الفصول كسلسلة محاضرات، ويتم تقديمها هنا في ذلك الشكل. وعند بورخيس، كما عند سارلو، تحتوي كل جملة على أفكار معقدة بحاجة إلى أن يحلّ القارئ عقدتها. وقد تُمثل هذه المهمة تحدِّيًا بالغا في بعض الأحيان، غير أنها مجزية دائما.
جون كينج
John King                                                                                          
جامعة وارويك
University of Warwick
إشارات
 
1:         Silvia Sigal, Intelectuales y poder en la década del sesenta,   Buenos Aires, 1991, p. 26.
2: J. L. Borges, The Book of Sand, 1977, p.2.
3: للاطلاع على مراجعة بياتريث سارلو للستينات، انظر Intelectuales: escisión o mimesis, Punto de Vista 25, December 1985.
4: انظر Maria Luisa Bastos, Borges ante la crítica argentina, 1923- 1960, Buenos Aires, 1974.
5: Adolfo Prieto, Borges y la nueva generación, Buenos Aires, 1954, pp. 86-7.
 6: Beatriz Sarlo, “Los dos ojos de Contorno”, Punta de Vista 13, November 1981, p. 7.
7: Beatriz Sarlo, “Raymond Williams in Argentina”, lecture given at King’s College, Cambridge, April 1992, mimeo. To be published by the Centre of Latin American Studies in Cambridge.
8: Ibid.
9: Ibid.
10: تشرح باتريثيا داليماند Patricia D’Allemand وجهة نظرها هذه في مدخلها الرائع إلى عمل بياتريث سارلو “Hacia una crítica literaria latinoamericana: nacionalismo y cultura en el discurso de Beatriz Sarlo”, Centre for Latin American Cultural Studies, King’s College, London, Occasional Paper 1, 1990.
11: Beatriz Sarlo, “La izquierda ante la cultura: del dogmatismo al populismo”, Punto de Vista 20, May 1984, p. 25.
 
إشارات أسفل الصفحات
 
* مقدمة المحرر
i: المقصود هو الناحية التي يفتقر فيها بورخيس إلى الفهم أو الإنصاف- المترجم.
   Argentine Essays: from Sarmiento to the Avant-Guarde, 1983. :ii
iii: Literature/ Society, 1983.
iv: پانجلوسيّ Panglossian: نسبة إلى الدكتورپانجلوس Pangloss معلم كانديد لڤولتير (1694- 1778) في حكايته الفلسفية كانديد Candide (1759) حيث يدعو پانجلوس المناصر لفلسفة لايبنتس Leibniz  (1646- 1716) إلى نظرية مؤداها أن كل شيء هو الأفضل في هذا العالم الأفضل من العوالم الممكنة وهي النظرة التي تسخر منها رواية أو حكاية ڤولتير- المترجم.
v: The Empire of Sentiment, 1985.
vi: A Peripheral Modernity: Buenos Aires 1920 and 1930, 1988.
vii:The Technical Imagination, 1992.
 
 
 
 
 
     
 
 
 
 
 
مدخل
 
هذا الكتاب ثمرة أربع محاضرات ألقيتها بجامعة كامبردج في فبراير 1992 كأستاذة لكرسي سيمون بوليڤار    Simón Bolívarللدراسات الأمريكية اللاتينية. وعند إلقاء هذه المحاضرات عن بورخيس كنت أحس بشعور غريب. في جامعة بريطانية، كانت امرأة أرجنتينية أستاذة تتحدث عن كاتب أرجنتيني يعتبر اليوم "عالميا" والواقع أنه منذ تلك الأيام البعيدة في الخمسينات عندما ظهرت ترجمات لبعض إنتاجه في الأزمنة الحديثة، انضم بورخيس إلى المجموعة الصغيرة من الكتاب المعروفين في مختلف أنحاء العالم ( المعروفين على نطاق واسع أكثر منهم مقروئين، وهذه هي الطريقة التي تتحقق بها الشهرة في هذا العصر). وبعيدا عن المناخ الذي يمثل شرط قراءة إنتاجه في الأرجنتين، وبعد أن توطد برسوخ داخل الأدب الغربي، فقد بورخيس جنسيته(قوميته) تقريبا: إنه أقوى من الأدب الأرجنتيني ذاته، وأوسع تأثيرا من التراث الثقافي الذي ينتمي إليه. وإذا بدا لنا أن بلزاك Balzac و بودلير Baudelaire أو ديكنز Dickens أو چين أوستن Jane Austen  غير قابلين للفصل عن شيء يمكن أن نسميه "الأدب الفرنسي" أو "الأدب الإنجليزي"، فإن بورخيس، على العكس ، يتحرك في عالم نادرا ما يُسمع فيه تعبير "الأدب الأرجنتيني".
ولهذا أسباب كثيرة، غير أنني أود هنا أن أتناول ما أعتبره أهم تلك الأسباب: في المناخ الأوروپي الراهن، نجد صورة بورخيس أقوى من صورة الأدب الأرجنتيني. والحقيقة أنه يمكن في أوروپا قراءة بورخيس دون الإشارة إلى المنطقة الطرفية marginal التي كتب فيها هذا الإنتاج. وبهذه الطريقة يكون لدينا بورخيس الذي تفسره الثقافة الغربية (ويفسرها في الوقت نفسه) وكذلك التفاسير التي تقدمها هذه الثقافة أيضا للشرق، وليس أيضا بورخيس الذي تفسره الثقافة الأرجنتينية (ويفسرها)، وبصورة خاصة ثقافة بوينوس آيرس. والحقيقة أن صيت بورخيس في العالم جرده من الجنسية(القومية). ويتمثل عامل مساهم آخر دون شك في الكمال النادر الذي تحققه كتابة بورخيس في لغة مثل الإنجليزية. ويمكن أن نؤكد أن هذه اللغة، الإنجليزية، هي لغة جذوره الثقافية، أو- إذا بدا هذا القول أقوى مما ينبغي- أن نؤكد أنها تمثل بطبيعة الحال أحد أقوى المؤثرات عليه. ومهما يكن من شيء فإن المحاضرات في كامبردج جلبت إليّ في وطني هذه الصورة عن بورخيس- وهذا شيء كان ينبغي أن أعرفه من قبل- وتلقيت مزيدا من الإثبات عندما وجدتُ طبعات بورخيس الشعبية، جنبا إلى جنب مع الكلاسيكيات القديمة والحديثة، في كل مكتبة زرتُها في بريطانيا. وما أقوله ليس بالشيء الجديد ويمكن أن يُنسب إلى دهشة ريفي ساذج. غير أنني أحسست في الوقت نفسه أن شيئا في بورخيس (على الأقل بورخيس الذي نقرأه في المدينة التي أحبها، في بوينوس آيرس) تم فقدانه في هذه السيرورة من التحول المزهو إلى العالمية. والحقيقة أن قراءة بورخيس ككاتب بلا جنسية (بلا قومية)، كعظيم بين العظماء، مبررة تماما من الناحية الجمالية: يخاطب إنتاجه الاهتمامات والأسئلة والأساطير التي نعتبرها في الغرب عالمية. غير أن مثل هذه القراءة مهما تكن مبررة تماما، تتضمن الاعتراف والخسارة، لأن بورخيس كسب ما اعتبره دائما ملكا له- حق الأمريكيين اللاتينيين في أن يعملوا من داخل كل تراث. وقد خسر أيضا، وإنْ جزئيا، شيئا اعتبره جزءًا أساسيا من عالمه: علاقاته بالتراث الثقافي لنهر پلاتي وبأرجنتين القرن التاسع عشر.
إنها ليست مسألة استعادة بورخيس إلى عالم رائع وفولكلوري كان يرفضه دائما، بل المطلوب بالأحرى السماح له بأن يتحدث مع النصوص التي دخل معها ومع المؤلفين في مساجلات أدبية واستعادته إلى السياق الذي قام فيه بقطيعاته الجمالية. ولا ينتمي هؤلاء المؤلفون جميعا إلى المبدأ العظيم الخاص بتراث عالمي. إنهم في الغالب غير معروفين جيدا، غير أنهم كانوا مهمين في المجال الثقافي الذي شارك فيه بورخيس من عشرينات القرن العشرين فصاعدا.
وتستكشف الفصول الأولى من هذا الكتاب ما صنعه بورخيس بالواقع الذي لا مفر منه والمتمثل في واقع مولده وكتابته في الأرجنتين. ومن المأمول أن يكون ممكنا بهذه الوسيلة أن نرى بشيء من الصفاء الطرق التي واصل بورخيس من خلالها حوارا مع الثقافة الغربية. وفي غضون عقود قليلة، قدم بورخيس للأرجنتين طريقة جديدة ومختلفة للارتباط بالأدب. وقد أعاد بالكامل تنظيم النسق، واضعا على طرف منه ما تبقَّى من التراث الجاوتشي وعلى الطرف الآخر إضفاء الطابع القصصي على نظرية التناصّ intertext، قبل أن تنشرها كتب النقد الأدبي بسنين. ولهذا فإن بورخيس "مألوف" بالنسبة لقراء وكتاب الأرجنتين، ويمكن أن نرى تأثيره في نوع من اللغة المشتركة lingua franca، في لغة مشتركة koine أدبية تمتزج فيها التفافات قصصه مع الحكايات التي لفقها بنفسه بشقاوة من أجل وسائل الإعلام الجماهيرية ورددها في مئات المقابلات الصحفية من الستينات فصاعدا. ومن السهل اليوم في الأرجنتين إثبات أن مسألة الأدب الأرجنتيني محورية في إنتاجه، الآن بعد أن تم، بصورة نهائية، إضعاف قوى القومية الثقافية الضيقة، التي أدانت بورخيس في الأربعينات والخمسينات.
وباختصار، لا يوجد في الأدب الأرجنتيني كاتب أكثر أرجنتينية من بورخيس. وفي إنتاجه لا يتم التعبير عن هذه السمة الثقافية القومية في عرض الأشياء، بل يحدث هذا بالأحرى في استكشافه للطريقة التي يمكن بها كتابة الأدب العظيم في بلد طرَفي (هامشي) ثقافيا. ويتناول إنتاج بورخيس دوما هذه القضية، وهي إحدى أهم المسائل بالنسبة لبلد فتيّ نسبيا، لا يملك تراثات ثقافية قوية، ويقع في أقصى جنوب الممتلكات الإسپانية السابقة في أمريكا اللاتينية؛ وأيضا في أقصى جنوب المستعمرة الإسپانية الأكثر فقرا ثقافيا، فهي لم تملك أية ثقافات محلية قبل كولومبية عظيمة خاصة بها.
وهناك أسباب كثيرة للنظر إلى بورخيس على أنه كاتب عالمي كوزموپوليتاني. فهو كذلك بطبيعة الحال، ويسمح إنتاجه بمثل هذه القراءة. ويمكن أن يقرأ المرء بورخيس دون رجوع إلى مارتن فييرو Martín Fierro(viii)، أو [د. دومينجو] سارميينتو Sarmiento [D. Domingo]، أو لوجونيس. ويمكن أن تستكشف قراءة كهذه شواغله الفلسفية الكبرى، وصلته المتوترة ولكنْ الدائمة بالأدب الإنجليزي، ونسقه في الاستشهادات، ومعرفته الواسعة المستمدة من التفاصيل الثانوية الدقيقة للموسوعات، وانشغاله ككاتب بمجموع الأدب الأوروپي، وما صاغه هذا الأدب باعتباره "الشرق". ويمكن أن يستكشف مجموعته من الرموز، والمرايا، والمتاهات، ومن أنواع القرين doubles، أو وَلعَهُ بميثولوجيا شمال أوروپا والقبالة cabbala. غير أن قراءة محصورة ضمن هذه الحدود لن تلتقط التوتر الذي يسري عبر إنتاج بورخيس، تلك الحركة غير الملحوظة تقريبا التي تصيب التراثات العظيمة بعدم الاستقرار بمجرد أن تتقاطع مع بُعْد يتعلق بنهر پلاتي (بالمعنى الذي تتقاطع به الطرق- ولكنْ أيضا بالمعنى الذي تمتزج به الأعراق).
وقد كتب بورخيس عند هذا الملتقى بين الطرق. والحقيقة أن إنتاجه ليس سلسا، كما أنه لا يرتكز على أساس ثقافي متجانس. وبالأحرى فإنه ينطوي على توتر يؤدي إليه الامتزاج مع، والإحساس بالحنين نحو، ثقافة أوروپية لا يمكن أبدا أن تقدم بالكامل أساسا ثقافيا بديلا. وفي صميم إنتاج بورخيس يكمن صراع، وسوف يحاول هذا الكتاب أن يقرأ إنتاجه على أنه استجابة لذلك الصراع بدلا من النظر إليه على أنه كتابة غير إشكالية بطريقة منمقة. وقد سعيتُ إلى إبراز هذا التوتر الذي يسري، في رأيي، عبر كل إنتاج بورخيس، ويحدده: لُعْبَة على حافة ثقافات متباينة، تتاخم الحدود، في مكان يُطلق عليه بورخيس الحوافّ las orillas. وبهذه الطريقة، يبرز كاتب له جانبان، هو في آن واحد عالمي (كوزموپوليتاني) وقومي.
وكان بورخيس الكوزموپوليتاني (الذي تعلّم في سويسرا أثناء الحرب العالمية الأولى وتربَّى مبكرا على الكتب الإنجليزية في مكتبة أبيه) قد عاد إلى الأرجنتين في أوائل العشرينات ليبقى هناك إلى ما قبل موته بسنين قليلة جدا. وفي الحال بدأ يطرح أسئلة أساسية. كيف يمكن كتابة الأدب في الأرجنتين، في بلد طرَفيّ marginal ذي سكان من المهاجرين، يعيشون في مدينة ميناء/ مرفأ، بوينوس آيرس؟ وكانت هذه المدينة في سبيلها إلى التحول إلى عاصمة، غير أنها كانت لا تزال محاطة بصورة بالغة بالريف- ذلك المدى الواسع من الطبيعة الذي كان لا يزال من الممكن فيه سماع أصداء ثقافة ريفية كريولية (criollo(ix)، حتى عندما كان التحديث يقضي عليها: قبل كل شيء كأسطورة: في مواجهة ماضيه الكريولي، سأل بورخيس عن الطريقة التي كان يمكن بها تفادي مزالق الطابع المحلي، الذي لا يمكن إلا أن ينتج أدبا إقليميا ومحليا بصورة ضيقة، بدون التخلي عن كثافة الثقافة تلك التي تأتي من الماضي وتشكل جزءًا من تاريخنا الخاص. ويفترض هذا السؤال بصورة مسبقة سؤالا آخر،- يتعلق بالتراث الثقافي. وكان لا يزال ماثلا، قريبا جدا من بورخيس، الأدب الجاوتشي للقرن التاسع عشر في نهر پلاتي، وكتابات سارميينتو، وسلسلة البطولات العائلية تقريبا للحروب الأهلية التي سبقت تنظيم الدولة القومية، والمعارك بين الهنود والبيض طوال عقود ضارية دموية جائرة. ولم تختف قط هذه الآثار للماضي الأرجنتيني من إنتاج بورخيس. وبالأحرى فقد تمثل أحد أهدافه في أن يقوم بتجميع الشظايا المبعثرة لهذا التراث وفي أن يقوم داخل نطاق كتابته ذاتها بإعادة ربط كتابة الأرجنتينيين الآخرين الذين كانوا قد اختفوا في ذلك الحين.
وأول شيء يقوم به بورخيس هو أن يعيد تشكيل تراث ثقافي من أجل المكان الغريب النادر المتمثل في بلاده. ويمكن أن نرى هذا الهدف الجمالي والأيديولوجي في إنتاجه من العشرينات وحتى نشر مجموعة تاريخ عالمي للعار Historia universal de la infamia في 1935، هذه المجموعة التي نشر فيها قصته الأولى عن الكومپادريتو compadritos، أو المقاتلين بالسكاكين. غير أن مهمته لا تنتهي عند ذلك الحد: تُعاود مشكلة الثقافة الأرجنتينية الظهور في قصص بورخيس حتى كتبه الأخيرة، وخاصة في قصص تقرير برودي [تقرير الدكتور برودي] El informe de Brodie المنشورة في منتصف الستينات. ويعيد بورخيس اختراع ماض ثقافي ويعيد تشكيل تراث أدبي أرجنتيني في نفس الوقت الذي كان يقرأ فيه آدابا أجنبية. وعلاوة على هذا فإنه يستطيع أن يقرأ الآداب الأجنبية بالطريقة التي يفعل بها هذا، على وجه التحديد لأنه يقرأ، أو قرأ، الأدب الأرجنتيني. وفي نزعة بورخيس العالمية الكوزموپوليتانية شرط يتيح له أن يخترع إستراتيجية للأدب الأرجنتيني. وعلى العكس فإن إعادة تصنيف التراثات الثقافية القومية تجعل بإمكان بورخيس أن يختصر الآداب الأجنبية وأن يختارها وأن يعيد تصنيفها بدون تصورات مسبقة، مؤكدا حق أولئك الذين غدوا طرَفيين في أن يقوموا باستخدام حر لكل الثقافات، كما يقدم بورخيس للثقافة الأرجنتينية، عن طريق إعادة اختيار ثقافة قومية، قراءة ملتوية للآداب الغربية. ومن حافة الغرب، ينجز بورخيس أدبا يرتبط بالأدب الأجنبي غير أنه ليس تابعا له بحال من الأحوال.
وفي هذا تكمن أصالة بورخيس: ككاتب- ناقد، ككاتب قصة- قصيرة- فيلسوف، يناقش بورخيس في نصوصه، بصورة ملتوية، الموضوعات الرئيسية للنظرية الأدبية المعاصرة. وقد حوّله هذا إلى كاتب معبودa cult writer  بالنسبة للنقاد الأدبيين المعاصرين الذين يكتشفون عنده صُوَرا أفلاطونية لاهتماماتهم: نظرية التناص، حدود وهم المرجعية، العلاقة بين المعرفة واللغة، معضلات العرض والسرد. وتُحوّل آلة بورخيس الأدبية هذه الأسئلة إلى قصص، فتنتج تكوينات mise en forme من المشكلات النظرية والفلسفية دون السماح أبدا لتطور الحكاية بأن يفقد تماما ألمعية المسافة التهكمية أو الموقف الحذر وضد السلطوي للاأدرية. وضد كل صور التعصب، يقدم إنتاج بورخيس المثل الأعلى للتسامح. ولم يتحقق قط تمييز هذه السمة بالتأكيد الكافي، ربما لأننا نحن مثقفي أمريكا اللاتينية اليساريين كنا أبطأ من أن نتعرف عليها في القصص التي تتناول أسئلة عن النظام في العالم. وتقدم ثيمات بورخيس الفانتازية، التي علق عليها النقاد بلا استثناء، فنا معماريا رمزيا allegorical لاهتمامات فلسفية وأيديولوجية. وإذا كان الدفاع عن استقلال الفن والإجراءات الشكلية يمثل أحد عموديْ جماليات بورخيس، فإن العمود الثاني، الأكثر تناقضا، يتمثل في المشكلة الفلسفية والأخلاقية لمصير الكائنات البشرية وعلاقاتهم بالمجتمع. كما يتم طوال هذه الصفحات إلقاء الضوء على هذه الاهتمامات، التي تتعايش مع شواغل ميتافيزيقية عن تنظيم الواقع في كون.
ولم يكن هدفي الإصرار على قراءة واحدة لبورخيس (وهذا بطبيعة الحال طموح أحمق بالأحرى)، بل كان هدفي أن أقدم طرقا مختلفة لقراءته تأخذ في الحسبان الطبيعة المزدوجة والمتناقضة دوما لإنتاجه الأدبي. وأنا لا أريد أن أقدم تفسيرا لبورخيس يقوم على إيثار الكاتب "الكوزموپوليتاني" على حساب الكاتب "الأرجنتيني"، أو أن أختار بين كاتب القصص الفانتازية والكاتب الذي تستحوذ عليه مسائل فلسفية. والحقيقة أن أصالة بورخيس- صورة من الصور الكثيرة لأصالته- تكمن في مقاومته لأن يكون موجودا في المكان الذي نبحث فيه عنه. ويبقى شيء ما من الكاتب الطليعي القديم في هذه المقاومة للرد على ما يجري السؤال عنه أو لسؤال نفسه عما يُراد سماعه منه.
وإذا كانت توجد في أدب بورخيس سمة بالغة الخصوصية ولا يمكن إنكارها، فلا مناص من البحث عنها في الصراع الذي يُوقِع الاضطراب في التنظيم الدقيق لحُججه والمظهر المحكم لكتابته. ومتخذا مكانه على الحدود بين الثقافات، بين الأنواع الأدبية، بين اللغات، صار بورخيس كاتب الحوافّ، طرَفيا في المركز، كوزموپوليتانيا في الحافة. إنه كاتب يزوِّد العمليات الأدبية والإجراءات الشكلية بالقدرة على استكشاف المسألة الفلسفية والأخلاقية التي لا تنتهي أبدا لحياتنا. وهو كاتب يبني أصالته عبر الاستشهادات، والنُّسَخ، وإعادات كتابة نصوص أخرى، لأنه من البداية يتصور الكتابة على أنها قراءة، ومن البداية يرتاب في أية إمكانية للتصوير الأدبي للواقع. وقد حاولتْ هذه الصفحات أن تكون وفية لكل هذه التوترات في قراءتها لبورخيس اليوم، في وقت يبدو فيه أن إنتاجه تغطيه الشهرة التي صاحبت سنواته الأخيرة، وبالشبح الذي لا يتزحزح لمجد بعد الموت.
شكر وتقدير
تمتعتُ في كامبردج بالمساندة الدافئة والقوية فكريا من زملائي في مركز دراسات أمريكا اللاتينية والضيافة الأكاديمية والمادية السخية من الكلية الملكية. وقد وفرت لي هذه المؤسسات والصداقات التي جلبتها شروطا مُثلى لمواصلة هذا العمل. وقد اقترح جيمس دنكرلي James Dunkerley وبصورة خاصة دونالد نيكولسون- سميث Donald Nicholson- Smith طرقا عديدة لتصحيح نصوصي الإنجليزية الأصلية. كما أعبر عن جزيل شكري وامتناني لسخاء صديق قديم لي ولبلادي، جون كينج John King، الذي كان تأليف هذا الكتاب فكرته.
 
إشارات أسفل الصفحات
 
* مدخل
viii: القصيدة الملحمية التي تحمل الاسم نفسه وهو النموذج الأصلي البطولي للجاوتشو، وهي من تأليف خوسيه إيرنانديث- المترجم.
ix: في كل مواضع هذا الكتاب، تشير كلمة "كريولو"/ "كريولي" Criollo [كريويّو] إلى سكان ذوي، وثقافة ذات، أصول إيسپانية Hispanic أو استعمارية أو من القرن التاسع عشر. واﻠ Criollos هم المتحدرون من الإسپان Spaniards، ويمكن أن يكونوا قد اكتسبوا فيما بعد قطرات قليلة من الدم الهندي. والصفة والاسم criollo يشيران إلى ملاك الأرض والعمال والجاوتشو gaucho. كما تشير لفظة criollo إلى الثقافة الرفيعة للقرن التاسع عشر، وإلى نظام إنتاجها، وعاداتها، وقوانينها، وقيمها. غير أن هذه اللفظة تُستخدم أيضا لوصف التكوينات الحضرية الاستعمارية. وفي العقود الأولى من القرن العشرين، استُخدمت لفظة criollo لتحديد تمييز قاطع عن الأجانب المتحدرين من المهاجرين إلى الأرجنتين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
القسم الأول
 
الكتابة على الحافة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفصل الأول
 
صورة عامة لبورخيس
 
بوينوس آيرس في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين. إن كل محاولة للتقسيم إلى فترات مثيرة للجدل، غير أنه لاشك في أن هذين العقدين شهدا تغيرا هائلا. ولا ينحصر الجدل في مجرد الطليعات الجمالية والتحديث الاقتصادي، بل يمتد ليشمل الحداثة كأسلوب ثقافي يترسخ في بنية مجتمع لم يكد يبدي مقاومة، سواء سياسيا، أو اجتماعيا. والحقيقة أن العمليات الاجتماعية الاقتصادية التي تلاحقت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم تبدل فقط المشهد الحضري وإيكولوجيا المدينة، بل أيضا التجارب المعيشة للسكان. وعلى هذا النحو تغدو بوينوس آيرس مثيرة كفضاء مادي وكأسطورة ثقافية في آن معا. وتفترض المدينة والحداثة مسبقا كل واحدة منهما الأخرى لأن المدينة كانت مسرح التغيرات التي جلبتها الحداثة: لقد عرضتها بأسلوب ظاهري وأحيانا وحشي، ناشرة ومعممة إياها.
ولهذا فإنه ليس من المدهش أن تقوم الحداثة، والتحديث، والمدينة، بدمج البرامج، والقيم، والمقولات، التي تسمح لنا بوصف فضاءات فيزيائية جديدة، وعمليات مادية وأيديولوجية. ونظرا لأن بوينوس آيرس تغيرت، أمام أعين سكانها، بسرعة تتوافق مع إيقاع التكنولوجيات الجديدة للإنتاج والنقل فإننا يمكن أن نتصور المدينة كتكثيف رمزي ومادي للتغيير. وبوصفها كذلك فإنه يجري الاحتفاء بها وتقييمها في آن معا. وبوصفها المسرح الذي نطارد عليه أشباح الحداثة فإن المدينة هي الآلة الرمزية الأقوى للعالم الحديث.
ولا يمكن النظر إلى فكرة بوينوس آيرس منفصلة لا عن التغيرات التي أدى إليها التحديث ولا عن تحقيق أفكار أخرى تنتمي إلى مشروعات دومينجو ف. سارميينتو وخوان باوتيستا ألبيردي Juan Bautista Alberdi في القرن التاسع عشر. لقد هزمت المدينة العالم الريفي، وقدمت الهجرة إلى الأرجنتين من أوروپا والهجرة الداخلية (التي صارت ضخمة منذ منتصف الثلاثينات) أساسا ديموجرافيا جديدا. وقام التقدم الاقتصادي بتركيب نموذجه على الواقع، خاصة وأن الكساد الكبير لم يؤثر على التطور الأرجنتيني لفترة ممتدة. وساد الوهم بأن الطابع الطرفي لهذه الأمة الأمريكية الجنوبية صار يمكن النظر إليه على أنه حظ سعيد لتاريخها وليس على أنه سمة لحاضرها.
وفي الوقت نفسه فإن فكرة الأرجنتين كبلد طرفي، كمنطقة ثقافية تابعة- هذه الفكرة العامة التي تبدو غير ملائمة أو حتى بشعة عند مقارنتها بالنموذج الأوروپي- تواصلت بطريقة متناقضة ولكن ليست غير قابلة للتفسير.(1) وقد تشتتت عواطف متعارضة- الاحتفاء، أو الحنين، أو النقد- خلال المجادلات الثقافية عن المدينة. وعلاوة على هذا فقد نُسجت في العشرينات والثلاثينات بعض الأساطير السياسية بقوة حول بوينوس آيرس. هناك، على سبيل المثال، مجاز المدينة- المرفأ كآلة مركزية جاذبة وشرهة تقوم بإفراغ بقية البلاد، التي لم يكن بوسعها بعد أن تعتبر نفسها حضرية حتى مع أن الحضرنة كانت تنتشر بسرعة.(2) وفي هذه الأعوام كان كل من الرغبة في والخوف من المدينة قد انتهيا إلى أن يشغلا حيزا رئيسيا في المجتمع الأرجنتيني والثقافة الأرجنتينية.
والحقيقة أن الرغبة في المدينة قوية في التراث الأرجنتيني في القرن التاسع عشر قوة اليوتوپيات الريفية. وبهذا المعنى فإن المثقفين في القرن التاسع عشر كانوا يتشبثون بنموذج سارميينتو وليس بنموذج خوسيه إيرنانديث، مؤلف مارتن فييرو ونصير حقوق الجاوتشو. وكان الاستثناء الوحيد على هذا هو ريكاردو جويرالديس Ricardo Güiraldes، صاحب النزعة الكوزموپوليتانية الريفية إذا كان من المسموح به أن نستعمل هذا التناقض اللفظي oxymoron، وبورخيس الذي اخترع صورا لبوينوس آيرس والماضي الريفي الأرجنتيني على السواء.
وكان الحيز المثالي للمدينة مفهوما ليس فقط من الناحية السياسية، كما في مختلف فصول العملين الشهيرين فاكوندو Facudo أو أرخيروپوليس Argiropolis  لسارميينتو، ليس فقط كمسرح اكتشف فيه المثقفون المزيج المحدِّد للثقافة الأرجنتينية، بل أيضا كعالم خيالي يمكن أن يخترعه الأدب ويقيم فيه. وقد نفخت المدينة الحياة في المجادلات التاريخية، واليوتوپيات الاجتماعية، والأحلام البعيدة المنال، ومشاهد الفن. وأنْ نلمس الحياة كان يعني الوصول إلى منطقة كانت قد عززت كثيرا من اختراعاتنا. غير أن المدينة، وربما كان هذا هو الأهم، كانت المسرح الأوحد بلا منازع للمثقف، وكان كل من الكتاب وجمهورهم فاعلين حضريين.(3)
وكانت بوينوس آيرس قد اتسعت اتساعا هائلا في العقدين الأولين من القرن العشرين. وكما أكد ڤالتر بنيامين WBenjamin فإن المدينة الجديدة تجعل المتسكع fláneur ممكنا اجتماعيا، وقابلا للتصديق بمعنى أدبي. ذلك أن المتسكع يمكن أن يلاحظ هذه التغيرات بالتحديق المجرد من الهوية لشخص لن يتعرف عليه أحد إذ أن المجتمع لم يعد حيز الصلات المباشرة، بل صار حيزا تنعقد فيه الصلات عبر وساطة مؤسسات وعبر السوق. وفي رحلته من الضواحي إلى وسط المدينة، يعبر المتسكع مدينة صارت محددة من نواح عريضة، غير أنها مازالت تحتوي على قطع كثيرة من الأرض لم يتم البناء عليها بعد، والأراضي البور، والشوارع التي بدون رصيف على الجانب الآخر calles sin vereda de enfrente، بالتعبير اللبق لبورخيس. غير أنه بحلول بداية الثلاثينات كانت قد حلت كابلات أسلاك الكهرباء محل النظم القديمة للغاز والكيروسين. وكانت سماء بوينوس آيرس متشابكة الخطوط بالفعل بأسلاك التليفون وكانت الأسطح مليئة بهوائيات الراديو، ذلك أن الراديو أتى إلى بوينوس آيرس في نفس الوقت المبكر الذي أتى فيه إلى الولايات المتحدة. وكان النقل بالمركبات، وخاصة بالترام والقطارات، قد انتشر وتنوع. وعاش سكان المدينة بإيقاع لم يسبق له مثيل: قدمت تجربة السرعة، وتجربة الإنارة الصناعية- وتجربة الاتصالات البعيدة المدى، التي سرعان ما ستؤدي إلى ظهور صناعة ثقافة قوية- مجموعة جديدة من الصور والمدركات الحسية. وبوسع أولئك الذين كانوا، مثل بورخيس، فوق العشرين في عام 1925 أن يتذكروا بحنين تلك المدينة كما كانت عند منعطف القرن، وكان بوسعهم أن يؤكدوا الاختلاف.
وقد زودت التكنولوجيا المسرح الحضري بالآلية الجديدة؛ فقدمت تعاريف جديدة للمكان والزمان: يوتوپيات مستقبلية متصلة بسرعة النقل، وبالإنارة الصناعية التي أحدثت قطيعة عميقة مع إيقاعات الطبيعة، وبالساحات الكبيرة المغلقة التي كانت نوعا آخر من الشارع، ومن السوق، ومن مكان اللقاء.
ويتضح هذا النمط الجديد من التكوين الجمالي الأيديولوجي، في المقام الأول، في اختلاط الخطابات والممارسات: تكون المدينة الحديثة دائما غير متجانسة لأنها على وجه الدقة محددة كحيز عام. والشارع مكان، بين أماكن أخرى، تشن فيه مختلف المجموعات الاجتماعية حربا للرمزية. كما أن الهندسة المعمارية، وتخطيط المدن، والتصوير، ترفض الماضي، وتصحح الحاضر، وتتخيل مدينة جديدة. وقد أقام المصور إكسولْ سولار Xul Solar،(4) رفيق المجموعات الطليعية في السبعينات الذي يستشهد به بورخيس في كثير من الأحيان، بتفكيك الحيز التشكيلي المجازي، جاعلا إياه في آن معا مجردا وتكنولوجيا، هندسيا ومسكونا برموز قصة سحرية-علمية magical-scientific fiction  نوعية. فالملاحون الجويون الذين رسمهم إكسولْ سولار يطفون داخل طائرات تختلط فيها الأعلام والشارات: ونحن هنا إزاء صورة متقنة للغاية تلخص بمعنى ما التحديث التقني والتنوع القومي لبوينوس آيرس.
كما تمثل يوتوپيات معمارية استجابة مركبة لعملية التحول. فبين 1927 و 1935، تخيَّل ڤلاديميرو أكوستا Wladimiro Acosta قصة معمارية، "بلوك المدينة" كبديل للنمو الفوضوي حقا لبوينوس آيرس. ومن وجهة نظر أخرى، صارت الأريستوقراطية المثقفة بكتوريا أوكامپو Victoria Ocampo راعية ونصيرة للتحديث المعماري وشجعته من خلال مجلة سور [الجنوب] Sur،(5) التي بدأت تُطبع للمرة الأولى في 1931. وبالنسبة لأوكامپو فإنه كان يمكن النظر إلى الحداثة على أنها أداة لتنقية الذوق، لا غنى عنها في مدينة كانت الهجرة إليها قد تركت فيها آثارا مادية، وأحدثت فيها أصول قومية شتى فوضى في الطرز المعمارية. وسوف تطرح الحداثة برنامجا لإضفاء التجانس في مواجهة "ڤولاپوك"  Volapuk (عدم تجانس) في الطرز المعمارية ناشئ عن الهجرة: سوف تضبط كتلُه وواجهاتُه الشارع.
وكان لتأثير هذه التحولات، التي جرت في فترة قصيرة نسبيا من الزمن، بُعْد ذاتي: في الواقع كان بوسع رجال ونساء أن يتذكروا مدينة كانت مختلفة عن المدينة التي كانوا يعيشون فيها في ذلك الحين. وعلاوة على هذا فإن المدينة السابقة كانت مختلفة بدورها عن مدينة طفولتهم ومراهقتهم. وكان ماضي هؤلاء الناس يشكل أساس ما كان قد جرى فقدانه (أو ما كان قد جرى كسبه) في مدينة الحاضر الحديثة.
كانت مدينة بوينوس آيرس قد صارت مدينة كوزموپوليتانية من حيث سكانها. والحقيقة أن ما صدم أو روَّع القوميين في 1910، العيد المئوي لاستقلال الأرجنتين، كان له تأثيره أيضا على مثقفي 1920 و 1930: مجموع المهاجرين الأوروپيين الذين كانوا قد بدأوا القدوم إلى الأرجنتين في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر كان قد وصل في ذلك الحين إلى عشرات الآلاف. وحتى في وقت مبكر مثل عام 1936 وصلت نسبة الأجانب إلى 36.1 في المائة من إجمالي سكان المدن الكبرى في الأقاليم الساحلية. ومن منظور عام كانوا أصغر سنا وكانت نساؤهم ينجبن أطفالا أكثر من النساء الإيسپانو- كريوليات، إلى حد أن المهاجرين وأبناء المهاجرين وصلت نسبتهم إلى 75 في المائة من إجمالي النمو السكاني في الأرجنتين. وكان هؤلاء يمثلون قطاعات صارت متعلمة وكانت قادرة على الحصول على التعليم الابتدائي الإلزامي. وبدأوا الرحلة الشاقة للصعود في المجتمع وانضم كثير منهم إلى صفوف المثقفين والصحفيين.
ويمثل حيز المدينة الحديثة الكبيرة (النموذج الذي اقتربت منه بوينوس آيرس في العشرينات وصارت أقرب إليه أكثر في الثلاثينات) حلبة للامتزاج القومي والثقافي تغدو فيها كل الالتقاءات والاستعارات ممكنة، كفرضية. ولهذا فإن ما نجده هنا يتمثل في ثقافة يحددها مبدأ عدم التجانس الذي يؤدي، في الحيز الحضري، إلى اختلافات ملحوظة للغاية. وفي المدينة تتشكل الحدود بين الخاص والعام وتعاود التشكل بلا انقطاع؛ وهناك يخلق المجال الاجتماعي الشروط الملائمة للامتزاج كما يخلق الوهم، أو الإمكانية الفعلية، لارتفاعات وسقوطات مدوخة. وإذا كان الطريق السريع إلى الثراء يجعل المدينة موقعا ملائما لحراك إلى أعلى، فإن إمكانية عدم تمييز الهوية anonimity تحوُّلها إلى المكان المفضل، الوحيد الممكن حقا، للمتسكع، للمتآمر (الذي يعيش عزلته وسط رجال آخرين)، للرائي voyeur(x) الشهواني الذي يُلْهبه التحديق في المرأة المجهولة التي تمر في الطريق. ويجري الاحتفاء بالرذيلة وبتحطيم القواعد الأخلاقية بوصفها مجد المدينة أو وصمتها. ويفقد الحيز العام قداسته؛ فيغزوه كل شخص، وينظر كل شخص إلى الشارع على أنه مكان عام، وتتضاعف العروض فيه وتتمايز في الوقت نفسه، وتُعرض فيه السلع خالقة رغبات لم تعد تعترف بالقيود التي تفرضها الهيراركية.
غير أنه يوجد هناك شارع آخر، وهو حيز رمزي يظهر بصورة متواترة عند كل كاتب أرجنتيني من العشرينات والثلاثينات تقريبا، من أوليبيريو خيروندو Oliverio Girondo إلى راؤؤل جونثاليث تونيون  Raúl González Tuñόn، مرورا بروبرتو آرلت Roberto Arlt وبورخيس.(6) وفي الشارع يجري تصوُّر الزمن بوصفه التاريخ وبوصفه الحاضر على السواء. ولا شك في أن هذا الشارع برهان على التغير ولكن لعله صار أيضا الموقع الذي يجري فيه تحويل هذه التغيرات إلى أسطورة أدبية. ذلك أن الشارع الحديث، المتشابك الخطوط بكابلات الكهرباء وقضبان مركبات الترام، كان يمكن رفضه، إذ أن الكتّاب بحثوا وراءه عن بقايا شارع لعل التحديث لم يمسسه إلى ذلك الحين- تلك الناصية الخيالية بالضاحية والتي اخترعها بورخيس في صورة الحواف، كمكان غير محدد الملامح بين المدينة والريف. من ناحية هناك الافتتان بشارع وسط المدينة حيث يكثر الأرستقراطيون تماما مثل البغايا، وحيث يَدُسّ بائع الصحف الكوكايين في الظرف لزبائنه، وحيث يتردد الصحفيون والشعراء على نفس الحانات والمطاعم التي يتردد عليها المجرمون والبوهيميون. ومن ناحية أخرى، هناك حنين إلى شارع الحي، حيث تقاوم المدينة وصمات الحداثة، رغم أن الحي ذاته ربما كان نتاجا للتحديث الحضري.
غير أن عدم تجانس هذا الحيز العام- والذي ازداد حدّة في الحالة الأرجنتينية نتيجة للامتزاجات الثقافية والاجتماعية الجديدة التي أحدثها التغير الديموجرافي الضاغط- وضع مختلف مستويات الإنتاج الأدبي في علاقة ببعضها البعض، موطدا نظاما بالغ السيولة من التداول الجمالي والاستعارة الجمالية. وكان قد جرى بالفعل تكوين جمهور متوسط الثقافة نشيط وقاطع التحدد، منقسم إلى فئات اجتماعيا، وأيديولوجيا، وسياسيا. وبحلول منتصف الثلاثينات كان معدل الأمية في بوينوس آيرس 6.64 في المائة فقط. كان هنا، إذن، حيز اجتماعي يشغله جمهور محتمل ضخم من القراء شمل كثيرا من القطاعات الاجتماعية الدنيا. وكان يجري إنتاج كتب، وروايات مسلسلة، ومجلات واسعة التوزيع، من أجل هذا الجمهور الجديد، ليغطي مجموعة واسعة من الأذواق- من الأدب "للمتعة والتسلية" إلى الدعاية التعليمية والاجتماعية الصريحة. وشرعت دور نشر ناجحة مثل كلاريداد Claridad في إصدار دفعات من الطبعة تصل إلى ما بين عشرة آلاف وخمسة وعشرين ألف نسخة، وكانت تنشر شيئا يسيرا من كل شيء: القصة الأوروپية، المقالات الفلسفية والسياسية، العلم الشعبي، الشعر. وكانت هذه الكتب الرخيصة تملأ أرفف القارئ الفقير. وكانت تقدم أدبا مسئولا أخلاقيا، ومفيدا تربويا، وفي المتناول فكريا واقتصاديا على السواء. وقد قام هذا النمط من دور النشر بتكوين جمهور قراء كان، أيضا بفضل نمط جديد من الصحافة، متغيرا ومتوسعا بصورة متواصلة. وبدأ إصدار صحيفتين كبيرتين هما كريتيكا [النقد] Crítica وإلموندو [العالم] El Mundo في 1913 و 1918 على التوالي. وتمثلت السمات المميزة لهذه الصحافة الجديدة للقطاعات الطبقية المتوسطة والدنيا في إيقاع جديد، مقالات قصيرة جدا، مواد أخبارية غير مألوفة، تقارير عن الجريمة، الرياضة والسينما، أقسام مخصصة بصورة محددة للنساء، للحياة اليومية، للأطفال، للكاريكاتور، مع تأكيد خاص على مواد الجرافيك. غير أن هاتين الصحيفتين قدمتا أيضا الوظائف لكتّاب جدد على المجال الثقافي وحتى لأولئك الذين من ذوي الأصل العريق، مثل بورخيس، الذي أدار الملحق الملون لصحيفة كريتيكا لفترة قصيرة. وكان بين الصحافة الجديدة والأدب الجديد نقاط تماس كثيرة وكانا مسئولين معا عن إرساء أسس شكل حديث للكاتب المحترف وأيضا عن ترسيخ تفضيلات القراءة للجمهور الجديد. إننا هنا إزاء ثقافة كانت تغدو أكثر ديموقراطية في الإنتاج، والتوزيع، والاستهلاك.
كما أقام يسار إصلاحي وانتقائي مؤسسات من أجل نشر الثقافة- مكتبات شعبية، قاعات محاضرات، دور نشر، مجلات- موجهة إلى تلك القطاعات التي بقيت على هامش "الثقافة الرفيعة". وجرى طرح مسألتيْ الأممية والإصلاح الاجتماعي باعتبارهما عملية تربية للجماهير العاملة التي كان يجري دمجها بالتدريج في ثقافة ديموقراطية وعلمانية. ومن الناحية الأدبية، كان هذا يعني تقديم سلسلة من الترجمات (من الواقعية الروسية والفرنسية على وجه الخصوص) كما كان يعني تقديم نظرية للإبداع الأدبى a poetics للنزعة الإنسانية الخيرية Humanitarianism.
كما أن المجلات التي كانت من طراز مجلة كاراس إي كاريتاس [وجوه وأقنعة] Caras y Caretas (التي ظهرت لأول مرة قرب نهاية القرن التاسع عشر) جرى تحديثها، بالتعبير عن خطابات ومعلومات من نوع مختلف، والعناية بتقديم عالم رمزي متكامل وجد فيه كل من السينما، والأدب، والموسيقى الشعبية، والمقالات التي تدور حول الحياة اليومية، والأزياء، والمسلسلات الهزلية، مكانا له. كذلك فإن الروايات المسلسلة feuilletons  العاطفية والمجلات صممت بالتفصيل أفقا للرغبة، وقدمت نماذج للمتعة، وعملت من أجل، وللتأثير في، جمهور كان قد بدأ لتوه في استهلاك الأدب. ومن جهة عبْر هذا الوسيط، ومن جهة أخرى تحت السحر القوي للأفلام الصامتة، كان بوسع هذا الجمهور في ذلك الحين أن يحلم الأحلام الحديثة للسينما، والأزياء، ورفاهية العواصم، وعالم المحلات الكبيرة المتعددة الأقسام، وعروض التسوق، والمطاعم الفاخرة، وصالات الرقص. وكان أدب أكشاك الصحف هذا يقوم على المتعة، متعة الإثارة الجنسية، والعاطفية، وأحلام اليقظة. على أن أولئك الذين أنتجوا هذه الثقافة امتزجوا أيضا، مساهمين في اتساع نطاق هذا النسق وفي عدم استقراره على السواء: كانت الاستعارات والمؤثرات الثقافية، والنصوص التي تذبذبت بين الثقافة "الرفيعة" و"الهابطة"، يجري تقديمها جميعا لجمهور ذي تنوع ثقافي بالغ.
غير أن عدم التجانس هذا نفسه كان مقلقا في حد ذاته. ذلك أن الصحف الحديثة الكبرى، والمجلات، والراديو، والسينما، وعروض المنوعات، والمسرح، اتجهت- على وجه التحديد لأنها خاطبت أنماطا مختلفة من الجمهور- إلى تسليط ضوء ثقافي قوي على الفوارق الاجتماعية بين الكريولو القدامى، والمهاجرين وأبناء المهاجرين إلى الأرجنتين. وقد أثار تجاور هذه المجموعات المختلفة نزعات قومية كما أثار رُهاب [الخوف المرضي من] الأجانب، وقام بتعزيز إحساس بالحنين إلى المدينة كما كانت قبل 1920.
وفي ذلك الحين كان من الممكن النظر إلى بوينوس آيرس نظرة محدقة استعادية وضعت في البؤرة ماضيا أكثر خيالية من الواقع (كما هو الحال مع بورخيس المبكر)، كما كان من الممكن اكتشافها انطلاقا من نشأة طبقة عاملة وثقافة شعبية، تشكلت تحت تأثير السينما والراديو وقامت بتنظيمها صناعة ثقافة سريعة النمو. وقد غيرت الرأسمالية الحيز الحضري بعمق وجعلت النسق الثقافي أكثر تعقيدا. وبدأ الناس يعيشون هذا التعقيد ليس فقط كمشكلة مزعجة بل أيضا كثيمة جمالية، حافلة بصراع البرامج والنظريات الأدبية Poetic مما أشعل معارك الحداثة. وحملت واقعية النزعة الإنسانية الخيرية humanitarian realism السلاح ضد الطليعة، غير أن خطابات ذات وظائف مختلفة تصادمت: الصحافة ضد القصة، السياسة ضد المقال العام، الكلمة المكتوبة مقابل الصورة السينماتوغرافية.
وعَمَّتْ المجادلات بشأن تأسيس قاعدة معيارية canon ثقافية مختلف المجلات الأدبية. وكان الكريولو القدامى غير مستعدين للتسليم بأنه يمكن أيضا إنتاج لغة أدبية من جانب كُتاب لم يولد آباؤهم في الأرجنتين، وتكشفهم لكنتهم كمهاجرين قادمين من ضواحي وأطراف المدينة. والحقيقة أن التعقيد الثقافي والأيديولوجي لتلك الفترة إنما هو نتاج لهذه المؤثرات المختلفة، وكذلك لامتزاج مختلف الخطابات من التصوير التكعيبي أو الشعر الطليعي إلى التانجو، أو السينما، أو الموسيقى الشعبية، أو موسيقى الجاز.
كذلك فإن عدم تجانس الخطابات، من الإعلان إلى الصحافة، من الشعر إلى الأدب المبتذل Trivialliteratur، من المسلسلات الإذاعية إلى الميلودراما السينمائية، أجبر الأدب ذاته على الخروج من عزلته، إذ أنه وجد نفسه مضطرا إلى أن يشتمل على هذه المؤثرات المختلفة. ويمثل روبرتو آرلت Roberto Arlt حالة في الصميم. وقد ناقش النقاد بإسهاب الصلة بين رواياته وبين الرواية المسلسلة. ومع هذا فإن آرلت يثبت صلته ليس فقط بأدب "النخبة" بل أيضا بالنصوص والممارسات الجديدة للعلم، والكيمياء، والفيزياء، ولتلك الأشكال الزائفة للعلم الشعبي التي كان يجري تداولها آنذاك في بوينوس آيرس مثل التنويم المغناطيسي، والميسميرية mesmerism [كلمة قديمة بمعنى التنويم المغناطيسي أيضا]، والاتصال التخاطري (التليپاثي)، وما أشبه ذلك. ولا يمكن فهم كتابة آرلت، ولا رغبات شخصياته، إذا لم يتم الرجوع إلى معارف الفقراء التقليدية هذه، المكتسبة في الكتيبات الرخيصة، وفي المكتبات الشعبية التي أقيمت في كل الأحياء، وفي ورش المخترعين الحمقى الذين جرَّبوا الإضاءة التي تُعْمِي البصر للكهرباء، وانصهار المواد، والجلڤنة، والمغناطيسية.
ومن جهة أخرى فإنه ما كانت لتوجد رؤية آرلت المستقبلية لولا طرق جديدة لعرض "مسرح" المدينة- وبصورة خاصة الأفلام. وتنطوي بوينوس آيرس التي يصفها آرلت على شيء من الطابع الكابوسي للمدينة كما جرى تصويرها في الأفلام التعبيرية الألمانية التي كان يجري عرضها في ذلك الحين في بوينوس آيرس. ويزور آرلت المدينة كما لم يفعل أحد قبله. فهو يذهب إلى السجون والمستشفيات، وينتقد العادات الجنسية لنساء الطبقة الوسطى الدنيا ومؤسسة الزواج، ويفضح أنانية البرجوازية الصغيرة والطموح الذي يفسد القطاعات الوسطى الصاعدة، ويصم بالعار ذلك الغباء الذي يقوم بتعريته لدى الأسرة البرجوازية.
ويمكن وضع ممارسة آرلت في مجال مزج وتحويل مختلف العناصر في سياق منظور أعمّ: تكوين الكاتب عن طريق أساليب غير تقليدية تشمل، بصورة محورية، الصحافة ومختلف صور الثقافة الشعبية. والواقع أن نشأة كل من هذين المؤثرين كانت في سياق الثقافة الصناعية الجديدة كما أنهما افترضا بصورة مسبقة نشوء أنماط غير تقليدية من الجمهور، وبالتالي طرقا جديدة لقراءة وتأسيس الأنواع الأدبية.
وقد قدم المشهد الحضري الجديد، وتحديث وسائل الاتصالات، وتأثير هذه العمليات على الأعراف والعادات، إطار عمل وكذلك مجموعة من التحديات أمام المثقفين. وفي غضون أعوام قليلة جدا، كان على المثقفين أن يعالجوا في تجربتهم المعيشة ذاتها تغيرات أثرت على العلاقات التقليدية، وأشكال إنتاج ونشر الثقافة، وأساليب السلوك، والطرق التي تم بها تأسيس القاعدة المعيارية canon الأدبية، وتنظيم المؤسسات. وتُلقي الصراعات الاجتماعية بظلها على المجادلات الثقافية والجمالية. وتتمثل بعض المسائل التي شملها الجدال في اللغة (مَنْ الذي يتكلم ويكتب إسپانية "مقبولة" لا تشوبها مؤثرات أدخلها المهاجرون؟)، والكوزموپوليتانية (فيم تتمثل أممية مشروعة وفيم يتمثل إفساد للأمة؟)، والكريولية (ما هي الأشكال التي يمكن دمجها في مبدأ جمالي جديد وتمثل مجرد انحرافات بديعة وفولكلورية؟). وفي الوقت نفسه، يوجد دائما تقييم للماضي يجري التعبير عنه بعبارات نوستالجية أو نقدية.
وفي أوروپا تتميز عملية الحداثة بوضع من الاستقلال النسبي إزاء الماضي، وهو وضع يصفه كارل شورسكه Carl Schorske بأنه لامبالاة متزايدة: الماضي لم يَعُدْ يُرَى في صورة استمرارية وظيفية. ويشير شورسكه إلى "موت التاريخ"، كشرط مسبق ضروري لتأسيس الحداثة كخطاب شامل وكممارسة للهيمنة في المجاليْن الأدبي والثقافي: انتصار [فريدريش] نيتشه [Friedrich] Nietzsche.(7) غير أن هناك، في حالة بورخيس وكثير من كتاب الطليعة الأرجنتينية، محاولة واضحة لمنح الماضي وظيفة جديدة. ذلك أن صرامة القطيعة مع التراث الثقافي مرتبطة بالعنف الذي يمارسه هذا التراث. وتغدو القطيعة أكثر جذرية في مجتمع تكون فيه الأشكال الحديثة للعلاقات بين المثقفين عميقة الجذور بالفعل، وتكون قد تكونت فيه انقسامات وجماعات جمالية وأيديولوجية، وتوجد فيه صراعات واضحة حول القاعدة المعيارية canon، حول الرموز والسلطات. وعندما تكون المجابهة إزاء تراث وطيد قوي فإنها تبدو وكأنها استراتيجية ضرورية من وجهة نظر الفنانين الجدد والمبادئ الجمالية الجديدة. وفي الثقافة الأرجنتينية يجري منح هذه الصلة العامة مع الماضي شكلا نوعيا عن طريق القراءة والاستعادة الخيالية لثقافة متأثرة للغاية بالهجرة والحضرنة.
وعلاوة على هذا فإنه يوجد في الأرجنتين، كما في بلدان أخرى في أمريكا اللاتينية، اختلاف بين أشكال الحداثة الفنية، التي تشدد على الاستقلال الذاتي، وأشكال القطيعة الطليعية، الباحثة عن منبر عام للتعبير عن الصراعات الفنية. والحقيقة أن عملية التحديث الثقافي، التي تم تحقيقها في القرن العشرين، تتعلق بصورة رئيسية ببرامج النزعة الإنسانية humanism واليسار. وبالنسبة للطليعة يمثل "الجديد" الأساس لترسيخ قيمة جمالية، في حين أنه بالنسبة لمثقفي اليسار يجب البحث عن هذا الأساس في الإصلاح، أو في الثورة، أو في نوع ما آخر من يوتوپيا التحويل. وفي هذا السياق تجد الحداثة مكانها في عمليات تغيير أسس الممارسات الثقافية.
وعلى هذا النحو جابهت الأيديولوجيات السياسية والجمالية والثقافية بعضها الآخر في جدال اتخذ بوينوس آيرس مسرحا له، وفي كثير من الأحيان شخصية رئيسية له. والمدينة الحديثة حيز متميز يجري فيه تنظيم أشكال عينية ورمزية من ثقافة في سياق من التحول في شبكة العمل الكثيفة لمجتمع منقسم إلى طبقات. وقد جرى تمثيل أو تشويه هذه الفوارق الاجتماعية في المجال الفكري وكانت ماثلة في الصراعات المؤسسية والجمالية على السواء. وقد أحس المثقفون بأن المعارك التي كان يجري خوضها في المجال الثقافي تمثل فصولا هامة في عملية كان المستقبل يتعرض فيها، بطريقة ما، لخطر. وقد أنتجوا ردود أفعال مختلفة على هذه الحالة من عدم التجانس؛ فدافع البعض عن نخبة روحية يمكن أن تطهر أو، على الأقل، تشجب الطابع المصطنع والفاسد للمجتمع الأرجنتيني. ولجأ آخرون إلى أساطير وصور الماضي لعلها تصلح لإعادة هيكلة العلاقات الراهنة، هذا التكتيك الذي أدى في كثير من الأحيان إلى اختراع ماضٍ خاص. ويبقى آخرون غيرهم أقروا بتنوع الحاضر وكان الأمل يحدوهم في أن يقوموا عن طريق ذلك التنوع بإعادة بناء ثقافة.
ومتأثرين بالتغيير، وغارقين في مدينة كانت لم تعد مدينة طفولتهم، ومجبرين على الإقرار بوجود رجال ونساء قاموا، نتيجة لكونهم مختلفين، بتدمير أية مفاهيم عن وحدة أصلية، وناظرين إلى أنفسهم على أنهم مختلفون عن النخب الأدبية من ذوي الأصل الإسپاني الكريولي، حاول مثقفو بوينوس آيرس، بطريقة مجازية أو مباشرة، أن يجيبوا على السؤالين الرئيسيين في زمنهم. كيف يجري قبول أو طمس الاختلافات في التجربة المعيشة، وفي القيم، وفي الممارسات؟ وكيف يتم بناء هيمنة من أجل عملية شاركوا فيها جميعا، وسط صراعات وشكوك في مجتمع في حالة تحول؟ وقد ظلت الإجابات على هذين السؤالين للعشرينات والثلاثينات ملائمة حتى الخمسينات على الأقل. وكانت هذه فترة من الشكوك، ولكن أيضا من اليقينيات الكبرى، من إعادات القراءة للماضي، ومن يوتوپيات تصادمت فيها تمثيلات المستقبل والتاريخ في نصوص ومساجلات. وكان "الجديد" يدفع ثقافة بوينوس آيرس إلى الأمام، رغم أن مثقفين كثيرين أحزنهم الطابع الذي لا رجوع عنه للتغيير. ذلك أن الحداثة مسرح لفانتازيات الاستعادة ولكن أيضا للفقدان، وهذا ما يجلب معه مشاعر الحنين.
 
إشارات
 
1: كان خطاب المقالات في الثلاثينات والأربعينات يتخذ كموضوع من موضوعاته الأساسية هذا المفهوم عن البشاعة “monstrosity”، الذي نشأ عن التحديث والذي، وفقا لواضعيه، لم يكن ليغدو رفيقا ضروريا للحداثة في أوروپا. وفيRadiografía de la Pampa (1933)  يطرح إيثيكييل مارتينيث إسترادا Ezequiel Martinez Estrada نقده لبلد لم يستجب لوعود وأحلام "آبائه المؤسسين". ولم تترك الهجرة الضخمة للأرجنتين سوى صورة منحطة من أوروپا (صورة استبقها ذلك التصور الذي يفهم الفتح الإسپاني على أنه اغتصاب rape)؛ وكانت بوينوس آيرس قناعا لم ينجح إلا في أن يثبت بطريقة واضحة للغاية فشل الحضارة في أمريكا. أما Historia de una pasiόn argentina (1937) الأقل تشاؤما لإدواردو ماييا Eduardo Mallea فإنه يبدي الدهشة إزاء المدينة الكبيرة غير أنه، في الوقت نفسه، يتصور أن المدينة المرئية والمادية تغطي واقعا آخر غير مرئي ينبغي تأسيس الثقافة الأرجنتينية على قيمه.
2: في الثلاثينات، بدأ راؤؤل سكالابريني أورتيث Raúl Scalabrini Ortiz مهمته المتمثلة في التنديد بالدمار الاقتصادي للأرجنتين الذي نتيجة للإمبريالية البريطانية التي زُعِمَ أنها، عن طريق مدّ شبكة السكك الحديدية، شوهت الأرض القومية وحولت بوينوس آيرس إلى منطقة تتدفق إليها بصورة جائرة كل الثروات التي تنتجها الأقاليم. وكان لأعمال سكالابريني أورتيث تأثير هائل على تكوين الأيديولوجيات والأساطير القومية التي سوف تتلاقي، بعد عقود، في الپيرونية.
3: في رأي خوسيه لويس روميرو José Luis Romero تمثل هذه الإنتاجية للحضريين  (وللنخب الحضرية) إحدى السمات الرئيسية للميراث الثقافي والمؤسسي لأمريكا اللاتينية. انظر Latinoaméricana: las ciudades y las ideas, Mexico City 1976.
 4: Aldo Pellegrini, Prologue, Xul Solar 1887- 1953, Paris 1977.
5: John King. Sur: A Studyof the Argentina Literary Jounal and its role in the Developmentof a Culture, 1931-1970, Cambridge 1986.
6: Olivero Girondo, Veinte poemas para ser leídos en el tranvía, in Obras Completas, Buenos Aires 1990 Raúl González Tuñόn, El violin del diablo, Buenos Aires 1926, and Miércoles de ceniza, Buenos Aires 1928 Jorge Luis Borges, Poemas (1922- 1943), Buenos Aires 1943 Roberto Arlt, El juguete rabiosa, Los siete locos, Los lanzallamos, and El amor brujo, in Obras completas, Buenos Aires 1981.
7: Carl Schorske, “The Idea of the City in European Thought: Voltaire to Spengler”, in Oscar Handlin and John Burchard, eds., The Historian and the City, Cambridge (Mass.) 1963.
 
إشارات أسفل الصفحات
 
* الفصل الأول
x:  الرائي (المتلصص جنسيا) voyeur: شخص يحصل على إشباع جنسي أو لذة جنسية من رؤية المشاهد الجنسية- المترجم.
              
 
 
الفصل الثاني
بورخيس والأدب الأرجنتيني
يقدم إنتاج بورخيس أحد النماذج- وربما النموذج الأمثل- للأدب الأرجنتيني. إنه أدب جرى بناؤه، كالأمة الأرجنتينية ذاتها، من مؤثرات مختلفة: الثقافة الأوروپية، والتراث الكريولي، واللغة الإسپانية بلكنة نهر پلاتي. والمكان الذي يقيم فيه بورخيس، والذي اخترعه في دواوينه الشعرية الثلاثة الأولى المنشورة في العشرينات،(1) هو ما سماه بورخيس الحواف las orillas. ومنذ البداية، رفض بورخيس ذلك النوع من النزعة الريفية اليوتوپية التي كان قد قدمها ريكاردو جويرالديس في دون سيجوندو سومبرا Don Segundo Sombra (1926)، هذه الرواية الكلاسيكية التي تتتبَّع تربية صبي في بيئة تسودها أعراف وأخلاق سهول الپامپا pampas بتوجيه الشخصية الأكثر نجاحا لمعلم جاوتشي. وفي نظر بورخيس، ينبغي، بدلا من هذا، أن يكون المشهد الخيالي للأدب الأرجنتيني منطقة مبهمة صارت فيها نهاية الريف والخطوط الخارجية للمدينة غير واضحة المعالم.
وقد لعب بورخيس عل كل معاني لفظة  orillas(حافة، ساحل، هامش، حدّ) من أجل خلق أيديولوچيم ideologeme (xi) قوي بما يكفي لأن يفسر شعره المبكر ولأن يعاود الظهور في كثير من قصصه القصيرة. وعن طريق هذا الأيديولوجيم خلق بورخيس أسطورة للمدينة، التي كانت في رأيه بحاجة ماسة إلى أساطير:
لا وجود لأساطير في هذه البلاد وما من شبح واحد يجوس خلال شوارعنا. وهذا هو عارنا. إن واقعنا المعيش باهر غير أن حياة خيالنا حقيرة ... وبوينوس آيرس الآن أكثر من مجرد مدينة، إنها بلد، وعلينا أن نجد الشعر، والموسيقى، والتصوير، والدين، والميتافيزيقا، الملائمة لعظمتها. هذا حجم أملي وأنا أدعوكم جميعا إلى أن تصيروا آلهة لتعملوا على تحقيقه.(2)
وفي تلك الأعوام في بوينوس آيرس، كانت لفظة orillas تصف أحياء الضواحي الفقيرة التي كانت تقع في جوار قريب إلى سهول الپامپا التي كانت تحيط بالمدينة. وكان الأوريّيرو (ساكن الحواف) orillero هو المقيم في تلك الأحياء، التي كانت تُعتبر عادة فظة وفي كثير من الأحيان عنيفة، وهو الذي حافظ على كثير من أعراف وأنماط سلوك ماضيه الريفي القريب. وكان الأوريّيرو يعمل في مشروعات نصف ريفية نصف حضرية مثل محلات الجزارة، التي احتاجت إلى كثير من مهارات اليد العاملة الريفية واستخدمتها. وكان يعرف كيف يستخدم سكّينا مثل أجداده الجاوتشو، وكان يواصل، كما تمضي السيرة قائلة، استعماله كسلاح في المبارزات. وقد تمثل نموذج أكثر أسطورية  للأوريّيرو في الكومپادريتو compadrito، هذه الشخصية التي صارت شهيرة فيما بعد من خلال أغاني التانجو. وينتمي النموذج الأصلي للأوريّيرو إلى التراث الثقافي الكريولي، فيما قبل وصول المهاجرين الإيطاليين والأوروپيين الآخرين إلى الأرجنتين. غير أنه، كما أقرّ بورخيس نفسه متهكما، فإن أبناء المهاجرين الإيطاليين الذين نجحوا في أن يصيروا مندمجين في الثقافة الكريولية كان بوسعهم أيضا أن يطمحوا إلى أن يكونوا  كومپادريتو compadritos. على أنه بحلول الزمن الذي بدأ بورخيس يكتب فيه، كان الأوريّيرو [سكان الحواف] orilleros   والكومپادريتو يفقدون سماتهم الأكثر عدوانية وتميُّزا ممتزجين في ثقافة شعبية مشتركة. وعندما يستدعي الحواف، يكتب بورخيس عن العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والعقدين الأولين من القرن العشرين أكثر مما يكتب عن العشرينات والثلاثينات. ومدركا لهذه الإزاحة الزمانية، يستخدم الزمن الماضي ويُورد تواريخ تشير إلى شيء ما جرى فقدانه، ولم يعد من الممكن لاسترجاعه:
يا شارع سيرانو،
أنت لم تعد نفس ما كنتَ في زمن العيد المئوي [لاستقلال الأرجنتين]
كنتَ في ذلك الزمن سماءً أكثر وأنتَ الآن مجرد مبانٍ(3)
وفي نظر بورخيس، تملك الحواف سمات إقليم خيالي، فضاء في الوسط بين السهول والمنازل الأولى للمدينة، موقع طوپوغرافي حضري- كريولي، موضَّح في الصياغة التي صارت الآن كلاسيكية باعتباره الشارع الذي بدون رصيف على الجانب الآخر sin vereda de enfrente. وتتسع الحدود بين المدينة والريف عند الحواف عندما تصير هذه الأخيرة فضاء أدبيا. وفي الوقت نفسه تصير هذه الحدود مسامية. ومشهد الحواف يتميز بامتدادات خلاء من الأراضي البور والجدران الطينية ذات التجاويف [التي توضع فيها الزهريات والتماثيل]، ببروز الشبابيك المزخرفة وأسيجة السينا- سينا cina-cina وزهر العسل، بالباحات التي تكسر المدى اللانهائي للسماء:
الباحة، التي تتحدى السماء
الباحة هي المنحدر
الذي تصب السماء في المنزل تحته(4)
وتأتي العربات الصيفية carros del verano إلى الحواف تفوح منها رائحة السهول. كما أن الجدران القرنفلية الفاتحة، والزرقاء السماوية، والمطلية بالجير الأبيض للمنازل الريفية هي أيضا ألوان الحواف. وفي الحواف، وبصورة غير ملحوظة، تصير اﻠ پولپيريا pulpería [مطعم ومشرب ريفي]،  دكان بقالة almacén، ويصير تقاطع طريقين ريفيين ناصية شارع.
ومن ذاكرة لبوينوس آيرس ليست تقريبا ذاكرته، يحرض بورخيس ضد المدينة الحديثة هذه المدينة الجمالية بدون مركز، المبنية بالكامل على القالب المصمم لهامش. وما كان بديهيا بالنسبة لمعاصريه يصير غير ملحوظ في شعر بورخيس في العشرينات. وكان اثنان من أبرز معاصريه، هما الروائي آرلت والشاعر خيروندو، مفتونين بحركة "الجديد": القطارات وعربات الترام، والمباني العالية، وبلوكات المدينة. أما بورخيس فيقوم، على النقيض، بإعادة بناء شيء ما من المحتمل أنه لم يوجد مطلقا، شيء كان من الممكن، لهذا السبب ذاته، تحويله إلى حنين. والحقيقة أن حواف الأدب المهددة يمكن أن نلقاها في أي ناحية من المدينة، على وجه التحديد لأنها أطراف بدون مركز. ويمكن تحديدها بحركة المتسكع flâneur، الذي يهيم على وجهه بلا هدف عبر الضواحي النائية والأحياء البرجوازية الصغيرة الأكثر ألفة، محدِّقا بابتهاج إلى الماضي الذي ينبسط أمام عينيه في المباني والمشهد:
هناك زمن كان فيه هذا الحي صداقة،
نزاعا بين صور من النفور والمودة، مثل أمور الحب الأخرى؛
غير أن ذلك الإيمان يتواصل بالكاد
في بعض المآثر الغابرة التي سوف تموت:
في الميلونجا التي تستعيد إلى الذاكرة النواصي الخمس،
في الباحة مثل وردة ثابتة تحت الجدران المتسلقة،
في اللافتة غير المدهونة التي تعلن، ما تزال، زهرة الشمال،
في الرجال الذين يلعبون الجيتار والورق في المخزن العام،
في الذاكرة الساكنة للرجل الأعمى. هذا الحب المبدَّد هو سرنا المُحْبَط.
هناك شيء ما غير مرئي يأخذ الآن في الاختفاء من العالم،
 حُبُُّ ليس أوسع من لحن.
الحيّ يغادرنا الآن، والشرفات الرخامية الصغيرة المتينة
 لا تضعنا وجها لوجه، مع السماء(5)
وفي إحدى مقدماته الكثيرة ﻠ مارتن فييرو، العمل الرئيسي للأدب الأرجنتيني في القرن التاسع عشر، يؤكد بورخيس أنه "تتمثل وظيفة من وظائف الفن في توريث أمس وهميّ لذاكرة البشر".(6) وهذا الأمس الوهمي هو أيضا، أو ربما بصورة أساسية، مكان يستبقيه بورخيس من الريف، لأنه يفضل "تلك الشوارع الطويلة التي تفيض على الأفق، حيث تزداد الضاحية فقرا بصورة متواصلة وتمزق نفسها إرَبًا في الخارج بعد الظهر".(7)
وقد حرر بورخيس الحواف من الوصمة الاجتماعية  للكومپادريتو، الذي كان يسمَّى أيضا في بعض الأحيان الأوريّيرو، وبدلا من النظر إلى الحواف على أنها حدود يمكن منها فقط القفز إلى العالم الريفي ﻠ دون سيجوندو سومبرا، يتلبث بورخيس هنا ويصنع من الحافة إقليما ومجازا. وقد اختار أن يقيم مكانا في ذلك الهامش، مدركا على نحو ما أنه يمكن العثور هناك على صورة شفرية للأرجنتين. ولعل هذا هو الذي يفسر امتناعه عن الاعتراف بالإحياء الجاوتشي الذي بشر به ريكاردو جويرالديس في دون سيجوندو سومبرا، ويفسر كذلك ضعفه إزاء شاعر ثانوي من بوينوس آيرس، إيباريستو كارييجو Evaristo Carriego، الذي كتب بورخيس عنه مقالا في طول كتاب، وهو منشور في 1931.
ولم يكن بوسع بورخيس إلا أن يهتم بكارييجو. ذلك أنه عند كارييجو، ربما بطريقة خرقاء، يمكن العثور على موضوع نظر إليه كتاب النخبة في تلك الفترة على أنه هامشيّ. وفي العقد الأول من القرن العشرين، كان مركز المجال الثقافي يشغله ليوپولدو لوجونيس والحداثة modernismo، شعر غنيّ بالصوت والقافية، في صورة غريبة (مجلوبة) مبنية على نسق محكم الصنع من المدركات البصرية واللمسية والموسيقية، استلهمت الپرناسية والرمزية الفرنسيتين، وڤيكتور هيجو Victor Hugo ووالت ويتمان Walt Whitman. ورغم أن الحداثة (وشاعرها الرئيسي روبن داريو Rubén Dario) كانت أصيلة للغاية في قدرتها على الجمع بين مختلف المؤثرات الجمالية وعلى مزجها في نغمة جديدة مميزة ومشهد ثقافي جديد مميز، فإنها كانت، بحلول العشرينات، قد استنفدت إمكاناتها الكامنة، وذَوَتْ جِدَّتُها لتصير جزءا مما كان يمكن النظر إليه على أنه التيار الأدبي الرئيسي. وقد عارض كتاب الطليعة التيار الأدبي الرئيسي وأبدوا احتقارهم له: كانت الحداثة قد صارت حركة راسخة وطيدة ينبغي الإطاحة بها.
وكان بورخيس معاديا بشدة للحداثة وللوجونيس، وسيكون شعره ذاته مختلفا تماما عن ممارساتهم. و، إذا كانت الحداثة مركز النسق الأدبي، فقد اعتبر بورخيس أن كارييجو كان على وجه التحديد على الهامش: كاتب كان قد حاول أن يكون حداثيا modernista، فقط ليتوصل في وقت لاحق، في اثنتيْ عشرة قصيدة عن الضواحي، إلى شكل معتدل من العاطفية كان استباقا لأغاني التانجو النوستالجية لأوميرو مانثي Homero Manzi.
وبمجرد وضع كارييجو مقابل لوجونيس فإن كل الهيراركيات الجمالية- الأيديولوجية التي كانت تنظم الأدب الأرجنتيني من قبل كان من الممكن قلبها رأسا على عقب. وكان القضاء على لوجونيس يمثل إحدى المهام التي طبق عليها بورخيس، باقتناع كبير، تهكمه النقدي، بادئا بنصوصه الأولى في العشرينات. وكان مقال/ كتاب إيباريستو كارييجو Evaristo Carriego فصلا رئيسيا في هذا النضال الأدبي. كما يتعرف بورخيس عند كارييجو على نص- أسبق pre-text، بالمعني الأكثر أدبية للكلمة. ذلك أن كارييجو هو النص السابق لنصوص بورخيس نفسها، فقد كتب شيئا لم يكن ليكتبه بورخيس، غير أنه كان شيئا يحتاج إليه بورخيس كنقطة انطلاق نحو إعداد نظرية للأدب الأرجنتيني. والحقيقة أن أغنية الحي La cancíon del barrio لكارييجو نص- أمّ ur-text سريّ، وفرضية ضرورية بالنسبة للشعر المبكر لبورخيس.
وبطبيعة الحال فإن سيرة بورخيس عن كارييجو تمثل أيضا نصا- أسبق من نواح أخرى(8). ففي مقدمة أضيفت بعد ذلك بخمسة وعشرين عاما، يبوح بورخيس بأحد الدوافع التي تشكل أساس ذلك الكتاب. لقد أراد أن يعرف، بمعنى بيوجرافي وأدبي، ماذا كان يقع خارج المنزل العائلي لطفولته في حي پاليرمو Palermo :
ماالذي كان يوجد، في الوقت نفسه، على الجانب الآخر من القضبان الحديدية؟ وأية مصائر سوقية وعنيفة كان يجري التنفيس عنها هناك بالخارج على بعد خطوات قليلة مني، وفي الحانة التي يملأ جوها الدخان أو في الأرض البور الخطرة؟ وماذا كانت صورة حي پاليرمو، أو كم كان يمكن أن يكون حي پاليرمو جميلا لو كان على تلك الصورة؟(9)
ويمثل تاريخ پاليرمو، الذي يؤلف الفصل الأول من الكتاب، نصا- أسبق لتاريخ تضافرت فيه بعض صور الحواف والكومپادريتو، التي كان بورخيس قد اشتغل عليها بالفعل، مع تفاصيل كانت وظيفتها الوحيدة شعرية. ويبدأ الفصل الثاني "حياة لإيباريستو كارييجو" Una vida de Evarsto Carriego، بعرض المفارقة المتمثلة في "أن فردا يرغب في أن يوقظ لدى فرد آخر ذكريات كانت لا تنتمي في يوم من الأيام إلا إلى فرد ثالث": إنه يبدأ، بعبارة أخرى، بالمناقشة نقديا لفكرة السيرة ذاتها. وعلى هذا النحو فإن منطقا ذاتيا على وجه الحصر يربط معا "وقائع" حياة كارييجو مع الوقائع التي نسبها بورخيس إليه والتي تستحيل إلى ذكريات لبورخيس. أما الفصلان التاليان (ومن المفترض أنهما عن قُدّاسات مهرطقة Misas herejes وأغنية الحي  La cancíon del barrio، وهما مجموعتان من قصائد كارييجو) فإنهما يحفلان بإشارات صريحة وخفية إلى الأساطير الثقافية للضواحي ويعطيان وزنا لتأكيد بورخيس أن كارييجو يجب أن يُقرأ كشاعر للحواف. وعلى هذا فإن مقال/ كتاب إيباريستو كارييجو إنما هو محاكاة لسيرة، غير أنه مكتوب باعتباره فصلا في تاريخ أسطوري لبوينوس آيرس و، في الوقت نفسه، كبيان (مانيفستو) أدبي، وإن كان تهكميا وملطفا. ولم يتخلَّ بورخيس في يوم من الأيام عن هذا الكتاب وعلى مدى ثلاثة عقود من الزمن استمر في أوقات فراغه في إضافة صفحات وتصديرات واقتباسات أخرى باللغة الإنجليزية، وسرود قصيرة جدا، ورسائل- تتصل جميعا بموضوعها بطريقة ملتوية للغاية.
وهذه السيرة أيضا هي عمل رجل هياب، كما وصف بورخيس نفسه بعد ذلك بعدة أعوام، عندما نشر عمله تاريخ عالمي للعار. والشخصية "بورخيس" الذي يؤلف هذا الكتاب إنما هو محض اختراع مثل كارييجو، أما الطوبوغرافيا الخيالية للضاحية، الحد بين مدينة الطبقتين العليا والوسطى ومدينة الكومپادريتو، فإنها مرسومة باعتبارها أحد فضاءات أدب بورخيس ذاته. وبعيدا عن أن يكون سيرة، ومن الواضح أنه ليس كذلك، يمثل إيباريستو كارييجو نصا- أسبق pre-text وبحثا: المجلد الأول عن "تيلون" Telön الضواحي ذلك الذي يخترعه بورخيس تحت قناع بوينوس آيرس. وفي هذا المجلد، كما في موسوعة تيلون، يمكن بطبيعة الحال أن يجد تصور للفن مكانا له. وسوف يعلق بورخيس في وقت لاحق بقسوة إلى حد ما على البناء الأسطوري والأدبي للحواف والكومپادريتو. وفي تذييل تقرير برودي يشجب بورخيس الفانتازيا المحكمة الصنع لقصته القصيرة البوينوس آيرسية porteño(xii) النموذجية جدا "رجل الناصية الوردية"_ فهي"أثر أدبي خيالي extravaganza أشهر مما ينبغي"، كما يكتب بورخيس. غير أن القصائد المكتوبة في العشرينات، وهذه القصة، و إيباريستو كارييجو، كانت لحظات ضرورية في تطور كتابته، ورغم أنه يرفض الكثرة الباروكية المسرفة للكوتشيِّيرو cuchilleros [المقاتلين بالسكاكين] في إنتاجه المبكر، فإن بورخيس لم يبتعد بنفسه بصورة كلية مطلقا عن "الأيديولوجيم" الذي صاغه في العشرينات، والذي كانت له أصالة كونه أرجنتينيا بعمق دون الوقوع في المصيدة القاتلة لأيٍٍّ من النزعة القومية الأدبية التقليدية أو الواقعية الأدبية.
إذا حاول المرء إنكار الوجود المستقل لأشياء مرئية وملموسة، فإنه يمكن أن يتوصل بسهولة إلى هذا الاستنتاج عن طريق التفكير: الواقع أشبه بتلك الصورة لأنفسنا التي تظهر من كل مرآة، محاكاة موجودة بسببنا، تأتي معنا، تُلوِّح لنا ثم تغادر، غير أنه يمكن دائما العثور عليها إذا ذهبنا نبحث عنها.(10)
ويستند هذا الإعلان المثالي للإيمان، الذي كتبه بورخيس عندما كان عمره يزيد قليلا على العشرين، إلى مجاز يركز على مفهوم المحاكاة. ويخترع الأدب، بصورة خاصة، تلك الفضاءات التي تكمن قوة إقناعها في الوهم الذي تخلقه، وفي النص (الذي يفرض ما يحب بورخيس أن يسميه، مستشهدا ﺒ [صمويل تيلور] كولريدج [Samuel Taylor] Coleridge، "الإرجاء الإرادي لعدم الإيمان"): ليس "كارييجو" والحواف بهذا المعنى محاكيات لشاعر أقل شأنا أو لبوينوس آيرس، بل بالأحرى لما يكتبه بورخيس و، قبل كل شيء، للمكان الذي كان يكتب فيه. وتقوم حقيقة تلك الشخصية وذلك المكان، على وجه التحديد، على أساس الاختراع.
وبهذه الطريقة، يُرسي بورخيس أسس أدبه عن طريق معارضة مفهومين سائدين. وقد قيل في كثير من الأحيان، كما أن هدفي هنا هو أن أبين، أن الكتب الأولى لبورخيس، ومقالاته في المجلتين الطليعيتين پروا Proa ومارتن فييرو Martin Fierro (انظر الفصلين 7 و 8)، تدلّ على قطيعة مع لوجونيس والحداثة modernismo. ذلك أن الكتب والمقالات تجيب على السؤال عن كيف نكتب بعد لوجونيس وفي معارضة له. ويبدو لي أن هذه النقطة واضحة بصورة كافية، و، لهذا، أفضل أن أنتقل إلى نقطة أخرى: إنني أعتقد أن بورخيس يقترح أيضا أدبا يكون مختلفا عن الرواية الريفية دون سيجوندو سومبرا لجويرالديس.
صحيح أن بورخيس لم يجعل جويرالديس مطلقا موضوعا لألعاب الإرهاب الأدبي التي لعبها على لوجونيس. ذلك أن جويرالديس كان إلى جانبه في الحركات الطليعية للعشرينات، وأدار پروا مع بورخيس، وقد اعترف جويرالديس غالبا، في أحد مقالاته المفرطة في المديح، بأن بورخيس كان بين أولئك الكتاب الشبان الذين كانوا يملكون رسالة تمثلت في إصلاح وتجديد الأدب الأرجنتيني. ومع ذلك فإنه يمكن إثبات أن بورخيس رأى نفسه بعيدا جدا حقا عن المبادئ الجمالية التي تشكل أساس دون سيجوندو سومبرا. وكان لا مناص من أن تبدو جاوتشية gauchismo جويرالديس، في نظر بورخيس، مركزة بصورة مفرطة. ومثقلا بالتفاصيل الريفية الدقيقة التافهة، ومليئا بأوصاف مهام الجاوتشو، وبالغ الاحترام والتبجيل في موقفه إزاء الكوستومبرية costumbrismo، كان لا مناص من أن يكون جويرالديس روائيا إشكاليا في نظر بورخيس.
وفي "الكاتب الأرجنتيني والتراث" El escritor argentino y la tradciόn ، يقدم بورخيس نوعا من الدفاع عن دون سيجوندو، بعد قراءة مدققة، ويوقظ شكوكنا:
يقول لنا القوميون إن دون سيجوندو سومبرا هي النموذج لكتاب قومي؛ غير أننا إذا قمنا بمقارنتها بأعمال التراث الجاوتشي، فإن أول شيء نلاحظه يتمثل في الاختلافات. ودون سيجوندو سومبرا مليئة بالاستعارات من نوع لا صلة له بالكلام الريفي غير أنها تشتمل على قدر كبير من استعارات الأوساط الأدبية الراهنة في مونمارتر Montmartre. وكما هو الحال مع القصة الخرافية، فإن من السهل أن نجد في هذه القصة تأثير كيم Kim ﻠ [راديارد] كيپلنج Kipling [Rudyard]، التي كانت أحداثها تجري في الهند والتي كانت، بالمقابل، مكتوبة تحت تأثير هكلبري فين Huckleberry Finn ملحمة الميسيسيپي لمارك توين Mark Twain. وعندما أُبدي هذه الملاحظة فإنني لا أرغب مطلقا في التقليل من قيمة دون سيجوندو سومبرا؛ بل أريد، على العكس، أن أشدد على حقيقة أنه لكي يكون لدينا هذا الكتاب، كان من الضروري لجويرالديس أن يستدعي التقنية الشعرية للأوساط الفرنسية في زمنه وأعمال كيپلنج التي كان قد قرأها قبل ذلك بأعوام كثيرة؛ وبعبارة أخرى فإن أعمال كيپلنج ومارك توين واستعارات الشعراء الفرنسيين كانت ضرورية بالنسبة لهذا الكتاب الأرجنتيني، لهذا الكتاب الذي، وأكرر، ليس أقل أرجنتينية لأنه تقبل مثل هذه المؤثرات.(11)
والحقيقة أنه لا سبيل إلى دحض هذا الدفاع المبالغ فيه إلى حد ما عن دون سيجوندو، غير أنني أود، لهذا السبب على وجه التحديد، أن أفحص هذا التأكيد في سياق المقال بكامله. وقبل هذا بفقرات قليلة كان بورخيس قد طرح تأكيده الشهير والمعروف جيدا، "انطلاقا من جيبون" d’après Gibbon، فيما يتعلق بغياب ذكر الجمال في القرآن(xiii)، وهو غياب كان مبررا حيث أن محمدا كان على ثقة من هويته العربية. ورأى بورخيس، مبالغا إلى حد تحويل حجته إلى مفارقة، أن عدم ذكر الجمال كافٍ لإثبات عروبة القرآن. ويسمح له هذا المثال بالتعبير عن توقه إلى أدب أرجنتيني متحفظ في استعماله للون المحلي. ولا يقف بورخيس عند هذا الحد بل يواصل لينتقد كتبه الأولى ("الجديرة بالنسيان والمنسية") التي كانت تغص بالكومپادريتو، والجدران الطينية، والضواحي الرثة. وبعد هذا مباشرة يأتي الدفاع المقتبس أعلاه عن دون سيجوندو.
وليس من الصعب أن نفكر في هذا على أنه تناقض، غير أنني أفضل أن أنظر إليه على أنه حجة إضافية، تحتوي على قدر كبير من السفسطة، في سجال بورخيس مع النزعة القومية الأدبية. ويأخذ بورخيس نصا يمثل في نظر القوميين "جوهر" الأرجنتين، ويبين أنه في الحقيقة ملقح تماما بإشارات عبر ثقافية كثيرة. كما أن التهكم الذي تنطوي عليه عبارة "العصابات المعاصرة في مونمارتر"، التي لم يكن بورخيس مرتبطا بها، هو مجرد مفتاح من المفاتيح الكثيرة التي تقودنا إلى الاعتقاد أن بورخيس، بدلا من تقديم دفاع عن دون سيجوندو، ينظر إلى هذه الرواية، أيضا، على أنها نص- أسبق pre-text، مستخدما إياها في حجة سجالية حول النزعة القومية. وهو يمتدحها، غير أن الحجج التي تسبق وتتلو ذلك المدح تميل إلى حد كبير إلى إضعاف مدحه.
كانت دون سيجوندو سومبرا، في نظر بورخيس، رواية كريولية بصورة بالغة الوضوح. والحقيقة أن غزارة الإشارات المحلية انتقصت من "طابعها الأرجنتيني" بدلا من إثباتها، إذ أنها كانت مستعملة بإفراط. كما أن التواتر وروح الاكتفاء الذاتي اللذين قدم بهما جويرالديس ما لدى الجاوتشو من تراث أدبي، وتجارب، ومعرفة، كان يتعارض مع ما اعتبره بورخيس السمات الأرجنتينية الأساسية: كان التحفظ والكتمان غائبين عن العرض الأسلوبي والسردي. والحقيقة أنه توجد في دون سيجوندو سومبرا خيول أكثر من أن تسمح لنا بأن نأخذ بجدية دعاواها كنص قومي.
ويهيئ بورخيس الطريق لباقي حجته، ويقودها ببراعة إلى استنتاجها الأيديولوجي- الجمالي، عن طريق ترك رواية جويرالديس جانبا وعرض المسألة بطريقة مباشرة وعامة:
ماهو تراثنا الأرجنتيني؟ أعتقد أننا يمكن أن نجيب عن هذا السؤال بسهولة وأنه لا توجد مشكلة هنا. وأعتقد أن تراثنا كله ينتمي إلى الثقافة الغربية، وأعتقد أن لنا حقا في هذا التراث، أكثر من الحق الذي قد يكون لسكان هذه الأمة الغربية أو تلك. وأنا أستدعي هنا مقالا بقلم ثورشتاين ڤيبلين Thorstein Veblen، عالم الاجتماع الأمريكي الشمالي، حول بروز دور اليهود في الثقافة الغربية. وهو يتساءل عما إذا كان هذا البروز يسمح لنا بأن نحدس شيئا بشأن التفوق الفطري لليهود، ويجيب بالنفي؛ ويقول إنهم بارزون في الثقافة الغربية لأنهم يعملون داخل تلك الثقافة، وفي الوقت نفسه، لا يشعرون بأنهم مرتبطون بها بولاء خاص.(12)
ويضيف بورخيس أن نفس الشيء ينطبق على الآيرلنديين وعلى الأمريكيين الجنوبيين بوجه عام: "إننا يمكن أن نعالج كل الثيمات الأوروپية، أن نعالجها بدون غيبيات". إن نسيج الأدب الأرجنتيني محبوك بخيوط كل الثقافات؛ ويمكن أن يكون وضعنا الطرفي مصدر أصالتنا الحقيقية. إنه لا يقوم على اللون المحلي (الذي يقيد الخيال بالمعيار التجريبي) بل يقوم على القبول الصريح للمؤثرات.
وهذا على وجه التحديد هو ما يحققه بورخيس في كتابه الأول من القصص، تاريخ عالمي للعار، مستعملا موادَّ مستعملة، روايات أوروپية لقصص شرقية، أو حيوات قطاع الطرق والأشقياء المسلحين الأمريكيين الشماليين، أو أحداثا لا وزن لها تقريبا تتعلق بقراصنة صينيين، أو أنبياء من الفرس، أو أمراء حرب يابانيين. وقد جاء تاريخ عالمي للعار، المنشور في 1935، في أعقاب كتاب بورخيس عن كارييجو؛ وكان يضم اثنتي عشرة قصة قصيرة سوف يصفها بورخيس في وقت لاحق بأنها "تمارين رجل كان هيابا". (وربما هيابا بحيث لا يكتب قصصه الخاصة به، إلى حد أنه استخدم حبكات من مصادر متنوعة لكى يؤلفها- ومع ذلك جريئا بما يكفي لأن ينشر مجموعة بالغة اللانمطية والأصالة). وضمن الثقافة الغربية ورواياتها عن الشرق، يمضي بورخيس باحثا عن قصص طرفية هي غريبة على التراث الأدبي العظيم وهي تكشف، في بعض الحالات، عن ولعه بالنوع البوليسي من الكتابة أو حبه لروايات المغامرات. ومصادره كتب ثانوية أو غير مشهورة (باستثناء الحياة على الميسيسيپي Life on the Mississippi لمارك توين) يعيد كتابتها بحرية كاتب طرفي يعلم أنه يكتب في أطراف العالم.
وهو يختار ثيمات غريبة مجلوبة بكل وضوح إلى حد أن السؤال عما إذا كانت أو لم تكن غريبة على ثقافة نهر پلاتي إنما هو سؤال لا معنى له تقريبا. وعلاوة على هذا فإن هذه الثيمات تمرّ بعملية إضفاء للطابع الكريولي الشفاهي تستبق بطريقة ذكية القصة الأخيرة في الكتاب، والقصة الأولى لبورخيس عن الكومپادري compadres، "رجل الناصية الوردية" Hombre de la esquina rosada (وهي ذاتها إعادة كتابة ﻠ "الرجال حاربوا" Hombres pelearon، وهو نصّ موجز للغاية كان قد نشرو قبل مارتن فييرو بأعوام).
وسوف يحاول بورخيس  إثبات أن البُعْد/ الابتعاد distance، إذا جرى تصوره كإزاحة جغرافية وثقافية وجمالية، وإذا جرى افتراضه كحق أمريكي لاتيني، لا يجعل القصة ممكنة فحسب، بل يخلق الشروط اللازمة لمتعة القارئ. ومرة أخرى تغدو دون سيجوندو سومبرا هدفا لتهكم بورخيس في القصة القصيرة "الإنجيل حسب القديس مرقص" El Evangelio según Marcos، المكتوبة بعد ذلك بعدة عقود في 1970. وهنا يعطي بورخيس الشكل القصصي لنفس الأطروحة النظرية. ففي مزرعة ماشية في ناحية خونين Junin، في سهول الپامپا، قُرْبَ نهاية العشرينات [من القرن العشرين]، يقطع فيضان طريق السفر على رجل من بوينوس آيرس فيُبقيه عند آل جوتري Gutres، وهي أسرة من العمال الريفيين:
في البيت كله، لم تكن توجد فيما يبدو مادة للقراءة سوى مجموعة من أعداد المجلة الزراعية Farm Journal، ودليل في الطب البيطري، وطبعة فاخرة من الملحمة الأوروجوايية تاباريه Tabaré، وتاريخ لماشية شورت هورن في الأرجنتين Una Historia del Shorthorn en la Argentina، وعدد من القصص الجنسية erotic أو البوليسية، ورواية جديدة اسمها دون سيجوندو سومبرا. وقد قرأ إسپينوزا Espinosa، محاولا بطريقة ما أن يملأ الفجوة التي لا يمكن تفاديها في فترة ما بعد الغداء، فصلين من هذه الرواية على آل جوتري، التي لم يكن أيّ من أفرادها يعرف القراءة والكتابة. ولسوء الحظ، كان رئيس العمال من قبْل تاجر ماشية، وقد فشلت أعمال البطل، وهو تاجر ماشية آخر، في إثارة اهتمامه. وقال إن العمل خفيف وإن تجار الماشية كانوا يتنقلون دائما مصطحبين حصان حَمْل كان يحمل كل شيء يحتاجون إليه، وإنه لو لم يكن تاجر ماشية، لما كان بوسعه أبدا أن يرى أماكن نائية مثل لاجونا دي جوميث Laguna de Gόmez، ومدينة Bragado، وانتشار أسرة نونييث Núñez في تشاكابوكو Chacabuco.(13)
 ويتمثل ما يحققه بورخيس بهذه القراءة ﻠ  دون سيجوندو على العمال الزراعيين المياومين peons، في نهاية المطاف، في إعادة تأكيد حرية أو، بالأحرى، ضرورة الامتزاج الثقافي. ولا يحصل آل جوتري على أيّ متعة من رواية جويرالديس، لأنهم يمكن أن يدركوا أنه لا يوجد هنا أيّ اختلاف بينها وبين عالمهم الريفي. أما الإنجيل الذي يقرأه إسپينوزا عليهم فيما بعد، فإنه، على العكس، يفتنهم بقصة هي في الوقت نفسه مليئة بالمعجزات وبما هو غرائبي. ونتيجة لهذا فإنهم، بالتصرف كقراء فعالين بصورة مأساوية، يعيدون تمثيل ذلك النص في مزرعة الماشية estancia عن طريق صلب الرجل الذي رواه عليهم. ولهذا فإن انفعالات آل جوتري تحركت ليس بالتشابه بل بالاختلاف. وتثبت هذه الحكاية الرمزية المشئومة عن قوة القراءة أن الاختلاط عبر الثقافي يمثل، في رأي بورخيس، إحدى الإستراتيجيات الإبداعية الضرورية لتحرير الابتكار الأدبي من دعاوى الواقعية والروتين التكراري للتجربة اليومية.
ويمكن أن نفهم "فونيس القوي الذاكرة" Funes el Memorioso على أنها إطار قصصي للاستعباد الذي يكون لتجربة مباشرة على خطاب. ويؤكد بورخيس أن فونيس يملك ذاكرة لانهائية غير أنه عاجز عن التفكير: "أن نفكر يعني أن ننسى الاختلافات، وأن نعمم، وأن نقوم بتجريدات. وفي العالم الحافل لفونيس، كانت هناك تفاصيل فحسب، مباشرة تقريبا في حضورها".(14) والأدب، على وجه التحديد (وبصورة نوعية)، ممارسة رمزية تُحْدِث قطيعة مع الطابع المباشر للذاكرة، والإدراك، والتكرار. ويتعامل الأدب مع ما هو متجانس، وهو يقطع، ويلصق، ويقفز على أشياء، ويمزج: عمليات لا يستطيع فونيس القيام بها بمدركاته الحسية ولا، بالتالي، بذكرياته. وعند بورخيس، نجد الذاكرة الحقيقية مرتبطة بصورة عامة بالنسيان.
وإيرينيو فونيس Irineo Funes، مثل بورخيس، ساكن من سكان "ضاحية أمريكية جنوبية فقيرة"، محكوم عليه بأن يبقى أسيرا لمادة تجربته. ومغلقا داخل عالم لا توجد فيه مقولات بل مجرد مدركات حسية، يكون على فونيس أن يحاول القيام بمهمة مستحيلة، من بينها فن التصنيف، وهو في كثير جدا من الأحيان موضوع تهكم بورخيس، كما هو الحال في "اللغة التحليلية لجون ويلكنز" El idioma analítico de John Wilkins. وبالفعل، يخترع فونيس نظاما لكلمات مصممة لتحل محل سلسلة لانهائية من الأعداد، وهي كاشفة للغاية في آن معا للقوة الملغزة لذاكرته ولعدم جدوى المهمة:
قال لي إنه في 1886 كان قد اخترع نظاما جديدا للعدّ، وإنه في غضون أيام قليلة جدا كان قد تجاوز رقم أربعة وعشرين ألفا. ولم يُدوِّنه، إذ أن أيّ شيء كان يفكر فيه مرة واحدة لم يكن يضيع من ذاكرته أبدا. وكان أول حافز له، فيما أعتقد، انزعاجه من واقع أنه لا مناص من أن يحتاج الثلاثة والثلاثون جاوتشو المشهورون في تاريخ أوروجواي(xiv) إلى رمزين وكلمتين(xv)، بدلا من كلمة واحدة وحيدة ورمز واحد وحيدة. ثم طبق هذا المبدأ العبثي على الأعداد الأخرى. وبدلا من سبعة آلاف وثلاثة عشرة، كان يقول (على سبيل المثال) ماكسيمو پيريث Máximo Pérez؛ وبدلا من سبعة آلاف وأربعة عشرة، السكك الحديدية El Ferrocarril؛ وتمثلت أعداد أخرى في لويس ميليان لافينور Luis Melián Lafinur، أوليمار Olimar، الكبريت azufre، السِّباتي los bastos، الحوت la ballena، الغاز el gas، المِرْجَل la caldera، ناپليون Napoleon، أجوستين دي بيديا Agustín de Vedia. وبدلا من خمسمائة، كان يقول تسعة. وكان لكل كلمة رمز، نوع من العلامة؛ وكانت الكلمات الأخيرة في السلسلة معقدة جدا. حاولت أن أشرح له أن هذه الراپسودية من التعبيرات غير المترابطة كانت تمثل على وجه التحديد، النقيض المباشر لنظام عددي[...] ولم يفهمني فونيس أو رفض أن يفهمني.(15)
ويوزع بورخيس تهكمه على مستويين. من جهة، هناك إشارة جلية إلى نظام "كلمات بدلا من أعداد" يستعمله المقامرون ووكلاء المراهنات في ألعاب اليانصيب السرية وغيرها من ألعاب المراهنات- وهذا ما يضع اختراع فونيس في السياق الثقافي الأكثر تفاهة. ومن جهة أخرى، يكشف عن صعوبات الترجمة من شفرة إلى أخرى. ويحاول فونيس أن يترجم، وهو يعبر عن اقتناعه بأن النظم تمثيلات تامة لما تمثله. ويزعم بورخيس النقيض على وجه التحديد: أن نترجم يعني دائما أن نفقد، وأن نضع الشيء في غير موضعه، وأن نحوِّر المعنى، وإذا لم يكن هذا مفهوما فإننا نقع في مصيدة إيمان ساذج بالتطابق المطلق بين اللغات. وفي مواجهة النظم (الأنساق) العلاماتية (السيميوطيقية) والواقع، يمكن أن يبزغ أمل في أن يكون التمثيل والنقل الأمين ممكنين.
وبوصفها حكاية فلسفية conte philosophique حول النظرية الأدبية، يمكن فهم "فونيس القوي الذاكرة" على أنها حكاية رمزية تبحث إمكانيات واستحالات التمثيل، لأن فونيس يعاني للغاية مشكلات ترجمة المدرك الحسي، والتجربة، وذكريات التجربة، إلى خطاب. وفونيس مسحور بما كان يمكن أن يسميه بورخيس المصادفة العشوائية للتمثيل الواقعي الطابع، ووضعه ميئوس منه: يتزامن أمد ما هو مسرود (المحكي) وأمد السرد (الحكي) في خطابه بطريقة مثالية: "مرتين أو ثلاث مرات، كان قد أعاد بناء يوم كامل؛ ولم يتردد مطلقا، غير أن كل إعادة بناء كانت تحتاج إلى يوم كامل". ويجهل فونيس الحذف ellipsis ولا يمكن أن يفصم متصل continuum الزمن الذي يجري تذكره لكي ينظمه التطوير البارع الصنعة للسرد؛ فهو ليس حرا في أن ينسى، بل إنه، بالتالي، غير قادر على الاختيار. وعلى هذا النحو فإنه محكوم عليه بالتكرار، ومع أن خطابه فاتن كمسخ فلسفي فإنه لا يمكن مطلقا أن يطمح إلى الأصالة التي تحققها حرية الاختيار والرفض. ولا يمثل فونيس مفارقة بل يمثل صورة مغرقة في المغالاة للنتائج المدمرة لواقعية مطلقة وساذجة تضع ثقتها في القوة "الطبيعية" للمدركات الحسية والأحداث. وهو يجهل عملية بناء الواقع، وعلى هذا النحو فإنه عاجز عن بناء خطاب يمكن أن يحرره من عبوديته للمحاكاة memesis المطلقة. وإذا كان الزمن لانهائيا بالنسبة لفونيس (كما هو بالنسبة للرب)، فإن ذاكرته لن تواصل إحباط مساعيه. غير أن الأدب، مثل كل سرد، يقوم على المبدأ الذي لا يمكن تفاديه والمتمثل في أن الزمن يقدم حَدًّا لتمثيل ما يجري في الزمن.
ولا شك في أن بورخيس يعالج هنا مشكلة كيف نكتب بوجه عام، وليس فقط كيف نكتب في الأرجنتين.غير أنه يبدو أن كلا السؤالين يتحدان معا في القصة النظرية "پيير مينار مؤلف الكيخوته" Pierre menard, autor del Quijote. وفي هذه القصة، يُفضي التهكم والمفارقة إلى الازدواج، الذي يمثل على كل حال صيغة بورخيس المفضلة للحديث. وينتقد النص نفس المعرفة التي ينتجها. فبعد إتمام قائمة طويلة من التمارين المكتوبة التي تتصل، وإنْ بطريقة مثيرة للسخرية بصورة جلية، بالترجمة، وإعادة الصياغة، والپاستيش pastiche، اضطلع مينار بمهمة إعادة كتابة رواية ثيربانتيس، كلمة كلمة:
لم يُرِدْ أن يؤلف كيخوته أخرى- وهذا أمر سهل- بل الكيخوته ذاتها. ولا حاجة إلى القول إنه لم يفكر مطلقا في تدوين آلي للأصل؛ لم يكن يقصد أن ينسخها. بل كان هدفه العجيب هو أن ينتج صفحات قليلة تتطابق- كلمة مقابل كلمة وسطرا مقابل سطر- مع صفحات ميجيل دي ثيربانتيس Miguel de Cervantes.(16)
ويؤكد بورخيس أن فصول دون كيخوته التي استطاع مينار أن يكتبها قبل موته "أدقّ" من فصول ثيربانتيس، رغم أنها، في الوقت نفسه، متطابقة معها. فما معنى هذه المفارقة؟ يغدو من الجلي أن عزو هذه الفصول من دون كيخوته إلى مينار يُثري نص ثيربانتيس عبر الإزاحة والمفارقة الزمنية. ويجري تحطيم فكرة الهوية الثابتة لنصّ، وكذلك فكرة التأليف authorship وفكرة الكتابة الأصيلة original. ومع منهج مينار فإنه لا وجود لكتابات أصيلة، ويجري طرح الملكية الفكرية للنقاش. ويتم بناء المعنى في فضاء حدودي تتجابه فيه القراءة والتأويل مع النص وعلاقته (المبهمة دوما) بأيِّ مبرر للمعنى الحرفي والموضوعية. والحقيقة أن بورخيس يستخدم مفارقة مينار لكي يؤكد أن كل النصوص إنما هي إعادة كتابة لنصوص أخرى (في تفاعل لانهاية له للتناص والمعنى)- وليؤكد أيضا، في الوقت نفسه، أن كل النصوص تجري قراءتها على خلفية ثقافية تنظم المجرى العابر للمعنى في نموذج تاريخي:
فَلْنَفْحَصْ الفصل 38 من الجزء الأول، "الذي يتناول الخطاب الطريف ﻠ  دون كيخوته حول <الأسلحة والحروف>". من المعروف جيدا أن دون كيخوته (مثل [فرانثيسكو جوميث] كيبيدو [Francisco Gomez de] Quevedo في مقطع مماثل ولاحق في ساعة الجميع La hora de todos) حسم الجدال ضد الحروف ولصالح الأسلحة. وكان ثيربانتيس عسكريا سابقا: إن حكمه مفهوم. ولكنْ أنْ تقع دون كيخوته پيير مينار- المعاصرة ﻠ خيانة الكتبة La trahison des clercs وبرتراند راسل- فريسة لمثل هذه السفسطات الضبابية!...
وتنطوي مقارنة دون كيخوته مينار ﺒ دون كيخوته ثيربانتيس على رؤية مذهلة. وعلى سبيل المثال، كتب هذا الأخير (الجزء الأول، الفصل التاسع): "... الحقيقة، التي أبوها التاريخ، غريم الزمن، ومستودع المآثر، وشاهد الماضي، وقدوة الحاضر وناصحه، ومستشار المستقبل". ولأنه مكتوب في القرن السابع عشر، وكتبه ثيربانتيس "العلماني العبقري"، فإن هذا السرد إنما هو مجرد مدح بلاغي للتاريخ، ومن جهة أخرى، يكتب مينار: "... الحقيقة، التي أبوها التاريخ، غريم الزمن، ومستودع المآثر، وشاهد الماضي، وقدوة الحاضر وناصحه، ومستشار المستقبل". التاريخ أب الحقيقة: الفكرة مذهلة. ومينار، معاصر ويليام جيمس William James، لا يُعَرِّف التاريخ على أنه بحث في الواقع بل على أنه أصله. والحقيقة التاريخية، في نظره، ليست ما حدث؛ إنها ما نحكم بأنه حدث. أما العبارات الأخيرة- فهي پراجماتية بوقاحة.(17)
وعملية النطق enunciation تعدل كل قول. وكما شددت دراسة في اللغويات في القرن العشرين فإن هذا المبدأ يدمر وفي الوقت نفسه يضمن الأصالة كقيمة مفارقة ترتبط ﺒ "النطق": إنه يأتي من نشاط الكتابة القراءة، غير مرتبط بكلمات بل بكلمات في سياق. وكنتيجة منطقية نهائية لهذه الفرضية، يؤكد بورخيس إنتاجية القراءة ويثبت استحالة التكرار؛ رغم أن كل نصّ يقدم تنويعا لموضوعات قليلة إلا أنه أيضا يكشف الاختلاف الجذري بينها. وما من طريقة، كما يقول بورخيس أو يقول مينار، ليكون نصّ ما مثل قرينه تماما أو مثل نسْخة دقيقة (طبق الأصل) منه. وكل النصوص، من وجهة النظر هذه، أصيلة بصورة مطلقة، وهذا ما يساوي القول بأنه لا أحد يمكن أن يطمح إلى هذه النوعية الخاصة. وبورخيس مفتون بالترجمات (وهي أسلوب آخر للنسخ، أكثر مشقة، ربما، ومستحيل في نهاية المطاف). وفي تعليقه على الروايات الهومرية كان بورخيس قد اكتشف من قبل أن "افتراض أن كل إعادة جمع للعناصر أدنى بالضرورة من الأصل إنما يعني افتراض أن نسخة العمل 9 أدنى بالضرورة من نسخة العمل H- حيث يمكن فقط أن توجد نُسَخ عمل لا غير. ويتفق مفهوم النص النهائي definitive text فقط مع الدين أو مع الإنهاك".(18)
ويتألف الأدب من نُسَخ. وتصور مفارقة پيير مينار عملية الكتابة، عن طريق حملها إلى حدود السخف والاستحالة، ولكنْ مع جعلها واضحة في الوقت نفسه. وتقدم هذه الأطروحة، التي تكونت في الطرف الجغرافي- الثقافي لنهر پلاتي، موقفا جديدا للكاتب وللأدب الأرجنتيني، اللذين لا ينبغي أن يكون على عملياتهما من الامتزاج، ومن الاختيار الحر دون "تكريسات" (إذا استخدمنا تعبير بورخيس)، أن تحترم النظام الهيراركي المعزوّ إلى أعمال أصلية أصيلة. وإذا كان لا وجود لأصالة ترتبط بالنص، بل فقط بكتابة أو قراءة نصّ، فإن دونية الأطراف تختفي ويكون للكاتب الطرفي أو الكاتبة الطرفية الحق في نفس دعوى أسلافه أو أسلافها أو المعاصرين الأوروپيين له أو لها.
إشارات
1: Cuaderno San Martín, Luna de enfrente and Fervor de Buenos Aires.
2: Jorge Luis Borges, El tamaño de mi esperanze, Buenos Aires 1926, pp. 8-9.
3: ‘A la calle Serrano’, in Indice de la poesía americana.
4:‘Un patio’, in Fervor de Buenos Aires, Buenos Aires 1923.  
5: ‘Barrio Norte’, from Cuaderno San Martín, in J. L. Borges, Poemas (1922- 1943), Buenos Aires 1943. 
6: J. L. Borges, Prόlogos con un prόlogo de prόlogos, Buenos Aires  1975, p. 94.  والنص المقتبس مكتوب في 1962.
7: Inquisiciones, Buenos Aires, 1925, p. 58.
8: "يتضح أن هذه السيرة البريئة نصّ متمرد وخبيث"، كما تكتب سيلبيا موللوي: Sylvia Molloy, las letras de Borges, Buenos Aires 1979, p. 27.
9: Evaristo Carriego, Buenos Aires 1965, p. 11.
10: Inquisiciones, p. 119.
11:    ‘The Argentine Writer and the tradition’, Labyrinths, London 1970, p. 216.
12: Labyrinths, p. 218. وعلى أساس هذا الاستشهاد نفسه، تقوم سيلبيا موللوي بتطوير مفهوم "طرفية (جانبية)" بورخيس في الثقافة الغربية.
13: ‘The Gospel According to Mark’,
14: ‘Funes the Memorious’, in Labyrinths, p. 94.
15: ‘Funes the Memorious’, in Labyrinths, pp. 92-3.
16: ‘Pierre Menard, Author of the Quixote’, Labyrinths, pp. 65-6.
17: Labyrinths, pp. 68-9.
18: ‘Las versiones homéricas’, in Discusiόn, Obras completas, Buenos Aires 1975, p. 239.     
     
إشارات أسفل الصفحات
 
* الفصل الثانى
xi: أيديولوچيم قياسا على فونيم phoneme، فيلوسوفيم philosopheme، سيم seme: أصغر وحدة قابلة للفهم من الأيديولوجية- المترجم.  
xii: لفظة porteño صفة تشير إلى أولئك وُلدوا أو نشأوا في بوينوس آيرس، المدينة- المرفأ، وتشير توسيعا إلى الخصال الإيجابية والسلبية لسكان تلك المدينة.
xiii: الحقيقة أن القرآن لا يخلو، كما يزعم بورخيس، من ذكر الجمل، فقد ورد لفظ "الجمل" وهو الكبير من الإبل والحبل الغليظ وبهما فسرت الآية 40 من سورة الأعراف، كما وردت ألفاظ "جمالة" (جمع جمل)، و"الإبل" (وهي الجمال ولا واحد لها من لفظها)، و"الناقة" (الأنثى من الإبل والمراد بها ناقة صالح)، و"البعير" (وهو ما يصلح للركوب والحمل من الدواب، كالجمل والناقة)، و"الأنعام" (جمع: نعم، ومنها الإبل)، في عشرات الآيات؛ راجع الألفاظ المعنية في معجم ألفاظ القرآن الكريم، الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الجزء الأول 1989، الجزء الثاني 1990.- المترجم.
xiv: في الأصل الإسپاني: "الثلاثة والثلاثون الشرقيون" J. L. Borges, Ficciones, Madrid, 1987, p. 129.؛ وفي ترجمة الدكتور محمد أبو العطا: "رقم ثلاثة وثلاثين في النظام الشرقي" في: بورخيس، الألف، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، 1998 ص. 97.
xv: في المصدرين السابقين وفي ذات الصفحتين: "وثلاث كلمات".
 
    
   
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفصل الثالث
التراث وصراعات التجديد
عند بورخيس
لا يمكن الإحساس بالحنين إلا إلى شيء جرى فقدانه، في الواقع أو في الخيال. وفي بوينوس آيرس، التي حولتها عمليات التحديث الحضري، والتي كانت المدينة الكريولية مجبرة فيها على أن تلوذ بقليل من الحواري والأزقة، وتعرضت حتى هناك لتغيرات أثرت في كل من صورتها المادية والجغرافية، اخترع بورخيس ماضيا. وقد عمل بورخيس بعناصر اكتشفها (أو نسبها إلى) الثقافة الأرجنتينية للقرن التاسع عشر، وكانت في رأيه ثقافة ذات صلابة لا توجد في الكتب بقدر ما توجد في نوع من التراث العائلي. ومع ذلك فحتى هذه الشذرات، الماثلة في الصور والمآثر المضمحلة لأسلافه الكريوليين، كانت مهددة بالزمن والحداثة والنسيان.
أسلافي بدأوا صداقة
مع هذه الأصقاع النائية
فاتحين انغلاق السهول ...
وأنا، كساكن مدينة، لم أعد أعرف هذه الأشياء.
إنني أتحدر من مدينة، من حي، من شارع.(1)
 
وكأرجنتيني، كان بورخيس جزءًا من تراث مهدد بالأخطار. ومهما كان حضور هذا التراث عنيدا فقد كان يحس بأنه ينتمي إليه بقدر ما ينتمي هو أيضا إليه. غير أن بورخيس ، مثل أسلافه الإسپان، الذين أقاموا صداقة مع سهول الپامپا، فقدَ صلته "الطبيعية" بأوروپا. ورغم أنه تعلم في جنيف وكان صديقا، في مدريد، للكتاب الألترايستا ultraista (الراديكاليين،  المتطرفين) الذين التقى بهم عندما كان ما يزال صغيرا جدا، ورغم أنه يوضح بصورة متكررة أن الروايات الأولى التي قرأها طفلا- حتى دون كيخوته، التي قرأها مترجمة- كانت بالإنجليزية، لم يكن بوسع بورخيس إلا أن يحس بمشكلة ثقافة كانت توصف بأنها أوروپية ولكنها لم تكن كذلك مطلقا، لأنها تطورت في بلد طَرَفِيّ peripheral وامتزجت بالعالم الكريولي. وإذا كان بمستطاعه أن يدخل ويخرج كما يحلو له بين ثقافتين، فقد كان لهذه الحرية ثمنها. وكان بوسع بورخيس أن يجيب: هذه هي حرية الأمريكيين اللاتينيين، وهو ما يؤيده إدراك وجود شيء مفقود. والحقيقة أن قراءة كل الأدب العالمي في بوينوس آيرس، وإعادة كتابة بعض نصوصه، تجربة لا يمكن أن تقارن بتجربة الكاتب الذي يعمل أو الكاتبة التي تعمل على الأرضية الآمنة لوطن يقدم له أو لها تراثا ثقافيا نقيا. ورغم أنه يمكن الجدال في أنه قلما يكون هذا هو الحال مع كبار الكتاب الأوروپيين في القرن العشرين إلا أن أولئك الذين خارج التراث الأوروپي يعتبرون أن الأوروپيين المنتمين إلى ثقافات قومية متعددة تربطهم صلة وثيقة بثقافاتهم "الطبيعية" natural. غير أن واقع أنهم منغرزون بعمق في ثقافة هي محتومة، بالنسبة لهم، يجردهم من ذات الحرية التي يمكن أن يتمتع بها الأمريكيون اللاتينيون. إن الحرية هي قدرنا.
وقد أبرز بورخيس حدود وتناقضات هذه الحرية في العديد من القصص المتماثلة جدا في اختلافاتها: "الجنوب" El Sur، و"النهاية" El fin، و"قصة المحارب والأسيرة" Historia del guerrero y de la cautiva. وسنرى الآن كيف تكشف هذه القصص بعض الموضوعات الرئيسية في أدب بورخيس.
وتتناول "النهاية" معنى ومكان الثقافة الأرجنتينية وتحاول الإجابة عن السؤال الآتي: ما هي العناصر التي تشكل الأدب الأرجنتيني، وكيف يرتبط الأدب الأرجنتيني بالأدب العالمي؟ وهي كاشفة أيضا فيما يتعلق بإحساس بورخيس بامتلاك ماضٍ أدبي وثقافي: الطرق التي يُحوّر بها تراثا ثقافيا.
وكان على الطليعة الأرجنتينية في العشرينات والثلاثينات، والتي انتمى إليها بورخيس، أن توازن نفوذ بعض الكتاب المهمين جدا، وبصورة خاصة ليوپولدو لوجونيس، الذين كانوا يتبوأون مركز النظام الأدبي. والحقيقة أن لوجونيس لم يكن فقط الحداثي modernista الأكثر أهمية، النِّدّ الوطني لداريو، بل كان أيضا المثقف الأبرز والأكثر نفوذا. وباعتباره الشاعر المتوّج، كان لوجونيس يمثل ما كانت تنفر منه  الطليعة الأدبية، وما كان ينفر منه بورخيس نفسه: القوافي الأنيقة، الصور الفخمة، الغرائبية البالغة التنميق، الإثارة الجنسية المنحطة. وكشخصية عامة، أكد لوجونيس بوقار تفوقه واستغل على نطاق واسع نفوذه الهائل في إصدار الأحكام على قيمة الأدب المعاصر. وكان ينشر في الجريدة الذائعة الصيت لا ناثيون  .La    Nación وكانت آراؤه الأشد تباينا حول موضوعات كثيرة مختلفة يجري تبنيها باعتبارها موثوقة وكانت النخبة الاجتماعية والثقافية، بما فيها رئيس الجمهورية ووزراؤه، يحتشدون في محاضراته، التي كانت بمثابة أحداث كبرى في الحياة الثقافية لبوينوس آيرس.
وفي 1916 ، قدَّم لوجونيس تفسيرا واسع التأثير للغاية للقصيدة الجاوتشية، مارتن فييرو، التي كتبها خوسيه إيرنانديث Hernández José في القرن التاسع عشر، والتي قرأها لوجونيس على أنها ملحمة قومية.(2) وفي نظر لوجونيس، كان الجاوتشو مارتن فييرو، الشخصية الرئيسية في القصيدة، رمزا للسجايا والقيم الأرجنتينية. وقد اكتسبت هذه الأسطورة قوتها من ذات واقع أن الجاوتشو، كأعضاء ينتمون إلى سكان ريفيين أحرار فقراء لم يتم دمجهم بالكامل في سوق العمل لكنْ كان يتم إكراههم على دخولها وفقا لاحتياجات استغلال بدائي جدا لسهول الپامپا، وإلا تم تجنيدهم في الجيش للدفاع عن الحدود ضد الإغارات الهندية، لم يعودوا يوجدون في السهول. كانوا قد اختفوا، ليحلّ محلهم الأجراء الريفيون الذين عملوا في المزارع الكبيرة estancias، وحذقوا المهارات التقليدية لآبائهم وأجدادهم بالسكين، وحبل صيد الأبقار، والحصان، غير أنه كان لم يعد لديهم شيء من تمرد وعصيان الجاوتشو.
قدّم لوجونيس قصيدة مارتن فييرو (المنشورة في جزأين، في 1872، و1880) على أنها قصيدة رمزية allegory للماضي الأرجنتيني ورمز للجوهر الأرجنتيني. وكان هذا تلفيقا مناسبا لتلك الفترة التاريخية. ذلك أن المهاجرين القادمين من إيطاليا، وكذلك من ألمانيا وأوروپا الوسطى، كانوا يصلون بالآلاف إلى بوينوس آيرس، وكان المثقفون قلقين إزاء مستقبل ثقافتهم ومستقبل ما أخذ بعضهم يسميه "العِرْق الأرجنتيني"، الذي كانوا يعنون به النخبة وذلك القسم من سكان الطبقة العاملة الذين يمكن تتبّع أصولهم إلى العهد الاستعماري الكولونيالي. وقد اعتاد الناس أن يحفظوا القصيدة الجاوتشية مارتن فييرو عن ظهر قلب، وكان يتم تدريسها في المدارس جنبا إلى جنب مع الرواية الرسمية للتاريخ المحلي التي كان الجاوتشو وفقا لها يبذلون أرواحهم عن طيب خاطر في حروب الاستقلال ضد إسپانيا فلا يكون جزاؤهم إلا عدم الاستقرار الاجتماعي، فيما وسَّعت الدولة القومية سيطرتها على كل أراضي الأرجنتين، حيث قامت بتصفية المقاومة الإقليمية وشنت حملات إبادة جماعية ضد الهنود. وقدَّمت القصيدة الأساس لإعادة تنظيم أسطورية لتاريخنا في القرن التاسع عشر ولنموذج لا يقل أسطورية للجنسية (القومية) nationality. وكثيرا ما كان يستشهد بثيمات من مارتن فييرو وكثير من مقاطعها، ليس فقط أعضاء من السكان الكريوليين بل أيضا مهاجرون اتخذوا الجاوتشو رمزا للجنسية(القومية)  التي كانوا يحاولون فهمها والاندماج فيها.
اعتبرت النخبة الكريولية، التي ينتمي إليها بورخيس، أن مارتن فييرو  قصيدة ينبغي أن تتبوأ مكانتها عند الأصول الأسطورية للثقافة الأرجنتينية وأنها، في الوقت نفسه، نصٌّ مكرَّس كقاعدة معيارية canonical. وكان الجاوتشو بوصفهم كذلك قد اختفوا، غير أن فضائلهم امتزجت في الشخصية الأرجنتينية وكان من الممكن تقديمهم كنموذج ومرشد للاندماج الأيديولوجي والثقافي للمهاجرين. والواقع أن الجاوتشو مارتن فييرو لم يكن مجرد شخص مفعم بالفضائل. وفي قصيدة خوسيه إيرنانديث، أساءت إليه الشرطة، وفقد أسرته وممتلكاته القليلة، وصار طريدا للعدالة. وكان قد حارب الهنود بعد تجنيده الإلزامي في الجيش الحدودي، حيث لقي بؤسا وظلما أكثر. وكان قد هرب وفرّ إلى منطقة الهنود لكي يتفادى عواقب هذه الجريمة وعواقب أعمال أخرى، ليست كلها مشرفة. كان قد قتل دون سبب واضح، واستفزّ إلى مبارزات دون دافع جلي، وأهان أناسًا بدافع الاستئساد أو بسبب السُّكْر، كما كان الحال في حادثة الجاوتشو الأسود الذي يواجه مارتن فييرو أخاه في نهاية المطاف في قصة بورخيس. وعلى وجه العموم، كان مارتن فييرو شخصية معقدة، ضحية لنظام جائر وكذلك مقاتلا ريفيا بالسكاكين غير مروَّض. ومن المدهش أن النخبة الكريولية نجحت في تحويله إلى مثال للشخصية القومية (متغاضية عن طبيعته المتمردة)، في حين حوَّله فوضويون من ذوي أصول من المهاجرين إلى نموذج وملهم للتمرد الاجتماعي. وهكذا كان على أيّ شخص يكتب في الأرجنتين في العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين أن يبحث ويجاهد في سبيل فهم أسطورة الجاوتشو، سواء ليرفضها، أو يُنقحها، أو يتبناها. وقد استخدم كل من الطليعة والفوضويين اسم مارتن فييرو عنوانا لمجلتين هامتين جدا: الملحق الثقافي لمجلة فوضوية، ومجلة ثقافية، أصدرها في منتصف العشرينات شعراء وكتاب شبان، بينهم بورخيس (انظر الفصل السابع). كان فييرو ميراثا ثقافيا لدى كل شخص تقريبا في المجال الفكري والسياسي شيء يقوله عنه. وكان معنى القصيدة موضوعا لمجادلات وصراعات كثيرة في تكوين الهيمنة الثقافية، وعندما أعادت الطليعة تفسير القصيدة دخلوا في جدال جمالي وأيديولوجي مع القراءة التي تكرسها كقاعدة معيارية canonical التي عبر عنها عدوّهم الأدبي لوجونيس.
ولم يكن بورخيس استثناء. وقد كتب الكثير جدا من المقالات عن مارتن فييرو والأدب الجاوتشي، وتصديرات ومقدمات لطبعات كثيرة من مارتن فييرو، وكتابا صغيرا عن القصيدة في منتصف الخمسينات. وكانت مارتن فييرو أحد هواجسه الأدبية، وحتى في وقت متأخر كالستينات نجده يعلن في الصانع hacedor El أن معارك الحروب الأهلية وحروب الاستقلال يمكن أن تُنْسَى، وأن پيرون Perón ذاته يمكن أن يُنْسَى ذات يوم، غير أن إيرنانديث كان قد حلم بمبارزة بين اثنين من الجاوتشو سوف تتكرر إلى أجل غير مسمى: الجيوش المنظورة ذهبت إلى حال سبيلها وتبقى فقط مبارزة بائسة؛ هذا الحلم لرجل واحد صار جزءا من ذكريات الجميع".(3)
وفي معارضة لوجهة نظر لوجونيس عن مارتن فييرو باعتبارها ملحمة قومية، يوضح بورخيس أنها تحتوي على عناصر عديدة ذات طابع روائي. فالأبطال الملحميون، فيما يؤكد بورخيس، ينبغي أن يكونوا معصومين؛ أما مارتن فييرو فإنه غير معصوم أخلاقيا، ومن خلال عدم العصمة هذا ينتمي إلى تراث الشخصيات في الروايات. وبخلق هذه الشخصية وصل إيرنانديث بالتراث الجاوتشي إلى نهايته، لأن قصيدته كانت الأكثر كمالا في مجموعة القصائد الجاوتشية ولم يكن بالمستطاع بعدها أن يُكتب إلا أدب جاوتشيّ رديء. غير أنه كان قد ترك أيضا لكتاب المستقبل كِتابا يمكن أن يُقرأ وتُعاد قراءته، ويُعَلَّق عليه وتُعاد كتابته مثل (وفقا لمقارنة بورخيس) الكتاب المقدس وهوميروس.
إذن، من ناحية، كان ينبغي اعتبار مارتن فييرو نصًّا أساسيا من نصوص الأدب الأرجنتيتي. وقد اعتبر بورخيس تفسير لوجونيس عديم الجدوى ومؤسفا بعمق: كان تشبيه الجاوتشو بالشخصيات الهومرية يمثل إحدى أفكاره الأكثر ادِّعاء وحمقا. وكان لا مناص من تحرير القصيدة من العبء الثقيل لملحمة لوجونيس والنقد المبالغ فيه ثم إعادة دمجها في تراث يمكن أن يتضح أنه مُثر للأدب الراهن. والواقع أن القصيدة كان ينبغي قراءتها، ثم تحريرها من القيود الثقيلة للتفسيرات السابقة.
وقد حقق بورخيس هذا بطريقتين: من خلال مقالاته عن مارتن فييرو وقصائد أخرى من مجموعة القصائد الجاوتشية، ومن خلال بعض النصوص القصصية المهمة جدا. وسنبحث هنا هذه الإستراتيجية الثانية: ما فعله بورخيس ﺒ مارتن فييرو في قصصه القصيرة. ورغم أنه يمكن العثور على دلائل في قصص عديدة فقد اخترتُ واحدة، هي "النهاية"، لأنه يبدو لي أنها في آن واحد تُنْهِي مجموعة القصائد الجاوتشية وتعترف بأهميتها في الأدب القومي- رغم أن هذا شيء ما كان يمكن أبدا أن يفعله بورخيس، وكذلك أولئك الأكثر كوزموپوليتانية من الكتاب الأرجنتينيين، بصورة صريحة.
وفي قصة "النهاية"، المكتوبة، في 1944،يصور بورخيس موت مارتن فييرو، في مبارزة. وفي النشيد الأخير من قصيدة إيرنانديث، يفارق فييرو أولاده بعد سماع قصة حياة كل منهم (كانوا قد ظلوا مفترقين طوال عشرين سنة، وكانت فترة عانت خلالها الأسرة كلها). وهم يتفرقون الآن من جديد لأن الحياة المأساوية للجاوتشو، كما يقول فييرو، تمنعه من تأسيس بيت والعيش مع أسرته. وهو طريد للعدالة، لأنه قتل رجلا، أسود Moreno، بلا سبب؛ وهو طريد العدالة لأنه هرب من الجيش عندما كان يخدم على الحدود ضد الهنود. ورغم أن فييرو ندم على جرائمه (التي يعتقد أن المجتمع مسئول عنها جزئيا) وتاب، إلا أنه يعلم أنه ليست لديه فرصة العيش في سلام داخل العالم الكريولي الريفي. ومتقبِّلا قدَر الترحال هذا، يركب مبتعدا، واعدا بأن لا يعاود الظهور وبأن يظل صامتا إلى الأبد بعد ذلك. غير أنه يؤكد، قبل الرحيل، أن كل الأخطاء المقترفة لا مناص من دفع ثمنها، في بيت شعر شهير:
hay plazo que no se cumpla                                    No
se pague. no que deuda ni
                    كل دَيْن يحلّ أجله لا مفرّ
                    كل حساب تأتي ساعته لا مفرّ
                                                                         
وفي قصيدة إيرنانديث، ذبح مارتن فييرو الجاوتشو ذا الأصل الأسود، عند مدخل پولپيريا pulpería [مطعم ومشرب ريفي] بلا أيّ سبب، مدفوعا بمجرد النزوة والتحامل الاجتماعي. وفيما بعد، تحدّاه أخٌ لهذا الجاوتشو الأسود أن يغنّي لكي يكتشف أيهما أفضل في ارتجال الموضوعات الراهنة بمصاحبة جيتار. وفي هذه المسابقة (التي سمّاها الجاوتشو "پايادا" payada) يكون فييرو هو الفائز من جديد. غير أن هناك دَيْنًا أخلاقيا عليه أن يسدده، وأخو الأسود له الحق في أن يتوقع أن يعود فييرو ويمتثل للقانون العرفي للثأر لقتل غير مشروع. وفييرو يعرف هذا ولا يحاول الهرب من قدَره. ومع هذا فإن هذا اللقاء الثاني بين فييرو وأخي ضحيته لا يحدث في القصيدة أبدا.
تخيَّل بورخيس قصته من هذه النقطة فصاعدا، أيْ أنه تخيل ما لم يكتبه إيرنانديث مطلقا، وكتبه بنفسه. لقد مضت سبعة أعوام منذ اليوم الذي غنَّي فيه فييرو "الپايادا" مع أخي الأسود. وفييرو الآن رجل مسن تقريبا، ينتظر الموت دون آمال سوى أمل واحد: أن يموت موتا لائقا. ووفقا لقانون الشرف عنده، يمكن أن يوجد الموت اللائق، في حالة رجل هناك ديون أخلاقية عليه أن يسددها، في مبارزة. ويشاركه الأسود هذا الاعتقاد: رغم أنه لم يقاتل فييرو في المرة السابقة إلا أنه رآه، لأنه كان غير راغب في إجراء مبارزة أمام أولاد فييرو، فهو صبور بما يكفي لانتظار فرصة ثانية. إنه يعرف أنه سيلتقي من جديد بفييرو عما قريب، وهو يعرف أن فييرو سوف يأتي إليه لكي يسدد دَيْنه، لكي يلقى جزاءه عن الجريمة المقترفة عندما قتل فييرو أخا الأسود.
وتبدأ قصة بورخيس بالأسود بمفرده في پولپيريا ينتظر فييرو: إنه يعرف أن فييرو سيفي بهذا الموعد الضمني. وفييرو، من جانبه، لا رغبة عنده في الهرب، لأن المبارزة المحتومة التي ستحدث تُعَدّ طريقة طيبة كأيّ طريقة أخرى لوضع حد لحياته. وهو يعرف أن كل دَيْن لا مفرّ من سداده بطريقة أو بأخرى، والمبارزة طقس عتيق يحترمه: إنها راسخة الجذور في ثقافته وفي حسِّه بالشرف. "القدَر جعلني أقتل والآن، مرة أخرى، وضع سكّينا في يدي"؛ هذا ما يقوله فييرو للأسود عندما يصل، أخيرا، إلى اﻠ پولپيريا. وينهمك الرجلان في حوار يكون الشرف والقدَر موضوعيه الرئيسيين: "كنت واثقا، يا سنيور، من أنني يمكن أن أعتمد عليك"، يقول الأسود. "وأنا عليك"، يردّ فييرو، ويضيف: "جعلتك تنتظر أياما كثيرة، لكنْ ها أنا ذا". ويستدعي الأسود لقاءهما السابق، قبل سبعة أعوام، عندما لم يقبل فييرو المبارزة لأن أولاده كانوا حاضرين. "قلتُ لهم، بين أشياء أخرى، أنه لا ينبغي أن يسفك رجل دم رجل آخر". ويردّ الأسود: "حسنا فعلتَ. بهذه الطريقة لن يكونوا مثلنا".(4)
وهذا كل ما حدث تقريبا: يستدعي كل من الشخصيتين ماضيه، الماضي الذي رواه إيرنانديث في قصيدته في 1872 و 1880. ويكتب بورخيس نهاية لها- ونهاية لمجموعة القصائد الجاوتشية. وعلى هذا النحو،  يدمج بورخيس هذه المجموعة في الأدب ويرسم لوحة نهائية لفييرو كرجل مسنّ يوشك على الموت. وفييرو بورخيس، بالاختلاف تماما عن اللوحة التي رسمها لوجونيس للجاوتشو كبطل قومي ملحمي، رجل رزين يحترم قدَره ويعرف أنه لا يمكن عمل شيء لتبديله. غير أنه، بعيدا عن أن يكون نموذجا قوميا، رجل مهزوم لا يمكنه إلا أن ينتظر موتا لائقا. ومن وجهة نظر أخلاقية، تتلاءم هذه النهاية مع ثقافة ريفية، حيث القدرية نوع من الفلسفة الشعبية؛ وحيث الانتقام حق. وبهذا المعني فإن بورخيس يضع يده على البُعْد الأيديولوجي لقصيدة إيرنانديث ويحررها من التفسير الملحمي للوجونيس وأمثاله من الكتاب. إن فييرو ليس بطلا، بل هو رجل راسخ الجذور بعمق في الثقافة البدائية للسهول. والحقيقة أن فييرو، بقبوله لقدَره، يصير شخصية من شخصيات قصص بورخيس.
ومن وجهة نظر أخرى، لِنَقلْ إنها رمزية، يفعل بورخيس هنا ما لم يفعله لوجونيس ولا إيرنانديث: إنه يضع نهاية للمجموعة الجاوتشية، وكأنه يؤكد أن قصيدة مارتن فييرو يجب أن تُعاد كتابتها، بإضافة موت فييرو إلى النهاية المفتوحة لقصيدة إيرنانديث قبل أن يكون بوسعها أن تصير، من جديد، مصدرا منتجا للأدب الأرجنتيني. غير أن إعادة الكتابة هذه تعني أيضا، رمزيا، نهاية فييرو كشخصية ورمز: يسدد فييرو ديونه بموته و قبل كل شيء فإن فييرو يهزمه شخص ما (أسود Moreno، رجل من عِرْقٍ آخر، يُعَدّ أدنى من السلالة الكريولية) ما كان ليهزمه في قصيدة إيرنانديث.
وتمثل علاقات التناصّ بين القصيدة والقصة مفتاحا لأدب بورخيس ولموقفه تجاه الماضي التاريخي والثقافي للأرجنتين. ومرة أخرى، يعلن بورخيس بوضوح في تأمل حول قصيدة مارتن فييرو (في قطعة صغيرة يقوم فيها بإعادة رواية قصة حياة إحدى الشخصيات الرئيسية في القصيدة، الجندي وطريد العدالة لاحقا تاديو إيسيدورو كروث(xvi)) أن قصيدة مارتن فييرو "كتاب رائع؛ أيْ أنه كتاب يمكن أن يكون موضوعه <كل شيء لكل الناس>، ذلك أنه قابل لتكرارات، وروايات، وتحريفات لا تنفد تقريبا".(5)
الروايات والتحريفات: هذه بالضبط هي قراءة بورخيس للتراث الأدبي. أوّلا، كان هناك إيباريستو كارييجو، وكان شاعرا شعبيا ثانويا حوّله بورخيس إلى نوع من الاستباق لأدبه هو؛ ثم جاءت القصص الثانوية التي أعاد حكايتها في تاريخ عالمي للعار وأخيرا هناك إعادة كتابته ﻠ مارتن فييرو، التي يتخذ فيها ما يقول إنه الموقف الوحيد الذي يمكن أن يكون لشخص إزاء التراث: الخيانة. ويتمثل أسلوب هذه الخيانة في معارضة تفسيرات أخرى للنص، وفي العودة إلى إيرنانديث ذاته، وتخطي القراءة المدعية للقصيدة على أنها ملحمة. وهو بهذا يطور في "النهاية" إحدى ثيماته الأكثر ثباتا: أن "المرء" يجب أن يمتثل لقدره، الذي يعيد في صورة قدر داخل قدر en abîme إنتاج المصير الذي عاناه آخرون.                                               
غير أن بورخيس- بتقديم موت مارتن فييرو- إنما يقوم بقتل أشهر شخصية أدبية في الثقافة الأرجنتينية. إنه يغلق القصيدة التي كان إيرنانديث قد تركها مفتوحة: يمثل موت مارتن فييرو في آن معا موت شخصية ونهاية مجموعة- أسطورية أدبية. وبهذه الطريقة، يجيب بورخيس على سؤال أيديولوجي وجمالي: ماذا ينبغي أن يفعل كاتب طليعي مع التراث؟ ويمثل دمج قصته "النهاية" في المجموعة الجاوتشية طريقة أصيلة في التعامل مع هذا السؤال. والحقيقة أن بورخيس لا يرفض الماضي بأكمله in toto، إنه على العكس يتصدى للنص الأهم (النص المقدس) وينسج قصته هو بالخيوط التي كان إيرنانديث قد تركها سائبة في قصيدته. وهكذا تجرى إعادة تصوير، وفي الوقت نفسه تعديل، قصة مارتن فييرو إلى الأبد.
              
وسأبحث الآن "الجنوب" و"قصة المحارب والأسيرة"، آخذةً كلتا القصتين معا إذ أنه، بمعنى ما، يمكن أن يقرأهما المرء باعتبارهما نسختين مختلفتين من نفس الثيمة. ويُعَدّ خوان دالمان Juan Dahlmann ، الشخصية الرئيسية في "الجنوب"، مثل بورخيس نفسه، نتاج  تهجين الثقافات. ومن المعروف جيدا أن جدة بورخيس كانت امرأة إنجليزية انتقلت إلى أسرة كريولية بالزواج من رجل كان، في حوالي 1870، يقود منشأة عسكرية على حدود الإقليم الهندي. كما أن من المعروف جيدا أيضا أن بورخيس أخبر قراءه، في مناسبات عديدة، أنه تربّى في حيّ نمطي من أحياء بوينوس آيرس هو حيّ ﭙالميرو (حيث عاش إيباريستو كارييجو أيضا)، وأنه يتذكر أنه كان يسمع موسيقى الجيتار ويرى الكومپادريتو أو رجال السكاكين الذين كانوا شجعانا بصورة أسطورية وكانوا خارجين على القانون أو حراسا شخصيين لسياسيين محافظين- أو كلا النوعين في الوقت نفسه. وهو يحكي لنا عن بيت طفولته القديم، الذي كانت تفصله عن الشارع البوابة الحديدية ذات المعمار الكولونيالي، و، في تلك البيئة الكريولية التقليدية تماما، عن مكتبة ضخمة لكتب إنجليزية قرأ فيها لأول مرة ألف ليلة وليلة The Arabian Nights (في ترجمة [السير ريتشارد] بيرتون Burton [Sir Richard])، و[روبرت لويس] ستيڤنسون Stevnson [Robert Louis]، ومارك توين، ودون كيخوته في طبعة إنجليزية أحبها أكثر كثيرا من الأصل الإسپاني. ونحن نعرف أن أول عمل أدبي له، عندما كان في التاسعة أو العاشرة، كان ترجمة قصة لأوسكار وايلد Wilde Oscar نُشرت في صحيفة في بوينوس آيرس وكانت ترجمة متقنة إلى حد أن الجميع ظنوا أن والد بورخيس هو الذي ترجمها.
ومثل جدته الإنجليزية، التي كانت قد عاشت من قبل في قرية متواضعة في قلب سهول الپامپا، محاطة بالإقليم الهندي، يشعر بورخيس بأنه ينتمي إلى هذين العالمين المختلفين جدا: العالم الكريولي لجده العسكري، والتراث الإنجليزي (والأوروپي، بوجه عام) لجدته. وفيما بعد سوف يبلور هذه الأسطورة عن الأصل المزدوج في القصة القصيرة المعنونة "قصة المحارب والأسيرة"، التي تكتشف فيها امرأة إنجليزية، جدة بورخيس، أن امرأة إنجليزية أخرى كان الهنود قد استدرجوها وأسروها قد فضلت، عندما عُرض عليها الاختيار، أن تعود إلى القرية الهندية حيث كان قلبها، وأكثر من قلبها، قد صار مفتونا بوحشية حياة جديدة. إن المرأة الإنجليزية مفتونة ﺒ، وفي الوقت نفسه مرتعبة من، هذا التبني لثقافة مختلفة، وغريبة من كل النواحي، أو- كما يمكن أن يعبر والدا بورخيس وبورخيس نفسه- من هذه العملية من التحول إلى امرأة بربرية:
ربما أحست المرأتان للحظة بأنهما أختان؛ فقد كانتا بعيدتين عن جزيرتهما المحبوبة وفي بلد عجيب. تفوهت جدتي بسؤال من نوع ما؛ وأجابت المرأة الأخرى بصعوبة، باحثة عن كلمات ومرددة إياها، وكأنما أدهشتها نكهتها القديمة. ذلك أنها لم تتكلم لغتها الأصلية على مدى خمسة عشر عاما ولم يكن من السهل عليها أن تستعيدها. قالت إنها كانت من يوركشاير، وإن والديها كانا قد هاجرا إلى بوينوس آيرس، وإن الهنود قد اختطفوها وإنها الآن زوجة زعيم أنجبت له إلى الآن ابنين، وإنه شجاع جدا. كل هذا قالته بإنجليزية ريفية، مختلطة بالأراوكانية Araucanian أو الپامپية Pampan، ووراء قصتها كان يمكن أن يلمح المرء حياة وحشية: مخابيء من جلد الخيل، والنيران الموقدة من السماد الجاف، وأعياد اللحوم المحروقة أو المصارين النيئة، والنهب، والحروب، والهجمات الكاسحة على المزارع الكبيرة haciendas من جانب الفرسان العراة، وتعدد الأزواج، والروائح الكريهة، والمعتقدات الخرافية. لقد نزلت امرأة إنجليزية بنفسها إلى مستوى هذه البربرية. ألحت عليها جدتي، وقد حركتها الشفقة والصدمة، أن لا تعود. وأقسمت على أن تحميها، وأن تستعيد أطفالها. ردت المرأة بأنها سعيدة وعادت في تلك الليلة إلى الصحراء.(6)
       ويعتقد بورخيس بوضوح أن عبور حدود ثقافية والعيش على حافة حدود (ما يسميه هو في شعره الحواف  (las orillasيمثل نموذجا ليس لقصة الأسيرة فحسب بل له هو، وككناية metonymically للأدب الأرجنتيني. ويمكن التعبير عن الأسيرة الإنجليزية بمجاز تناقض لفظي oxymoron: جنية، زرقاء العينين، امرأة هندية. وفي بداية "قصة المحارب والأسيرة"، يستشهد بورخيس ببنيديتو كروتشه  Benedetto Croceالذي كان بدوره قد استشهد بمؤرخ لاتيني حول موضوع دروكتولفت Droctulft ، المحارب اللومباردي الذي، "أثناء حصار راڤينّا، ترك رفاقه ومات وهو يدافع عن المدينة التي كان قد هاجمها من قبل".(7) ويعترف بورخيس بأنه ظل أعواما حائرا إزاء- ومتعاطفا بصورة غريبة حقا مع- قرار دروكتولفت. فقط عندما انتهى إلى الربط بين هذه القصة وبين قصة جدته الإنجليزية استطاع أن يدرك المعنى الذي تضمنه استعمال المفرد "قصة" (وليس "قصص") في عنوان نصه. إن دروكتولفت لم يكن خائنا، بل كان معتنقا (مهتديا) جديدا:
تأتي به الحروب إلى راڤينّا وهناك يرى شيئا لم يره من قبل مطلقا، أو لم يره تماما. إنه يرى النهار، وأشجار السرو، والرخام. يرى الكل الذي لا يتمثل تعدده في الفوضى، يرى مدينة، كائنا عضويا يتألف من تماثيل، ومعابد، وحدائق، وحجرات، ومدرَّجات مسارح، وزهريات، وأعمدة، ونطاقات منتظمة ومفتوحة. لم يترك فيه (إني أعرف) أيّ من هذه الإنشاءات أيّ انطباع بأنه جميل؛ لقد تأثر بها كما قد نتأثر اليوم بآلية معقدة قد لا يمكن أن نسبر غور الهدف منها ولكن ربما أمكن حدس ذكاء خالد في تصميمها. (8)
 
وكانت الأسيرة الزرقاء العينين أيضا معتنقة (مهتدية) جديدة، مع أن معنى تبنيها للثقافة الهندية كان يمكن أن يبدو لنا (لكن ليس ﻟ "ذكاء خالد") أنه النقيض لموقف دروكتولفت. لقد اختار كل من المحارب والأسيرة أن يهجرا عالمهما مسحوريْن بآخرية لم يفهماها.
ويستخدم بورخيس نفس الثيمة في قصته "الجنوب". إن خوان دالمان، الشخصية الرئيسية للقصة هو، مثل بورخيس، سليل أسلاف مختلطين. إذ كان جده يوهانس دالمان Johannes Dahlmann قسيسا بروتستنتيا من أصل ألماني وكان أبو أمه، فرانثيسكو فلوريس Francisco Flores ، رجلا عسكريا كريوليا من أصل إسپاني كان قد حارب ضد الهنود. وكان دالمان- مثل بورخيس في الأربعينات عندما كُتبت هذه القصة- أمين مكتبة مغمورًا  ذا عواطف كريولية مبهمة وكان يحتفظ، وإنْ ببعض الصعوبات الاقتصادية، بالمنزل الريفي لمزرعة كبيرة كان قد ورثها في جنوب إقليم بوينوس آيرس. ومثل بورخيس أيضا، يُولَع دالمان بالكتب القديمة والطبعات النادرة. وذات مساء، عندما يصل إلى البيت ومعه مجلد من ألف ليلة وليلة، يصاب دالمان بجرح في رأسه إذ يصطدم بنافذة مفتوحة غير منتبه أثناء صعوده على السلالم إلى مسكنه. والجرح في جبهته عميق وخطر. ويتلوث الجرح ويصاب دالمان بحمى. وبعد أيام عديدة من فقدان الوعي والهذيان، يعلن الأطباء أنه تجاوز مرحلة الخطر. وفي حالة من الضعف والتشوش، يقرر أن يقضي بعض الوقت في المزرعة، التي لم يزرها منذ أعوام.
وعند هذه المرحلة تأخذ القصة اتجاها غير متوقع. يكتب بورخيس: "الواقع يُؤْثر تماثلات مع قليل من المفارقات".(9) وتنقلب قصة مرض دالمان إلى قصة شفائه المستحيل، لأنه سيتم توضيح أن قراره بأن يتجه جنوبا، إلى داخل السهول، أخطر كثيرا من جرحه الجسماني الذي التأم بالفعل تقريبا.
يأخذ دالمان قطارا ويحمل معه مجلد ألف ليلة وليلة الذي كان يقرأه في مساء الحادث الذي وقع له. ومع هدهدة حركة القطار، ورتابة المشهد، والابتهاج الطفولي الذي أحدثته الرحلة، يردد لنفسه بصورة متواصلة أنه في اليوم التالي سيكون في المزرعة، في قلب سهول الپامپا، في عمق الجنوب، حيث كان الجاوتشو، الهنود والرجال العسكريون، ذات يوم يحاربون آخر معاركهم أو آخر مبارزاتهم. "كانت الوحشة كاملة وربما معادية وكان بوسع دالمان أن يبدأ في الارتياب في أنه يتجه جنوبا بل أيضا نحو الماضي". وتبدأ بعض التفاصيل الغريبة، مثل "إزاحات صغيرة"، التأثير في هذه السعادة الكاملة تقريبا: لا يقف القطار في المحطة المعتادة وينزل دالمان في مكان مجهول، حيث يقال له إنه سيكون من الممكن له أن يذهب إلى مزرعته بسيارة أو عربة. ويقبل دالمان، كما يقول بورخيس، هذا التغيير "باعتباره مغامرة صغيرة".(10) ويصل إلى پولپيريا حيث يلاحظ عددا من الجاوتشو الذين يذكّرونه بالأطباء والممرضات الذين قاموا برعايته أثناء مرضه. وتشوش الواقعَ تماثلات ومصادفات، غير أنه لا يظهر شيء شاذ للوهلة الأولى من هذا التشوش. ويفسر دالمان هذه التغيرات الصغيرة، والأشكال الغريبة من التعرف أو عدم التعرف، واندياحات الضوء على أنها أشياء تحدث بصورة مستقلة عن رغبته في تغيير أو قبول شيء. ويستسلم للمسار المجهول والممتد لمصيره. وجالسا إلى مائدة في پولپيريا، منتظرا أن يقدموا له عشاءه، تحت مراقبة جاوتشو لا ينتمون إلى الزمن الراهن (تجري القصة في 1939  ويرتدي هؤلاء الجاوتشو ملابس القرن التاسع عشر)، ولا يبدون مع هذا في غير مكانهم الصحيح، يتعشى دالمان بالسردين واللحم البقري المشوي والنبيذ الأحمر القوي.
"فجأة أحس دالمان بشيء يمس برفق وجهه. وبجوار الكأس الثقيل من النبيذ المعكر، فوق تقليمة في مفرش المائدة، استقرت كرة من كسرة الخبز قذفها شخص ما. كان هذا كل شيء". كان من الجلي أنه يجري استفزاز دالمان، غير أنه كان ينبغي أن لا يعرف أحد مَنْ هو، أو على الأقل ماذا يتصور، إلى أن يسمع اسمه: "سنيور دالمان، لا تُعر اهتماما لهؤلاء الأولاد؛ إنهم أنصاف سكارى".(11) ويحسم دالمان أنه لم يعد يمكن، الآن وقد عرف الناس مَنْ هو، أن يتجاهل الإهانة ويتفادى الصراع، لأن الناس سيقولون إنه تصرّف كجبان أمام حفنة من الجاوتشو السكارى.
وعلى الفور تغدو المعرفة اليقينية بأنه سيقاتل جلية، ومحتومة، وعبثية. يُلقي شخص في اﻠ پولپيريا، وكان جاوتشو مسنا جدا، سكينا نحو قدميه؛ يلتقطه دالمان ويخرج إلى الليل ليخوض مبارزة- مواجها بهذا قدره الأمريكي الجنوبي. "بدا وكأن الجنوب قد قرر أن دالمان يجب أن يقبل المبارزة".(12) وعندما ينحني ليأخذ السكين، يحس بأن "فعلا غريزيا تقريبا قد حكم عليه بالقتال" وبأن "السلاح في يده التي أصابها الخدر لم يكن مطلقا للدفاع بل كان سيصلح فقط لتبرير قتله". ومع هذا تنتهي القصة على هذا النحو: "متشبثا بحزم بسكينه، الذي ربما كان لا يعرف كيف يقبض عليه ويستخدمه بمهارة، خرج دالمان إلى السهل".(13)   
ومثل مارتن فييرو في "النهاية"، يقبل دالمان قدره. غير أنه على خلاف مارتن فييرو، الذي لا يمكن إلا أن يتصرف وفقا للعرف الأخلاقي الوحيد الذي يعرفه، قام دالمان بصنع قدره عبر اتخاذ خيارات صغيرة من بين الإمكانيات التي قدمها له أصله المزدوج: كان مولودا في العالم الكريولي الريفي، وهو يختاره ببساطة منقادا للنزوة التي تحولت إلى مصير. وكما في قصة المرأة الإنجليزية الأسيرة التي تقرر العودة إلى القرية الهندية وترفض تعاطف جدة بورخيس فإن دالمان، عندما يتجه جنوبا، إنما يبدأ في قبول جانب من تراثه، تراث جده فرانثيسكو، والحقيقة أنه، عندما يفكر في أن يتجه جنوبا، إلى المزرعة، ليستعيد صحته، إنما يتجه جنوبا ليستعيد صورة ماضيه. وهذا، أيضا، معنى "المفارقات  الطفيفة": الجاوتشو يرتدون ثياب القرن التاسع عشر، البيئات البدائية ذاتها، الرجل المسن، رمز- "شفرة"، كما يقول بورخيس- يقدم سكينه لدالمان، موجها إياه صوب قدره: قبول تراث، ولكنْ أيضا قبول الموت.
ومن الجلي أنه يمكن النظر إلى هذه التفاصيل على أنها دعائم الأدب الفانتازي: إبهام الزمان والمكان، والأشكال الزائفة من التعرف أو عدم التعرف، والتماثلات، والمراجع المشوشة. غير أن هذا جلي. وما أحاول أن أقوم به هنا هو أن أنظمها ضمن نموذج "نظري" يمكن أن يكشف معنى ومكانة الأدب الأرجنتيني، والطريقة التي يمكن أن يصل بها المرء إلى قلبه وإلى حقيقته نفسها المنطوية على الخطر.
ومثل المرأة الإنجليزية الأسيرة، تستحوذ على دالمان القوة الرمزية للبدائية، لأن ما يمكن التفكير فيه على أنه بدائي يتوافق مع مجموعة من القيم والتقاليد (احترام القضاء والقدر، قبول المصير، الشجاعة الجسدية) التي تفتقر إليها الثقافة الحديثة. وفي كلتا القصتين، ينتقم البُعد الكريولي أو الهندي من النطاقين الحضري والمتعلم. وفي كلتيهما، تجري إعادة فتح الشخصيات الرئيسية عبر السحر الذي تمارسه البربرية عليهما. ويقبل دالمان، أمين المكتبة الذي يبحث في الجنوب عن شيء ما أكثر من مجرد شفاء صحته، المبارزة الكريولية التي تستعصي على الفهم مع غريب بلا سبب أو على الأقل بلا سبب يمكنه أن يسميه. وتختار الأسيرة الإنجليزية العودة إلى المستوطنة المحلية، منجرفة ﺒ "دافع خفي، دافع أعمق من السبب"(14).
ويشتغل الأدب على مادة هذا الدافع الذي يرشد بورخيس أيضا في ابتكاره الشعري  المتمثل في الحواف las orillas، الحدود بين المدينة والريف، أو بين عالمين: أوروپا وأمريكا اللاتينية، الكتب، والزعماء caudillos أو الكومپادريتو compadritos ، أسلافه الإنجليز والدم الكريولي. والحقيقة أن شيئا ما في الماضي الأرجنتيني يرتبط بعمق بهذه الثقافة الريفية، التي يضعها بورخيس في مقابل التراث الحضري، والمتعلم، والأوروپي. وما من أصل من هذين الأصلين يمكن قمعه أو إلغاؤه تماما؛ وما من أحد منهما يجب التشديد عليه إلى حد طمس الآخر. غير أن تعايشهما لا ينتهي إلى تناسق كلاسيكي بل إلى صراع.
وهذا التوتر الناشيء عن الأصل المزدوج ماثل في صميم الأدب الأرجنتيني. وهو ماثل داخل دالمان، القادر على الاستشهاد بمقاطع من مارتن فييرو عن ظهر قلب، وكذلك على  معرفة قِيمة طبعة نادرة أو رائعة من ألف ليلة وليلة. وقد سحر كلا الكتابين بورخيس. ويقدم له كل منهما قالبا لعدد هائل من القصص، التي يمكن قراءتها وإعادة قراءتها في نصوص جديدة. ولا حاجة إلى القول إن ألف ليلة وليلة هي أيضا ترجمة، الصورة التي يتخذها نصّ شرقي كلاسيكي في لغة أوروپية. وبطريقة ما تمثل الترجمة أيضا مشكلة الأدب الأمريكي اللاتيني، على الأقل من وجهة نظر بورخيس: بلده مكان طرفي (هامشي) بالمقارنة بالتراث الأدبي الغربي، ووضع كتابها في حد ذاته إشكالي. ويقودهم واقع أنهم لا يتعرفون في إسپانيا على بلد أم ثقافي إلى ربط أدبهم القومي بآداب بلدان أوروپية أخرى. غير أن واقع أنه يوجد أيضا تراث ثقافي محلي لا يبسّط هذه العلاقة. وعلى مدى أعوام تناول بورخيس هذه المشكلة بطريقة رمزية وإلى حد ما تهكمية. وهو، مثل دالمان، يحفظ عن ظهر قلب مارتن فييرو التي تخصه (وأعاد كتابة بعض مشاهدها)؛ وهو مثل دالمان يعرف قيمة التراث الكريولي؛ وهو مثل دالمان يمزج هذا التراث في مزيج أوروپي. وهو يعرف أن الماضي الكريولي لا يجب البحث عنه بل الحصول عليه، لا يجب تبنيه بل تلقيه- وهذا الاقتناع يمنحه رأيا، أيضا، حول دمج المهاجرين الجدد في الثقافة الأرجنتينية.
و"الجنوب" في آن معا مأساوية وتهكمية. وهي تحمل إنذارا مزدوجا: قد يكون المزيج الثقافي قدرنا، غير أنه ينطوي على خطر. ويتمثل أحد أخطاره في إضفاء الطابع الرومانسي المهذب على الماضي الكريولي وهذا يفضي إلى نوع من الأدب الريفي، القائم على تصوير المناظر، الذي يرفضه بورخيس ويتفاداه في ممارسته القصصية والنقدية. يكتب بورخيس: "عُمْيانَ عن كل خطأ، يمكن أن يكون القدر قاسيا لا يرحم عند أدنى حالة شرود من المرء".(15) وربما كانت هذه الجملة تشير إلى حالة الشرود العقلي لدالمان عندما يصعد السلالم إلى مسكنه، غير أنه قد يكون من الممكن أيضا قراءتها على أنها استباق تهكمي لمصيره. ومصعوقا بروعة المناظر الطبيعية للبيئة الريفية التي طالعته، لا يستطيع دالمان أن يقاوم سحر نهاية كريولية لحياته، يمكن النظر إليها ليس على أنها قدر فحسب بل أيضا على أنها عقاب على بوڤاريته Bovarism وكلتا النهايتين ممكنتان على قدم المساواة في تهكم متعدد الطبقات للقصة.
ويمكن وصف نموذج الأدب الأرجنتيني عند بورخيس على أنه يتمثل في التنظيم الأوروپي لتراث أمريكي وليس على أنه سيادة السمات المحلية على الثقافة الأوروپية أو المجلوبة. وقد حاولتْ قراءتي ﻠ  "الجنوب" أن تقدم، في حدوده الرمزية، هذا المزيج الثقافي الذي لا يقدم أبدا نهاية سعيدة بل يقود بالأحرى إلى الصراع. ولموت دالمان مغزى مهم ليس فقط لأنه يتم تقديمه تحت سماء سهول الپامپا وفي مبارزة كريولية (وهذا انقلاب درامي مفاجيء peripeteia جرى استباقه في مارتن فييرو)، بل أيضا لأن أمين مكتبة والحفيد لراعٍ بروتستانتي أوروپي هو الرجل الذي يتحقق من خلاله القدر على هذا النحو. ويقول بورخيس إن دالمان قد صقل "كريولية" criollismo طوعية ولكنْ غير متباهية أبدا" كانت ملائمة لرجل من المدينة وقارئا ﻠ  ألف ليلة وليلة- وهو، على كل حال، غريب على البُعد العتيق (الذي ربما أحدثه هذيانه) ﻠﻠ پولپيريا الفقيرة حيث كان عليه أن يتلقى التحديات إلى مبارزة. والحقيقة أن تحقيق هذا التغاير (وهو مجاز تناقض لفظي حقيقي، مثل المرأة الهندية الجميلة الزرقاء العينين) يُحيل ليس فقط إلى الأصل المزدوج لدالمان وبورخيس، بل للثقافة الأرجنتينية ذاتها.
والمزيج في آن معا لا غنى عنه وإشكالي. وبورخيس بعيد تماما عن الحلول التركيبية السلمية التي يمكن أن تحول الأرجنتين إلى الفضاء الشاعري لبوتقة انصهار ثقافي. إن كل أدبه، على العكس، ممزق بأحاسيس الحنين, لأنه يدور على الحد بين عالمين، على خط يفصلهما ويربط بينهما، غير أنه، عبر وجوده ذاته، يكشف عدم أمان الصلة. وبهذا المعنى، ينتمي أدب بورخيس إلى حافة بين أوروپا وأمريكا؛ إنه يكشف المسافات والتحولات، بنفس الطريقة التي يفصل بها نقش الكتابة مسافات الصفحة عن مسافات الحياة(16).
إشارات
 
1:  ”Dulcia Linquimus Arva”, in J.L. Borges, Selected Poems, 1923-67, London 1972, pp. 49-51.
2: Leopoldo Lugones, El payador, Buenos Aires n.d.
3:J.L.Borges, El hacedor, Buenos Aires 1960, p. 38.
4: كل هذه الاستشهادات من قصة "النهاية" The End في: J.L. Borges, A Personal Anthology, London 1972, pp. 137-8.
5: قصة "سيرة تاديو إيسودورو كروث " Biography of Tadeo Isodoro Cruz  في: A Personal Anthology, p.132.
6: "قصة المحارب والأسيرة" The Warrior and the Captive في:  Labyrinths, London 1970, pp. 161-2.
7: Ibid., p.     
8: p. 160.   Ibid.,                                                                          9:  قصة "الجنوب" The South في: A Personal Anthology, p.113.  
10:  Both quotations, ibid., p. 15.
11: For both quotations, ibid., pp. 16-17.
12:  Ibid., p. 17.                                                      
13:  Ibid., pp. 17-18.
14:  "قصة المحارب والأسيرة": p. 162
15: "الجنوب":p. 12 .
16: العبارة من إدوارد سعيد في: Edward Said, Beginnings, New York 1986, p. 237.                                                                                                            
إشارات أسفل الصفحات
 
* الفصل الثالث
xvi: في قصة: سيرة تاديو إيسيدورو كروث 1829- 1874 Biografía de Tadeo Isidoro Cruz 1829-1874- المترجم.
 
الفصل الرابع
مجازات الأدب الفانتازي
تُعَدّ قصص بورخيس الفانتازية أحد الأسباب الرئيسية وراء شهرته الأدبية. والواقع أن قصصه القصيرة تُقْرَأ منذ الستينات، باعتبارها الإطار  mise-en-scène الأساسي لكثير من المشكلات التي تهم النقد الأدبي. والحقيقة أن قصصه الفانتازية ومقالاته الفانتازية (التي أعني بها نصوصا مثل "اللغة التحليلية لجون ويلكنز" El idioma analítico de John Wilkins أو "دراسة لأعمال هربرت كوين" Examen de la obra de Herbert Quain) تعالج على السواء ثلاث مجموعات من المسائل هي في آن معا جمالية وفلسفية: مصادر المادة الأدبية؛ الإستراتيجيات التي تقوم الحبكة والإجراءات الشكلية عن طريقها ببناء عالم خيالي أو بإثارة مناقشة؛ العلاقة بين اللغة والتمثيل [التصوير أوالعرض في الأدب والفن، إلخ.]. وبمعنى ما، استبق بورخيس الكثير من الموضوعات التي تستحوذ على اهتمام النظرية الأدبية المعاصرة: وَهْم المرجعية، والإنتاج المتناصّ، والطابع الملتبس للممعنى.
ويمكن أن نقرأ قصص بورخيس القصيرة الفانتازية من مختلف وجهات النظر النظرية. وتعود بعض مداخل البحث بأصولها إلى آراء بورخيس عن فن وصنعة القصة أو تسترشد بها. وتحاول مداخل بحث أخرى، لا تتناقض مع هذه القراءات غير أنها لا تضعها في مركز تفسيرها، أن تفهم معاني قصصه الفانتازية في إطار ما يمكن، بصورة عامة جدا، أن نسميه التاريخ المعاصر. وستكون هذه مهمتي في الفصول الثلاثة التالية.
والحقيقة أن بورخيس قد أقام فن الشعر ars poetica [كما يقدمه هو] على أساس مزدوج. من ناحية كانت هناك الحاجة إلى ابتكار حبكات مثالية، مثل تلك التي أعجبته عند كتاب مثل كپلنج و[روبرت لويس] ستيڤنسون [Robert Louis] Stevenson، اللذين كانا بمثابة مثاليْن لقاعدة جمالية مصمَّمة من أجل تفادي طابع الفوضى وعدم التنظيم للواقع كما يحاكيه الأدب الواقعي. ومن ناحية أخرى كان هناك إغراء الحرية التي يتمتع بها الأدب الفانتازي فيما يتعلق بالعرض وفقا للمذهب الطبيعي، ونظريات الإبداع الأدبي poetics الواقعية، والمحاكاة الواقعية السيكولوجية.
وقد فضّل بورخيس دائما القصة القصيرة على الرواية كنوع أدبي، لأن التفاصيل غير الضرورية تثقل دائما في رأيه على حبكة الرواية الحديثة، التي يتخذها شبح التمثيل والمرجعية مأوى له بصورة لا يمكن تفاديها. واعتقد بورخيس أن الرواية لا يمكن أن تخلص نفسها من آثار، مهما تكن طفيفة، مما هو واقعي. وكان الطول الذي تقتضيه قواعد النوع الأدبي أحد الأسباب وراء ضعفها؛ إن طول الرواية، بالمقارنة بالقصة القصيرة، يمثل قيدا شكليا على كمالها. ولهذا أبدى بورخيس رأيه مرارا وتكرارا ضد الواقعية ومحاكاة الواقع باعتباره المرجع وأعلن مرارا وتكرارا سخطه على الأدب الروسي أو الواقعية الفرنسية والمذهب الطبيعي الفرنسي. وكان يشكو من أن الروايات الروسية قدمت شخصيات تنهمك دائما في سلوك متناقض وفي كثير من الأحيان سخيف، من قبيل الانتحار لأنها تحس بالسعادة، أو قتل شخص بدافع الحب: شخصيات مبنية على أساس نوع السيكولوجيات المعقدة التي يمكن أن يكتشفها أيّ قاريء بسهولة عند دوستويڤسكي (وعند أحد معاصري بورخيس الأرجنتينيين: روبرتو آرلت). وأكد بورخيس أن الروايات تتمحور على الشخصيات بدلا من الحبكة، وتميل بالتالي إلى تصوير مضطرب للحدث الذي يمنح الفراسة السيكولوجية قيمة أعلى من الكمال الشكلي. وفيما يتعلق ﺒ يوليسيس Ulysses، معيار تقييم القصة الحديثة، وكانت خطا فاصلا في نظر الكتاب الشبان في الثلاثينات، يعلن بورخيس أنه يُقدِّر عاليا كتابة écriture جيمس جويس James Joyce الرائعة مستدركا أنه لم يستطع متابعتها من البداية إلى النهاية. وقد قرأ أجزاءً منها غير أنه لم ينجح في قراءتها كاملة. ولا ينبغي أن نأخذ هذا التصريح بمعناه الظاهري، غير أنه ينبغي اعتباره موقفا جماليا إزاء يوليسيس، وبصورة أعم إزاء الأدب الحديث والطليعي. غير أنه ينبغي أن نضيف أن ترجمة بورخيس للصفحات الأخيرة من مونولوج مولي بلوم Molly Bloom تُعَدّ، دون شك، أفضل ترجمة تم إنجازها على الإطلاق لجويس في الإسپانية.
أحبَّ بورخيس منذ الطفولة قصص المغامرات. (ويمثل ستيڤنسون، في هذا الخصوص، الاسم الذي يرد دائما على شفتيه، جنبا إلى جنب مع ألف ليلة و ليلة). وتتوقف المتعة التي تُستمد من قصص المغامرات على حبكة بالغة الإحكام بلا أيّ خيوط مهلهلة وبأدنى إشارة إلى دوافع وبواعث سيكولوجية عميقة. وعلاوة على هذا فإن روايات المغامرات لا تواجه مشكلة "الطول"، التي تؤدي دائما، في رأي بورخيس، إلى حبكة ضعيفة، لأنها بوجه عام منظمة ضمن سلسلة أحداث تبدأ وتنتهي داخل المدى الزمني لفصل واحد. ويمكن فهم إعجاب بورخيس المتماسك بستيڤنسون وكپلنج من هذا المنظور، ولكنْ ليس من هذا المنظور وحده. وفي مقدمته ﻟ  تقرير برودي ، المنشور في 1970 عندما كان بورخيس في قمة الشهرة والاعتراف العالمي، كان ما يزال يُصرّ على هذا الإعجاب ويعلن أنه استلهم الشكل القصصي عند كپلنج:
لم تكن قصص كپلنج الأخيرة معذبة ومحيِّرة أقل من قصص فرانتس كافكا Franz Kafka أو هنري جيمس Henry James، التي تتفوق عليها دون شك؛ غير أنه في 1885، في لاهور، بدأ كپلنج الشاب سلسلة من الحكايات القصيرة، مكتوبة بأسلوب غير معقد، جمعها في 1890. والعديد منها ... روائع قصيرة جدا. وقد خطر ببالي أن ما تصوَّره ونفذه شاب عبقري يمكن أن يجربه رجل على حافة الشيخوخة يعرف صنعته. ومن هذه الفكرة جاء الكتاب الحالي، الذي أترك الحكم عليه للقاريء.(1)
وتمثل الحبكة ذات البناء المحكم ضرورة أخلاقية بمعنى أنها لا تعِدُ بأكثر من أن الأدب عليه (على الأقل) أن يقدم لقرائه: متعة الكمال الشكلي دون تدخّل يُذكر من العالم المعيش. وفي الأدب الفانتازي يمكن لبورخيس أن يُوجز نظاما مثالي الكمال بقوة الحكي وحدها و- ظاهريا على الأقل- بصورة مستقلة عن الواقع الاجتماعي: تقدم القصة الفانتازية عوالم مفترضة hypothetical تقوم على قوى خيالٍ لا تعرقله المعوقات التي تفرضها الجماليات التمثيلية. إن ماهو فانتازيّ أسلوب لا يعتمد إلا على الضرورة الداخلية للنص. ورغم أنه يمكن التدليل على أن الأدب الواقعي أيضا يقدم عوالم مفترضة لا تختلف عن العوالم الفانتازية إلا في درجة احتمال فرضياتها، أحبَّ بورخيس دائما التدليل على دعواه ضد التمثيل الواقعي وكأن ما تجري المخاطرة به ليس مجرد تراث أدبي أو اختلاف بين أنواع الخطاب بل بالأحرى أخلاقيات الأدب ذاتها.
وآراء بورخيس هذه معروفة جيدا، وقد رددها المرة تلو الأخرى حتى منذ المقالات الأولى التي نشرها في المجلة الأدبية سُورْ Sur [الجنوب] والمجلة الأسبوعية  الأوجار El Hogar في الثلاثينات. ويدعم بورخيس استقلال القصة بحجج أخلاقية وجمالية. الحبكة الكاملة، وتفادي التفاصيل غير الضرورية التي تؤدي إلى الفوضى وتفرض سمات محلية غير مرغوب فيها على القصة (رغم أن بورخيس يضيف العديد من التشعبات والانحرافات إلى قصصه هو)، والأسلبة الجمالية لأصوات النص- هذه هي القواعد التي ينبغي أن يتبعها الكتاب ليس فقط لكي يحققوا النوعية الجمالية بل أيضا ليكونوا مخلصين لواجبهم الذي يتمثل، على وجه التحديد، في احترام الوسيلة التي يُنتجون بواسطتها الأدب.
ويمكن النظر إلى هذه المباديء، فيما وراء عرض بورخيس نفسه لها في علاقتها بفن الشعر ars poetica عنده، على أنها ردّ فعل أرستقراطي على عالم تسوده الفوضى بدا في الثلاثينات أنه يترنح على حافة اللاعقلانية. ويمثل دفاع بورخيس عن أدب فانتازي عقلاني (مثل دفاعه عن قصة بوليسية عقلانية على طريقة ج. ك. تشيسترتون G. K. Chesterton) استجابة خلاقة لللاعقلانية التي بدا أن الحضارة الغربية قد سقطت فيها: عقلانية الفاشية والشيوعية- والديمقراطية الجماهيرية، التي كانت تثير اشمئزاز بورخيس شأنها شأن السلطوية تماما. ورغم أن بورخيس نفسه ما كان ليوافق على مثل هذا التفسير للإنتاج  œuvre الفانتازي، فإن من الممكن مع هذا أن نفهمه على أنه استجابة غير مباشرة ومشفرة ورمزية للغاية للاعقلانية (وهي وجهة نظر فلسفية لم يؤيدها بورخيس في يوم من الأيام) ولحالة الثقافة المعاصرة، التي وصفها بورخيس، في مقال عن پول ڤاليري Paul Valéry ، كما يلي:
إهداء وضوح الفكر للناس في عصر متواضع الرومانسية، في العصر السوداوي للنازية والمادية الجدلية، عصر المبشرين بالفرويدية وتجار السوريالية surréalisme، تلك هي المهمة السامية التي قام (ويواصل القيام) بها ڤاليري.(2)
ويحدد بورخيس هنا المهمة التي وضعها نصب عينيه، في عالم ينظر إليه على أنهمعتلّ وغير عضوي. والحقيقة أن نظام فانتازيا بورخيس لا يجمعه شيء بالخيال السوريالي، أو بالرفض الدادائي Dadaist للهيراركية الجمالية، أو بالاستخدام التعبيري Expressionist للإغاظة والتشويه المهشَّم. إنه على العكس، يقدم عوالم كابوسية غير أنها كاملة بصورة استحواذية ومنظمة بانتظام مزعج.
ولعل من الممكن أيضا قراءة قصصه على أنها استجابة (مهما كان قد حاول أن يصون الأدب كفضاء متحرر من الرأي السياسي المباشر) ليس فقط للتطورات الجارية في أوروپا، حيث أثار صعود الفاشية وتوطيد نظام شيوعي في الاتحاد السوڤييتي قلق المثقفين الليبراليين، ولكنْ أيضا هجمات الديمقراطية الجماهيرية في الأرجنتين. ولا يعني هذا أن الديمقراطية الجماهيرية كانت تزدهر تماما هناك في الثلاثينات، بعد أن كان قد وقع انقلاب عسكري في أوائل الثلاثينات، وبعد أن كان قد تم حظر الحزب الراديكالي، الذي كان يمثل الطبقات الوسطى وأقساما من الطبقات الشعبية. غير أن ما أقلق بورخيس وأصدقاءه في النخبة المثقفة كان إضفاء الطابع الجماهيري على الثقافة والمجتمع في بلد كالأرجنتين كان قد اندفع بسرعة خاطفة في طريق التحديث الاقتصادي والاجتماعي، وشهد عملية نمو حضري استطاعت في غضون عشرين سنة تغيير بوينوس آيرس بالكامل تقريبا، وحولتها إلى مدينة حديثة مثل مدن أوروپا الغربية. 
ويمكن النظر إلى استجابة بورخيس على أنها فرْض مبدأ للنظام في عالم بدا فيه أن الهجرة، والتعددية اللغوية، والنظام الجديد الذي أقامه الحزب الراديكالي الذي كان قد حكم من 1916إلى 1930، والقلاقل الاجتماعية التي أعقبت أزمة 1929، تُنذر مجتمعة بنهاية الهيمنة الكريولية على الثقافة والمجتمع. وباختصار فإن العالم الذي عاش فيه بورخيس في الثلاثينات والأربعينات كان مختلفا اختلافا هائلا عن عالم طفولته. وفي مواجهة هذه التغيرات اقترح الاختراع الأدبي لعالم، في دواوينه الأولى، وإعادة التنظيم الأدبية لواقع كان عرضة لأن يصير واقعا لا يطاق (كما صار بالفعل، بالنسبة لبورخيس على الأقل، بعد سنوات قليلة في عهد النظام اﻟپيروني 1945-1955). والحقيقة أنه لم تجر إلى الآن محاولة القيام بقراءة تاريخية كهذه لقصص بورخيس، غير أن مثل هذه القراءة يمكن حقا أن تلقي ضوءا جديدا على دور بورخيس نفسه كمثقف، وليس ككاتب فقط. وسوف نعود إلى هذه النقطة فيما بعد.
غير أنه توجد طرق أخرى يبدو أنه لا مناص منها لقراءة بورخيس الفانتازي. وتحتل القراءات الفلسفية هنا مكان الصدارة.(3) ذلك أن من الممكن النظر إلى كثير من قصصه stories على أنها قصص خيالية fictions تتأمل أفكارا فلسفية بنفس الطريقة التي تطور بها قصص خيالية فانتازية أخرى أفكارا علمية أو سيكولوجية. وبهذا المعنى فإن قصص بورخيس هي الإطار العام السردي لمسألة ليست مطروحة بصورة صريحة بل يتم تقديمها، في القصة الخيالية، من خلال تطور الحبكة. ولا يعني هذا أن كل قصة تقدم حلا لمشكلة، على الأقل ليس ما يعتبر إجابة أو حلا بصورة عامة أو من الناحية الفلسفية. بعيدا عن هذا: لا تقدم قصص بورخيس معالجة فلسفية لفكرة، بل بالأحرى ما يمكن أن نسميه موقفا سرديا فلسفيا philosophical narrative situation.
     وقد ابتكر بورخيس نوعا من القصة الخيالية fiction لا تجري فيها مناقشة أفكار من خلال شخصيات، ولا تقديمها للقاريء فضلا عن التمتع بحبكة سردية تتكشف. وعلى العكس فإن الأفكار هي في الوقت نفسه مادة stuff الحبكة، وهي تشكلها من الداخل. والأفكار عند بورخيس ليست ضرورية فقط لتطور الحبكة (كما هي، على سبيل المثال، عند كاتبين مختلفين مثل [ليو] تولستوي Tolstoy [Leo] وجويس)، بل يتم تقديمها باعتبارها الحبكة نفسها. وتقوم قصته الخيالي    fictionعلى بحث إمكانية فكرية intellectual يتم تقديمها كفرضية سردية. غير أن بورخيس لا يحصر قوة موقفه السردي الفلسفي في قصصه. والواقع أن مقالات كثيرة لبورخيس تقدم أيضا فكرة (أو فكرتين متناقضتين) من خلال إستراتيجية تلعب على الحدود بين الوقائع والقصة، عن طريق الإسنادات الزائفة، والإزاحات، والاستشهادات الصريحة والخفية، والمحاكاة الپارودية، والتطوير الشديد المغالاة لقضية فلسفية، ومزج الابتكار والمعرفة، والعلم الواسع الزائف.
      و"اللغة التحليلية لجون ويلكنز"، مقال قصصي قصير مشهور يقدم فيه بورخيس تصنيفا   لبعض اللغات ينسبه إلى "موسوعة صينية":
 
... تنقسم الحيوانات إلى(أ) تلك المملوكة للإمبراطور، (ب) تلك المحنطة، (ج) تلك المدربة، (د) الخنازير الرضيعة، (ه) عرائس البحر، (و) تلك الخرافية، (ز) الكلاب الضالة، (ح) تلك المدرجة في هذا التصنيف، (ط) تلك التي ترتعش وكأنها مصابة بالجنون، (ي) تلك التي لا تحصى ولا تعد، (ك) تلك المرسومة بفرشاة رفيعة جدا من شعر الجمل، (ل) أخرى، (م) تلك التي كسرت للتو فازة زهور، (ن) تلك التي تشبه الذباب من مسافة. (4)
هذا التسلسل الشاذ الغريب- الذي خصص له فوكو تعليقا رائعا في مدخله إلى نظام الأشياء- يجمع، بنفس طريقة حبكة قصصية خيالية فانتازية، بين عناصر لا تتبع قواعد أو نظام ما يُنظر إليه على أنه الواقع أو واقع اللغات المعروفة. وهذا الإعلان الشاذ الخارج على المألوف عن نظام لا يمثل حقا، وفقا للمعايير الفكرية المعروفة، نظاما إنما هو مثال دقيق على ما أسميه موقفا فلسفيا، وليس عرضا كلاسيكيا لمشكلة أو لحل تلك المشكلة.
إنه، في الواقع، عرض presentation، عن طريق الأسلوب القصصي الخيالي البورخيسي جدا والمتمثل في نسبة زائفة إلى كتاب غير معروف أو بعيد الاحتمال، لاستحالة تقديم شكل لغوي لما نسميه الواقع. فلا لغة تعكس الواقع، رغم أنه تم بذل محاولات كثيرة لتفسير لماذا يُفترض قيام استعمال اللغة على قدرته على تحويل الكلمات إلى ترتيب للأشياء في المكان والزمان هو في حد ذاته، بعيد عن ذات طبيعة الخطاب لأن نظام الواقع ونظام الخطاب يستجيبان لمنطقين مختلفين. وفي شكله المبالغ فيه، تحاكي الموسوعة الصينية الزائفة جهودا أخرى أكثر عقلانية بذلها الفلاسفة والعلماء لاستكشاف الآلية mechanism التي ندرك الواقع من خلالها والطرق التي نقوم بها بتقسيم المتصل التجريبي experimental continuum للزمان والمكان. ويقول بورخيس، تحت غطاء الموسوعة، إن كل هذه الصيغ إنما هي اصطلاحات conventions، لأنه "لا يوجد تصنيف للكون ليس اعتباطيا وافتراضيا. والسبب بسيط جدا: إننا لا نعرف ما هو الكون".(5)    
ولكي يبين هذا في شكله النصي، يختار تقديم هذا التصنيف المتسم للغاية بعدم التجانس، وهو  تصنيف لا يراعي أيّ مبدأ منطقي للاستبعاد والإدراج، ولا أيّ تكوين منطقي للمجموعات، والأنواع، والأجناس، وهو قبل كل شيء تصنيف يدرج نفسه في التصنيف. وهذا الشكل النصي هو ما أسميه موقفا فلسفيا.
ويمكن أن نقول الشيء نفسه عما يسميه بورخيس الألف Aleph: نقطة تشتمل على كل أزمنة وأمكنة الكون، تجريد وفي الوقت نفسه كرة ملموسة تحتوي عليها. ولا يمكن أن نفهمها عبر الإدراك "العادي" لأنها تنطوي على اللانهاية، ولكن يمكن أن نكتبها. وتوحي الألف بمعضلة فلسفية: إذا كانت تحتوي على كل شيء، وكل لحظة، فهي تحتوي إذن على نفسها، غير أنها إذا كانت تحتوي على نفسها، فلا بد أنها تحتوي على "ألف" أخرى تحتوي على "الألفين" السابقتين وهكذا إلى ما لانهاية. ويكتب بورخيس: "رأيتُ ’الألف‘ من كل نقطة وزاوية وفي ’الألف‘ الأرض وفي الأرض ’الألف‘".(6)
 أدين لعلبة بسكويت معدنية بفكرتي الأولى عن مشكلة اللانهاية. وعلى جانب من ذلك الشيء الغريب كان قد تم تصوير منظر ياباني؛ ولا أستطيع أن أتذكر الأطفال أو المحاربين الذين تم تصويرهم فيه، غير أنني أتذكر تماما أنه على ركن في تلك الصورة، عاودت الظهور نفس علبة البسكويت المعدنية مع نفس المنظر على جانبها، وعليه من جديد نفس المنظر وهكذا (على الأقل كاحتمال) بصورة لانهائية.(7)
وهذا واحد من الترتيبات البصرية المفضلة للصور عند بورخيس: بنية الصورة داخل الصورة، التي هي في الوقت نفسه بنية سردية، ومجاز، ونموذج مكاني. وتمثل بنية قصة داخل قصة مثالا رائعا عما أسميه موقفا سرديا فلسفيا: إنها تطرح مسألة فلسفية (بشأن اللانهاية أو التكرارات اللانهائية) من حيث التصوير البصري أو من حيث نموذج للحبكات. وهي تفضي إلى ما يصفه بيوي كاساريس، متحدثا عن "تيلون، أوكبار، أوربيس تيرتيوس"، بأنها قصة خيالية ميتافيزيقية. كما تتشابك  بنية قصة داخل قصة، مع موضوع في الفلسفة الغربية، هو مبدأ الهوية، وهي تربكنا بطريقة لا يربكنا بها أيّ نموذج مفاهيمي آخر، لأنه يؤكد، إلى حد ما، تفوّق الصور على الواقع:
ليست ابتكارات الفلسفة أقل خيالية من تلك الخاصة بالفن: في الجزء الأول من عمله "العالم والفرد" استنبط جوشيا رويس Josiah Royce ما يلي: "لنتصوَّرْ أن قطعة من أرض إنجلترا تمت تسويتها على خير وجه وأن رسام خرائط يرسم عليها خريطة لإنجلترا، وتتم المهمة على أكمل وجه؛ فليس هناك أيّ تفصيل من     تفاصيل إنجلترا، مهما كان ضئيلا، لم يتم تسجيله على الخريطة، فلكل شيء هناك ما يناظره. وهكذا إلى ما لانهاية".
     فلماذا يزعجنا إدخال الخريطة في الخريطة والألف ليلة في الألف ليلة وليلة؟ ولماذا يزعجنا أن يكون دون كيخوته قارئا للكيخوته وهاملت مشاهدا لهاملت؟ أعتقد أنني وجدت السبب: توحي هذه الانقلابات في الأوضاع بأنه إذا كان بوسع شخصيات عمل قصصي خيالي أن يصيروا قراءً أو مشاهدين، سيكون بوسعنا، نحن     قراءها أو مشاهديها أن نصير وهميين.(8)
وتقيم بنية قصة داخل قصة، عن طريق تنظيم باروكي للمكان، نظاما هو في حد ذاته مفارقة بصرية؛ فهو يرغمنا على أن نتصور اللانهاية المكانية في مكان غير لانهائي. ووفقا لمبدأ الاشتمال اللانهائي، فإنه يغير إيماننا بصدق مدركاتنا الحسية ويقيم توترا بين ما يمكن تصوره منطقيا وما يمكن إدراكه بصورة ملموسة أو مادية أو محسوسة. وهو يصحح ما كان يمكن أن يصفه بورخيس بأنه الطبيعة الناقصة للعالم المدرك من خلال الحواس البشرية. وهو، مثل متاهة محكمة التصميم، لانهائي، مثل متاهة، يقيم ضد نظام العالم، الذي من المستحيل إدراكه، نظاما مفاهيميا لمجاز يصحح المفاهيم الناقصة التي عززها الفكر "الواقعي". ومفهوم الدائرية اللانهائية ماثل في المتاهات وأيضا في المرايا وفي الأحلام التي تشتمل على أحلام أخرى أو على الحالم. وهذه الأبنية المتبادلة الاعتماد التي لا حل لعقدتها، حيث أن المعضلات المنطقية لا إجابة لها، تمارس تأثيرا حاسما (فهي مناهجية) على البعد الميتافيزيقي. وعلى هذا فإن الحالم في "الأطلال الدائرية" تجرحه في كينونته دائرية الأحلام التي يشتمل، في شكل  قصة داخل قصة، كل حلم منها على آخر. وعلى هذا النحو أيضا، ففي قصة صينية استشهد بها بورخيس مرارا، "حلم زوانج زي بأنه فراشة ولم يعرف عندما استيقظ ما إذا كان رجلا حلم بأنه فراشة، أم فراشة تحلم الآن بأنها رجل".(9)
سبق أن ذكرنا أن بورخيس يؤمن بكمال الحبكة كقاعدة من القواعد الرئيسية للقصة الخيالية القصيرة. وهو يجد في إنتاج كافكا مثالا على هذا الكمال، في بساطته وفي تكديسه الكابوسي لتفاصيل ضئيلة وغير أكيدة وتكرارات. وقد حلل بورخيس روايات كافكا في مقالات مكتوبة في أواخر الثلاثينات. وهو يؤكد أن المحاكمة والقلعة تخضعان لنفس الآليات المنطقية التي تخضع لها مفارقات زينون Zeno، وبصورة خاصة مفارقة أخيل Achilles والسلحفاة، التي أحبها بورخيس، واستدعاها مرارا.
يجري أخيل أسرع من السلحفاة عشر مرات ويعطي لذلك الحيوان ميزة السَّبْق بعشرة أمتار أمامه. يجري أخيل تلك الأمتار العشرة، والسلحفاة مترا واحدا، ويجري أخيل ذلك المتر، فتجري السلحفاة ديسيمترا؛ ويجري أخيل ذلك الديسيمتر، فتجري السلحفاة سنتيمترا؛ ويجري أخيل ذلك السنتيمتر، والسلحفاة مليمترا، وأخيل السريع القدمين المليمتر، والسلحفاة عُشْر مليمتر، وهكذا إلى ما لانهاية، دون أن يحدث اللحاق بالسلحفاة أبدا.(10)
وفي روايات كافكا، يجري طرح المفارقة من حيث استحالة الوصول إلى القلعة أو اكتساب بعض المعرفة وهذا حيوي بالنسبة للشخصية الرئيسية. ومهما يكن ما تحاول الشخصيات في الرواية أن تحققه، فسوف تكون هناك دائما عقبة جديدة ينبغي التغلب عليها. وينظم كافكا الأحداث القصصية في تسلسل يمكن تقسيمه بصورة لانهائية، ولهذا السبب فإنه لانهائي مكانا وزمانا.
ويعجب بورخيس بالمفارقات ليس لعدم تطابقها مع التجربة بل لإبرازها التهكمي لقوة المنطق وحدوده. فالمفارقات لا تتعامل مع التضاربات أو التناقضات، بل تُبرز بالأحرى، من خلال التماسك الشكلي الذي لا تشوبه شائبة، حقيقة كم أن العقل محدود عندما يحاول، من جهة، أن يدرك طبيعة الواقع و، من جهة أخرى، أن ينظم نموذجا مثاليا من المتصور أنه يمكن أن يتطابق مع ذلك الواقع. وللمفارقات فضيلة إظهار الحدود التي جرى خلق الأدب (أو الفلسفة) ضدها.
وتؤثر المفارقة على مبدأ الهوية و- حتى بصورة أكثر جذرية- على البنية المنطقية لاستدلالنا، إذ أنها تثبت في آن معا، إمكانيات الاستدلال (لأن أيّ شيء يمكن إثباته منطقيا) ومزيجه الغريب من القوة والضعف إزاء الواقع (لأن ما تم إثباته يتحدى الإدراك العام). والحقيقة هي أن المفارقة تنتقد الإدراك العام والفلسفة التجريبية. والسؤال، الذي ربما كان لا يمكن الإجابة عليه، هو ما إذا كانت المفارقة تؤيد قوة المنطق ضد قوة الإدراك العام، أم، على العكس، تفضح الطبيعة الجوفاء لاستدلالنا، في نفس الوقت الذي توضح فيه الاستنتاج الذي لا يمكن تفاديه وهو أن الواقع لا يمكن فهمه لا عن طريق الإدراك ولا عن طريق البناء الشكلي للمنطق. وأعتقد أن كلتا الإجابتين ماثلتان في نفس الوقت في قصص بورخيس الفلسفية، التي تكمن قوتها في الطريقة التي يتحرك بها بورخيس بين مطلبين مختلفين: روعة البناء المنطقي واليأس الذي يثيره كمال شكلي لا يمكن بحكم التعريف أن يترجم البنية المجهولة للعالم الواقعي.
وتقدم المفارقات مادة ممتازة لبناء القصة الخيالية. ويستخدم بورخيس هذا المجاز المنطقي جنبا إلى جنب مع مجازات أخرى، تساعده في إظهار الإمكانيات اللانهائية لمختلف التركيبات المنطقية والشكلية دون أيّ ادعاء لوجود صلة محاكاة بالواقع. وعلى العكس فإن المجازات الشكلية والمنطقية مستقلة عن نظام الواقع، الذي لا يمكن فهمه في حد ذاته بل يجري فقط افتراضه بالفكر وفي الفكر. وفي مناسبات عديدة، اقتبس بورخيس من المفكر الإسپاني في القرن الثالث عشر رايموندو لوليو Raimundo Lullio، مخترع آلة للتفكير (ليست آلة كانت قادرة على التفكير، بل كان يمكن استعمالها للتفكير). ويعلن بورخيس:
إنها [الآلة] لا تعمل، غير أن هذا، في اعتقادي، موضوع ثانوي. إذ أنه لا تعمل أيضا الآلات التي تحاول إنتاج حركة مستمرة، تضفي خططها الغموض على صفحات أكثر الموسوعات إسهابا؛ كما أن النظريات الميتافيزيقية أو اللاهوتية لا تعمل... غير أن ما هو معروف جيدا ومشهور من عدم نفعها لا يقلل من فائدتها.(11)
على أن آلة لوليو لها، في رأي بورخيس، ما يمكن أن نسميه إنتاجية جمالية. وهنا ينبغي أن نتذكر أن بورخيس، مثل حكماء تيلون،(12) يحكم على الأنساق الميتافيزيقية من وجهة نظر تماسكها الشكلي وجمالها الفكري. وتمثل آلة لوليو، رمزيا، نوعا من التناقض أو التضاد اللفظي ، لأنها مصممة لإعداد حل لأيّ مشكلة عبر التطبيق المنهجي للصدفة. وعلى هذا كان مفهوم الآلة يمثل في حد ذاته تناقضا لفظيا، إذ أنه يتناقض مع فكرة "الآلة" (التي تقابل النتائج العشوائية) وفكرة المراحل المتعاقبة نحو حل مشكلة (رغم أن العلم يعترف اليوم بتأثير أضخم للصدفة في منطق البحث).
وتتألف الآلة من ثلاثة أقراص دوارة ذات مركز واحد لكل قرص منها خمسة عشر أو عشرون تقسيما. وهذه التقسيمات يمكن أن تحفر عليها رموز أو كلمات أو أعداد أو ألوان. فلنتصوّر، كما يقول بورخيس، أننا نريد أن نعرف اللون الحقيقي للنمور. نبدأ بأن نخصص لكل رمز أو عدد على كل قرص لونا، ثم ندير الأقراص لكي نتوصل إلى ترتيب ينشأ عن الصدفة (أو القدَر إنْ شئتم). وعندئذ فإن العلامات على قرص سوف تتطابق مع العلامات على الأقراص الأخرى، مما يُوجد نوعا من التركيب العشوائي حيث نكون قادرين على أن نفك شفرة أن اللون الحقيقي للنمور هو، ولنقلْ، الأزرق، والأصفر، والذهبي، أو الأزرق المائل إلى الصفرة، أو الأصفر المائل إلى الذهبي، أو الذهبي المائل إلى الزرقة، وهكذا. ويمثل هذا الإبهام المفرط ميزة أخرى للآلة، ميزة يمكن مضاعفتها في حالة الجمع بين أكثر من آلتين وتشغيلهما معا, ويستنتج بورخيس أنه لوقت طويل، اعتقد كثيرون أن الأقراص، إذا تم استخدامها بصبر، يمكن أن تقدم كل الإجابات عن كل مشكلة و"الكشف الأكيد للطبيعة الملغزة للعالم".(13)
وما يسحر بورخيس هو طابع التناقض اللفظي لاختراع "لوليو"، وهذا ما أوضحته من قبل. ويسحره أيضا الجمع المغالى فيه بين الاستجابات العشوائية التي تعكس في اتحادها المتفاوت الطابع الفوضوي للواقع، الذي يمكن إعادة تنظيم شكله فقط، دون الأمل الباطل في أن ينجح هذا النظام في أن يمثل أو يعيد إنتاج ما هو واقعي. ورغم أن الاستجابات العرضية التي يمكن أن نحصل عليها من الآلة غير موجَّهة وتحدثها الصدفة إلا أنها مع ذلك دقيقة شكليا. والآلة دقيقة، حتى إذا لم يوجد شيء يجمع دقتها بالمنهج العلمي أو بالإدراك العام أو التجربة. وهي تعمل وفقا لقواعد القدَر، كما أنها مجهولة للإنسان، ويجب قراءة نتائجها دون انتهاك التقاليد التي كانت سائدة قبل إدارة الأقراص (وإنْ جاز القول، بدون تغيير المعنى التقليدي للحروف أو الرموز المرسومة على تقسيمات القرْص).
وكان أحد الفلاسفة الذين ظل بورخيس يقتبس منهم كثيرا في الثلاثينات هو ماوتنر Mauthner، والحقيقة أن وصفه لآلة لوليو يذكرنا بوضوح بتعريف ماوتنر لمعجم للقوافي كآلة للتفكير حيث تقود قوافي كلمة إلى كلمات أخرى، تنتهي إلى جمعها في قصيدة افتراضية فقط بالضرورة الصوتية والمصادفة الدلالية- مصادفة تنتمي إلى نظام يقتضيه الشكل. ومثل هذه المصادفة الضرورية إنما هي تناقض لفظي على كل حال.
وتنتج الآلات التي من هذا النوع تكاثرا شكليا ينبغي احترامه واتباع قواعده (كيف يتم تشغيل الآلة وقراءة نتائجها). وفي مواجهة ما يبدو واقعا فوضويا، ينبغي أن يعمل الأدب بنفس دقة وقسوة آلة لوليو: "لكل مشهد في قصة محكمة الصنعة إسقاط لاحق"، كما كتب بورخيس- تماما كما تعدل كل حركة للقرص العناصر الماثلة في الأقراص الثلاثة الأخرى، وهذا التعديل لا يجب التغاضي عنه أبدا. ومهما كانت غرابة الأحداث التي يتم سردها في قصة فإنها ينبغي أن تظهر وكأن as if النظام ممكن في عالم النص.
وفي حكاية رمزية رائعة، "الجحيم، 1، 32"، كتب بورخيس:
بعد ذلك بسنين، كان دانتي يحتضر، مغبونا ووحيدا كأيّ رجل آخر. وفي حلم، صرَّح له الرب بالغرض الخفي وراء حياته وإنتاجه؛ أخيرا عرف دانتي، بدهشة، حقيقة مَنْ هو وماذا هو وبارك مرارة حياته. وتروي الأخبار أنه أحسَّ، عند الاستيقاظ، بأنه تلقَّى وفقد شيئا لانهائيا، شيئا لن يكون بوسعه أن يعوضه أو حتى أن يتكهن به، ذلك أن آلية العالم أعقد بكثير من أن تفهمها بساطة البشر.
مجازات العقل، الخيال المنطقي، الصور البلاغية، التي تدل على التناقض الذي لا يمكن تفاديه بين الفكر أو الخطاب والواقع- كانت تلك هي الوسائل التي قدمت بها قصص بورخيس الفانتازية يأسه في مواجهة إلهام دانتي Dante. غير أنها في الوقت نفسه أدوات للعقل، تناوئ لاعقلانية لا نحسّ بها في نصوص الفلاسفة فقط بل أيضا في نسيج الحياة المعاصرة ذاتها.
إشارات
 
1: J. L. Borges, Doctor Brodie’s Report, London 1976, p.11.
2: ‘Valéry as Symbol’, in Labyrinths, London 1970, p. 233.
3: توجد دراسة ممتازة عن المصادر الفلسفية لبورخيس في كتاب خائيمي ريست Jaime Rest, El laberinto del universo, Buenos Aires 1976.؛    وحول الأدب الفانتازي لبورخيس، انظر كتاب أنا ماريا بارينيتشيا القيم Ana Maria Barrenechea, La expresiόn de la irrealidad en la obra de Borges, Buenos Aires 1967.
4: ‘The Analytical Language of John Wilkins’, in Other Inquisitions, Austin (Texas) 1964, p. 103.  
5: Ibid., p. 104.
6: ‘The Aleph’, in Jorge Luis Borges, The Aleph and Other Stories 1933-1969, London 1973, p. 21.
7: ‘Cuando la ficciόn vive de la ficciόn’, in Textos cautivos Ensayos y reseñas en ‘El Hogar’ 1936-1939, Barcelona 1986, p. 325.
8: ‘Partial Magic in the Quixote’, Labyrinths, pp. 230-31.
9: J. L. Borges and Adolfo Bioy Casares, Cuentos breves y extraordinarios, Buenos Aires 1986, p. 27.
10: ‘Avatars of the Tortoise’, Labyrinths, p. 237.
11: J. L. Borges, ‘La máquina de pensar de Raimundo Lullio’, in Textos cautivos, p. 177.
12: للاطلاع على قراءة عن "تيلون، أوكبار، أوربيس تيرتيوس"، انظر الفصل التالي.
13: ‘La máquina de pensar de Raimundo Lullio’, p. 177.
14: Labyrinths, p. 273.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفصل الخامس
أبنية خيالية
سنحاول الآن قراءة ثلاث قصص هي "تيلون، أوكبار، أوربيس تيرتيوس" Tlön, Uqbar, Orbis Tertius ، و"مكتبة بابل" La Biblioteca de Babel، و"اليانصيب في بابل" La lotería en Babilonia، محللين التنظيم السردي لهذه القصص من خلال المجازات والصور البلاغية التي أوجزناها في الفصل السابق. ولعلنا نكون قادرين على بناء معنى ما من نموذج العوالم الخيالية التي تطورها هذه القصص عن طريق وصف شكل وقواعد نظامها القصصي. وسوف ندمج سطورا متباينة في ظاهر الأمر في فرضية حول الطريقة التي يتحدى بها بورخيس، من خلال مواقف سردية فلسفية، طبيعة النظام ذاتها. وتشير المسائل التي تشكل أساس هذه القصص إلى واحدة من أعقد مشكلات بورخيس: كيف يمكن تحويل عالم في حالة فوضى إلى نظام، رغم أن نظامه يمكن أن يفضي إلى نظام كابوسي؟ وعن طريق تنظيم الفوضى، يكشف النظام القصصي عن عالم يوتوپيّ  utopian (وبالأحرى ديستوپي   dystopian= لايوتوپي).(1)
وقد أشار عدد من نقاد الأدب (2) إلى أن التصميم السردى والمكاني لقصة "تيلون، أوكبار، أوربيس تيرتيوس" مماثل لبنية قصة داخل قصة structure en abîme. ذلك أنه وفقا لمدخل من مداخل الموسوعة الأنجلو- أمريكية Anglo-American Cyclopaedia، نعلم أن أوكبار بلد يقع بصورة مبهمة في آسيا تتميز حدوده بأنهار وجبال لذلك الإقليم ذاته (لأوكبار). وهذا يساوي عدم وجود أيّ تعريف على الإطلاق لأن معالم الحدود داخلة في المكان الذي يُفترض أن تحدّه هذه المعالم، ولا تحيل إلى أيّ بلد آخر معروف (وهذا تصوير مكاني بليغ لمفارقة منطقية). وتيلون إقليم خيالي وأسطوري في بلد- أوكبار- يتضح فيما بعد أيضا أنه بناء جغرافي وثقافي خيالي. ومع الاتضاح التدريجي للحبكة يغدو تيلون كوكبا من اختراع إحدى الطوائف بواسطة اللغة وحدها. وأخيرا فإن أوربيس تيرتيوس هو العالم الموصوف بعبارات اللغة التي ينطقون بها على كوكب خيالي- تيلون- سبق وصفه بدوره بأنه إقليم أسطوري في بلد مبهم ، أوكبار. ويستدعي هذا التسلسل المتماسك الحلقات لبلاد وأقاليم لا وجود لها بنية قصة داخل قصة. ويغدو من السهل أن نتعرف هنا على مثول صور متعددة مركبة، كما في مرآة تعكس مرآة.
وفي بداية القصة يكتب بورخيس: "أدين باكتشاف أوكبار لاقتران مرآة وموسوعة".(3) وكانت المرآة قد ورد ذكرها على لسان صديقه بيوي كاساريس، مستشهدا بأحد كبار المهرطقين من أوكبار حيث نسب إليه أنه أعلن أن المرايا والجماع "شيئان كريهان لأنهما يضاعفان عدد البشر". ويؤدي هذا الاقتباس إلى بدء البحث عن الموسوعة الأنجلو أمريكية (وهى، كما يخبرنا بورخيس، إعادة طبع للموسوعة البريطانية: Encyclopaedia Britannica: نسخة دقيقة أو ربما ليست دقيقة بكل معنى الكلمة). وهنا يجمع بورخيس ببراعة بين شيئين، المرآة والموسوعة، من شأن كل منهما بناء صور داخل صور en abîme images: الموسوعة مرآة مفاهيمية لعالم يمكن لتصنيفه أيضا أن يشتمل أيضا على فكرة موسوعة، ويمكن التفكير فيه على أنه "ألف" Aleph كلفظة وكألفباء.
وتقدم القصة، بطريقة متشابكة من الصعب متابعتها إلى حد ما، الأحداث السردية التالية (التي أَعَدْتُ ترتيبها بالسنوات):
1935: ذات مساء، يذكر بيوي كاساريس لبورخيس بلدا اسمه أوكبار قرأ عنه في أحد مجلدات الموسوعة الأنجلو أمريكية. ويتصادف أن توجد طبعة منها في منزل (فيلا) في الضاحية كانا قد استأجراه بصفة مؤقتة لكنهما يكتشفان بعد البحث فيها أنه لا وجود لمدخل عن أوكبار. ويُصرّ بيوي كاساريس على أنه قرأ عن أوكبار في الموسوعة وبعد ذلك بأيام قليلة يأتي بمجلد يبدو مماثلا للمجلد الذي سبق أن بحثا فيه، إلا أنه يشتمل على أربع صفحات إضافية تتضمن المقال الخاص بأوكبار. والمعلومات الواردة مبهمة، وتيلون مذكور باعتباره إقليما أسطوريا في أوكبار.
1937 أو 1938: يجد بورخيس المجلد الحادي عشر من موسوعة أولى عن تيلون A First Encyclopaedia of Tlön، وكان مرسلا إلى هربرت آش Herbert Ashe، وهو شخص كان قد التقى به عدة مرات في فندق بالضاحية. وهذا المجلد، الذي كانت صفحته الأولى مطبوعة بشكل بيضاوي يحمل عبارة "أوربيس تيرتيوس"، يشتمل على معلومات ثمينة عن تيلون، يقدم بورخيس الكثير منها في صورة مواقف سردية فلسفية في القصة.
1941: يتم كتشاف رسالة من جونار إرفيورد Gunnar Erfjord إلى هربرت آش يجري فيها حلّ لغز تيلون جزئيا. ففي أوائل القرن السابع عشر فكرت جمعية سرية في مهمة اختراع بلد. وكان على كل عضو من أعضاء الطائفة أن يختار تابعا له في هذا المشروع اللانهائي أو اللانهائي تقريبا من حيث المبدأ. وبعد مائتي سنة من الأعمال الصامتة أو السرية أو المتقطعة، تُعاود الجمعية الظهور في أمريكا. وفي 1824يجند أحد أعضائها مليونيرا يتحمس للمشروع ويقترح الخطة الأكثر طموحا والمتمثلة ليس في مجرد اختراع بلد بل في اختراع كوكب. وأخيرا، في 1914، تتمكن الجمعية من نشر المجلد الأخير من موسوعة أولى عن تيلون؛ وأصبح من المطلوب في ذلك الحين أن تقدم هذه الطبعة الأولى الأساس لطبعة منقحة، لكنْ على أن تكون هذه المرة طبعة مكتوبة بإحدى لغات تيلون. وتجري تسمية هذه الطبعة الأولى المنقحة المعتزمة لعالم خيالي باسم أوربيس تيرتيوس ( العالم الثالث: وهو تعبير لم يكن له شيء من أصدائه الراهنة عندما كتب بورخيس قصته). والمجلد المرسل إلى هربرت آش والذي وجده بورخيس في  1937هو أحد مجلدات هذه الطبعة الجديدة للموسوعة.
1942: تبدأ أشياء غريبة جدا، من تيلون، في الظهور في الأرجنتين من كل مكان: إنها أشياء ثقيلة جدا ويعثر بورخيس وأحد أصدقائه على أحد هذه الأشياء في دكان ريفي بعيد في سهول الپامپا.
1944: يكتشف صحافي من ناشڤيل المجلدات الأربعين من موسوعة أولى عن تيلون. ويكتب بورخيس حاشية تدلي بافتراض أن كافة اللغات والبلدان محكوم عليها بأن تختفي وأن العالم الحقيقي سيغدو تيلون.
هذه هي "وقائع" الحبكة، أيْ ما يمكن النظر إليه على أنه التاريخ الخارجي لاكتشاف أوكبار، وقد قمت بإعادة ترتيب وبتبسيط تسلسل الأحداث الأكثر تعقيدا عند بورخيس. ويرتب بورخيس هذه المادة من خلال وسيلتين من وسائله المفضلة: العزو الزائف إلى خليط من النصوص الموجودة والمخترعة، وتقديم كثيرين من أصدقائه في الحياة الحقيقية. وهكذا فإن الحدود بين ما حدث فعلا، وما كان يمكن أن يحدث، وما لم يكن من الممكن أبدا أن يحدث، تتداخل بواسطة منهج احتمالات يمنح مكانة رفيعة لاختراع باسم شخص حقيقي موجود، ويعزو إلى كتب ذات طبيعة ملتبسة (كتب يمكن أن توجد، ويبدو أنها موجودة) منشأ موقف خرافي أو اقتباس ضروري. ولا حاجة إلى القول إن هذا المنهج في العزو والاحتمال يطرح مكانة الواقع للنقاش؛ كما أنه يشير إلى الطبيعة المُنْفِذة (المسامية) للقصة، التي تتوق إلى الإمساك بشيء يفرّ منها دوما.
لننتقلْ الآن إلى المعلومات القصصية عن أوكبار وتيلون. وتختار القصة أن تقدم تصورا تيلونيا عن الكون، واصفة لغته وطبيعة علم نفسه- العلم الوحيد الذي يُعتقد أنه ممكن وجدير بالاهتمام. وقد طور العلماء في تيلون صيغة متطرفة للمثالية، ويظهر اسم [جورج] بيركلي [George] Berkeley كإشارة عابرة قبل أن يجري وصف تلك الوفرة من الفرضيات التي تؤلف جوهر أصالة الفكر التيلوني:
إن حقيقة أن كل فلسفة هي بحكم التعريف لعبة جدلية، فلسفة "كأن" Philosophy des Als Ob، أدت بالفلسفات إلى التضاعف. وهناك وفرة من أنساق لا تُصَدَّق ذات هدف سارّ أو من نمط حسي. وميتافيزيقيّو تيلون لا يبحثون عن الحقيقة أو حتى عن الصدق في محاكاة الواقع، بل يبحثون بالأحرى عن المدهش.  وهم يعتبرون الميتافيزيقا نوعا من الأدب الفانتازي. وهم يعلمون أن النسق لا يزيد عن كونه خضوع كافة مظاهر الكون لأي مظهر من هذا القبيل.(4)
ويمكن تطوير المواقف السردية من خلال استخدام صيغة "كأن" هذه: تصوُّرالعالم وكأنه مكتبة، والقضاء والقدر وكأنهما صورة النظام، كما في "مكتبة بابل" و"اليانصيب في بابل". وتسمح صيغة "كأن" بانتشار اختراع متماسك (نوع الخيال العقلاني، أو الشكل المنطقي للفانتازي، اللذين نجدهما عند بورخيس). ويطور حكماء تيلون فلسفة "كأن"، ليس فقط لعرقلة العالم بل كذلك أيضا لتعديل الطريقة التي يتم بها إدراكه والطريقة التي يوجد بها بالنسبة لسكان تيلون. وهم يفهمون الزمان، والمكان، والجوهر (المادة)، والهوية، وفقا للاتجاهات السائدة في الفلسفة. غير أن المبدأ المنهجي (الميثودولوجي) "كأن" للاختراع الفلسفي طريقة تسمح بتكاثر مختلف صيغ "الواقع" (ما دامت لا تُناقض بعض القوانين الأساسية جدا لتيلون، أيْ تلك التي مؤداها أن الكون "سلسلة من العمليات العقلية التي لا تتطور في المكان بل بصورة متعاقبة في الزمان"، أيْ التي مؤداها أن المكان، والجوهر (المادة)، لا يدومان في الزمان). ويقدم بورخيس بإيجاز هذه الصيغ فيما ينتهي إلى أن يشكل قسما أساسيا من القصة. وما يثبته بورخيس هنا هو أن القصة يمكن بناؤها بمواد لا يجري التفكير فيها عادة باعتبارها قصصية. وهو يبني حبكته وفقا للمباديء التي يعزوها إلى الحكماء في تيلون، بحيث تكون جاذبية الأنساق وجمالها، قدرتها على إثارة الدهشة (على العمل كمواقف سردية فلسفية)، هي التي تشكل هنا أيضا أساس قيمتها.
كما أن هذا الموقف السردي الفلسفي يفتح الباب أمام مشكلة شروط وحدود المعرفة والفهم: ما يمكن إدراكه ليس أبدا الكون أو قوانينه، بل بالأحرى نموذج استدلالي قام ببنائه البشر وقوانينهم. فمتاهة الإله لا يمكن أن يدركها الفهم البشري (وبورخيس لاأدريٌّ فيما يتعلق بوجود إله أو آلهة)؛ وحدها المتاهات التي يبنيها البشر يمكن أن يفهمها العقل البشري. وبناء البلد الخيالي تيلون (وهو إلى حد كبير اختراع مجموعة من المدارس الفلسفية ) إنما هو تمرين في فرض نظام يمكن، مهما بدا غريبا، أن يتأمله العقل البشري بفضل قدرته على قبول المفارقة.
وبكلمات أخرى ينبغي أن نأخذ في اعتبارنا الأفكار التي تتعارض مع الإدراك العام: المفارقة مرآة معكوسة.
والنظام الفانتازي لكوكب تيلون هو بمثابة يوتوپيا تنتقد الفوضى التجريبية والمرجعية التي يحاول بورخيس أن يتفاداها من خلال وضع الحبكات التي تبلغ حد الكمال لقصصه. ويساوي النظام الخيالي استجابة قصصية للمسألة الفلسفية، غير أنها استجابة صيغت في إستراتيجيات جمالية تتبنى بعض أشكال هذا النقاش الفلسفي.
ويمكن أن نلخص بإيجاز شديد، السمات الرئيسية للثقافة التيلونية كما يلي (ا) لا وجود للزمان. وفيما تجزم مدرسة فكرية تيلونية بأننا نعيش في حاضر أبدي، غير محدود وغير قابل للقسمة إلى ماض ومستقبل، تؤكد أخرى أن الزمان كله قد مرّ بالفعل وأن ما نعيش فيه ليس سوى ذكرى. (ب) الهوية، وفقا لهذا التصور، لا يمكن تخيُّلها، لأنه ما من جوهر (مادة) يمد وجوده عبر الزمان: فكرة الذات، كما تتصورها الفلسفة الحديثة منذ ديكارت، يجري تقويضها بعمق على هذا النحو. (ج) لا يمكن بحال من الأحوال أن توجد أية مقولات عامة أخرى في عالم يجري إنكار اتصال (استمرار) الزمان أو الجوهر (المادة) فيه.
ويؤيد حكماء تيلون نظرة مثالية إلى العالم كما أن كل شيء في ثقافة تيلون يفترض سلفًا المثالية الفلسفية. ويصف بورخيس بكل عناية نظريات لغوية وفلسفية تيلونية تتطابق في كثير من الحالات مع نظرياته هو. وقد تخيل حكماء تيلون أنه لا وجود لاتصال مكاني، وأن المكان غير متصل بحكم التعريف، وأن مكانا أو شيئا في المكان لا يكون أبدا الشيء ذاته إذا نظرنا إليه من وجهة نظر الزمان. ويؤثر هذا أيضا في المبدأ المنطقي للهوية، وفي الطريقة التي اعتدنا عليها في إدراك العالم وفهم أشيائه (فنحن نميل إلى اعتقاد أن قلم الرصاص الذي نستعمله الآن هو نفس قلم الرصاص الذي استعملناه أمس، لأننا نجد أن من المريح أكثر أن نفترض هذه الهوية سلفا).
وفي تيلون لا معنى على الإطلاق لمفاهيم مثل السبب والنتيجة. وإذا أصيبَ مبدأ الهوية، إذا لم يكن هناك اتصال مكاني أو زماني، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال عقد صلة بين العلامات والأحداث: السيجارة المشتعلة، والدخان، والنار، تمثل لحظات متميزة في سياق فلا يمكن ربطها ببعضها البعض نحويا أو هيراركيا. وما دام أنه لا وجود، في تيلون، لأية إمكانية لإدراك مفاهيم مجردة كالهوية والسببية فإن العلوم كما نقوم بتعريفها ليست ممكنة. وبدلا من هذا تزدهر مئات الفلسفات التي تجد أساسها في مبدأ "كأن"، وهي أنساق جميلة لا تدعي أية صلة بمرجع خارجي. وبعبارة أخرى فإن لها البنية الأساسية للأدب الفانتازي. ويمثل مبدأ "كأن" إحدى الإستراتيجيات الممكنة للقصة اليوتوپية والديستوپية، حيث تستهلّ فرضية من فرضيات "كأن" اختراع قصة. ويمثل التفكير في الزمان والمكان على أنهما غير متصلين، بدلا من أن يكونا متصلين، النظرة الأساسية إلى العالم في تيلون كما أنه يسمح باختراع مكان خيالي وفقا لقواعد تجد أساسها في إحدى فرضيات "كأن".
وبصورة منطقية تماما لا توجد أسماء في اللغتين الموجودتين في تيلون. وتقوم إحداهما على صفات مركَّبة، والأخرى على أفعال مركَّبة. ذلك أن الأسماء مستحيلة من حيث المبدأ، لأنه لا وجود لأيّ جوهر (مادة) متصل من شأنه أن يقدم الأساس التجريبي/ المنطقي لاسم. والكلمات التي نعتبرها أسماء تأتي في تيلون من تراكم الصفات التي تدل على حالات سريعة الزوال. وبطبيعة الحال فإن هذا النمط من الصفة يمكن استخدامه مرة واحدة فقط لأنه لا يمكن بحكم التعريف لأية حالة أن تكرر نفسها في الزمان.
ويحدث هذا الشيء ذاته مع بعض الأفعال، مثل "يعثر" و"يفقد". فهذان الحدثان كلاهما لا يمكن تصورهما في تيلون لأنه، ما دام لا يوجد أيّ تطابق بين الأشياء ولا أيّ اتصال في المكان والزمان، فإنه لا يمكن فقدان شيء ومن باب أولى فإنه لا يمكن العثور عليه من جديد. وعندما يحدث لشيءٍ شيءٌ نعتبره "فقدانا له" فإن نوعا من شيء ثانوي (يختلف اختلافا مبهما عن الشيء المفقود) يبدأ في التوالد. وتسمى هذه المحاكيات [أو الصور الثانوية] "إرونير" hrönir ويمكن استخدامها استخداما نافعا في اختراع وتعديل الماضي، وهو نشاط يشغل ويفتن علم الآثار في تيلون. ووجود اﻟ "إرونير"، الذي يألفه كل شخص في تيلون، إنما هو إثبات عملي لغياب أيّ أساس لمبدأ الهوية الذي ترتكز عليه ثقافتنا نحن. وفي كوكب مثالي مثل تيلون، كوكب قامت ببنائه اللغة، فإن "يفقد" يعني "ينسى" و"يعثر" يعني "يتذكر": ويصلح كلا الحدثين لإنتاج اﻟ "إرونير".
وفي تيلون، لا يعني كون شيئين هما نفس الشيء تماما كونهما نفس الشيء؛ لأن مبدأ الهوية لا وجود له. وعلى هذا فإن الفلسفات التيلونية ليس لديها أية طريقة لبناء مقولة الذات، التي تُعَدّ محورية في الفلسفة الغربية في العصور الحديثة. وانطلاقا من هذا الغياب للذات يتعامل بعض نقاد الأدب مع صيغة المؤلف، التي هي افتراضية دائما لأنهم ينسبون مختلف النصوص إلى نفس المؤلف الواحد: "يختارون عملين متباينين- تاو ته تشينج Tao Te Ching و ألف ليلة وليلة، مثلا- وينسبونهما إلى نفس المؤلف الكاتب ثم يحسمون بمنتهى التدقيق سيكولوجيا هذا الأديب homme de lettres المثير للاهتمام ...".(5) وهي استراتيجية ليست غريبة على بورخيس ذاته عندما يكتب مقالاته وقصصه النقدية "الفانتازية".
والحقيقة أن موت مقولة المؤلف ونسبة نصوص بالغة الاختلاف إلى شخصية presona مخترعة صيغة من صيغ بورخيس المفضلة للتأليف في الأدب. وتنطلق كثرة من قصصه القصيرة من فكرة أن التأليف غير وارد (غير جوهري)، كما سبق أن رأينا في قصة "پيير مينار، مؤلف اﻠ كيخوته". وعمل مينار أعظم قيمة من عمل ثيربانتيس، بالتحديد لأن مينار، نظرًا لأنه رجل من القرن السادس عشر، أكثر أصالة وترويعا من ثيربانتيس، مع أن كلا النصين (كيخوته ثيربانتيس، وكيخوته مينار) قد يبدوان نفس الشيء تماما. ويجري تقديم أسباب تفوق مينار في مناقشة عن مبدأ الهوية.
ويقوم بورخيس بنشاط تيلوني مماثل عندما يخترع مؤلفين ثم يكتب مقالات أدبية قصيرة عنهم- مقالات هي في الحقيقة قصص فانتازية. وهذه هي حالة هربرت كوين Herbert Quain، وهو كاتب خيالي يصف بورخيس كتبه الخيالية بالتفصيل. وقصص كوين، بالمناسبة، مماثلة للغاية لقصص تيلون: إنها تشتمل على كافة الاحتمالات الخاصة بحبكة، كما يجري استكشافها جميعا من خلال عدد لامتناه من التشعبات. وفي نظر كوين، كما في نظر حكماء تيلون، فإن "الكتاب الذي لا يشتمل على نقيضه يُعتبر ناقصا": مثله الأعلى للرواية هو أن تعرض كل إمكانية تنطوي عليها حجة؛ ومدفوعا إلى نهايته المنطقية فإن هذا المثل الأعلى يجعل الأدب مستحيلا، أو على الأقل إشكاليًّا للغاية.
وتمثل هذه الشذرات من المعرفة التيلونية والعلم التيلوني الجوهر الفلسفي لقصص بورخيس. غير أن هناك ماهو أكثر فيما يتعلق بالموقف الفلسفي المقدم في قصة "تيلون، أوكبار، أوربيس تيرتيوس". وكما سبق أن رأينا فإن الكوكب عالم فانتازي من اختراع طائفة سرية تعمل ككاتب جمعي. ويقوم وجود تيلون على أساس فرضية مسبقة من فرضيات "كأن"، تقوم بدورها على أساس قدرة اللغة على أن تنتج واقعًا، أو على الأقل ما يمكن أن يُسمَّى واقعا من وجهة نظر مثالية. وتيلون، الذي صيغ باللغة، يجد أصوله في أحد الأشكال المفضلة للتناص textuality(xvii) عند بورخيس: الموسوعة، وهي في هذه الحالة نسخة من الموسوعة البريطانية الأثيرة لدى بورخيس. كما أن تيلون ينبثق من نشاط طائفة، أيْ شكل تنظيمي سحر بدوره عقله. والموسوعة الأولى عن تيلون يتوپيا تناصِّية textual، العالم الكامل للقصة الفلسفية. غير أن تيلون يبدأ، في نهاية القصة، في أن يغزو بعدواه العالم الناقص الذي نعيش فيه: تعبُر أشياء من تيلون الخط الرفيع للغاية بين عالم من الكلمات، يُعامَل بما هو كذلك لأنه في موسوعة، وعالم من الكلمات يُعامَل على أنه "واقعي" (بين علامات تنصيص تهكمية)، لأنه في هذا العالم يمكن أن يجد القراء إشارات إلى بورخيس، وبيوي كاساريس، ونصف دزينة من الكتاب الأرجنتينيين الآخرين. وفرضية "كأن" التي ينشأ منها تيلون تكشف عن قوة المعتقدات المثالية للحكمة التيلونية، وتبدأ أشياء من عالم "كأن" في غزو الواقع من خلال عملية من التلويث الصامت.
واللغات الخيالية ماثلة في صميم الموقف السردي الفلسفي لهذه القصة القصيرة. وفي الأصل الإسپاني يشير بورخيس، فيما كان يصف إحدى لغتيْ تيلون، إلى اللغة الخيالية التي اخترعها صديقه المصور إكسول سولار، والتي كانت مبنية على أساس نوع من أجرومية لغة الإسپرانتو  Esperanto  مع مفردات كريولية وپورتينيووية porteño (= بوينوس آيرسية).(6) ومن الجلي أن هذه اللغة كانت مبنية على المحاكاة الساخرة. وتسمح لنا هذه الإحالات، مهما كانت تهكمية، بأن نرسم خريطة لاهتمام بورخيس باللغات ونظم التمثيل الاصطناعية والخيالية. وهذه اللغات والنظم في نظره أقوى سحرا من اللغات الحقيقية لأنها لا ترتبط بأية صلات عشوائية مع واقع هو بحكم التعريف في حالة فوضى. وعلى سبيل المثال فإن جون ويلكينز، وهو شخصية مخترعة في أحد مقالات بورخيس القصصية، والتي سبق الاستشهاد بها، قام بتقسيم الكون إلى أربعين مقولة، تشير إليها أسماء أحادية المقطع يتألف كل اسم منها من حرفين أو صوتين لا غير. وتتفرع هذه المقولات، بدورها، إلى أنواع يشير إليها صوت إضافي ساكن؛ ويدل على الأنواع المنقسمة إلى فصائل صوت ملفوظ. ولغة ڤولاپوك Volapuk (العالمية) هي لغة أخرى اصطناعية يستدعيها بورخيس: يمكن لأفعال هذه اللغة، التي اخترعها كاهن ألماني، أن تتخذ أية صيغة تشتمل على صيغة الإمكان وصيغة الأمر وصيغة الظن من نمط “peglidalod”، بمعنى "ينبغي تحيتك". وقد حلت محل الڤولاپوك في نهاية الأمر الإسپرانتو، المبنية على الجذور اللاتينية. ورغم أن اللغات الخيالية مستحيلة الاستعمال فإنها يمكن أن تكون دقيقة منطقيًّا لأنه جرى تركيبها بوعي. وهذا ما يمنحها تفوقا على ما نعرفه باللغات الطبيعية التي هي، بحكم التعريف، نتاج عمليات اجتماعية- تاريخية.
والتاريخ عند بورخيس كما عند جويس، قد ينقلب إلى كابوس. والترياق الوحيد ضد فوضاه، التي تعكس فوضى الواقع، هو النشاط المتمثل في الاختراع. و اللغات التي من النمط الذي نلقاه في تيلون لا تعكس العالم ذاته بل بالأحرى فكرة عن العالم. وهي تعمل على أساس فلسفي وليس على أساس اجتماعي أو تجريبي. وللغات تيلون علاقة شفافة بالمفهوم المثالي عن الواقع: إنها لا يمكن أن تعاني من اضطراب التجربة. فهي، على العكس من ذلك، تقوم بتشكيل التجربة.
غير أن اللغات الخيالية لها مزايا رمزية أخرى. فهي لا تقوم فقط بمنع فوضى التجربة من أن يجري نقلها إلى الفكر واللغة. إنها أيضا تقاوم الفوضى الاجتماعية الماثلة في صميم أيّ مجتمع حديث. واللغات الحقيقية تحمل سمات الاختلاط الديموجرافي، خاصة في مجتمعات مثل تلك التي في بلدان أمريكية لاتينية مثل الأرجنتين، حيث حل محل السكان الإسپان الكريوليين (بأكثر من 50 في المائة) مهاجرون من جنوب ووسط أوروپا. وهذه التغيرات الديموجرافية التي نظر إليها المثقفون الأرجنتينيون في الثلث الأول من هذا القرن على أنها خطيرة من وجهات نظر أيديولوجية، وثقافية، ولغوية، وسياسية، يمكن تجاوزها رمزيًّا عن طريق نسق تجريدي لموقف فلسفي وسردي.
هذا، بطبيعة الحال تفسير أيديولوجي لقصص بورخيس الفانتازية، وهو تفسير كان سيختلف معه بورخيس بشدة. ومع هذا فإنه يمكن تبريره من الناحية الاجتماعية والتاريخية؛ والأهم من هذا هو أنه يتطابق مع شواغل بورخيس ذاته بشأن الثقافة القومية في العشرينات، ومع إعادة قراءته للماضي القومي ومع إعادة كتابته للأدب الجاوتشي. وكما سبق أن رأينا ابتكر بورخيس صورة لبوينوس آيرس كمدينة لم تمسسها الهجرة ولا التعقيد الديموجرافي. وبدتْ بوينوس آيرس الفعلية التي عاش فيها بورخيس في حالة من الفوضى كما بدا عدم تجانسها مهدِّدا بالأخطار وغير جماليّ. ورغم أن رد فعله الرئيسي على هذه التجربة قد تمثل في إبداعه لأسطورة عن بوينوس آيرس مبنية على أساس الحواف las orillas فليس من العبث بحال من الأحوال أن نقرأ قصصا فانتازية مثل "تيلون، أوكبار، أوربيس تيرتيوس" بوصفها إستراتيجية أخرى لتأسيس النظام بالنسبة لمجتمع كانت نُظُمه القديمة آخذة في التلاشي.
وقد أشار بورخيس غير مرة إلى أن قصص كافكا القصيرة (التي ترجمها بورخيس نفسه باقتدار) لها حبكات ذات "بساطة مفزعة"، وأرجع التأثير الجمالي لتلك القصص إلى هذه السمة. وهي ليست مجرد سمة شكلية، كما تتميز بها القصة التي ننتقل إلى بحثها الآن: "مكتبة بابل". وقد وصف بورخيس هذه القصة بأنها "كافكاوية". ورمزها الرئيسي، مستلهم من تجربته كأمين مكتبة في بوينوس آيرس، والتي تصفها القصة، بكلمات بورخيس، من خلال عدسة "تكبير حلميّ".(7)
وحتى إذا غضضنا النظر عن هذه التفاصيل البيوجرافية وعن افتتان بورخيس الدائم بالنظام وبالترتيب المادي أو الخيالي للكتب فإن المكتبة تظل أحد الموضوعات (الموتيفات) الرئيسية في قصصه وشعره. وتبدأ القصة بهذا الموضوع مستخدما كمجاز:
الكون (الذي يسميه آخرون المكتبة) يتألف من عدد غير محدود وربما لانهائي من القاعات السداسية الشكل، بينها مناور ضخمة للتهوية، ومحاطة بدرابزينات واطئة للغاية. ومن أيّ واحد من هذه الأشكال السداسية يمكن أن يرى المرء، بصورة لامتناهية، الطوابق العليا والسفلى. وتوزيع القاعات ثابت. عشرون رفّا، خمسة أرفف طويلة على كل جانب، تغطي كل الجوانب ماعدا جانبيْن.(8)
هذا هو الوصف الأول، البسيط، للعالم الافتراضي الذي يتكشف كسرد وكتنظيم مكاني في القصة. فالمكتبة هي في آن معا مكان منظَّم ومتاهة من نوع يُعجب به بورخيس. فهي (المكتبة) هندسية، منتظمة، بدون أية خِدَع إلا في صميم بنيتها، التي تقوم على تكرار لعناصر متماثلة (الشكل السداسي الأضلاع شكل مكاني منتظم ذو طابع متناظر متناسق). وكما أعلن بورخيس ذاته في حديث صحفي،(9) كانت فكرته المكانية الأولى لمكتبة بابل هي أن يصفها كمجموعة لانهائية من الدوائر، لكنْ أزعجته فكرة أن الدوائر ستترك فيما بينها، عندما توضع داخل بنية كلية، مساحات فارغة. وقد اختار الشكل السداسي الأضلاع لبساطته التامة وللتشابه الملحوظ بينه وبين الدائرة.
ومكتبة بابل لانهائية ولامتناهية، لأنه يمكن دائما إضافة شكل سداسي جديد إلى البنية المفتوحة. لكن حيث أن كافة الأشكال السداسية تبدو متماثلة، وحيث أن لها نفس العدد من الأرفف، ونفس طراز المدخل أو المخرج، وحيث أن الكتب التي تحملها الأرفف لها نفس العدد على كل رف في كل جدار في كل شكل سداسي الأضلاع، فإن لانهائية المكتبة لا يمكن اكتشافها تجريبيا، حتى لو تم منح زمن لانهائي لأحد الرحالة. يمكن فقط إدراكها، وبالتالي تحدِّيها، فكريا. وما من طريقة لتأكيدها من خلال المعرفة العملية: إن لانهائية المكتبة افتراض نظري أو مسألة عقيدة. وهكذا فإن المسألة الفلسفية التي تتضمنها القصة تنتج عن المشهد السردي. وبهذا الخصوص يستشهد بورخيس ﺒ [بليز] پاسكال [Blaise] Pascal دون أن يذكر اسمه: "المكتبة [پاسكال: الكون] كرة يتمثل مركزها الدقيق في أيّ واحد من أشكالها السداسية الأضلاع [پاسكال: في كل مكان] ومحيطها لا سبيل إلى بلوغه".(10)
ومن ناحية البنية تتمثل المكتبة أيضا في عين كلية الرؤية a panotopic، يسمح توزيعها المكاني للكتل والدهاليز للمرء برؤية كل مكان فيها من أيٍّ من أشكاله السداسية الأضلاع. ويستدعي التصميم الكلي الرؤية panotopic للمكتبة إلى الأذهان التصميم الخاص بسجن ينبغي أن يكون حُرّاسه قادرين على رؤية كل زنزانة فيه من كل منظور ممكن. وقد درس فوكو هذا التصميم كإضفاء للطابع المكاني على الحكم الاستبدادي، وكرمز لمجتمع تكون فيه الرقابة الكلية ممكنة ولا يُسْمَح فيه بأيّ مكان خاص(بأيّ فكر خاص). والكون الموصوف على أنه المكتبة تنقصه أية فكرة أو إمكانية للخصوصية: تغدو كافة النشاطات، بحكم التعريف، عامة. "إلى يسار ويمين المدخل هناك حجرتان صغيرتان جدا. في الأولى، يمكن أن ينام المرء واقفا؛ وفي الأخرى أن يقضي حاجاته إلى التغوط".(11) وبحكم التعريف ينبغي أن تنسجم كافة النشاطات مع الممارسة الوحيدة الممكنة في مكتبة: البحث عن معنى مكتوب.
وتبدو كافة الكتب في المكتبة متماثلة تماما: كل كتاب منها يقع في أربعمائة صفحة، وكل صفحة في أربعين سطرا، وكل سطر في ثمانين حرفا. والكتابة المطبوعة على أغلفة الكتب لا تدل على محتواها. ونعلم أن عدد الحروف الممكنة خمسة وعشرون وأنها تقترن في أغلب الأحيان، وفقا لبورخيس، بصورة فوضوية. وفي بعض مناطق المكتبة، يعتقد أمناء المكتبة أن من العبث أن نحاول أن نجد معنى في هذه الكتب، وأن هذا النشاط يقوم على غيبيات قديمة لا غير. وهناك أيضا فلاسفة في المكتبة يرعون اللاأدرية ويعتقدون أن الكتب ليس لها أيّ معنى خفيّ أو ظاهر. ويعرف الجميع أن كل كتاب ليست له أية نسخة مطابقة، وأنه في حد ذاته أصل. غير أن من المعروف أيضا أنه يوجد عدد غير محدود من الكتب التي لا تتضمن سوى تباينات طفيفة.
والافتراض الذي تقدمه القصة من خلال راويها هو أن المكتبة تشتمل على كل شيء بالكامل. ويقدم بورخيس قائمة من قوائمه النموذجية، موحِّدا عناصر غير متجانسة في بنية قصة داخل قصة:
التاريخ التفصيلي بدقة للمستقبل، السِّيَرالذاتية لرؤساء الملائكة، الفهرس الأمين للمكتبة، الآلاف والآلاف من الفهارس الزائفة، إثبات زيف تلك الفهارس، إثبات زيف الفهرس الصحيح، إنجيل باسيليدس الغنوصي، التعليق على ذلك الإنجيل، التعليق على التعليق على ذلك الإنجيل، القصة الحقيقية لموتك، ترجمة كل كتاب في كل اللغات، إقحامات كل كتاب في كل الكتب.(12)
وكنتيجة منطقية لطبيعة ومحتويات الكتب في المكتبة، يعلن بورخيس أن حل "الألغاز الأساسية للبشرية" سيتم العثور عليه هناك، وأن أربعة قرون قد انقضت مع ذلك منذ بدأ البشر يبحثون عن هذا الحل دون أن يعثروا عليه في يوم من الأيام. ويضيف بورخيس أنه "لا أحد يأمل في العثور على أيّ شيء" في الوقت الحالي. أما البحث، الذي يجري القيام به في فضاء لانهائي مليء بالاقترانات اللانهائية، فلا يمكن أن يوجهه المنهج، بل لا مناص من أن توجهه المصادفة. وينظِّم بورخيس سرده وفقا للبناء المتعارض للتناقض اللفظي: منهج متطلبات المكتبة هو بحكم التعريف نقيض المنهج. ومنطق المكتبة منظَّم بطريقة لا يمكن معها إدراكه، ولأن المكتبة هي الكون فإن منطق الكون لا يمكن بلوغه. ذلك أن كل شيء موجود في المكتبة غير أنه لا يمكن العثور عليه.
وبالإضافة إلى هذا فإن المكتبة هي كوْن تحكمه حتمية جبرية بحكم بداهة أن كل شيء، الماضي، والحاضر، والمستقبل، مكتوب في مكان ما، في كتاب ليس هناك من احتمال لأن يبوح بمحتوياته (ويكتب بورخيس بشيء من الرثاء: "قصة موتك"). وهذا الأفق التعيس لا يقلل من الحتمية بل يؤكدها بالأحرى. وبصرف النظر عن الفلاسفة اللاأدريين وأولئك الذين وقعوا في اليأس، يعرف البشر أن قدرهم مكتوب، وأن حيواتهم جرى ترتيبها من قبل، وأنه محكوم عليهم بالبحث عن معنى ليس بالمستطاع إدراكه. والحياة ذاتها تحصيل حاصل، لأن كل شيء يمكن القيام به، أو التفكير فيه، أو قوله، سبقت كتابته في الماضي في أحد كتب المكتبة. وواقع أن هذا الكتاب لم يُعثر عليه بعد (أو لن يُعثر عليه أبدا) لا يمحو حقيقة أنه إذا جرت كتابة حيوات الناس في مكان ما فإنه لا يمكن تغييرها. كما أن نفس عملية العثور على مفتاح حل كل "ألغاز البشرية"، أيْ طريقة الوصول إلى ذلك الكتاب بالذات، مكتوبة؛ ومكان ذلك الكتاب مُبَيَّن في أحد الفهارس. غير أن أمناء المكتبة يعرفون أن هذا الفهرس لم يتم (وبحكم التعريف لن يتم) العثور عليه: لا شيء يمكن العثور عليه في كون لانهائي ودائري. وكما يعلن بورخيس في نهاية القصة: "وإذا كان لرحالة أبديٍّ أن يعبرها في أيّ اتجاه فإنه سوف يرى بعد قرون أن نفس المجلدات متكررة بنفس الفوضى (التي ستكون، بتكرارها على هذا النحو، نظاما: النظام)".(13) وإذا صحَّ هذا فإن بحث البشرية في المكتبة- الكون سيكون بلا جدوى. غير أنه لا أحد بوسعه إثبات حقيقة أو زيف تنظيمٍ قواعدُهُ سرية حتى اللحظة التي يعثر فيها شخص ما على هذه القواعد في كتاب، وتلك اللحظة إما أنها مستحيلة (لأن الكتب مكتوبة عشوائيا ولا تنقل أية رسالة) أو أنها غير محتملة (لأن البحث يجري ضمن الفضاء الذي لا ينفد لمعمار كالمتاهة ومتماثل).
وفي هذا الموقف الفلسفي السردي، إما أن تكون الحياة محتمة بقوانين لا يمكن تحديد طبيعتها لكنها حددت إلى الأبد نظاما لا يترك مجالا لإدخال تغيير، وإلا يكون المجتمع منظَّما عشوائيا إلى حد تكون معه الصدفة البحتة، انقلابات الحظ (يظهر شخص ما، بلا سبب، في الكتاب الأساسي)، قوية قوة تنظيم حتمي للعالم. وفي كل من الحالتين، يكون البشر عاجزين عن تغيير مكانهم وقدرهم. وفي كل من الحالتين، تكون القواعد التي تحكم العالم سرية ومحجوبة على رعاياه. وتقود كل حالة من الحالتين بصورة منطقية إلى مأزق.
وفي قصة "اليانصيب في بابل"،(14) نجد المجازات المنطقية والبلاغية (وفي المقام الأول المفارقة والتناقض اللفظي) التي تبيِّن حدود العقل في إدراك الشكل الخاص بنظام، تُنظِّم الموقف السردي أيضا. والقصة يسردها صوت صاحبه مجهول- وربما كان صوت منفيٍّ من بابل، شخص ما ينتمي إلى تلك المدينة غير أنه يروي القصة في مكان آخر، شخص ما وضعه الراهن غير موضح في النص. ويعبِّر راوي القصة عن حنين حادّ إلى العالم الذي هجره، أو جرى ترحيله منه:- "الآن، بعيدا عن بابل وعاداتها الحبيبة"- ويوضح أنه سيشرع في رحلة نحدس أن وجهتها ليست أرض وطنه: "لم يبق أمامي وقت كثير؛ إنهم يقولون لنا إن السفينة على وشك أن ترفع المرساة". ويشتاق هذا الصوت المجهول الصاحب إلى ما يمكن اعتباره حُكْمًا وحشيا ولا إنسانيا، وهو حُكْم أدخله اليانصيب في كافة مجالات العالم المعيش والتجربة المعيشة، ذلك أن اليانصيب، حسب تعبيره، "تكثيف للمصادفة، حَقْن دوريّ للكون بالفوضي".(15)
وكما في كل ناحية من نواحي العالم تقريبا، بدأ اليانصيب في بابل بوصفه تلك اللعبة التي نعرفها جميعا. وفي بداية القرن العشرين، في بوينوس آيرس، كانت أوراق اليانصيب تباع في صالونات الحلاقة ولم تكن تحدث إثارة كبرى عند إجراء السحب ومعرفة نتائجه. ويكتب بورخيس: "كانت فضيلتها الأخلاقية معدومة. فهي لم تكن موجَّهة إلى كافة ملكات الإنسان، بل فقط إلى الأمل". كان اليانصيب يمنح جوائز فقط، وكان المال هو الجائزة الوحيدة. غير أنه في وقت ما في الماضي أعلن شخص ما بعض القرْعات غير المواتية: كان الاشتراك في اللعب يعني حينئذ ليس فقط إمكانية كسب المال بل خسارته أيضا، من خلال الغرامات المالية. وسرعان ما وافقت قلة قليلة من الناس على دفعها، وقررت الشركة التي نظمت اليانصيب استبدال الغرامات بالسجن. واختار كل خاسر هذا الشكل الثاني من العقوبة. وبمرور الوقت، ومع تعاظم نجاح هذا الشكل للرهان السلبي، بدأت الشركة Company (التي يرد ذكرها دائما بهذه الطريقة، بحرف استهلالي كبير وبلا تفاصيل أخرى) في إدخال أنواع أخرى من القرعات غير المواتية: أضيفت عقوبات بدنية تتميز بأقصى الوحشية، مثل فقدان طرف أو لسان أو عين، إلى إمكانية السجن. وسرعان ما بدأت الأنواع الجديدة من القرعات تحكم كل نشاط بابل، وبصورة أكثر جذرية صار من المستحيل التمييز بين ما نتج عن إجراء عملية سحب وما نتج عن عوامل أخرى. وعلى سبيل المثال، كان لا مناص من معاقبة عبد سرق ورقة يانصيب على هذه العمل بإحراق لسانه، غير أن ورقة اليانصيب التي كانت بحوزته كسبت له نفس العقوبة. وكان من المستحيل حسم مسألة ما إذا كان لسان العبد قد تم إحراقه للسبب الأول (السرقة) أم للسبب الثاني (حظه في لعبة اليانصيب).
هذا الطابع الملتبس للأحداث أسر خيال البابليين، وحققت الثورات الشعبية للجميع الحق في الاشتراك في اليانصيب دون دفع مقابل أوراق اليانصيب، التي تَقَرَّرَ منذ ذلك الحين فصاعدا توزيعها بالتساوي. وقد تأسست الشركة بوصفها الحكومة والسلطة العليا للمدينة. ومن الجلي أنه يمكن النظر إلى هذه المقرطة للحق في المقامرة على أنها تعليق تهكمي على توسيع الحقوق المدنية في المجتمعات الحديثة. كما أن الانقلاب الاجتماعي الذي أتى بالحقوق العامة والمجانية في أوراق اليانصيب- وهو نوع من ثورة فرنسية تهكمية- كفل أن يكون لأيّ شخص حر في بابل الحق في الاشتراك فيما كان يُعتبر في ذلك الحين الاحتفال المقدس بسحب أوراق اليانصيب، الذي كان يجري كل ستين ليلة، وكان يحدد مصير المشتركين حتى السحب التالي. وحالما تم تنظيم الحياة على هذا النحو صارت الحياة أيضا مقدسة، لأن القدر حكم المدينة علانية. ومع ذلك، لا أحد كان بوسعه أن يحسم مسألة أية أحداث في حياته نشأت من خلال السحب وأية أحداث كانت نتيجة لسلوكه أو إرادته. وكانت عمليات السحب معقدة؛ وكانت تستخدم نظاما من الإمكانيات المتعددة، وكثيرا ما ارتكب الحكماء الذين كانوا يُجرون عمليات السحب أخطاءً. غير أن الشركة دافعت عن عملها بوصفه إدخال المصادفة في نظام العالم، مؤكدة أن "قبول الأخطاء لا يعني إنكار المصادفة: إنه يعني إثباتها".
ويتركنا هذا التلخيص الموجز للحبكة مع مسألة ما هو نوع المجتمع القصصي الذي يجري وصفه. إنه نظام يوتوپيّ (إذا اقتنعنا بأن اشتياق الراوي إلى بابل اشتياق صادق)، لكنه نظام يوتوپيّ يمكن فهمه على أنه ينتج شروطا ديستوپية dystopian. وكما يتذكر الصوت المجهول الصاحب، كان لليانصيب التأثير المتمثل في إقامة مجتمع كان في وقت واحد استبداديا وعادلا، لأن المصير الاجتماعي لكل فرد كان يتحدد بالمصادفة، وليس بالميلاد أو الجدارة:
مثل كل الناس في بابل، كنتُ حاكم مقاطعة؛ ومثل الكل، عبدًا. وعرفتُ أيضا السلطة المطلقة، العار، السجن. انظرْ: إن سبابة يدي اليمنى مفقودة. انظرْ: من خلال الفتحة المشقوقة في عباءتي يمكنك أن ترى وَشْمًا قرمزيا على بطني. إنه رمز الحرف الثاني: "بيث". وهذا الحرف يمنحني، في الليالي التي يكتمل فيها القمر بدرا، سلطة على الرجال الذين يحملون رمز حرف "جيميل"، لكنه يُخْضعني لرجال حرف "الألف"... وخلال إحدى السنوات القمرية تم إعلاني غير مرئيّ. ارتفع صياحي ولم يردوا عليّ؛ سرقتُ الخبز ولم يقطعوا رأسي. وعرفتُ ما لم يعرفه الإغريق: عدم اليقين.(16)
ويجري تعزيز هذا النظام الديستوپي بعدد من المجازات والوسائل الأسلوبية. هناك في المحل الأول التناقض اللفظي، المجاز الذي يمزج عناصر متناقضة، والذي عن طريقه يجري الاعتراض على المعنى أو تعديله بدمجه مع معني آخر. وفي حالة بابل يُثْبت التناقض اللفظي (الذي يعطي بنية للسرد) حقيقة أن المجتمع يقوم على أساس المصادفة: النظام يسوده مبدأ الفوضى.
وهذا التناقض اللفظي تعززه مفارقة: في حالته النهائية يتطلب اليانصيب عددا لانهائيا من عمليات السحب في سبيل تحديد الأحداث التي لابد من أن تقع خلال فترة محدودة من الزمن. والزمن المطلوب لعمليات السحب ينبغي أن يكون قابلا للقسمة إلى ما لا نهاية، مثل الزمن المطلوب (في مفارقة زينون الشهيرة) للسلحفاة لكي تكسب سباقها ضد أخيل. والأحداث المفزعة للغاية، تماما مثل الأحداث التي لا صلة لها بالموضوع، تحتاج إلى تكاثر عمليات السحب. وإذا كان لابد من قتل شخص ما فلابد من إثبات هذا بعملية سحب. وهناك شخص آخر هو قاتله، وهذا أيضا ينبغي تحديده عن طريق اليانصيب. كما أن ظروف حادث القتل ينبغي أن تجري تسويتها عن طريق عملية سحب، وكذلك الحال فيما يتعلق بالشروط التي تحدد هذه الجريمة، وهكذا دواليك إلى ما لانهاية. وهذا التشعُّب لامتناهٍ كإمكانية، ويحتاج إلى فترة زمنية قابلة للقسمة إلى ما لانهاية.
وهذان المجازان (التناقض اللفظي لنظام يقوم على المصادفة، ومفارقة القسمة اللانهائية للزمن خلال فترة محددة من الزمن) يُنظِّمان النص ويُنشئان عالما افتراضيا، مبنيًّا على أساس لغز فلسفي: المصادفة محتها المصادفة. وحيث يجري عزو كل شيء إلى المصادفة، تغدو المصادفة هي النظام الطبيعي والاجتماعي؛ حقا إن المصادفة لم تعد مصادفة، بل صارت ضرورة. ويدل هذا بالبداهة على أن كافة محاولات الاعتراض على لعبة المصادفة ينبغي أيضا عزوها إلى المصادفة. وهذه القاعدة لا حدود لها وتكرر نفسها في صورة قاعدة داخل قاعدة en abîme. وقد قدمت بابل تناقضا لفظيا بوصفه نموذج النظام الاجتماعي: التنظيم الكلي للمصادفة، مع إلغاء كل إمكانية للإرادة الحرة أو حرية الإرادة.
وليس من الصعب أن نقرأ هذه القصة قراءة مجازية، ليس فقط كتصوير للمصير، بل كتصوير للنزعة الشمولية في الحياة اليومية. ويرد اسم كافكا Kafka متنكرا في النص: يعلق بورخيس تعليقا جانبيا مؤداه أن البابليين الذين كانت لهم شكاوى ضد الشركة اعتادوا أن يتركوا رسائل في مرحاض مقدس اسمه قافقا Qaphqa (التدوين الصوتي لاسم كافكا في صيغة كلمة عربية).
وكما هو الحال في الكوابيس الكافكاوية فإن نظام العالم لا يمكن أن يدركه الخاضعون له، ولا يرتاب المرء في شرعية ذلك النظام فقط بل كذلك في مجرد وجوده. وهذا على وجه التحديد هو ما يحدسه البعض في بابل: أن الشركة لم توجد قط ولن توجد أبدا. أو أن الشركة، رغم أنها كلية القدرة، تقوم بالفصل في موضوعات ثانوية فقط وتترك الباقي لمصادفة مختلفة ومجهولة غير مصادفة اليانصيب. وعلى سبيل المثال فإن الشركة، كما يكتب بورخيس، لا تملك تأثيرا إلا في "صياح طائر، في الفوارق الدقيقة بين الصدأ والتراب، في أنصاف أحلام الفجر". أو تنظم ("الشركة") عملية سحب غير شخصية لأسباب خفية: "يحكم أحدهم بإلقاء ياقوتة زرقاء تملكها تاپروبانا Taprobana في مياه نهر الفرات؛ ويحكم آخر بفكّ أسْر طائر من فوق سطح برج؛ وثالث بالقيام في كل قرن بسحب (أو إضافة) حبة رمل من الرمال التي لا تحْصَى ولا تعَدّ على الشاطيء".(17) وهذه الافتراضات المهرطقة الأخيرة أكثر ترويعا من إمبراطورية الصدفة، لأن عواقب مثل هذه الأفعال الثانوية بجلاء لا يمكن التنبؤ بها أو حسابها.
ومن ناحية أخرى فإنه لا أحد يمكن أن يحكم على صحة هذه الفرضيات والشائعات. فالشركة لا تقدم سوى تفسيرات ملتبسة بشأن قوانينها. أما المفكرون المهرطقون فلديهم أفكار لا يمكن إثباتها. ومؤسسة النظام الاجتماعي غير قابلة للمعرفة وهي تقع خارج حدود التجربة. على أنه يمكن، وهذا استنتاج أكثر ترويعا، إدراك أن المجتمعات لا تخضع لأية قوانين سوى قانون المصادفة العشوائية.
وفي تقديمه، المكتوب في 1941، للطبعة الأولى من الكتاب الذي نُشرت فيه هذه القصص، يقول بورخيس إن "قصة <اليانصيب في بابل>، رغم أنها فانتازية، ليست خالية تماما من توصيل رمز".(18) وفي واحد من أحاديثه الجانبية النموذجية، يوجهنا بورخيس صوب قراءة القصة باعتبارها قصة سياسية. كانت الفاشية في ذروتها، ولم يكن بمستطاع الديمقراطية الأوروپية ونظامها الحزبي تقديم بديل سياسي لصعود الاستبداد خلال الثلاثينات. وقد طرح كلا هذين الواقعين مسألة مفتوحة، رغم أن الحرب العالمية بدت حلا عنيفا لمشكلة النزعة التوسعية الفاشية. والمسألة هي: ما هو المجتمع؟ ما هو الشكل الذي يمكن من خلاله توطيد النظام بدون استئصال الحرية تماما؟ هل هناك أية طريقة للجمع بين حرية إرادة الأفراد وتنظيم رشيد للمجتمع؟
وينبغي أن أعترف بأن هذه الأسئلة لا تبدو أسئلة بورخيسية للغاية. ومع هذا، ومهما يكن هذا بطريقة غير مباشرة، فإن قصة "اليانصيب في بابل" تتناول هذه الأسئلة، وليس فقط لأنها كانت مطروحة على جدول الأعمال خلال الثلاثينات. وسأستبعد أيّ إيحاء بأن بورخيس كان يعمل على أساس أيّ جدول أعمال عام، رغم أنه كان بالغ الانشغال بالحكم الاستبدادي. غير أن مسألة النظام الاجتماعي يمكن حلها، على كل حال، من وجهة نظر فلسفية وكذلك أيضا سياسية. وفي التراث العظيم للفكر الغربي شغلت هذه المسألة الفلاسفة والكتاب في واقع الأمر. وهي ماثلة في أساس روايات مثل روبنسون كروزو Robinson Crusoe؛ رواية: دانييل ديفو Daniel Defoe ورحلات جاليڤر Gulliver Travels؛ رواية: جوناثان سويفت Jonathan Swift- ووقد أحب بورخيس كلتا الروايتين كثيرا واستشهد بهما كثيرا. ولأن المجتمع ليس واقعا طبيعيا فإنه يقدم مشكلات تتعلق بالنواة المركزية للفكر الفلسفي. وتشمل موضوعات البحث هذه تعريف الذات، والقيود الضرورية الموضوعة على العلاقة بين الأفراد الذين يختارون أن يعيشوا في إطار نظام اجتماعي، والصراع بين الحرية والواجب، والبعد الأخلاقي للسياسة، والأساس الأخلاقي للمؤسسات الاجتماعية.
 ويمكن قراءة قصة "اليانصيب في بابل" (وكذلك قصة "مكتبة بابل" رغم أنها ميتافيزيقية بوضوح أكثر) ليس فقط كقصتيْن فلسفيتيْن بل كذلك كقصتيْن سياسيتيْن- فلسفيتيْن. وكما رأينا في حالة "تيلون، أوكبار، أوربيس تيرتيوس" فإن هذا لا يعني أنهما تناقشان مشكلة فلسفية بطريقة منهجية، بل يعني بالأحرى أنهما تقدمان هذه المشكلة الفلسفية في سياق موقف سردي. والحقيقة أن الفلسفة السياسية لا يمكن أن نتعلمها من بورخيس. غير أنه يبتكر حقا حبكات يجري فيها التصدي لمسألة فلسفية عن طريق وسائل ومعالجات قصصية. ولا إجابة هناك على السؤال. وما نلقاه، بدلا من ذلك، هو التطوير الأدبي للمشكلة في شكل حبكة مبنية حول افتراضات قصصية تصف نظاما يوتوپيًّا- أو ديستوپيًّا، في الحقيقة.
إشارات
1: حول موضوع النظام والفوضى عند بورخيس، انظرْ: Ana María Barrenechea, La expresión de la irrealidad en la obra de Jorge Luis Borges, Buenos Aires 1967 Jaime Rest, El laberinto del universo, Buenos Aires 1976 and Sylvia Molloy, Las letras de Borges, Buenos Aires 1979. 
2: بصورة خاصة: Arturo Echavarría Ferrari, ‘Tlön, Oqbar, Orbis Tertius’, Revista Iberoamericana, 100-101, 1977.   
3: ‘Tlön, Oqbar, Orbis Tertius’, Labyrinths, Harmondsworth 1970, pp. 27-43.
4: Ibid., p. 34.
5: Ibid., p. 37.
6: يكتب بورخيس (Ibid., pp. 32-3)، واصفا إحدى لغات تيلون: "وليست هناك أسماء في اللغة الأصلية Ursprache الحدسية لتيلون، وهي التي نشأت منها اللغات واللهجات "الراهنة": هناك أفعال غير شخصية، تُوصَف بلواحق أو "سوابق" وحيدة المقطع ذات مدلول ظرفي. وعلى سبيل المثال: ليست هناك كلمة تقابل كلمة "قَمَر" بل هناك فِعْل يمكن أن يكون بلغتنا "أقْمَرَ" أو "قَمِرَ". وعبارة "ارتفع القمر فوق النهر" تقابلها عبارة: hlör u fang axaxaxas mlö, "إلور أو فانْج أكساكساكسا ملو" أو حرفيًّا: أقْمَرَ في الأعلى خلف الذي يتدفق دوما. وعند هذه النقطة، تضيف الطبعة الأصلية الإسپانية: "يترجم إكسولْ سولار Xul Solar بإيجاز: upa tras perfluyue lunó أيْ: قمِرَ خلف ما يسيل منطلقا. J. L. Borges, Obras completas, Buenos Aires 1974, p. 435.
7: عمل بورخيس في مكتبات المدينة خلال الأربعينات والخمسينات وصار مديرا للمكتبة الوطنية بعد سقوط پيرون في 1955.
8: ‘The Library of Babel’, Labyrinths, p. 78.
9: Christina Grau, Borges y la arquitectura, Madrid 1989, p. 74.
10: ‘Babel’, p. 79.
11: Ibid., p. 78.
12:  Ibid., p. 81-2.
13:  Ibid., p. 83-4.
14: Labyrinths, pp. 55-61.   ‘The Lottery in Babylon’,
15:  All quotations, ibid., pp.55-7.
16:  Ibid., p. 55.
17: Both quotations, ibid., p. 60.
18: Prologue to El jardin de los senderos que se bifurcan, Buenos Aires 1941, re-print-ed in Obras completas, Buenos Aires 1974, p. 429.
 
إشارات أسفل الصفحات
 
* الفصل الخامس
xvii: Textuality هنا بمعنى intertextuality– المترجم.
 
   
 
     
 
 
 
 
 
الفصل السادس
مسألة النظام
تملك القصة القدرة على أن تبني نظاما أو معنى في مواجهة عالم مختل النظام، ليس فقط بتفسير الواقع عن طريق فك شفرة إشاراته الخفية، على طريقة الأيديولوجية الرومانسية، بل أيضا بتحدي منطقه السببي والمكاني والزماني بنموذج من نوع مختلف. وبهذا المعنى فإن القصة الفانتازية- بعيدا عن أن تكون خطابا ثانويا إلى حد ما- تبقى استجابة مستقلة للواقع. وتوقع القصة الفانتازية الاضطراب في الواقع ليس من خلال التناقض أو الاختلاف. وهي تؤكد التوتر الماثل في فعل الكتابة، عندما تنساق الكتابة بعيدا عن الخطاب الواقعي الذي لا يمثل، بطبيعة الحال، سوى طريقة ممكنة واحدة لعقد علاقة بين الفن والحياة الاجتماعية. ورغم أن الواقع والقصة يخضعان لمنطقيْن مختلفيْن إلا أنهما يتقاطعان عند نقطة ما- كما هو الحال، على سبيل المثال، عندما يجد قاريء نص من النصوص أن صراعا ينشأ بين هذين المنطقين، أو أن شيئا ما في منطق الواقع يتناقض مع منطق نص من النصوص، أو أن منطق نص من النصوص يبدو أكثر إقناعا أو تماسكا من منطق الواقع.
وعندما يبدو أن التاريخ لا يقدم ملاذا للقيم (عندما يتعرض التاريخ للهجوم الضاري من جانب الحروب أو أعمال عامة لا إنسانية أو لا أخلاقية)، يمكن للأدب أن يزود بنموذج، كثيرا ما يكون رهيبا كذلك الخاص بالتاريخ، غير أنه نموذج لا مناص من أن يحتفظ بفضل طبيعته القصصية بمسافة تهكمية، أو ﭙارودية، أو جمالية، أو فلسفية، من كل ما يتعرض للخطر في التجربة المباشرة أو التأمل المباشر.
وقد انصرف بورخيس دائما عن أية مناقشة مفتوحة للسياسة المعاصرة في أدبه، ومع ذلك فإن مسألة الطرق التي يفرض بها النظام نفسه على جماعات بشرية يمكن العثور عليها مُفْرَغة في بنية حبكاته. حقا إنه يدرس الشروط الأيديولوجية والثقافية للمجتمع حتى عندما يوجز معالم عوالم خيالية تنتمي بصورة مشروعة إلى أنقى تقاليد الأدب الفانتازي. والحقيقة أن قصص "تيلون، أوكبار، أوربيس تيرتيوس"، و"اليانصيب في بابل"، و"مكتبة بابل"، وهي القصص التي بحثناها في الفصل السابق، تقدم صورا بديلة للمجتمع. والواقع أنها كوابيس تشير إلى أن التنظيم المؤسسي يقوم على القوة العمياء، أو القرارات المتعسفة، أو الأساطير. وكثيرا ما يجري بحث مسألة القبول بالنظام، وكذلك الشروط التي تنتج الفوضى عندما يكون ذلك النظام، لسبب ما، ضعيفا أو غائبا.
كتب بورخيس الكثير جدا عن العنف والانتقام الفردي. وتثبت قصص الحواف الحضرية وإعادة كتابته للتراث الجاوتشي أن العنف الفردي ضروري حيثما تسود مجموعة من قواعد الشرف وحيثما لا يكون القانون الرسمي قد وطد عالمه. وفكرة العنف راسخة الجذور بعمق في طبعته الخاصة من الثقافة الكريولية: إنها معاشة كقدر أمريكي جنوبي، فقد ظلت على مدى عقود تعرض المجتمع للخطر غير أنها منحته أيضا معنى متماسكا. والحقيقة أن المجابهة العلنية لرجلين في مبارزة، في سياق طقس يقبله كلا الطرفين كقانون، تحيلنا إلى قيم يمكن الحكم عليها بأنها بربرية غير أنها، في الوقت ذاته، تدعم درجة من الوحدة حيثما لم تنجح لا الدولة ولا مجموعات قواعد رسمية في تنظيم علاقات اجتماعية. والمبارزة تحدد ليس فقط ما كانه مجتمع، بل أيضا ما لم يكنه، مُثْبتا أنه لم تكن هناك أية إجراءات رسمية في وضعها الصحيح لتقدم بديلا عن مجابهة بين رجلين مسلحين وضعا ثقتهما في مجموعة قواعد الشرف في حل نزاعاتهما أو في دعم العدل.
وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان المجتمع الأرجنتيني يعاني آثار حروب الاستقلال، التي أطاحت بالنظام الاستعماري القديم فأطلقت العنان بذلك لقوى متنافسة حاربت كل واحدة منها الأخرى على مدى عقود قبل الاتفاق على ميثاق دستوري في 1953. وإلى ذلك الحين، خاصة في الريف، كان العنف الفردي أو الجماعي يقوم بالمهام التي عجزت عن القيام بها دولة ضعيفة للغاية (أو بالأحرى دولة قومية غير قائمة). وكانت الصراعات في الحكومات الإقليمية عقبة أمام فرض إجراءات رسمية كفيلة بتحويل العداوات الفردية إلى صراعات منظمة. وفي هذا العالم الكريولي، كان لا مناص من أن تحل أسطورة الشجاعة الشخصية محل أشكال أخرى، أكثر "تحضرا"، من السلوك العام والقيم الملائمة له.
رأى بورخيس أن هذه المشكلة قضية محورية في الثقافة الكريولية. ومن خلال استكشاف أساطير هذه الثقافة أوضح بصورة غيرمباشرة أن هذه الأساطير إنما جاءت من، وتغذت على، شرط تاريخي كان فيه المجتمع ضعيفا، ومؤسسات الدولة معدومة، وكانت الصراعات تُحَلّ بالتالي عبر العنف. وفي "قصيدة حدسية" Poema conjetural، يتخيل بورخيس الأفكار الأخيرة لفرانثيسكو نارثيسكو دي لاﭙريدا Francisco Narcisco de Laprida، الرجل الذي وقع وثيقة الاستقلال الأرجنتيني عن إسپانيا في 1816. وتكشف هذه الأفكار عن التناقض بين المفاهيم المجردة عن العدل والأشكال الملموسة للعنف الكريولي. وفي 1829، وخلال فترة حادة للغاية من الحرب الأهلية، يُقتَل لاﭙريدا على أيدي المونتونيروس monteneros، وهم عصابة جاوتشو محاربة تفوَّق أعضاؤها في فن القتال بالسكين والرمح:
وفرانثيسكو نارثيسكو دي لاﭙريدا،
            أنا الذي درستُ القانون الكنسي والمدني،
الذي أعلن صوتي الاستقلال،
استقلال هذه الأقاليم الوعرة، يُطاح بي،
مغطى بالدم والعرق، بلا خوف أو أمل،
ضائعا،أفرّ جنوبا عبر أبعد الضواحي ...
 
 
كنت أتوق إلى أن أكون شيئا آخر،
رجل أفكار، كتب، رأْي،
والآن سأرقد في مستنقع تحت السماء المكشوفة.
ومع ذلك، تجتاحني بطريقة تستعصي على التفسير
فرحة مبهمة. لقد لاقيتُ قدَري،
قدَري الأمريكي الجنوبي الأخير.(1)
 
وكثيرا ما أشار بورخيس إلى أن الفرع الكريولي من أسرته كانت له جذوره في أرجنتين القرن التاسع عشر هذه، وإلى أن أجداده كانت لهم معرفة تتصل بعالم بدائي من مربِّي الماشية وقادة الفرسان كان يسوده العرف والقوانين غير المكتوبة للعنف: نوع من ديستوﭙيا dystopia بطولية، بدائية، ريفية. وكان هذا مجتمعا لم يخضع فيه استخدام النفوذ والقوة المادية لسيطرة التنظيم المؤسسي، وناهيك باحتكار الدولة. وهنا ازدهرت أساطير الشجاعة والتحمل الذكوري كاستجابة ثقافية لبيئة اجتماعية. ولا يمكن لمثل هذا المجتمع أن يوجد إلا إذا كان هناك شكل ما من أشكال الفضيلة في الروابط الشخصية للتبعية، أو الخدمات الملموسة، أو الالتزامات المكفولة بعهود تقليدية، والولاء للزعيم الحاميpatrón ، أو لزعماء آخرين. وبدون هذا النوع من الخضوع للقنانة bondage فإن المجتمع الريفي (حيث كان لمسئولي الدولة، إنْ كان لأيّ منهم وجود أصلا، سلطة أقل من ملاك الأرض الأفراد) كان سيتجه إلى أن يستحيل إلى فوضى. ومن المحتمل جدا أن يكون هذا أحد أسباب التراث الطويل من الإهانة السياسية الموجهة ضد التحديثيين في القرن التاسع عشر. وكان التحديثيون يلقبون بالفوضويين، المهرطقين، غير الشرعيين، العدميين، "المتوحشين" حقا، لأن الأفكار التحديثية عن الدولة والمجتمع قامت بتفتيت الروابط التقليدية التي حافظت على استمرار الحياة رغم عدم الاستقرار الذي أدى إليه الاستقلال وكذلك الحروب الأهلية التي خيضت بلا انقطاع تقريبا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. ورغم أن الروابط الأسرية لبورخيس ربطته بالتحديثيين بين النخبة فقد أدرك أيضا أن القيم التقليدية كانت تتعرض للتهديد، كما كان مدركا لهشاشة العلاقات المجردة التي تقيمها الحداثة عن طريق التقدم المادي والمؤسسات الجمهورية.
وكان البحث عن نظام اجتماعي وسياسي جديد هو الهدف الرئيسي للبرنامج التحديثي للقرن التاسع عشر. غير أن مثل هذا النظام لم يكن بالمستطاع إقامته من خلال المؤسسات لا غير: كان لابد من زرع مجموعة من القيم في سبيل منح الاستقرار لمجتمع هش ومفكك. وفضلا عن ذلك، كما سبق أن لاحظنا، فإن وصول آلاف المهاجرين في العقود الأخيرة من القرن العشرين عزّز الإحساس بنظام جديد، لكنْ بنظام بلا ثوابت. وفي بداية القرن العشرين، بدأ المثقفون يبحثون مصاعب، وليس فقط مزايا، أن تكون البلاد جديدة وفتية. ولأن الانتقال إلى جمهورية حديثة، تحكمها مؤسسات رسمية، أثبت أنه مؤلم وصعب، كان بوسعهم أن يلفتوا الأنظار إلى صلابة القيم الريفية التقليدية. ورغم أن أغلبهم امتدحوا الهيكل الرسمي للأرجنتين الحديثة فقد تخلل، في الوقت ذاته، أفكارهم عن المجتمع وإحساسهم بالمستقبل، إحساسٌ بعدم الأمان، ولم يكن هذا مجرد نتيجة لوجهة نظر رجعية أو نخبوية. وإذا كانت قلة قد نظرت إلى الوراء صوب الماضي كمصدر أو نموذج للحاضر، فقد كان يُنظر إلى هذا الماضي مع ذلك على أنه الزمن الذي كان فيه للمجتمع أبعاد معروفة وكان يجري فيه التشارك في القيم، ليس كنتيجة لمواثيق رسمية، بل لأنها نبعت من نفس التربة التي أنبتت الهويات المشتركة. ورغم أن النخبة بدت راضية بعملية التحديث (التي أتاحت ما بدا أنه فُرص اقتصادية لا حد لها تقريبا)، اكتشف المثقفون أن نفس العملية التي كانت قد خلقت الأرجنتين الحديثة كان يعيبها غياب الروابط الاقتصادية القوية. لقد غدا المجتمع مستقرا، علمانيا، مستقلا، برسوخ؛ غير أنه، كما هو الحال مع كافة المجتمعات الحديثة، كان أساسه المؤسسي والرسمي مجردا من الأصداء القوية للتراث والأسطورة.
وقد أكد بورخيس هذا الإحساس بالفقدان (أو الغياب) في أحد مقالاته الأولى: كتب قائلا إن ما تحتاج إليه بوينوس آيرس احتياجا ماسًّا هو الأشباح. ورغم أنه يمكن قراءة هذا التأكيد بطريقة تهكمية فإنه ينطوي أيضا على "سياسة ثقافية": عندما ترتدّ أساطير مجتمع تقليدي إلى ماض لا يمكن استرداده فإن آثار هذه الأساطير في الأدب تبني نظيرا ليس لواقع سابق، بل لنموذج مثالي يمكن لمجتمع أن يرى نفسه في إطاره. إن "الأشباح" تنطوي على أرض مشتركة وعلى إحساس بالانسجام مع الماضي. وفي مجتمع أدت فيه المؤسسات الحديثة القائمة على القانون المكتوب إلى تفتيت المعتقدات التقليدية والروابط "الطبيعية"، أتاح واقع اقتسام نفس "الأشباح"، بطريقة رمزية، إمكانية استرداد نوع الإدراك الثقافي العميق الذي تهدده جمهورية حديثة هي ذاتها ممزقة بالصراع.
وتنتمي مسألة كيف تجري إقامة، أو صيانة، أو تدمير نظام اجتماعي وثقافي إلى الأبعاد الفلسفية للنظرية السياسية، ونادرا ما يرد ذكر هذا البعد مرتبطا ببورخيس الذي تكمن مفارقة صارخة في حقيقة أن افتتانه بالفلسفة اجتذب اهتماما نقديا عالميا تقريبا. وسأحاول إثبات أن الفلسفة السياسية ماثلة بمعنًى حقيقي في عدد من أروع قصصه، للأسباب التاريخية التي أوردناها أعلاه ولأسباب مرتبطة بتطورات عالمية في القرن العشرين. وفي منتصف العشرينات، عندما أكد بورخيس أن بوينوس آيرس بحاجة ماسة إلى أشباح، وأن مهمته تتمثل في الإمداد بها، كان العالم قد تحطم بالفعل بالحرب العالمية الأولى، وكانت البلدان الغربية مرغمة على الاعتراف بالثورة الروسية وبناء الجمهوريات السوڤييتية. وفي الوقت ذاته، وطدت الفاشية نفسها في إيطاليا، وانتشرت داخل حركات شعبية في بقية أنحاء أوروپا، وأفسحت الديمقراطية المجال لأشكال سياسية (ملطخة بالشعبوية وبأسلوب مبتذل للسياسة الجماهيرية) لم تتصورها المثل العليا الجمهورية الخالصة للنخب الفكرية الليبرالية. والحقيقة أن كُتُبا مثل الأيديولوجيا واليوتوبيا Ideology and Utopia لكارل مانهايم Karl Manheim وخيانة الكتبة La trahison de clercs لجوليان باندا Julien Benda،(2) وكذلك مقالات [خوسيه] أورتيجا إي جاسيت Ortega y Gasset  [José] حول إضفاء الطابع الجماهيري على الثقافة، تمثل علامات فترة مطبوعة بطابع التغيرات المنذرة والمفاجئة التي بدلت بعمق دور الأديب في المجتمعات الحديثة. ولم يحدث قط أن انحاز بورخيس صراحة إلى طرف من أطراف هذه المناظرة، التي لاشك في أنها لم تقتصر على الأرجنتين. والواقع أنه أعلن دائما نفوره من الأدب الذي يختار أن تخترقه أيديولوجيات سياسية. وفي "مقدمة للطبعة الأولى من " تقرير برودي"، وهي مكتوبة في 1970، يؤكد مرة أخرى:
قصصي، مثل قصص "ألف ليلة وليلة" تحاول أن تكون مسلية أو مؤثرة لكنها لا تحاول أن تكون مقنعة. ومثل هذا العزم لا يعني أنني حبست نفسي، وفقا لمجاز سليمان، في برج عاجي. واقتناعاتي السياسية معروفة تماما؛ إنني عضو في حزب المحافظين- وهذا في حد ذاته شكل من أشكال الشكية- ولا أحد وصمني في يوم من الأيام بأنني شيوعي، أو قومي، أو معاد للسامية، أو من أتباع بيللي ذا كيد Billy The Kid(xviii)، أو من أتباع الديكتاتور روساس. و أعتقد أننا سنكون جديرين ذات يوم بألا تكون لدينا حكومات. وأنا لم أخْفِ آرائي قط، ولا حتى في الأوقات الصعبة، غير أنني لم أسمح لها أيضا في يوم من الأيام بأن تجد طريقها إلى أعمالي الأدبية، باستثناء عمل واحد عندما ارتفعت روحي المعنوية ابتهاجا وتشفيا بانتصار حرب الأيام الستة. إن فن الكتابة ملغز؛ والآراء التي نتبناها عابرة، وأنا أفضل الفكرة الأفلاطونية عن ربات الشعر على فكرة [إدجار ألان] پو Poe [Edgar Allan]، الذي اعتقد أو تظاهر بأنه يعتقد أن كتابة القصيدة عمل من أعمال الذكاء.(3)
غير أن التبدلات الدرامية في هذا القرن، مثل صعود الفاشية، خاصة في ألمانيا وأوروپا الوسطى، ترك آثارا واضحة في قصصه. ولنبدأ بالأكثر صراحة: العنصرية يُنظر إليها على أنها صورة اعتباطية من أيديولوجية الدولة، هذه الأيديولوجية التي تنبذ العقل وتوزع الموت عشوائيا، كما في حالة يارومير هلاديك Jaromir Hladik الكاتب الضحية الذي ينعم الرب عليه ﺑ "المعجزة السرية" El milagro secreto. أما معاداة السامية باعتبارها أيديولوجية بلهاء (وهي في نظر بورخيس، بطبيعة الحال، اتهام ثقيل) فيجري فحصها أيضا في حوار شهير في "الموت والبوصلة" La muerte y la brújula. وعندما يناقش المفتش تريفيرانوس Treviranus جريمة قتل الدكتور مارسيل يارمولينسكي Marcel Yarmolinsky مع لوينروت Lönnrot، وهو "شخص استنتاجي بحت"(xix)، في حضور محرر ييديشه  تسايتونج Yidische Zeitung ينبذ تريفيرانوس "التفسيرات الحاخامية" باعتبارها عديمة الجدوى. وفي الحال يتلقى ردا حاسما من أيديولوجي idéologue  مستنير:
قال: "أنا مسيحي بائس. أبعدْ عني كل هذه المجلدات العتيقة إن شئت؛ لا وقت عندي أضيعه على الخرافات اليهودية".
غمغم لوينروت: "ربما كانت الجريمة تخص تاريخ الخرافات اليهودية".
غامر محرر "ييديشه تسايتونج" بأن أضاف: "كالمسيحية".(4)
غير أن هناك أيضا الحالة الأكثر تعقيدا بكثير وهي الخاصة ﺒ "قداس ألماني" Deutsches Requiem، وهي قصة مبنية على الموضوع النيتشوي الصريح جدا عن تغلب العنف على الفضائل المسيحية. ويجري تقديم النقد البورخيسي بصورة متميزة للعنف من وجهة نظر ضابط ألماني. ويأمل الضابط، آخذا على عاتقه مسئولية موت شاعر يهودي، في أن يدمر داخل نفسه كل أثر للتعاطف إزاء الآخر أو إزاء ما هو مختلف: إن النازية "عمل أخلاقي، تطهير للبشرية الفاسدة".(5)
والمنظور الذاتي الذي يتبناه بورخيس في هذه القصة يسمح لحجة الضابط النازي بأن تتطور بمنطقها الخاص؛ فهي تؤكد خياراته وقيمه، باعتبارها أساس نظام بديل. وهكذا فإن بورخيس يجعل القاريء يعطيه اهتمامه بعناية بدلا من رفضه من الوهلة الأولى. ففي عشية تنفيذ الحكم على الضابط الألماني أوتو ديتريش تسورلينده Otto Dietich zur Linde، الواسع الاطلاع على [أرتور] شوبنهاور [Arthur] Schopenhauer، و [أوزڤالد] شبنجلر [Oswald] Spengler، ونيتشه، يسأل عن كيف يمكن الحكم على أعمال البشر عندما يكون قد جرى القيام بها لإقامة نظام يستتبع تنظيما جديدا للمجتمع على أساس مباديء جديدة. ويمكن الحكم عليها بطبيعة الحال من وجهة نظر أخلاقية يمكن القول- إذا كانت مختلفة عن تلك التي يدعمها مؤسسو نظام جديد- إنها تؤيد الشر بدلا من الخير. غير أن مسألة النظام، إذا نُظر إليها خارج سياقها التاريخي، ماثلة في تلك النظم التي نوافق عليها وكذلك في تلك التي ندينها. وعن طريق تقديم ضابط نازي (ترد بالبال صورة إرنست يونجر Ernst Jünger في هذا التصوير لأوتو تسور لينده) باعتباره صوت قصته، يشير بورخيس إلى مأزق النظم السياسية كافة، ليس فقط تلك التي كانت مدانة كليا بل أيضا تلك التي نعتبرها شرعية. ذلك أن كلا النوعين يقدمان حججا يمكن تطويرها منطقيا. والواقع أنه يحثنا بطريقة غير مباشرة على التفكير مليا في المسألة العامة للنظام لأن من يناقشها هو على وجه التحديد نازي "متحضر" ومثقف نفّذ، بوصفه نائب مدير معسكر اعتقال، مهمة القضاء على الشاعر اليهودي ألبرت سويرجل Albert Soergel. وعندما انتهت الحرب، سأل أوتو تسور لينده نفسه عن السبب وراء إحساسه بالراحة، وطرح جانبا أسبابا عديدة قبل أن يدرك الحقيقة:
 
كان العالم يموت من اليهودية ومن مرض اليهودية ذاك، الإيمان بيسوع؛ لقد علمناه العنف والإيمان بالسيف. وذلك السيف يذبحنا الآن، ويمكن تشبيهنا بذلك الساحر الذي صنع متاهة ثم صار محكوما عليه بأن يهيم بداخلها إلى آخر أيامه؛ أو بداود الذي يحاكم رجلا مجهولا فيحكم عليه بالموت، فقط ليسمع الوحي: أنت ذلك الرجل. سيكون من الواجب تدمير أشياء كثيرة في سبيل بناء النظام الجديد، ونحن نعرف الآن أن ألمانيا أيضا كانت أحد تلك الأشياء.(6)
هناك ثيمة بورخيسية تخترق هذه الفقرة: الإنسان هو نفسه وهو عدوه، القدر يسير في طريقه عبر النتائج العمياء لأفعالنا. ومع ذلك، يوجد هنا شيء آخر لا يمكن إغفاله. من ناحية، هناك تنظيم العالم وفقا لقيم، مثل النازية في حالة ألمانيا. ومن ناحية أخرى، هناك فكرة أن كل نظام يقوم على تدمير نظام سابق، يقوم على قيم مختلفة، وأن كل نظام يعتمد على فعل فَرْض إجباري، رغم أن الأساطير والفلسفة يمكنها القيام بتفسير ذلك الفرْض على أنه هبة، أو تراث، أو ميثاق. وعلاوة على هذا فإن صوت الضابط النازي وعنصريته الشائنة يطرحان للنقاش ذلك الاعتقاد الساذج بأن إثبات صحة وشمولية القيم تمرين فكري بسيط ومباشر. والحقيقة أن أوتو تسور لينده لا يشهد فقط على التدابير المتطرفة للنازية، بل أيضا على المهمة المثابرة في سبيل ترسيخ معتقداتنا بشأن ما هو صحيح وما هو خاطئ في المجتمع. وتختار "قداس ألماني" الطريق الصعب المتمثل في معالجة هذا من خلال صوت رجل مدان كليا تقريبا، وهي تستكشف في الوقت ذاته القسوة التي ينطوي عليها حتى موت واحد، موت شاعر يهودي، والمعضلة الخاصة بكيف بمكن إقامة نظام جديد. إن المجتمع مبنيّ عبر العنف، رغم أن درجة العنف والقيم التي تجعله شرعيا هي بالفعل، وينبغي أن تكون، متمايزة.
والأسئلة المتعلقة بأسس- أو بالافتقار إلى أسس- القيم مرتبطة بالأسئلة الخاصة بالمجتمع. ما الذي يجعل وجود مجتمع ما ممكنا؟ وكيف يمكن الحفاظ على توازن بين أعراف مختلفة على أساس الإدارة الجماعية أو على أساس المصلحة العامة؟ وكيف يُصاغ مفهوم "العام" ذاته؟، وكيف تُمنح السلطة لبعض المواقع ويجري إنكارها على أخرى؟ ووفقا لأية مبادئ، لا تقوم فقط على العقاب والثواب، يخضع البشر للقانون؟ ويطرح بورخيس، حاذيا حذو سويفت، هذه الأسئلة التي هي أسئلة قاريء "تقرير برودي".(7) 
كتب برودي Brodie، وهو مبشر مشيخيّ إسكتلندي [ينتمي إلى الكنيسة المشيخية البروتستانتية] كان قد عمل في سبيل العقيدة في أفريقيا والبرازيل، تقريرا (وتركه بين صفحات كتاب [إي. دبليو.] لين Lane [E. W.]: "تسليات ألف ليلة وليلة" Arabian Nights’ Entertainments) عن شعب اﻠ "ملتش" Mlch الذين يسميهم برودي اﻟياهو Yahoos بسبب "طبيعتهم الهمجية"، ولأن من الصعب إعطاء تدوين دقيق لاسمهم الحقيقي، لأن لغتهم لا تشتمل على أية حروف حركة. ويحمل الملتش سمة أسلافهم الأدبيين، ويمكن النظر إليهم بالتالي على أنهم اقتباس. ويتحول الملتش بقلم الدكتور برودي (من طريق سويفت) إلى  ياهو خاصين به، في التقرير الذي عثر عليه راوي القصة وينقله بكامله تقريبا. وبنية قصة داخل قصة هذه، وهي وسيلة استخدمها بورخيس في كثير من الأحيان، تقوم بإطلاق القوة القصصية للاقتباس المزدوج من برودي ومن جاليڤر، وفي الوقت نفسه بترسيخ جذور النص في تراث للرحالة إلى بلاد بعيدة الذين يعثرون على عناصر تعكس بدقة، بطريقة رمزية أو تهكمية، مجتمعاتهم ذاتها.
ومثل سويفت، يفتح بورخيس جدالا أخلاقيا من خلال تقرير برودي. غير أنه، بخلاف سويفت، لا يقترح أساسا صريحا للمقارنة بين ياهو تقرير برودي وشعب آخر: لا وجود لأيِّ هويهنهنم Houyhnhnms نبلاء في قصته، ويقود غيابهم إلى استنتاجات مختلفة. وفي حين أن جاليڤر وَجَدَ، على الأقل، في مجتمع حيواني الفرصة لتقديم يوتوپيا فإن برودي قادر فقط، في الفقرة الأخيرة من تقريره، على أن يقترح رأيا متسامحا بشأن ياهو تقريره، من وجهة نظر نسبوية حقا: "وهُمْ، بوجه عام، يمثلون الحضارة، كما نمثلها نحن، رغم تجاوزاتنا الكثيرة". فماذا يعني هذا؟ هل هو مجرد استنتاج تهكمي أم أنه يوجد أيضا نقد مستتر للحضارة التي أنتجت الإرساليات التبشيرية لأمثال الدكتور برودي؟
ويُنهي برودي تقريره ﺒ "الرجاء الحار بأن لا تتجاهل حكومة صاحبة الجلالة ما يتجرأ هذا التقرير على اقتراحه". وهذه جرأة حقا، بعد الوصف الذي يقدمه التقرير  للياهو والمقارنة التي يعقدها بين حضارتهم والحضارة التي ينتمي إليها برودي. ويبدو أنه لا شيء يهيئنا لهذه الملاحظة الأخيرة: كان برودي المتدين الورع مصدوما بعادات أكل لحوم البشر لدى الياهو الذين يلتهمون جثث ملكهم وأطبائهم- السحرة، وبالفجور الساذج لملكتهم، التي تعرض نفسها على المبشر المسيحي فقط ليرفضها. فماذا، إذن، يقترح على جلالتها؟ ولدى الياهو لغة بدائية- ويجد برودي أن من المستحيل أن يستخرج منها أقسام كلام منطقية متمايزة- تتألف من كلمات وحيدة المقطع، ينظم معناها السياق أو الأشكال العملية للنطق. وهم لا يستطيعون التمييز بين الطبيعة والثقافة (إنهم يعتبرون أن الكوخ الذي بناه الدكتور برودي لنفسه شجرة ويبدو عليهم أنهم غير قادرين حتى على تصور أشياء معقدة مثل كرسي). وليست لديهم أيّ فكرة عن التاريخ أو عن الماضي بالمعنى الواسع (فقط يستطيع الأطباء- السحرة أن يتذكروا في المساء ما حدث في ذلك الصباح نفسه)، وهم يقومون بتكهنات واضحة وغامضة بشأن ما يعتبرون أنه المستقبل (الدقائق العشر التالية على وجه التقريب). وهم غير مثقلين بعبء أحداث مثل عبور العبرانيين للبحر الأحمر، الذي ندرجه في ماض له علاقة بحاضرنا. وهم يجهلون السببية البعيدة ومحرومون بالتالي من مفاهيم مثل الأبوة (الأمر الذي عرقل هدايتهم إلى العقيدة المسيحية وفهمهم للمفهوم المسيحي عن الألوهية). وهم يخلعون على الشعر مكانة خاصة جدا تحرم الشعراء من الحق في الحياة، لأن الفعل الشعري يملك القدرة على تحويلهم إلى آلهة لا يتصل بها أحد ويحق لأيّ شخص قتلهم.
غير أنه عندما يكون الدكتور برودي على اتصال من جديد بشخص متحضر، تصادف أنه كان مبشرا كاثوليكيا، فإنه يحس بالصدمة بالعادات التي مارسها طول حياته: عادة تناوُل الطعام على الملأ، على سبيل المثال، وهذا ما يتجنبه الياهو باعتباره محرما taboo a: "في البداية وجدت من المثير للتقزز أن أراه يفتح فمه دون أدنى محاولة للإخفاء المنافق ويضع فيه قِطعا من الطعام. وظللت أغطي فمي بيديّ، أو أحول عينيّ".(8) وعندما يعود إلى بلاده، لا يحس برودي كما أحس جاليڤر بعد عودته من بلاد الهويهنهنم، باستثناء الانطباع الخاطف الذي يتلقاه من رؤية الناس يأكلون بصحبة بعضهم معا دون ارتباك. ومصيره ليس مصير جاليڤر، الذي لم يسمح لنفسه أعواما بأيّ اتصال بشري جسدي، وناهيك بمشهد أسرته وهم يلتهمون الطعام معا في حضوره. وعلاوة على هذا فإن برودي لا يتوق إلى السعادة الكاملة التي كان قد خبرها جاليڤر، وتعلم الاستمتاع بها، مع الهويهنهنم، بل يتذكر، بدلا من هذا، "الرعب الجوهري" لأيامه مع "الياهو".
ومع ذلك فإنه يرجو صاحبة الجلالة أن لا تتجاهل "ما يتجرأ التقرير على اقتراحه"- أيْ أننا إزاء رؤية نسبوية إلى حضارة ياهو لن ينظر إليها أيّ قارئ للتقرير على أنها متحضرة. وهو يلخص ما يجعل الياهو ليس فقط الأمة البربرية التي وصفها، بل قبيلة يؤهلهم تنظيمهم ومعتقداتهم لامتياز اعتبارهم متحضرين بنفس الطريقة كالأوروپيين:
ولديهم مؤسسات خاصة بهم؛ ويتمتعون بملك؛ ويستعملون لغة تقوم على مفاهيم مجردة؛ ويؤمنون، مثل العبرانيين والإغريق، بالطبيعة الإلهية للشعر؛ وهم يحدسون أن الروح تبقى بعد موت البدن. كما أنهم يؤمنون بحقيقة العقاب والثواب.
على أن تقرير الدكتور برودي انتهى إلى منعطف هائل وغير متوقع. وعند الوصول إلى هذه النقطة، لاشك في أن صاحبة الجلالة سوف تصاب بالدهشة إزاء الدفاع الحازم، القائم على نسبوية ثقافية خالصة، عن الياهو. وقد تسأل صاحبة الجلالة عن الأسس التي يقوم عليها عقد هذه المقارنة على قدم المساواة بين الأمم الأوروپية والياهو. ما الذي لدى الياهو ليعطيهم الحق في أن يوضعوا جنبا إلى جنب مع الأمم المسيحية؟ أو، إذا عبّرنا باستخدام الكلمات الأخيرة في القصة: ما هو الاقتراح الجريء للتقرير؟
ويمكن أن يفك قراء التقرير شفرة الاقتراح مثلما كان الدكتور برودي يأمل في أن تفعل صاحبة الجلالة. وقد وجد الياهو إجابات عن الأسئلة الرئيسية بشأن النظام في المجتمع دون أن يكون عليهم أن يقوموا بحل الصراعات الداخلية مثل الأمم المسيحية الحديثة. إذ أنهم يعيشون في علاقة مثالية الكمال مع الطبيعة. والحقيقة أنهم ماداموا غير قادرين على التمييز بين الطبيعة والثقافة، لا يعانون ألم ذلك الانفصال (رغم أنه ينتج أيضا حضارتنا، وصناعتنا، وفننا، وتقدمنا). ومتحررين من مفاهيم عامة مثل السبب البعيد والنتيجة البعيدة، فإنهم لا تقلقهم أيضا الشواغل الفلسفية والعلمية. ولأن لغتهم خالية تماما من نموذج محدد للمعاني فإنهم يستعملون فقط الكلمات التي تعبر عن مفاهيم عامة. إنها لغة يمكن اعتبار القدرة على الكلام فيها ضعيفة، غير أن هذا الضعف يمنعهم من فتح مجالات محتملة للصراع على موضوعات مثل الحكومة أو الدين. وهم يعهدون إلى الأطباء- السحرة بسلطة اختيار زعمائهم غير أنهم يعتقدون أن الأطباء يفعلون هذا على أساس بعض سمات طباع الرجل الذي يقع عليه الاختيار، مما يمنع المشاجرات على السلطة والحروب بين سلالات حاكمة. وعندهم نظام للعدالة لا يقوم بخلاف نظامنا على الدليل والحجة: يجري إصدار الأحكام دون مزيد من الضجة بعد ادعاء الجريمة. وهذه الأمة بدائية إذا قورنت بالأمم المسيحية، غير أنها في الوقت نفسه نجحت إلى الأبد في حلّ (أو، على الأقل، إلى أن تقود الحالة الراهنة ﻠ "الياهو" إلى انقراضهم) مسألة النظام في المجتمع. ولاشك في أن وصف برودي لهذه الأمة، في تدوين الراوي، تهكمي في محتواه، ولكن ليس في ثيماته. ويجري تقديم السمات المميزة الرئيسية للتنظيم البشري في نوع من الديستوپيا المبهمة للغاية. ويتردد القراء (كما يفعل الدكتور برودي) بشأن ما إذا كان من الإنصاف الحكم بأن أمة الياهو تمثل ديستوپيا، نظرا لحقيقة أن الياهو أنفسهم لا يؤمنون بهذا الرأي غير العطوف فيما يتعلق بنظمهم الخاصة والعامة.
وتأثير القصة ملتبس، فرغم أن الدكتور برودي قرر أن يحكم على الياهو وفقا لقيمه هو، فإنه يجد أنهم حققوا نتائج هي، على الأقل من الناحية الشكلية، ولا يهم كم هي فجة، تلك الخاصة بأمة منظمة. وتنقلب نغمة وصفه بين التشديد على الاختلافات والاكتشاف النهائي لأوجه الشبه العامة. ويجري توصيل شيء من هذا التردد في الكلمات الأخيرة من القصة. فهو يرجو صاحبة الجلالة أن يُسمح لهم ليس فقط مثل المسيحيين، بأن ينفذوا المهمة المستحيلة في الظاهر المتمثلة في إنقاذ أرواح الياهو، بل يأمل أيضا في أن لا يمر "اقتراح" تقريره مر الكرام. وهذا الاقتراح ملغز، غير أنه يمكن فهمه باعتباره الاستنتاج الذي تتوصل إليه دراسة مقارنة تقوم على الحذف elliptical لعادات الياهو وعادات الأمة المسيحية. ويوضح برودي، في نهاية تقريره، أن الياهو يمثلون "الحضارة تماما كما نمثلها، رغم تجاوزاتنا الكثيرة". وهو يضيف أيضا أن رعب التجربة التي مر بها لم يتضاءل منذ عودته إلى إسكتلندا: خلال إقامته في جلاسجو، يحس بأن الياهو ما يزالون حوله. وهذا الإحساس لا يجري شرحه ولا يجري تبريره من حيث ذكرى الوقت الذي قضاه معهم. ويمكن قراءته بهذه الطريقة، غير أنه يمكن أيضا قراءته من خلال تتبع آثار "الياهوية" Yahooism في الحياة اليومية لأمة مسيحية. ولاشك في أن "الرعب الجوهري للتجربة" جزء من الماضي؛ غير أنه ليس واضحا بنفس القدر أن الإحساس بأن المرء محاط ﺒ الياهو في شوارع جلاسجو يمكن تفسيره بصورة مباشرة كذلك كأثر باق من ذكرى. وبعد تأكيده، يُحس بأنه مجبر على أن يضيف: "إنني    أعرف تماما أن الياهو أمة بربرية"، وكأنه كان عليه أن يستجيب لشخص كان قد تحدى ما لم يكتبه، على أيّ حال. ويقدم الدكتور برودي تقريرا ولكنْ أيضا حجة: حجة النسبوية الثقافية. وقد عبر عن نفوره غير أنه، في الوقت نفسه، قدم تلخيصا متوازنا عن المؤسسات الأساسية للحضارة: الحكومة، والدين، والفنون، واللغة.
على أنه في موضع سابق في التقرير قدم برودي، كوسيلة مساعدة تقريبا، فرضية أن الياهو كانوا ذات يوم أمة أكثر تحضرا يجب تفسير انحطاطها الحالي ليس كبدائية بل كتدهور. ذلك أن لغتهم البليدة المبنية على مفاهيم عامة جدا تسمح أيضا، مع ذلك، "باستخلاص تجريدات". وتقوم فرضيته على بعض النقوش القديمة التي وجدها، والتي لم تعد القبيلة قادرة على فك شفرتها. ويمكن التفكير في الياهو على أنهم "مستقبل الأمم الأوروپية"، وليس فقط على أنهم ماضيها، تماما كما اكتشف [أليكسيس دو] توكڤيل [Alexis de] Tocqueville في الولايات المتحدة ليس طفولة ذلك البلد بل مستقبل أوروپا.
ويقدم "تقرير برودي" خليطا مثيرا من الريپورتاج القصصي والتعليق الفلسفي: الفلسفة السياسية من خلال السرد. وعلى هذا النحو، يرتدي اهتمام بورخيس بمسألة النظام في المجتمع شكل نوع كلاسيكي. والآثار التي تركتها قراءته المنتجة لسويفت واضحة جدا إلى حد أنها تعيدنا إلى تراث للرحالة الفلاسفة، مع أنها تحذرنا من استعمالات بورخيس الخاصة لذلك التراث. وفي حين أن جاليڤر غير مبهم فيما يتعلق ﺒهؤلاء الياهو الذين في روايته (لأنه يتخذ الهويهنهنم كنقطة انطلاق للمقارنة)، يعطي الدكتور برودي حُكما ملغزا على مسئوليته الخاصة: في بداية التقرير يجري النظر إليهم على أنهم ينتمون إلى عِرْق "متوحش" وفي النهاية على أنهم يمثلون، بطريقتهم الخاصة، "الحضارة"، لأنهم رغم طبيعتهم نجحوا في بناء نظام، وهو ما يرقى إلى مستوى حلّ مشكلة سياسية. وكقراء للنص، نجد أنفسنا غير راضين عن آرائنا نحن عن هذا الشعب. وبعد الجدال، نتوقع أن نشعر فقط بالارتياح إزاء عودة الدكتور برودي إلى بلده، غير أن القارئ المدقق يواجه، بدلا من هذا، (كما كان من الممكن أن تواجه صاحبة الجلالة) مقارنة بين الياهو والأمم المسيحية. ويمكن أن يجد قراء سويفت سلاما وأمنا في الدرس الأخلاقي الذي يلقنه الهويهنهنم لجاليڤر، غير أن قراء بورخيس لا يملكون نفس العزاء، لأنه لا وجود لخيول نبيلة في بلاد الياهو الذين نلقاهم لديه. غير أنه يجري تقديم درس في التقرير، عن مختلف أنماط الحضارة ومختلف أنماط النظام القائمة على القيم التي تبدو لأولئك الذين يؤمنون بها حقائق مطلقة، ولكنْ التي يمكن أن يثبت مراقبون مدققون، مثل الكتور برودي، في النهاية أنها عارضة ونسبية. كما يوجه التقرير تحذيرا، وإنْ كان مبهما ومقحما تقريبا في السرد، عن الخطر الذي يهدد الأمم المتحضرة: البربرية التي تكمن داخلها، والتي كان بمستطاع برودي أن يلقاها في شوارع جلاسجو.
وأنا لا أزعم أن هذا هو التفسير الوحيد الممكن للقصص الفانتازية التي بحثناها في هذا الفصل وفي الفصل السابق. لقد قرأناها بتركيز خاص على مبادئها البلاغية الإبداعية ووجدنا أن الأسئلة الفلسفية الأساسية ماثلة في صميم السلاسة المثالية الكمال للسرد. والحقيقة أن البحث عن النظام المثالي الكمال بصورة مستحيلة واليقين بأن كل نظام له عواقب مجهولة ومفزعة ماثلان في صميم كمال الحبكة ذاتها.
إشارات
1: ‘Poema conjetural’, El otro, el mismo, in Obras completas, Buenos Aires 1974, p. 867. Translated by Anthony Kerrigan as ‘Conjectural Poem’, in J. L. Borges, A Personal Anthology,  New York 1967, pp. 192-3.
2: من المحتمل جدا على الأقل أن يكون بورخيس قد قرأ بندا Benda، لأن مجموعة مجلة سور Sur، التي كان بورخيس ينتمي إليها كانت تنظر إلى بندا على أنه نوع من المرشد guru الفكري.
3: Doctor Brodie’s Report, Harmondsworth 1976, pp. 11-12.
4: ‘Death and the Compass’, Labyrinths, London 1970, p. 108.  
5: ‘Deutsches Requiem’, Labyrinths, p. 176.
6: Ibid., p. 178.
7: In Doctor Brodie’s Report, pp. 91-100.
8: For these quotations, ibid., pp. 99-100.
9: Ibid., p. 100.
    
إشارات أسفل الصفحات
 
* الفصل السادس
xviii: شاب خارج على القانون اشتهر بهذا الاسم خلال الربع الثالث تقريبا من القرن التاسع عشر في أمريكا والمكسيك تحيط بتاريخه هالة من الأساطير وتنتسب إلى اسمه جماعات وعصابات لا حصر لها؛ ووفقا الأصل الإسپاني في المقدمة المذكورة: "...أو من أتباع Hormiga Negra  [النملة السوداء] أو روساس..." Jorge Luis Borges, El informe de Brodie, Madrid 1987, p. 10.- المترجم.
xix: أيْ أن لوينروت يعتقد أنه استنتاجي بحت بالمعنى البوليسي وأنه أوغست دوبان آخر un Auguste Dupin كما جاء في الأصل الإسپاني للقصة المذكورة Jorge Luis Borges, Ficciones, Madrid, 1987, p. 148.
 
     
 
 
 
 
 
 
 
               
 
القسم الثاني
 
الطليعة وبوينوس آيرس والحداثة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفصل السابع
مغامرة مارتن فييرو: الطليعة والكريولية
يرتبط بورخيس ارتباطا وثيقا بثلاث مجلات أدبية في العشرينات: پريسما Prisma، پروا Proa، مارتن فييرو Martín Fierro(1)، وهي مجلات شجعت برامج الطليعة وكشفت بذلك الحدود الأيديولوجية والمؤسسية للطليعة في الأرجنتين. وبين هذه المطبوعات الثلاث، تمتعت مارتن فييرو بأوسع جمهور وأعلى ظهور: تحديث المثقفين الشبان الذين بدأوا ينشرون في العشرينات وكانوا معروفين لدى الأصدقاء والأعداء على السواء باعتبارهم اﻟمارتنفييريستا Martinfierrista [اﻠمارتنفييريون نسبة إلى مارتن فييرو].
ومع ظهور مارتن فييرو في فبراير 1924، نشهد "قطيعة" جمالية حديثة بصورة نموذجية- تلك التي تميز الطليعة. والحقيقة أن الفضيحة التي جلبتها المجلة على نفسها لكي تحقق اعترافا مباشرا وواسع النطاق، والحرية التي انتقدت بها الكتاب الحداثيين ("الموديرنيستا") modernista وأولئك المنتمين إلى جيل الثينتيناريو(2) [الذكرى المئوية لاستقلال الأرجنتين] Centenarío، والمساجلات مع الملتزمين اجتماعيا والأدب الإنساني، والنغمة الپاروديةparodic  التي تبنتها في السخرية من اتجاهات سابقة عليها ومعاصرة لها،- كل هذه المظاهر تجعل مارتن فييرو مسبار قياس للأعماق قام بترجيع أصداء التغيرات في النسق النصي والمعارك المؤسسية التي خيضت في ذلك الحين. وفي الوقت نفسه، اختلف توجه المجلة عن توجه الطليعات الأوروپية من نواح تبين حدودها ولكن أيضا أصالتها.
وإذا كانت الطليعة الأوروپية قد جمعت بين جماليات راديكالية وإحياء أخلاقي و"ولع بالتجريب الخطر"، فماذا يمكن أن يقال لتعريف الطليعة الأرجنتينية التي لعب فيها بورخيس ذلك الدور القيادي؟ ولكي نشخص نوع الخروج الذي قامت به مارتن فييرو واﻠمارتنفييريستا، ونفسر النغمة المعتدلة إلى حد كبير لمداخلاتهم، يجب أن نبحث طبيعة المجال الثقافي في الأرجنتين بين 1900 و1920. والواقع أن المثقفين، والندوات cénacles الفنية الرائجة في زمن الثينتيناريو، قاموا بخلق الشروط الملائمة للإضفاء التدريجي لطابع الاحتراف على الكاتب وإرساء الممارسات الأيديولوجية والثقافية التي طمحت إلى الهيمنة الطويلة الأمد. وكان على اﻠمارتنفييريستا الشبان أن يخوضوا معركة مع تلك الشروط والممارسات في سياق نضال في سبيل إرساء أسس تفوقهم الجمالي والمؤسسي.
والواقع أن مجلة تأسست في 1907، وهي مجلة نوسوتروس Nosotros [نحن]، صارت الدورية الأوسع قبولا في ذلك الحين(3). وكانت تنشر أكثر من مائة صفحة من النصوص شهريا ولم تقم فقط بتغطية التطورات في الأدب الأرجنتيني والفنون التشكيلية بل قدمت أيضا أقساما إخبارية مكثفة من الخارج وترجمات لمقالات أجنبية. وكان مديرا نوسوتروس، روبرتو خيوستي Roberto Giusti وألفريدو بيانتشي Alfredo Bianchi، مروجيْن أدبييْن نموذجييْن في فترة شهدت تمايزا ضئيلا في المجال الفني، على وجه التحديد بسبب النطاق الصغير للمجال والافتقار إلى التعقيد. وكانت نوسوتروس بالتالي مطبوعة انتقائية أيديولوجيًّا وجماليا. وقد تمثل برنامج المجلة في تنظيم ونشر الإنتاج الفني والفكري وكانت تعتبر أنها تمثل المجال الثقافي بأكمله. وسعت الطليعة إلى كسر هذه الوحدة، وإلى تقسيم الجمهور، وإلى الجدال مع الكتاب المكرَّسين في ذلك الحين.
حاولت مارتن فييرو إحداث قطيعة مع مؤسسات وممارسات المجال الثقافي القائم، والذي كان تطوره قد خلق، في الواقع، الشروط الضرورية لتطور الطليعة ذاتها. وفي بداية العشرينات، في السنتين أو الثلاث سنوات التي سبقت ظهور المجلات التي شارك فيها بورخيس وزملاؤه الكتاب (پريسما، پروا، إينيثيال Inicial، مارتن فييرو)، بدا المجال الثقافي، تحت هيمنة نوسوتروس، موحَّدا نسبيا. وفي هذه السنوات، كان يُنظر إلى وحدة المجال على أنها شرط أساسي لتوطيده وتوسيعه. ولهذا السبب، ضم مديرا نوسوتروس كتابا أكثر شبابا إلى صفحاتهم. ويمكن أن نجد الدليل على هذا في واقع أنه تطور، داخل نوسوتروس، أولئك الكتاب الذين قدر لهم أن يصيروا قادة أو أعضاء الطليعة اﻠ أولترائيستاUltraista (4) [التطرفية "الراديكالية"] أو اﻠمارتنفييريستا. وفي 1921، نشرت نوسوتروس تصريحا لخورخي لويس بورخيس، بعنوان "أولترائيسمو" Ultraismo [التطرفية (=الراديكالية)]، طوَّر ما سيغدو في الحال المبادئ الجمالية الأساسية للطليعة، وتضمن خمس أو ست قصائد. وبعد ذلك بسنة تقريبا نشرت "منتخبات أولترائيستا" بدون مقدمة، وطوال 1923، نشرت أيضا قصائد أولترائيستا بوضوح لكل من إدواردو جونثاليث لانوثا Eduardo González Lanuza و كوردوبا إتوربورو Córdova Iturburu (اللذين سينضمان كلاهما في الحال إلى صفوف اﻠمارتنفييريستا)، ومقالا لبورخيس "معضلة بيركلي"، كان استباقا لأفكار سيطورها في عقود لاحقة. ونشرت نوسوتروس المنتخبات الأولى اﻠ أولترائيسمو الأرجنتينية، بقصائد لبورخيس، وسيرخيو پينييرو Sergio Pinñro، ونورا لانخي Norah Lange، وإدواردو جونثاليث لانوثا (الذين سيصيرون جميعا، بعد ذلك بأشهر معدودة، أعضاء صاخبين وبارزين في جيريّا Guerrilla الأدبية الطليعية). وفي ديسمبر 1923، نشرت نوسوتروس مقالا آخر لبورخيس ("حول أونامونو Unamuno، الشاعر")، وفي مارس 1924، أعادت طبع تعليق بقلم دياث- كانيدو Diaz- Canedo، كان قد ظهر في إسپانيا، حول ديوان بورخيس وهج بوينوس آيرس Fervor de Buenos Aires. وكان هذا المقال آخر دليل على الانسجام بين القطاع الأكثر مؤسسية من المجال الثقافي وأولئك الذين سيصبحون، في الحال تقريبا، الطليعة. وعندما ظهرت مجلة أخرى للكتاب الشبان، إينيثيال، في أكتوبر 1923، حيتها نوسوتروس بهجوم قاس. وبدورهم، بدأ اﻠمارتنفييريستا يجدون مكانهم الخاص في شبكة المؤسسات الثقافية.
خَلْق بيئة
أثر ظهور المجلات الطليعية، ومارتن فييرو بالذات، تأثيرا عميقا في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية للمجال الثقافي. ومن 1924 فصاعدا قامت الطليعة بمناوأة هياكل القواعد الأدبية المعيارية السائدة عن طريق شن الحرب على نوسوتروس، والحداثة modernismo، وكتاب الثينتيناريو. وفي رأي مارتن فييرو فإن نوسوتروس نسخوا النظام الرسمي ومعاييره الجمالية بل حتى عملوا أدوات له.
وفي سلسلة من المقالات، أعلن محررو مارتن فييرو برنامجا لتغيير الأساليب التي تم بها، تقليديا، خلق پانثيون pantheon أدبي في الأرجنتين. وبدأت المجلة تتنافس على الاعتراف الأدبي داخل هذه المؤسسات واشتركت في نظام الجوائز الرسمية. وقبلت المجلة المؤسسات بوصفها آلية لتشجيع الفنانين الشبان واعترفت صراحة بالحق المشروع للدولة في أن تتدخل كمنظم ومشجع للعلوم. وحتى رؤساء الجمهورية الذين حاولوا احتضان التطور الفني كان بوسعهم أن يكونوا، وفقا للطليعة، "منصفين لكلا الطرفين". غير أن الطليعة حذرت بالفعل ضد خطر "سياسة العصا". فبدلا من دعم حركة في سبيل التغيير الجمالي والمؤسسي، كانت "سياسة العصا" مبنية على أدوات توفيقية مثل نوسوتروس- أيْ، على شخصيات كانت ذات نفوذ في العقد السابق. وكما أعلن محررو مارتن فييرو فإن السياسة الرسمية لم تعد "بنفع على البلاد". وفي هذا الجانب من جوانب برنامجهم، عمل اﻠمارتنفييريستا في سبيل إصلاح سلمي للمؤسسات الثقافية بدلا من تبني نظرة راديكالية باعتبارهم مرفوضين refusés، على طريقة الطليعة الأوروپية.
وكان الخط المعتدل ﻟ مارتن فييرو (وخاصة ﻟ إيبار مينديث Evar Méndez، رئيس تحريرها وكاتب هذه المقالات أو الروح المحرك وراءها)، قاصرا على شجب سياسة الندوات، والمطالبة بأن تتدخل الدولة لوضع حد للمحسوبية في منح الجوائز الرسمية. وباقتراح أن تتبع الجوائز الأدبية وزارة التعليم العام، أبدت مارتن فييرو موافقتها على خط في التفكير نلقاه بالفعل لدى كتاب أقدم كانت المجلة تحاول الإطاحة بهم: التزام الدولة بتقديم حماية اقتصادية لفنانين لم يكن بوسعهم أن يأملوا، في مجتمع كالمجتمع الأرجنتيني وفي سوق أدبية فضل فيها جمهور من الطبقة المتوسطة الرواية الواقعية على التجريب المجدِّد، في أن يعيشوا من إيرادات إنتاجهم. والحقيقة أن هذه الدعوة إلى رعاية الدولة، والتي نتجت إلى حد كبير عن الافتقار إلى التمايز في المجال الثقافي، تعايشت لدى مارتن فييرو، ولدى الطليعة بوجه عام، مع رفض نخبوي لتلك المنتجات التي قدمتها صناعة نشر سريعة التطور لجمهور أعرض وبالبداهة أقل ثقافة.
وبالإضافة إلى التشديد على الحاجة إلى الدعم المؤسسي لتطور الفن والأدب، أكدت مارتن فييرو أيضا أن على الدولة التزامات بعينها في مجال تنمية الثقافة، وبالأخص الالتزام باستعادة التوازن لصالح الكتاب الأحدث عمرا، في مواجهة الشخصيات الأدبية ذات المكانة الوطيدة مثل "الشاعر القومي" ليوپولدو لوجونيس.(5) ورغم أنها اتخذت موقفا توفيقيا بوجه عام تجاه سلطة الدولة إلا أن المجلة تختار أعداءً، مثل إنتندنتي intendente مدينة بوينوس آيرس (الممثلة غير الفعالة والمحافظة للدولة)، أو نوسوتروس، التي قدمت كثيرين من أعضاء هيئات التحكيم لجوائز البلديات. لقد تحول التوتر المعادي للبرجوازية للطليعة الأوروپية، في بوينوس آيرس، إلى معارضة أكثر اعتدالا للفظاظة الجمالية وللافتقار إلى الذوق لدى البرجوازي العادي أو البيروقراطي الحكومي العادي.
وهذا الخط المعتدل استمر به مجلس تحرير مارتن فييرو من أول عدد إلى آخر عدد. وقد وصف إيبار مينديث وظيفة المجلة بأنها تتمثل "في تكوين بيئة وفي إيقاظ الحياة الأدبية". وكان هذا يعني في الممارسة أن تساعد المجلة في تغيير المجال الثقافي، وإنتاج نوع جديد من الجمهور، وخلق مواقف جديدة في الحياة الأدبية، وتغيير الذوق. وكان هذا يمثل تغيرا عميقا ولكن ليس قطيعة عدمية أو مجابهة فوضوية مع النظام القائم.
ولهذا فإن مارتن فييرو، عندما قامت بتعريف وظيفتها، فعلت هذا في إطار "تأسيس" أنشطة أدبية بعينها. وكان النشاط البالغ الأهمية بين هذه الأنشطة تأسيس دور نشر مرتبطة ﺒ مارتن فييرو و پروا، اللتين نشرتا إنتاج الكتاب الطليعيين وكان لهما برنامج صريح: إنهما ستكونان متحيزتين، وملتزمتين بالقضية، وهادفتين، وغير مهتمتين بالربح، ومراعيتين لحقوق المؤلفين وكل معايير التسويق الحديث للكتاب (الإعلان في الشوارع، والأسعار التشجيعية، وأنواع خاصة من الخصم لباعة الكتب وهكذا وهكذا...). وبكلمات أخرى كانت مارتن فييرو علامة على بداية النهاية للنظام الذي كان يعمل في عقود سابقة، والذي كان المؤلفون يدفعون في ظله من أجل نشر إنتاجهم.
وكان محررو المجلة أكثر اعتدالا بوضوح من بعض الأعضاء الأفراد في المجموعة من بينهم بورخيس و أوليبريو خيروندو،(6) اللذين اقترحا قطيعة جمالية أكثر راديكالية. وكان هذا الاعتدال لا يعود فقط إلى حدودهم الأيديولوجية بل أيضا إلى حدود المجال الثقافي والمجتمع الأوسع. وكان القمع الجنسي والمعنوي، واللاسياسية، والدعم المنضبط للأمة وحقوق وواجبات الدولة- كل ما يهم طليعة بالغة الارتباط بالأيديولوجيات التقليدية إلى حد أنها لم تستطع أن تسائل النظام الاجتماعي بأيّ طريقة عميقة. غير أنه إذا كانت مارتن فييرو لم تنتقد الأسرة، أو الأمة، أو السلطة، أو الدين، فقد غيرت التقاليد الأدبية بالفعل بصورة حاسمة. وقد أكد يوليسيس پيتيت دي مورات Ulyses Petit de Murat، أحد أعضاء المجموعة، أن "مارتن فييرو كانت تضم نساءً في مقرها الأدبي وفي مآدبها وفي محاضراتها. وفي ذلك الوقت كان الأدب يسوده الرجال. وكانت نورا لانخي ركنا من أركان هذه الاجتماعات. وكانت تلقي الأحاديث واقفة فوق منضدة". والحقيقة أن كل روايات كتاب الطليعة عن ذكريات هذه الأعوام تجمع على الإشارة إلى هذه العلاقات الجديدة بين الكتاب. لقد بدا حقا أن مثل هذه الصلات الجديدة تحتاج إلى طاقة أكثر من الكتابة ذاتها. ويسجل ليوپولدو ماريتشال Leopoldo Marechal،(7) أحد أبرز أعضاء المجموعة، أنه: "كرست باقي وقتي <للحياة الأدبية> وكل ما كانت تقتضيه، وليس للإبداع الأدبي ... وكانت حركة مارتن فييرو عميقة الجذور في الحياة ذاتها".
وكان ﻟ مارتن فييرو أصدقاؤها وحلفاؤها- واثنان على وجه الخصوص: ماثيدونيو فيرنانديث Macedonio Fernández(8) (الذي كان بورخيس يبجله باعتباره عجوزا كبيرا grand vieux) و ريكاردو جويرالديس.(9) ولكي يتم إبراز هؤلاء الكتاب كان من الضروري ﻠﻠمارتنفييريستا القيام بإصلاح النسق الأدبي الأرجنتيني. والحقيقة أن تغييرا فقط في المجلة حول مسألة ماذا يجب أن يكون الأدب سمح بإنقاذ جويرالديس من عزلته وباكتشاف ماثيدونيو فيرنانديث. ويمثل نشر نصوصهم بادرة من أوضح البوادر الطليعية في تاريخ هذه الدورية.
الأدب كسلعة
أصلحت الطليعة النسق الأدبي، وأنكرت التقاليد، وجينيالوجيا المجال الثقافي (عن طريق بناء جينيالوجيات بديلة)، فأحدثت انقساما في الجمهور. واكتشفت أسلافا كان قد جرى تركهم خارج القاعدة المعيارية السائدة. وجعلت هامشيا، مثل ماثيدونيو فيرنانديث، في مركز نسقها. وأكدت أن من لم يقرأوا الأدب بهذه الطريقة رجعيون جماليا، غير قادرين على فهم ظاهرة "الجديد". وكما قام أپولينير Apollinaire بنشر مركيز دو ساد Marquis de Sade قام اﻠمارتنفييريستا بنشر ماثيدونيو فيرنانديث: إنهما هامشيان كبيران خارج المؤسسات ومجهولان من السوق ومن الجمهور. وكان هذان الهامشيان يتقاسمان وجهة نظر مشتركة: كانا يعارضان منطق وأخلاق السوق (كان منطق السوق، مبرر وجودها raison d’être الوحيد، يتمثل في الربح؛ من وجهة نظر الطليعة).
نظرت الطليعة إلى نفسها على أنها تجسد "حقيقة" جمالية كشفت، في معارضتها ﻟ "حقيقة" التجارة، عن الشروط الفعلية للإنتاج للسوق. غير أن معارضتهم كانت حادة جدا على وجه التحديد لأن الطليعة نفسها كانت أيضا، بطريقة ما، أحد منتجات السوق. والحقيقة أن نظاما لإنتاج سلع رمزية يتصور الجمهور على أن له مستويات مختلفة، ويربط نفسه بأحد هذه المستويات، يمكنه وحده أن يسمح بالتداول، في تعارض مع نفسه، لنصوص يمكن تعريفها مهما كان هذا بأسلوب وهمي بأنها خارج السوق ومتحررة من قيودها. غير أن هذا "الكون خارج" [السوق]، وهو تعريف للحظة من لحظات الطليعة، إنما هو فضاء للصراع. فالطليعة لا تفهم نفسها على أنها فضاء بديل في المجال الثقافي، بل بالأحرى على أنها الفضاء الوحيد الأخلاقي والصحيح جماليا. وصراعها مع "صناعة الثقافة" ومع ثقافة "متوسطي الثقافة" و"ضئيلي الثقافة" هو صراع جمالي وأخلاقي في آن معا. غير أن لها أيضا مغزى اجتماعيا أوسع. فالطليعة ممكنة فقط عندما يكون كل من المجال الثقافي والسوق قد وصلا إلى مرحلة معممة وواسعة النطاق نسبيا من التطور. وبعبارة أخرى فإن الكاتب، عندما يحس في آن معا بسحر ومنافسة السوق، يرفضها كفضاء معياري سائد، غير أنه يتلهف سرا على الحكم الذي سوف تصدره السوق. ذلك أن المنافسة في السوق وعلى الجمهور هي شكل حديث من المنافسة الجمالية. ويمكن أن يكون التوتر كبيرا جدا، أو يمكن أن تحس الطليعة بأنها ضعيفة جدا، إلى حد أن الانسحاب من السوق يمثل خيارا ممكنا للتنافس في هذا العالم. وعندما تنكر الطليعة السوق فإنها تقسم الجمهور في حين أنها في الوقت نفسه تطالب لنصوصها بنوع من القراءة يمارسه، في المحل الأول، الكتاب أنفسهم: قراءة بين أنداد.
وقد عاشت الطليعة الأرجنتينية هذا التوتر مع السوق ومع الجمهور: رفضت السوق وأعلنت الحاجة إلى تكوين نوع جديد من القارئ. ولهذه الغاية، سعت إلى إعادة تربية الذوق وإلى إيجاد طرق بديلة في سوق الأدب. ويتقاطع محوران- محور ربح/ فن ومحور أرجنتيني/ مهاجر- في موقف اﻠمارتنفييريستا تجاه الأدب كتجارة. وعلى هذا فإن جمع المال من الأدب إنما هو طموح مرتبط صراحة بالأصل الطبقي للكاتب. ولم تكن هناك أية استثناءات على هذه القاعدة من وجهة نظر مارتن فييرو.
والحقيقة أن صراع الطليعة الأرجنتينية مع "صناعة الثقافة" لم يكن ببساطة انعكاسا لأيديولوجيات أوروپية. فمنذ 1915 تقريبا، شهدت بوينوس آيرس نمو وازدهار أدب جرى إنتاجه من أجل قطاعات اجتماعية متوسطة ودنيا وكانت له أرقام توزيع أسبوعية مرتفعة نسبيا وكان يتم طبعه بأسعار في المتناول. وفي بداية عشرينات القرن العشرين، وبالإضافة إلى هذه المطبوعات الأسبوعية، التي شملت مسلسلات وروايات مغامرات، ظهرت هناك مجموعات من الكتب الرخيصة كانت تقدم ترجمات للقصة الأوروپية والمسرح. وشهد عام 1922 طبع ما لعلها تكون أنجح مجموعة منها جميعا، وهي المسماة بصورة ذات مغزى "المفكرون" Los Pensadores.(10) وطابقت الطليعة هذه المجموعة مع الأدب "الاجتماعي"، واقعية المذهب الطبيعي والعاطفية السنتيمنتالية الرثة lumpen التي غرسها كتاب مجموعة أدبية معروفة باسم بويدو Buedo وقد سميت المجموعة على اسم منطقة عمالية في بوينوس آيرس كان قد عاش فيها بعض الكتاب، وكانت لدار النشر كلاريداد Claridad، التي نشرتها مكاتب فيها.
وفي رفضها للسوق، أدانت مارتن فييرو حافز الربح (وهذا لوم يمكن أن يوجَّه إلى ناشري المسلسلات العاطفية وقصص المغامرات) وانتقدت "إضفاء طابع الحض على الفضيلة" على الأدب، وهو ما ربطته جماليا بالواقعية الاجتماعية التي كان جمهور قرائها ينتمون إلى الطبقة الوسطى الدنيا والفئات الاجتماعية الأفقر. وإذا كان تطور سوق للأعمال الأدبية يرجع إلى زيادة في جمهور القراء، فإن مارتن فييرو كانت تواجه إذن مشكلة الطريقة التي يتم بها تقسيم هذا الجمهور. وكانت توجد مجالات مهمة لإنتاج الأدب الأرجنتيني في العشرينات آثرت هذه الدورية تجاهلها، لأنها كانت مرتبطة بصراحة زائدة عن الحد بالسوق، وبالتوسع، بجمهور دحضت الطليعة ذوقه زاعمة أنه غير مستنير. وإذا كان الهدف هو خلق جمهور جديد (وكان هذا هو البرنامج الصريح ﻠ مارتن فييرو)، فإنه كان ينبغي تدمير الذوق الراسخ للسوق. وقد بدا للمجلة أن الأدب المنشور بآلاف النسخ، في طبعات رخيصة، وفي كثير من الأحيان رديئة، شكل فاسد من المنافسة. ومن هنا النقد النخبوي لكتاب مجموعة بويدو، على أساس أنهم، بغض النظر عن انجذابهم للأدب الاجتماعي، كانوا يجعلون السوق همهم الأول.
وعلى هذا النحو، كان لهذا التناقض الصارخ بين الربح والفن في المجال الثقافي مغزى سياسي أوسع. والحقيقة أن النغمة الأخلاقية التي تتبناها مارتن فييرو عندما تتحدث عن النجاح في السوق، وهي نغمة لا يمكن النظر إليها على أنها غير أمينة بصورة خالصة، كمجرد تمثيل أيديولوجي، أو كإنكار رمزي، تغذيها الطبقة: تقول افتتاحية ﻠ مارتن فييرو: "نحن نعرف وجود تيار أدبي فرعي يغذي الشراهة العديمة الضمير لدى الشركات التجارية التي أنشئت لإشباع الذوق الهابط لجمهور شبه أمي". كما أن الربط بين الطبيعة التجارية للنشر الشعبي والحساسية "المتدنية" لقرائه تعليق واضح على أصول الكاتب وعلى المال الذي يمكن أن يدره الأدب. وفي هذه الظروف أعلن اﻠمارتنفييريستا حقيقة الطليعة التي أدانت إضفاء الطابع التجاري على الفن.
ولهذا فإن إبداعيات poetics الأدب "الاجتماعي" لم تكن تتحدد بأيديولوجيته "اليسارية" أو "الإنسانية النزعة". وفيما يتعلق بالكتاب أنفسهم فإن مارتن فييرو كانت في أقصى حالات تصلبها. وكان من المفترض أن يكون هذا الأدب مكتوبا بصورة مميزة من "تشويه النطق" مما كشف عن أصوله التي ترجع إلى المهاجرين. ومرة أخرى تناولت المجلة موضوع النقاء اللغوي باعتباره السمة المميزة للأرجنتينيين من ذوي الأصل الإيسپانو- كريولي القديم. وقد شغل مفهوم "النقاء اللغوي" بعض كتاب الثينتيناريو، الذين اعتبرتهم مارتن فييرو أعداءً. غير أن المجلة شاركتهم آراءهم في سخرياتها اللاذعة من "الرطانة الفظة المغزوة بالخصائص اللغوية الإيطالية" التي خلقها أدب يفيض "بقصص أحياء الفقراء" التي ألفها كتاب "إيطالو- كريوليون". ولهذا كان هناك نمطان من الكتاب وجمهوران: أولئك الذين كانوا "أرجنتينيين دون مشقة"، لأنهم لم يكونوا بحاجة إلى تمويه نبرة أجنبية، وأولئك الذين لم يكن بوسعهم بحكم أصلهم ولغتهم ادعاء أنهم جزء من أيّ تراث قومي طويل.
والواقع أن العنف الغاضب لهذا الهجوم (الذي لم يكن نموذجيا لنغمة المجلة التي كانت بصورة عامة پارودية وفكاهية) قد أوضح بجلاء حقيقة أن ما كان يجري الجدال حوله يمثل مسألة أساسية من وجهتيْ نظر أيديولوجية وجمالية على السواء. وكان الجدال بين الربح والفن يتغذى على التناقض الاجتماعي بين الأرجنتينيين القدامى والمهاجرين. ويمكن أن نرى هذا في التحية الذي توجهها مارتن فييرو للطبعة الأولى من پروا، المجلة العظيمة الأخرى للطليعة: كان يمكن توقع الكثير من أعضاء هذه المجموعة، كما أكدت مارتن فييرو، حيث أنهم كانوا "راسخي الجذور في التراث، وتبين ألقابهم أنهم من عائلات هي أرجنتينية منذ عهد بعيد".  
الأصول الطبقية، العلاقة بالتراث القومي، نقاء أو فساد اللغة، الموقف إزاء السوق الأدبية: كل هذه العناصر كانت تؤلف "بنية شعور" كانت تتقاسمها الطليعة الأرجنتينية التي كان ينتمي إليها بورخيس. وليس لكل عناصر هذه البنية، أو الأشكال الأدبية التي عبرت عنها، نفس الوزن. وفي بعض الأحيان أدت طبيعة الطليعة ذاتها إلى تآكل الأهمية التي كان يجري إضفاؤها على التراث الثقافي والأمة. غير أنه يجري التشديد باستمرار على السيطرة على اللغة والعلاقة بجمهور "الطبقات الدنيا". وهذا الجمهور المحروم من الثقافة الرفيعة، الذي احتفظت الطليعة بمسافة منه، لوَّث اللغة، وفرض نطقا "مشوها"، وساعد في تعزيز استعمال "غير مشروع" لمساكن الأحياء الفقيرة أو  الكونبينتييّو conventillos في الأدب الواقعي. (وسوف نرى بعد قليل كيف أن الكونبينتييّو، كان يمكن أن يكون لها استعمال "مشروع" في الأدب). وكان الجمهور الذي تقرّه الطليعة هم أولئك الذين أداروا ظهرهم للسوق. وكان هذا الجمهور، الذي كان يجري تحديده بحساسيته نحو "الجديد"، يوضع بأكثر من طريقة في مقابلة مع الجمهور الذي يقرأ الأعمال الواقعية لمجموعة بويدو. ومن الناحية الاجتماعية، كان جمهور بويدو من أحياء الضواحي ولم يكونوا من وسط المدينة. وكان هؤلاء قراءً لم يكونوا على ثقة من لغتهم الأرجنتينية. ومن الناحية الجمالية، كانت أذواقهم تتجه بصورة رئيسية نحو القصص القصيرة والروايات، في حين كان جمهور مارتن فييرو يقرأون الشعر والمقالات. ولدينا هنا جمهوران ونسقان أدبيان، نسقان من ترجمة الأدب الأجنبي ومجموعتان اتهمت كل منهما الأخرى بالنزعة الكوزموپوليتانية.
الطليعة والكريولية
ويحتاج الاسم الذي اتخذته أهم مجلة طليعية، مارتن فييرو إلى نظرة. والسؤال مهم لأن الاسم ذاته يشير إلى ثيمة رئيسية، هي ثيمة القومية.
فلماذا كان سؤال النزعة القومية الثقافية ملحا إلى هذا الحد في الأرجنتين؟ وفي حوالي عام ، 1910 ، قام كتاب في مثل مكانة ريكاردو روخاس Ricardo Rojas وليوپولدو لوجونيس بإعادة تفسير القصيدة الجاوتشية مارتن فييرو، التي كتبها خوسيه إيرنانديث في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، كتتويج وتركيب للقيم القومية. وتمثلت خلفية هذا الإلحاح في وجود، أولا، مثقفين من خارج الطبقات العليا التقليدية يشكلون جزءًا من عملية عامة من نمو القطاعات الوسطى، ثانيا، قطاعات شعبية حضرية ذات أصول من المهاجرين. ولأول مرة يجري طرح مسألة الهوية القومية بطريقة منهجية ودرامية، وكان السبب في هذا هو وجود آلاف من المهاجرين في بلد كان يحتاج إليهم كقوة عمل غير أنه كان يخشاهم كقوة سياسية وثقافية. وقدم الكتاب ذوو النزعة القومية حلين مختلفين: اقترح بعضهم، مثل ريكاردو روخاس، انصهارًا للسكان الوطنيين، سواء أكانوا إسپانيين، أم كريوليين، أم محليين، مع المهاجرين والمنحدرين منهم؛ ورأى آخرون، مثل ليوپولدو لوجونيس، تهديدا للثقافة الأرجنتينية في الضغوط اللغوية والعرقية والأيديولوجية التي مارسها القادمون الجدد.
ومن هذه النواحي، على الأقل، لم يتم حل الجدال في العشرينات. وزعم محرر إينيثيال، وهي إحدى المجلات التحديثية لتلك الفترة، أنه في العشرينات فقط بدأ المثقفون يناقشون مسألة الأمة. وهذه الملاحظة، وهي زائفة تاريخيا، حيث أن من الجلي أن كتاب الثينتيناريو أجروا مجادلات مماثلة قبل العشرينات، تكشف مع هذا عن حقيقة أيديولوجية. وبالنسبة للطليعة صارت المجادلات غير الحاسمة عن الثقافة القومية مسألة أساسية أخرى ينبغي حلها كجزء من حركة واسعة من التجديد الثقافي. وأعلن العدد الأول من مارتن فييرو ظهورها تحت شعار، "عودة مارتن فييرو". وقد حملت هذه العبارة شحنة رمزية ثقيلة، تقوم في الواقع على بطل جاوتشو كان يُنظر إليه على أنه "جوهر قومي"، كان بوسع الطليعة أن تجسده مرة أخرى. ومن الجلي أن هذا الإلحاح على "جوهر الأرجنتين" Argentinidad [=الأرجنتينية أو الطابع الأرجنتيني] كان شرطا مسبقا ضروريا لقيام المجلة بتنفيذ التزامها بالتغيير. ويمثل قرار تأييد برنامج للإحياء الثقافي القومي تناقضا آخر من التناقضات التي تتخلل تاريخ المجلة. وفي البيان الذي نُشر في العدد 4، يُوصف التراث الثقافي بأنه "ألبوم عائلي" لا يمكن إنكاره، ولكنْ لا يمكن في الوقت نفسه اتخاذه موضوعا للتبجيل الفيتيشي. غير أنه، في "البيان" نفسه، يجري إبراز هذه المسألة القومية باعتبارها إحدى السمات الجديدة للطليعة: النزعة القومية اللغوية، كما جرى التعبير عنها في عبارة "مارتن فييرو يثق بصوتياتنا phonetics".
وفي سجالها مع الأدب الاجتماعي- الواقعي لكتاب بويدو، تمثلت إحدى الثيمات الرئيسية لمجلة مارتن فييرو في الاختلاف، من الناحية الأدبية، بين "الأرجنتينيين دون مشقة" (أعضاء التراث الإيسپانو- كيريولي) وأبناء المهاجرين. ويكمن مفتاح فهم هذا الاختلاف في العلاقة التي تربط كل مجموعة باللغة، وبصورة خاصة باللغة المنطوقة وتنويعاتها الصوتية. وتصف مارتن فييرو أدب بويدو بأنه من إنتاج أولئك الذين لهم علاقة خارجية باللغة الإسپانية ولهذا يحتاجون إلى إخفاء نطقهم الأجنبي. وكان يجري النظر إلى القرب من اللغة الشفاهية واكتسابها "الطبيعي" على أنهما شرط مسبق وضمانة للكتابة الأرجنتينية. وكان من شأن أيّ علاقة باللغة تقوم على قمع لغة أجنبية (جلبها المهاجرون معهم إلى البلاد) أن تنتج أدبا مطبوعا بطابع الأصول الزائفة للكاتب. وكان من المفترض، بطبيعة الحال، أن اللغات الأجنبية "الرديئة" هي تلك التي يتكلمها المهاجرون، ذلك أنه كانت هناك أيضا لغات أجنبية "جيدة"- اللغات التي تعلَّمها الأرجنتينيون الإيسپانو- كريوليون عبر الثقافة والأدب.
وفي خطاب مارتن فييرو، يجري النظر إلى القومية على أنها معطى. ولكنْ كيف يمكن أن يكون هذا "الجوهر القومي" مادة الأدب؟ وفي عرضه لديوان شعر بورخيس القمر المقابل Luna de enfrente،(11) يشير ليوپولدو ماريتشال إلى البلاغة على أنها عقبة أمام اللغة كما تُنْطَق وتُسْمَع: يكتب بورخيس شعره "بلغة محببة إلينا، لأنها اللغة التي نتكلمها حقا، غير مثقلة بزخارف البلاغة". كما يعتبر أوليبيريو خيروندو أن الهوية اللغوية معطى وأنها نتيجة لمباشرتها لا يمكن اكتسابها عبر "الجهد الذهني" أو أيّ عمل آخر يشترطه الاكتساب اللغوي بصورة مسبقة. وتعتبر مسألة الأصول الاجتماعية (التي كان يجري النظر إليها على أنها مرتبطة بصورة وثيقة جدا بحافز الربح أو بالافتقار إلى الاهتمام بالفن) حاسمة فيما يتعلق باللغة. ومرة أخرى ضاعفت هذه الصراعات الأدبية وشوهت صراعات نسق آخر: أعيد طرح الاختلاف بين الأرجنتينيين القدامى (أيْ أبناء الأسر التقليدية، الذين كانوا يحملون ألقابا كريولية أو أوروپية راسخة في الأرجنتين على مدى عقود) و الجرينجو gringos (الذين كانت ألقابهم غير معروفة) في مجادلات الطليعة.
ويمكن النظر إلى هذا الإلحاح على الفروق الدقيقة والتنويعات في اللغة الشفاهية على أنه جزء من جدال طويل حول اللغة في الأرجنتين: السمات الخاصة للغة الإسپانية المنطوقة في إقليم نهر پلاتي. ومن الجيل الرومانسي الأول من الكتاب فصاعدا، نجد دفاعا متواصلا عن حق المثقفين الأرجنتينيين في تجديد اللغة ومكافحة أية دعاوى هيمنة من جانب اللغة الإسپانية كما تنطق في إسپانيا. وتضاعفت هذه الثيمة للاستقلال اللغوي في مارتن فييرو، وكذلك في رومانتيكس Romantics [رومانسيات]، مع إعلان للحق في "تلويث" اللغة الأدبية باللغات الأجنبية ذات النفوذ اجتماعيا وثقافيا. كما أن المثل الأعلى للغة ذات الطابع الغاليسي باعتبارها اللغة الوحيدة الممكنة للأرجنتينيين، وهو المثل الأعلى الذي دافع عنه سارميينتو، المثل الأعلى للتعدد اللغوي polyglot في القرن التاسع عشر، عاود الظهور في ردّ لاذع من مارتن فييرو على لاجاثيتا ليتيراريا [الجريدة الأدبية]  La Gaceta Literaria في مدريد. وكانت لاجاثيتا قد اقترحت أن تصير مدريد، لكي تجري مكافحة الخطر المفترض للتفتت اللغوي في الإيسپانو- أمريكا، "خط السمت الثقافي" Intellectual meridian للمنطقة. وقد ازدرى بورخيس هذا الادعاء للنقاء اللغوي موضحا بصورة تهكمية أن "مدريد مدينة يتمثل اختراعها الوحيد في الغاليسية Galicism- على الأقل، ليس هناك أيّ مكان يجري فيه الحديث عنها كثيرا إلى هذا الحد". وكان قصد بورخيس هو أنه رغم أن الإسپان Spaniards اتهموا الأرجنتينيين بأنهم يتكلمون لغة غاليسية Galicized مشوهة، إلا أن نقاءهم اللغوي كان علامة على البلادة: كانوا يتحدثون كثيرا جدا عن الخصائص الغاليسية Galicisms، غير أنه لم يكن لديهم ما يكفي من الفطنة أو الذكاء لاستخدام الغاليسية بصورة منتجة.
ويجيب خطاب مارتن فييرو عن السؤال المتعلق بمن هم الناس الذين يمكن، بحكم علاقتهم "الطبيعية" باللغة" أن يكونوا متعددي اللغات polygot. والأرجنتيني المتعدد اللغات شخص تمثل إسپانية نهر پلاتي لغته الأم: فقط على الأساس المتين لهذه الأصول يمكن بناء تعددية لغوية polyglotism مشروعة. ويمكن أن يقرأ المرء، وأن يترجم، وحتى أن يكتب، بالفرنسية أو الإنجليزية، غير أن نطقه للإسپانية يحسم كل شيء. فقط عبر الصوتيات، التي ينبغي بكلمات أوليبيريو أن تكون طبيعية تماما مثل "ربط أحذيتنا"، يمكن أن يقامر المرء مع اللغة وأن يفوز بالسيطرة عليها.
وتمثل مسألة اللغة فصلا واحدا في جدال ضخم- واستحواذي، بالنسبة للمثقفين الأرجنتينيين- حول التراث الثقافي. وفي أول استبيان أدبي نظمته مارتن فييرو، كان التعريف الذي أعْطِيَ "للقومى" هو أنه مَنْ كانت له "حساسية وعقلية أرجنتينية". كما أن مسألة النزعة القومية الثقافية، وتوسيعا: مسألة الكوزموپوليتانية، قسمت المجال الثقافي على أسس طبقية متميزة. ونادرا ما طرح الكتاب الاجتماعيون لمجموعة بويدو المسألة؛ وعندما كانوا يفعلون فقد كان ذلك ليتهموا الطليعة بأنهم حقا extranjerizamente (متبعون للنماذج الأجنبية بلا أدنى اعتراض). كذلك فقد قام أعضاء مارتن فييرو، معلنين أنهم ورثة هذه الهوية الثقافية "الطبيعية"، بردّ الحجة إلى بويدو، متهمين إياهم بأنهم أجانب لغويا وثقافيا.
والحقيقة أنه يجب قراءة مسألة الكوزموپوليتانية لتعريف لمختلف المواقع في مجال ثقافي متنازع عليه: الكوزموپوليتاني هو دائما الآخر. وفي حالة طليعة العشرينات، كان الكوزموپوليتانيون هم أولئك الذين يترجمون كتبا مختلفة عن الكتب التي يترجمها ويقرأها كتاب مارتن فييرو.
تراث الطليعة
في العدد 22 من مارتن فييرو ظهرت مذكرة بتوقيع أوليبيريو خيروندو مطالبة بأن تلقى حملة لإقامة تمثال تذكاري لخوسيه إيرنانديث "دعم كل فنان دون تمييز". وقد تبنى محررو المجلة هذا الاقتراح بحماس وقاموا بتوسيع الحجة عن طريق طرح الأسس الرئيسية لتراث كتاب "لديهم أعمق الجذور القومية وسوف يبحث أرجنتينيو المستقبل في إنتاجهم، ويكتشفون روحهم وأصلهم". وقد جرت مناقشة الأسماء التي تؤلف هذا التراث في مناسبات عديدة. (اقترح بورخيس، على سبيل المثال، إدواردو ويلدي Eduardo Wilde، وهو كاتب قصة قصيرة وسياسي من الثلث الأخير من القرن التاسع عشر).
غير أن حلقة مهمة في هذا التراث، الكريولية Creolismo، تبدو مركزه الأيديولوجي والجمالي. وهناك  كريولية مشروعة وكريولية زائفة، وكريولية ضرورية وكريولية "مبالغ فيها"، زائدة عن الحاجة من وجهة نظر اللغة الأدبية أو الحبكة. ويتمثل تراث أرجنتيني قومي تقريبا في أن تصير الكريولية مركز نزاع وفي أن يتم دعم شكل من الكريولية دعما صريحا ضد شكل آخر. ويوجز سيرخيو پينييرو، في عرض ببليوجرافي لكتاب بورخيس استقصاءات Inquisiciones،(12) المسألة بألفاظ أشبه بالألفاظ التي استخدمها بورخيس ذاته بعد ذلك بأعوام: "أعتقد أن من الضروري الرجوع إلى اللاسو [حبل بأنشوطة] lasso، أو إلى الروديو [رعي الماشية] rodeo، أو إلى فحول الخيل stallions، وكأنما تتجلى فيها روح الجاوتشو". والسؤال الذي يسأله اﻠمارتنفييريستا هو: ماذا يمكن أن يضمن "طابعا محليا حقيقيا"، وتوسيعا: مَنْ الذي يمكن أن يكتب أدبا لا يجري فيه النظر ببساطة إلى الكريولية على أنها مسرفة في الوصف الحي picturesque أو حافلة باللون المحلي.
واعتقدت الطليعة أن بوسعها أن "تنقي" الكريولية من هذه التجاوزات و، مقتفية أثر بورخيس، تخترع فضاءً جديدا: كريولية حضرية وليست ريفية، كريولية موقعها في الحواف، وفي ضواحي المدينة، في الأحياء البعيدة عن وسط المدينة، بمنازلها وباحاتها الرحبة، ومحلاتها التجارية، وبالوجود الخاطف ﻠﻠ  كومپادريتو عند باب المنزل. وقد أوجز بورخيس هذا البرنامج الجمالي في دواوينه الشعرية الثلاثة(13) وفي القصة القصيرة "الرجال حاربوا" Hombres pelaron، التي نشرتها مارتن فييرو في 1927.
مبادئ مارتن فييرو الجمالية
على مدى أربعين سنة بعد نهاية لحظة اﻠمارتنفييريستا، وافق بعض أعضاء المجموعة على أن المجلة قدمت فضاءً لطليعة انتقائية. "كانت مارتن فييرو نوعا من كوكتيل الجيل الجديد. ولم يكن هناك مجال واسع للاختيار. وكانت كل الاتجاهات ممثلة، غير أن المزاج السائد كان مزاج التهجم السطحي". كان هذا رأي براندان كارافا Brandán Caraffa، الذي كان يحرر أيضا مجلة إينيثيال. ويضيف مشارك آخر، هو إرنستو پالاثيو Ernesto Palacio المؤرخ القومي ومترجم ڤيرجينيا وولف Virginia Woolf: "كان الأمر على هذا النحو إلى أن انضم ريكاردو جويرالديس و أوليبيريو خيروندو: كان شيئا ملتبسا، بدون أهداف عديدة. وكان هذان الكاتبان هما اللذان جلبا معهما خميرة التجديد الأدبي وجعلا البحث أكثر منهجية". وقد تذكر ليوپولدو ماريتشال أنه لم يكن هناك أيّ مبدأ جمالي موحد بل بالأحرى "رغبة في التجديد، حاجة إلى تحديث أدبنا وفننا".
غير أن مختلف اتجاهات الثقافة الأرجنتينية كان لها عدو مشترك: كان لوجونيس وأذناب الحداثة مرفوضين بالإجماع. والحقيقة أن نظريات الإبداع الأدبيpoetics   ﻠﻠحداثة كان قد تم في الواقع إقصاؤها إلى قاع الآداب الأرجنتينية من جانب اﻠمارتنفييريستا. وفي بيان مجلة پريسما، الذي كتبه بورخيس في 1921، كان العدو الأدبي موصوفا بأنه "الوشم الأزرق لروبين داريو"، بأنه "قمامة زخرفية" و بأنه "نزعة حكائية ثرثارة". كل هذا ضد أدب كان ثوريا عندما قام روبن داريو بتدشين الحركة في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر.
ويفسر الفقر النظري للمجلة السبب في أن النقد في مارتن فييرو كان دائما أكثر بدائية من النصوص الأدبية. لقد كانت مجلة شعراء، وفقا للمشاركين فيها أنفسهم، وقد أثبت بورخيس وماثيدونيو فيرنانديث وحدهما دون غيرهما أنه كان بوسع الطليعة أن تعبر عن نفسها نثرا. وقد ردد نقد الكتب المبادئ الجوهرية للطليعة- أن الجمهور يجب أخيرا أن يفهم ويقبل الفن الحديث، وأن عليه أن يطور ذوقه، وأن يقر بالقيم الصحيحة، وأن يتبنى "حساسية جديدة"- كل هذا في أسلوب ودى حماسي مميز للمجلات التي وجهت مارتن فييرو إليها السباب والشتائم.
غير أن المجلة نسبت ادعاء عنيدا واحدا وحيدا لنفسها: أنها وحدها كانت تمثل اليسار الجمالي في المجال الثقافي، القطاع الأكثر ثورية في الأدب الأرجنتيني. والحقيقة أن هذه المكانة كان ينازع عليها كتاب اجتماعيون أعلنوا أنهم على يسار كل ألوان الموشور السياسي، غير أن مارتن فييرو رفضتهم معتبرة إياهم رجعيين أدبيين، مرتبطين بجماعات أوروپية مثل مجلة كلارتيه Clartè، التي كان يديرها هنري باربوس Henri Barbusse، تلك الجماعات التي كانت توصف بأنها تقدم "أسوأ التجليات الأدبية للرجعية".
وكانت بويدو توضع بحزم على اليمين الجمالي منذ اعتمادها برنامجا يتبنى المذهب الطبيعي naturalism، الذي كان قد صار إلى ما فوق المذهب الطبيعي  ultranaturalism "في أكثر مظاهره فجاجة وانحطاطا، محاولا أن يثير لدى القارئ ليس مجرد الانفعال، بل الرعب والاشمئزاز". وقد استخدمت مارتن فييرو الحجة القائلة بأن مثل هذه الكتابة تنتمي إلى "مبدأ جمالي لإدارة محفوظات": صار المذهب الطبيعي، نتيجة لموضوعيته، فاقد الإحساس بصورة كلية. وعلى النقيض فإن الأدب الجديد "كان عليه أن يُخرج أحشاء دُمى المذهب الطبيعي، وأن يفتش في مصارين كل تلك الشخصيات التي يقدمها لنا كتاب المذهب الطبيعي بمثل هذه السطحية". ويقابل الأدب الجديد "نسْخا جماليا" ﺒ "جمالية الحساسية". غير أن المجلة لم تقدم أي نقد أو برنامج نصي يمكن حقا اعتباره بديلا راديكاليا. وفي مواجهة أدب المذهب ما فوق الطبيعي قدمت مارتن فييرو نصا استثنائيا واحدا فقط، "قصة بوليسية" Lyenda policial لخورخي لويس بورخيس، وهو نص- أصلي proto- text لقصته "رجل الناصية الوردية" Hombre de la esquina rosada. 
أبطال معتدلون
كان بطل الطليعة الأرجنتينية إسپانيا Spaniard: الكاتب اﻠ أولترائيستا رامون جوميث دي لا سيرنا Rámon Gόmez de la Serna. وكان  الجريجيريا greguería، وهو نوع من الأقوال المأثورة أو جوامع الكلم يقوم على الاستعارة، وكان من ابتكاره، يجري استعماله بصورة منتجة من جانب اﻠمارتنفييريستا، وقد لقي جوميث دي لا سيرنا التشجيع من جانب الشاعرين الرئيسيين للمجلة، بورخيس وأولبيريو خيروندو. وفي العدد 14، نشر بورخيس مقالا بعنوان "رامون و پومبو"(xx) قارن فيه جوميث دي لا سيرنا بنصوص مختلفة ومؤلفين مختلفين. أولا، بوالت ويتمان: "عند ويتمان، كما عند جوميث دي لا سيرنا، نرى كل الحياة. لقد عبر ويتمان أيضا عن عرفان هائل للحجم، والطبيعة الملموسة، والألوان المتباينة للأشياء. غير أن عرفان والت كان يقنع بتعداده للأشياء التي تؤلف العالم، في حين أن عرفان الإسپاني يجري التعبير عنه في مجموعة من التعليقات المرحة والحماسية على الطابع الفريد لكل شيء". ومما له دلالته أن بورخيس هو الذي عقد هذه المقارنة: إنه في الحقيقة يقترح طريقته الخاصة في القراءة. وفي رأي بورخيس فإن جوميث دي لا سيرنا غير كاف، وإنْ كان جديرا بالإعجاب ككاتب، إلى أن يؤخذ إلى خارج سياقه ويوضع في شبكة عمل جديدة من القراءات التي تشمل ويتمان ولكن أيضا لا ثيليستينا La Celestina، و[فرانسوا] رابليه [François] Rabelais، و تشريح الكآبة Anatomy of Melancholy ﻠ [روبرت] بيرتون [Robert] Burton. كما قدم بورخيس القراءات الأكثر تعقيدا لكتاب أوروپيين، في مجلة نشرت كما هو متوقع في الحقيقة [جيُّوم] أپولينير [Guillaume] Apollinaire، و[پول] ڤاليري [Paul] Valéry، و[ڤاليري] لاربو [Valéry] Larbaud، و[جول] سيپيرڤييل [Jules] Supervielle، و[جان] جيرودو [Jean] Giraudoux.
والحقيقة أن سمة مهمة لمجلة مارتن فييرو تمثلت في إهمالها لحركات الطليعة الأوروپية الأكثر راديكالية. وقد ترجموا پول إيلوار Paul Eluard للمرة الأولى عندما كانت المجلة توشك على الإغلاق، في 1928. أما السوريالية، التي صدر بيانها الأول في نفس العام الذي تأسست فيه مارتن فييرو، فلم تلق سوى إشارة موجزة في ملاحظات قليلة وفي مقال مكثف جدا حول [فيليب] سوپو [Philippe] Soupault. وجنبا إلى جنب مع اﻠ أولترائيسمو وجوميث دي لا سيرنا، كان القائد الحقيقي للطليعة، إذا حكمنا بالمساحة الممنوحة له في المجلة، هو [فيليپو توماسو] مارينيتي [Filippo Tomaso] Marinetti، الذي كان يُحْتفى به باعتباره "رجل عمل وفكر عظيما". ولم يشارك بورخيس مطلقا في هذا الرأي.
كما أن الطبيعة المعتدلة للطليعة الأرجنتينية مسئولة عن هذه المواقف. ذلك أن حواجز أيديولوجية قد منعتها من اكتساب طابع راديكالي وفرضت العديد من الأفكار الثابتة idées fixes التي كانت معتدلة بصورة مماثلة. ففي المقام الأول، رفضت هذه الطليعة أيّ شكل من أشكال العدمية nihilism. وقد جرى تقديم معارضة العدمية بطرق مختلفة في نصوص أساسية عديدة. غير أنه "كان لا معنى للانضمام إلى صفوف دعاة تحطيم المؤسسات التقليدية". وعلى هذا النحو، كان على الأدباء الشباب، فيما كانوا يؤكدون، أن يسعوا إلى إزاحة الأجيال السابقة غير أنه كان عليهم واجب أن يضعوا "المثل العليا الجديدة" مكانها. ثانيا، كانت هذه الطليعة مهتمة بإرساء أسس جينيالوجيا قومية في مجال الثقافة، وهي أجندة سمحت لهم بأن يهاجموا بشراسة بعض الحداثيين، غير أنها أجبرتهم على قبول فكرة الاستمرارية الثقافية. وأخيرا، قاد هذا الموقف المعتدل إلى أن يعبر نقدهم للنفور الفظ وغير المستنير من الثقافة الرفيعة لدى البرجوازية عن نواح جمالية على وجه الحصر: إنهم لم يمسوا الجلافة الأخلاقية، والنفاق الاجتماعي، والقمع الجنسي والأخلاقي والأيديولوجي لمجتمعهم. كما كان من الواضح أن هذا الموقف الممتثل bien- pensant مرتبط بالحدود الأيديولوجية للمجتمع الأرجنتيني ومكانة النخبة الثقافية داخل ذلك المجتمع. وكانت مارتن فييرو طليعة متواضعة الراديكالية لأنها لم تتبن موقفا راديكاليا فيما يتعلق بالمؤسسات الاجتماعية والعادات والأعراف. والحقيقة أن برنامجها- الذي كان يتمثل في خلق بيئة أدبية وتطوير الحساسية- لم يؤثر في شروط وجود المثقف ذاتها.
ونرى هذا الاعتدال في قراءاتهم للطليعات الأوروپية وفي النسق الذي أنشأوه من هذه القراءات. وهناك إغراء بأن نقارن هذه القراءة بالقراءة التي قام بها في نفس الأعوام الماركسي الپيروڤي خوسيه كارلوس مارياتيجي José Carlos Mariátegui. وإذا كان مارينيتي وجوميث دي لا سيرنا هما بطلا الطليعة الأرجنتينية، فقد اعتقد مارياتيجي أن المستقبلية هي "الطليعة المزعومة التي كانت مشبعة بعناصر محافظة وأقاليمية". أما السوريالية، التي تجاهلتها مارتن فييرو عمليا، كما رأينا منذ قليل، فقد نظر إليها مارياتيجي على أنها الطليعة الحقيقية بلا منازع par excellence، المأساوية واليائسة في آن معا. وعلى هذا فإن الأرجنتينيين شاركوا اﻠ أولترائيسمو الإسپانية عدم ثقتها بالحركات الطليعية التاريخية وابتعادها عنها.
التركيب والتوترات
غير أنه إنما في مارتن فييرو جرى تطوير صيغة أدبية، جمعت بطريقتها الخاصة بين العناصر، وكانت متميزة من اﻠ أولترائيسمو حتى وإن كانت قد عكست بعض مظاهر تلك الحركة. وقد جرى التعبير عن هذه الصيغة في نصوص بورخيس، غير أننا يمكن أن نقرأها عند خيروندو، ويمكن أن نجد بعض آثارها في بعض المقالات الرئيسية التي نشرت بدون توقيع. وهنا جري انصهار بين ميراثين: ميراث جوميث دي لا سيرنا وميراث إيباريستو كارييجو (الشاعر الشعبي، المحلي، المغمور، الذي سوف يخصص بورخيس له كتابا في وقت لاحق). ويمكن أن نجد هذا الانصهار حتى في التقريظات التي كانت توجهها مارتن فييرو لبعض الكتاب. ويقدم العدد 17 تقريظا لكارييجو، والعدد 19 تقريظا لجوميث دي لا سيرنا. وفي مقاله "حول وصول رامون" Concerning Ramόn’s Arrival، يصور بورخيس هذا التركيب.
اكتشف كارييجو  الكونبينتييّو  conventillos. وبارتولوميه جالينديثBartolomé Galindez  الروسدادel Rosedad ، واكتشفت أنا نواصي شوارع پاليرمو عند الغروب. و لانوثا، كل الطيور... غير أن أمريكا كلها ما يزال ينبغي اكتشافها، والمكتشف الآن هو رامون.... وسوف نعرف كل شيء من خلاله. من خلاله سوف نعرف أن الصليب الجنوبي Southern Cross العظيم ليس أكثر من يقظة فقيرة للباريو [الضواحي] barrios (سوف يخبرك بالمعجزة التي ستكون قد رأتها حبيبتك لأن لها مثل هاتين العينين الجميلتين) .... ومن خلاله سوف نعرف أن إيپوليتو يريجوين Hipόlito Yrigoyen سوف يصير رئيسا للجمهورية مرة أخرى لأنه منشغل ليس فقط بناس بوينوس آيرس بل أيضا بأشيائها. كل هذا وأكثر منه سوف يكشفه لنا رامون؛ رامون ذو العينين المشعتين والمستبدتين اللتين لا يمكن مقارنتهما إلا بعينيْ ذلك الفاتح الآخر لأمريكا هذه: دون خوان مانويل دي روساس don Juan Manuel de Rosas.
وبصورة مماثلة نجد، في عرض كتبه بورخيس ﻠ كالكومانياس Calcomanías(xxi) لأوليبيريو خيروندو، هذين المؤثرين يأتيان معا مرة أخرى، واليوم يمكن أن نرى أن هذا كان يمثل الإسهام الحقيقي للطليعة في الأدب الأرجنتيني. ويرجع واقع أن بورخيس طرح هذه المقدمة بصورة أكثر منهجية من الباقين إلى كثافة نظام قراءاته. اﻠ أولترائيسمو ووالت ويتمان، ولكنْ أيضا الأب جورج بيركلي و ألف ليلة وليلة: هذه هي النقاط المرجعية التي تبتعد به جزئيا، ولكنْ ليس تماما، عن النسق المألوف للطليعة. وتتمثل نقاط أخرى في اكتشافه ماثيدونيو فيرنانديث وإبداعه الأدبي المبكر لأساطير أرجنتينية.
غير أن التعايش في مارتن فييرو بين عناصر من مختلف الأصول يكشف أيضا عن توتر يشوه الكثير من نصوصها. ويمكن أيضا أن نرى هذا التوتر بين المساهمين في المجلة: على جانب كان المحررون، وبصورة خاصة إيبار مينديث، في حين كان على الجانب الآخر بورخيس، و أوليبيريو خيروندو، و ماثيدونيو فيرنانديث. وكان خطاب اﻠمارتنفييريستا غير متجانس، وكان يقوم على مجموعة من التعارضات والتذبذبات التي لم يتم حلها مطلقا. ويربط أحد التوترات اسم المجلة، بطل في الشعر الجاوتشي التقليدي، ببرنامج للتجديد الجمالي: النزعة القومية الثقافية والطليعة. ويمكن أن تكون الاقتراحات غير المتجانسة التي تؤلف هذا البرنامج قد أعطت المجلة أصالتها، غير أن هذه الاقتراحات أوجدت أيضا سلسلة من التناقضات غير القابلة للحل. ومن جهة كان هناك الموضوع القومي، مارتن فييرو الجاوتشى، ومن جهة أخرى المبادئ والأسس الجوهرية الأوروپية والكوزموپوليتانية للتجديد الثقافي. ومن الصحيح دون شك أن جزءًا من عمل بورخيس كان ينصبّ على حل هذه التناقضات. وفي نهاية المطاف تغلب بورخيس على هذه التوترات الماثلة في مارتن فييرو عن طريق إنتاج مجموع من الإنتاج الذي يمكن تعريفه بأنه "الكريولية الحضرية الطليعية".
تأكيد "للجديد" بالاقتران مع انتماء إلى تراث ثقافي قائم؛ حملة من أجل ما هو "أرجنتيني كسمة مميزة"، بالاقتران مع وجهة نظر كوزموپوليتانية: هذان هما العنصران اللذان يؤلفان المزيج الأيديولوجي- الجمالي للطليعة في عشرينات القرن العشرين. ويمكن تقريبا النظر إلى التوتر بين الكريولية والحداثة أو بين النزعة القومية والكوزموپوليتانية على أنه أحد الثوابت في الثقافة الأرجنتينية في القرن العشرين. وكانت كل المجادلات الكبرى منظمة حول هذه التوترات ومايزال من الممكن أن نجد هذه التناقضات في النصوص الرئيسية للأدب المعاصر.
إشارات
 
1: نشرت مجلة پريسما عددين، في ديسمبر 1921، ومارس 1922. وقد اتخذت المجلة شكل ملصق "پوستر" كان يُعْرَض على جدران بوينوس آيرس. وكانت تشتمل على قصائد لبورخيس. وظهرت مجلة پروا، التي كان من بين محرريها بورخيس وريكاردو جويرالديس بين 1924و 1926 (الأعداد من 1إلى 15. ونشرت مجلة مارتن فييرو، أكثر مجلات الطليعة نجاحا وأيضا أكثرها عدم ثبات، خمسة وأربعين عددا بين فبراير 1924 و نوڤمبر 1927.)
2: كان "جيل الثينتيناريو Centenario [المئوية]" جماعة من الكتاب الذين جاءوا إلى الصدارة نحو 1910، مئوية استقلال الأرجنتين عن التاج الإسپاني. ومن بين هؤلاء كان كاتب المقالات ريكاردو روخاس، الذي كتب أول تاريخ للأدب الأرجنتيني، وأعضاء مجلة نوسوتروس، الذين ساعدوا في تحديث المجال الثقافي. 
3: وصفت مجلة نوسوتروس، التي أسسها في 1907 روبرتو خيوستي وألفريدو بيانتشي، نفسها بأنها "مطبوعة شهرية للأدب والفنون والتاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية". وقد نشرت ثلاثمائة عدد، ظهر العدد الأخير منها في ديسمبر 1934. 
4: قاد الحركة اﻠ أولترائيستا في إسپانيا، منذ عشرينات القرن العشرين، رامون جوميث دي لا سيرنا. وقد أكد برنامجها الصورة image باعتبارها العنصر الأساسي في الشعر، وإلغاء الصلات المنطقية والنحوية، وإيجاز القصيدة كبرهان شكلي على تكثيف المعنى. وقد نظم رامون جوميث دي لا سيرنا نوعا خاصا من جوامع الكلم أو الأقوال المأثورة الفكاهية، يسمَّى جريجيريا greguería، نقل هذه المبادئ إلى النثر.
5: ليوپولدو لوجونيس (1874- 1938) أعظم شاعر حداثي أرجنتيني. وقد أحس بورخيس وكتاب الطليعة بأنهم مجبرون على الجدال مع لوجونيس حول الأمور الشعرية والجمالية وطرحوا للنقاش تأثيره المسيطر في تلك الفترة. ومن المهم أن نتذكر أن الحداثة، في أمريكا اللاتينية، حركة جرت في أواخر القرن التاسع عشر، مستلهمة الپارناسية Pasnassianism والرمزية الفرنسية. حول ليوپولدو لوجونيس والحداثة في الأرجنتين، انظر الفصل الثالث.
6: قدم أوليبيريو خيروندو (1891- 1967) إسهاماته إلى كل مجلات الطليعة الأرجنتينية. وقد تناول شعره، الذي كان مختلفا جدا عن شعر بورخيس، بصورة مباشرة، ثيمات مستمدة من المدينة الحديثة والتغيرات في العادات والحياة اليومية. وفي 1925، نشر ديوانيْ شعر: عشرون قصيدة للقراءة في الترام  Veinte poemas para ser leídos en el tranvía و كالكومانياس Calcomanías  اللذين لقيا نجاحا كبيرا، مختلطا بفضيحة.
7: كان ليوپولدو ماريتشال (1900- 1970) شاعرا وروائيا. وفي روايتهAdán Buenosayres، المنشورة في 1948، سخر ماريتشال من كتاب العشرينات والثلاثينات بما فيهم بورخيس.
8: كان ماثيدونيو فيرنانديث (1874- 1952) هو العجوز الكبير grand vieux للطليعة للأرجنتينية. وحتى العشرينات، كان ماثيدونيو، كما كان معروفا، كاتبا هامشيا ومغمورا، غير أن كتبه الأصيلة للغاية بدأ يجري نشرها بعد ذلك جنبا إلى جنب مع كتب الكتاب الأكبر سنا. ويمزج إنتاجه، المفكك الشكل والغريب حقا، القصة والمقالات والشعر دون أي مراعاة للحدود التقليدية بين الأنواع الأدبية. وولاء بورخيس لماثيدونيو معروف جدا.
9: شارك ريكاردو جويرالديس (1886- 1926) مع بورخيس في تأسيس مجلة پروا وكان في صدارة التحديث الجمالي منذ ما قبل 1920. وفي كتبه المبكرة حاول التغلب على جماليات الحداثة ولوجونيس. ويمثل عمله الأشهر، دون سيجوندو سومبرا، رواية تكوين شخصية Bildungsroman كريولية مكتوبة من وجهة نظر الحركات الأدبية الجديدة. وقد عوضه نجاحها الفوري عن سنوات النبذ الثقافي.
10: ضمت هذه المجموعة أعمالا ﻠ [ماكسيم] جوركي [Maxim] Gorky، و [ليونيد نيكولايڤيتش] أندرييڤ [Leonid Nikolayevich] Andreyev، وتولستوي، و [ڤ. إ.] لينين V. I. Lenin، و [نيكولاي إيڤانوڤيتش] بوخارين [Nikolai Ivanovich] Bukharin.
11: منشور في بوينوس آيرس في 1925.
12: كتاب يضم مقالات منشورة في بوينوس آيرس في 1925.
13: Fervor de Buenos Aires (1925), Cuaderno San Martín (1929).
 
إشارات أسفل الصفحات
 
* الفصل السابع
xx: كان پومبو Pombo من أسماء تدليل جوميث دي لا سيرنا.
xxi: = Decalcomania بالإنجليزية: فن نقل الرسوم إلى الزجاج والخشب،إلخ.- المترجم.
 
     
 
 
 
                   
 
 
 
 
 
 
الفصل الثامن
 
اليوتوپيا والطليعة
 
الجديد كأساس
"الاشتياق العذب" لا يبهج أرواحنا ونحب أن نرى كل الأشياء في أول إزهار لها. وأثناء التجوال عبر هذه الليلة الفريدة المتألقة، بآلهتها الرائعة التي هي انعكاسات سامية للأنوار الذهبية، مثل جان سليمان، الحبيس في قماقم زجاجية، نحب أن نحس بأن كل شيء في الليل جديد وأن ذلك القمر الذي يطلع الآن خلف مبنى أزرق ليس الساحة الدائرية التي أدى عليها الموتى تمارين بلاغية كثيرة جدا، بل قمر جديد، عذري، جديد كالفجر.
                          بورخيس، "على هوامش المبدأ الجمالي الحديث"
 
رغم أسلوبه المميز لنهاية القرن fin-de-siècle  [التاسع عشر]، يعبر هذا الإعلان الغريب لبورخيس، المنشور في المجلة الإشبيلية جريثيا Grecia في 1920، عن شيء من روح التجديد الذي سرعان ما سوف ينعكس في مجلات پريسما، و پروا، و مارتن فييرو. وإذا كانت كل حركة أدبية تتطور في علاقة مع سياق جمالي وأيديولوجي يضفي عليها الشرعية (على سبيل المثال، عبر التراث، القومية، ما هو اجتماعي، مفهوم الجمال كقوة مستقلة ذاتيا)، فقد جعل الكتاب الشباب من "الجديد" الأساس لأدبهم وللآراء التي كونوها عمن سبقوهم وعن معاصريهم.
وكان روح "الجديد" مركز الأيديولوجية الأدبية، كما أنه حدد الحالة الجمالية، للطليعة الأرجنتينية. والحقيقة أن هذه الرغبة في أن تُرَى مختلفة قد أبعدتها، كما رأينا من قبل، ليس فقط عن ليوپولدو لوجونيس والحداثة، أو عن الواقعية، بل أيضا عن هيكل وتنظيم المؤسسات الفكرية في بداية العشرينات. وعندما عاد بورخيس إلى بوينوس آيرس، وعندما نشر خيروندو عشرون قصيدة للقراءة في الترام  Veinte poemas para ser leídos en el tranvía، يمكن تلخيص حالة المجال الثقافي في يأس جويرالديس، الذي تجاهل النقاد تماما كتبه، التي تقوم على جماليات رمزية. وقد نظرت النخبة الاجتماعية (التي كان ينتمي إليها جويرالديس) إلى إنتاجه على أنه بالغ التنميق وينقصه الذوق الراقي. وتبين نظرة سريعة في لا ناثيون، الصحيفة اليومية الأكثر أهمية في تلك الفترة، أن عمليات التحديث الثقافي، وبصورة خاصة في الأرجنتين، لا تلقى سوى ذكر ضئيل على صفحاتها. ولا يمكن النظر إلى الإشارات إلى الكتب وإلى الفن، والتي تظهر بصورة متواترة، على أنها خطاب نقدي متماسك. إنها، بدلا من هذا، ملاحظات تمهيدية قصيرة تتضمن استشهادات أو قصائد كاملة من الكتب التي تجري مناقشتها؛ تقارير comptes-rendus عن المعارض التي تقام في بوينوس آيرس؛ تعليقات على الثقافة المحلية أو الأوروپية المعاصرة، مع الإبراز على وجه التحديد لأولئك الكتاب والجماعات الذين ازدرتهم الطليعة. وإنما في قسم السينما نجد بعض التعليقات التي تدل على وعي بالتجديد الثقافي (إشارات إلى [د. و.] جريفيث [D. W.] Griffith و [ج. و.] پابست [G. W.] Pabst، مقالات عن تصميم مواقع التصوير السينمائي أو عن العلاقة بين السينما والسياسة). ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن الإشارات المتعلقة بالمسرح الأجنبي، التي كان يكتبها بصورة رئيسية [أ. ف.] لوجني- پو [A. F.] Lugne-Pöe و زاكوني Zacconi. وهذه المعلومات المفككة للغاية مسجلة على الموجة الطويلة، التي يمكن أن تلتقط أصواتا جديدة قليلة جدا من أوروپا.
بعد ذلك بعشرة أعوام، وصف نيستور إيبارا Nestor Ibarra، وهو رفيق سفر للكتاب الشبان، هذه الفترة المبكرة:
عاد خورخي لويس بورخيس إلى بلده في 1921. فماذا يمكن أن أقول عن حالة الشعر في ذلك الحين؟  لاشيء كان يمكن أن يكون أكثر حيادية أو بلادة، لاشيء كان يمكن أن يكون أقرب إلى الانحطاط والموت. كان لوجونيس العظيم قد أعطى بالفعل، قبل ذلك باثني عشر عاما، أفضل إنتاجه. وقدم إنريكي بانتشس Enrique Banchs في 1911 كلمته الأخيرة تقريبا في La urna، الذي يشتمل على بعض أقوى السونيتات في لغتنا: تجديدية في موضوعاتها وأبدية في حساسيتها. وكان قد تم نسخ وتخفيف كارييجو مرات عديدة؛ وكان الاسم الأشهر هو اسم الشاعر السينثيِّستا sencillista(xxii) الغزير الإنتاج والثانوي [ثيسار] فيرنانديث مورينو [césar] Fernández Moreno. غير أن هذه القيم كان يجري إما قبولها وإما تجاهلها، فلم تكن تبحَث أو تناقش مطلقا تقريبا؛ وكان الشعر والفن والأدب بوجه عام المظهر الأكثر إملالا وعرضية لحياة البلد.(1)
وقد وصف إيبارا، وهو قارئ ذكي لبورخيس وناقد معتدل ﻠﻠ أولترائيسمو، المشكلات التي يواجهها ما سماه "الحديث" the modern في المجال الثقافي الأرجنتيني. ويتفق تفسيره مع تعليقات مارتن فييرو على المؤسسات الثقافية، ونظام الجوائز الأدبية، والمسرح التجاري، والنقد في الصحف. وقد شمل الإحساس بالسخط مجالات عديدة: صدارة الكتاب الذين كانوا قد وصلوا إلى نهاية قدراتهم الإبداعية قرْب فترة الثينتيناريو (المئوية)؛ قصر النظر لدى النقاد الذين كانوا غير مرحبين بالاتجاهات الجديدة؛ انتقائية المجلات الثقافية، وفي المحل الأول نوسوتروس؛ الطريقة التي كانت المؤسسات الثقافية منظمة بها؛ عادات القراءة وتفضيلات الجمهور.
جرى التعبير عن روح التجديد هذا عبر سلسلة من الشكاوى والاحتجاجات. وقد هاجم الكتاب الشباب المواقع التي شغلها كبار الكتاب عند منعطف القرن، ونظريات الإبداع الأدبي التي دافعوا عنها، والسلطة التي أنيطت بهم. كما هاجموا أسلوب المجلات والصحف اليومية التي كانت تشكل أذواق جمهور القراء. ويتفق السياق الجمالي الذي وصفه إيبارا مع الربع الأول من القرن العشرين. وفي معارضة لهذا الموقف نشأت حركة أدبية منتشرة إلى حد ما ولكنْ قوية بصورة كافية وقد أدت هذه الحركة إلى تغيير هام في إطار العمل المؤسسي، بما في ذلك الصحف اليومية الرئيسية.
وكان من الضروري إحداث قطيعة مع انتقائية مجلة نوسوتروس، التي ظلت تصدر بصورة متواصلة على مدى نحو عشرين عاما، ومع لا ناثيون. وقد حل التعصب والروح العدوانية محل التسامح والتآلف اللذين ظلا يميزان العلاقة بين المثقفين إلى ذلك الحين. وأحدثت رياح التغيير انقسامات وسجالات: كان هذا أسلوب الطليعة الذي ميزها باعتبارها مختلفة بجلاء عن نوسوتروس. وكان كل الفاعلين في المجال الثقافي مرغمين على اتخاذ مواقف جديدة، لأن هيمنتهم كانت تطرَح بجدية للنقاش ولأن البروز المتنامي لكتاب الطليعة هددت بالإطاحة بالنظام القائم: لقد انتهى "الجديد" إلى الإقرار بنظام الهيراركيات الثقافية. وفي 1930، كان بوسع إيبارا أن يُبرز مارتن فييرو باعتبارها القوة الدافعة وراء هذه الحركة.
نتجة للنشاط الذي لا ينقطع والفوضى، والجسارة والاستقلال، بدون أيّ نظام وبدون أيّ رصانة، سوف تبقى مارتن فييرو إلى الأبد شاهدا على فترة أدبية عظيمة في الأرجنتين.... وبفضل مارتن فييرو، يتمتع الأدب باستقلال ذاتي أكبر، ويحظى باحترام أعلى، ويعمل في مجال أقل جحودا عن ذي قبل.(2)
وعندما يتحدث المعاصرون عن اﻠ مارتنفييريسمو (المارتنفييرية) Martinfierrismo فإنهم يشيرون إلى مجموعة من مجلات الفترة، تمثلها مارتن فييرو أفضل تمثيل، حيث قدمت تلك المجلة التعبير الأكمل عن القطيعة التي أحدثتها الطليعة. غير أن إيبارا يذهب إلى ما هو أبعد، مؤكدا أن مارتن فييرو أكملت عملية جعل المجال الجمالي مستقلا ذاتيا، وهذه العملية مشروع بدأ مع الحداثة، غير أنه لم ينته في أعوام الجدالات القومية الثقافية الأولى، حوالي 1910.  ومن المثير أن نلاحظ ما هي القيم التي تشكل أساس هذه العملية من الاستقلال الذاتي المتزايد. وقد دافعت الطليعة عن الاستقلال الذاتي ليس فقط باسم الجمال بل بصورة أخص باسم "الجديد": استطاع "الجديد" أن يحسم مسألة الشرعية. والحقيقة أنه لم يكن جزءًا ثانويا من برنامجهم، بل كان مبدأه المنظم. ولأن "الجديد" كان عنيدا، أكدت الطليعة موقفا متطرفا.
وكان مفهوم "الجديد" كافيا في حد ذاته لرسم خطوط القتال في المجال الفكري، غير أنه لم يكن الجانب الوحيد لبرنامج الطليعة. وكما رأينا في الفصل السابق، فإن المحتوى القومي- الكريولي للطليعة واعتدالها الأخلاقي كانا يميزانها عن الحركات المعاصرة الأخرى في أمريكا اللاتينية. غير أن النزعة القومية، في هذه الفترة، كان يتم تنقيتها عبر عدسة "الجديد". وفي كثير من الأحيان يناقش بورخيس طبيعة الكريولية المقبولة وغير المقبولة، والطريقة التي تكون بها أشكال بعينها، في تشبثها باللون المحلي، منتجات للماضي، في حين تعتبَر أشكال أخرى، في رفضها لمثل هذه "المحلية"، ابتكارات شكلية- جمالية تجد أساسها في "الجديد". ذلك أن الكريولية الحسنة والسيئة يمكن التمييز بينهما وفقا لقيم جمالية.
و"الجديد" أيضا حُكم بشأن الجمهور الذي قسمته الطليعة عن قصد، على العكس من مجلات مثل نوسوتروس التي كانت تسعى دائما إلى تحقيق تجانس ووحدة جمهور القراء. وقد أهانت مارتن فييرو الجمهور "الخرتيتي" و"المحترم"، محددين لأنفسهم حيزا خاصا بهم وحدهم بعيدا عن نوسوتروس المجلة الجامعة. وقد نشرت مجلة الشعر Poesía رسالة من ماثيدونيو فيرنانديث إلى المحرر، تطرح مبدأ جماليا للسلب (النفي)، كان مناوئا للمتعة ومناوئا- بالتوسيع- لجمهور القراء:
لهذا السبب فإنني أطلق اسم "المطبخيّ" culinary على أيّ فن يستخدم صورا حسية في سبيل مجرد المتعة ذاتها وليس كوسيلة نحو التعبير عن عواطف بعينها. وعلى هذا فإن كل نظم للشعر إنما هو مطبخيّ في إيقاعه، وفي هارمونيته، وفي المحاكاة الصوتية في ألفاظه onomatopoeia، وفي الطبيعة الصوتية لكلماته وإيقاع نبراته.(3)
ويعرض ماثيدونيو فيرنانديث بوضوح تلك العناصر من برنامج الطليعة التي سوف تفضي إلى تفتيت الجمهور. وفي حين أن الحداثة وحركة الرمزيين المنحطين decadent استخدمتا بشدة ما هو حسي فقد سعت الطليعة إلى تدميره. وحيثما سعت الحداثة إلى زيادة جمهور القراء، قامت الطليعة عن عمد بتضييق المجال ونظرت إلى قابلية الفهم على أنها قيمة سلبية. وقد أثرت هذه الإستراتيجيات الجمالية على الإنتاج الأدبي وأيضا على تلقي القراء وتوقعاتهم.
وفي نص طويل ظهر كمقدمة لديوانه الشعري البساطة Simplismo [= مذهب البساطة]، طرح ألبيرتو إيدالجو  Alberto Idalgo، وهو شاعر پيروڤي لعب دورا فعالا في مصادمات الطليعة الأرجنتينية، عددا من طرق الكتابة التي تفترض مسبقا (أو تتطلب) جمهورا مستعدا للانشغال بمسائل معقدة تماما، في تناقض ملحوظ مع "عفوية" قراءة الأعمال الحداثية modernista و ما بعد الحداثية postmodernista. وقد طور إيدالجو نظريات إبداع أدبي ﻠﻠ "وقفات" pauses، مع عنصر إرشادي قوي، حيث تحدد هذه الوقفات معنى القصيدة حتى أكثر من الكلمات ذاتها.
 في البساطة simplismo، تكون للوقفات أهمية غير متوقعة. فالوقفات تغدو شيئا أشبه بالاستراحات ولا يمكن أن يستغني المرء عنها في القراءة إنْ شاء أن يعاني بصورة كاملة اللحظة الشعرية التي تتدفق من كل بيت شعر مستقلا عن الانسجام الهارموني الكلي للقصيدة. فالوقفة ليست وسيلة طباعية بل هي بالأحرى حالة سيكولوجية. وهي في بعض الأحيان أهم من بيت الشعر الذي يسبقه.(4)
ولنتصور هذا الجمهور الذي يجري تحذيره بأن يبقى بعيدا عن الكتاب لأنه لا يحتوي على إثارات رخيصة؛ والذي يجري اعتبار أذواقه جزءًا من المطبخيّ، وهذا بُعْد ضد- فني من أبعاد الأدب؛ والذي يُطلب منه أن يسخر من لوجونيس، كما يفعل بورخيس بألمعية في مناسبات عديدة؛ والذي يقال له كيف يقرأ، ويقال له إن المساحات البيضاء (الفارغة) على صفحة أكثر أهمية من الكلمات: إننا نتعامل، بطبيعة الحال، مع جمهور في المستقبل، جمهور كان ما يزال ينبغي بناؤه عن طريق إحدى أنجح عمليات الثقافة الأرجنتينية في القرن العشرين.
وبهذا المعنى، كانت الطليعة راديكالية ومتفائلة. فهي لم تشاطر الأماني الاجتماعية لكتاب النزعة الإنسانية الخيرية أو لكتاب اليسار؛ وكان تفاؤلها يقوم على ما أسماه [ف. ڤ.] أدورنو [T. V.] Adorno "المحتم تاريخيا". وكان اليسار يتطلع إلى جمهور كان لا يزال يتعين تعليمه، أو كان يبشر بجمهور كان يمكن أن يصيروا من القراء عبر تطورهم الاجتماعي الخاص. ويؤكد راؤول جونثاليث تونيون أنه: "إذا كان العمال لا يستطيعون بعد أن يقرأونا، فهناك المثقفون، والفنانون، والصحفيون، والمصورون، والمعلمون، والطلبة، الذين يرغبون في تحويل المجتمع".(5) وكان كلا هذين الموقفين محاولتين لإرساء الأسس الفكرية اليسارية. وقد شاركت الطليعة الرغبة في معارضة غير المستنيرين (وهو تعبير استخدمته مارتن فييرو في كثير من الأحيان)، والمتحذلقين pompiers، والتراثيين الذين كانوا لا يريدون أيّ فن لا يفيض بالمشاعر. غير أنه كان يحدوها الأمل في ظهور قراء جدد يشاركون في خيال كتابهم المختارين. ولم تكن طليعة العشرينات مهتمة بالپيداجوجيا: بدلا من التعليم، كانت تسعى إلى أن تبرهن، أن تصدر إعلانات، أن تحرض.
وبالنسبة للطليعة، كان "الجديد" يكمن في الحاضر؛ وبالنسبة لليسار، كان "الجديد" وعدا للمستقبل. وعلى هذا فإن نسقيْ القيم لديهما كانا مختلفين: في حين اعتقد اليسار أن التحولات الاجتماعية أو الثورة الاجتماعية تمثل الأعمدة الرئيسية لممارستهم الفنية، اعتبرت الطليعة أنها تجسد قيما جديدة يمكنها أن تحددها وتنفذها. وقد عمل اليسار الپيداجوجي على الرؤية الطويلة، في حين وضع اليسار الراديكالي نفسه في مدار الدورة الثورية. أما الطليعة فكانت يوتوپيا قامت بتحويل العلاقات الجمالية القائمة: طرحت التأسيس المستنير والفوري "للجديد".
والحقيقة أن هذا يفسر السبب وراء أن الطليعة كانت منخرطة بكل ذلك النشاط في تحويل السياق الثقافي، والسبب وراء أن تاكتيكاتها ظهرت متطرفة إلى ذلك الحد. وقد جابهت الطليعة أقساما أخرى في المجال الفكري وأقاموا ما اعتبروه خط تقسيم بين القديم والجديد. وفي المقدمات التي كتبوها ﻠ  فهرس الشعر الأمريكي الجديد Indice de la nueva poesía americana(xxiii)، اعتبر إيدالجو، و [بيثينتي] أويدوبرو [Vicente] Huidobro، وبورخيس، أنفسهم على الجانب الآخر من الخط، عند نقطة صفرية في تاريخ الشعر. وقد خصص أويدوبرو مقدمته، في ادعاء مميز كرره في كل بيان من بياناته، لإعلان أهميته هو كمبدع طليعي. وأعلن بورخيس موت ودفن الحداثة: "أخيرا، وبحمد الله، تم استنفاد الروبينية Rubenism". وكرر إيدالجو الهجوم على الحداثة، واجدا القيمة في خوسيه ماريا إيدالجو José María Idalgo فقط، الذي بعده "لم يحدث أيّ شيء هام إلى أن ظهر أويدوبرو" كمؤسس ﻠﻠ أولترائيسمو. وقبل ذلك بعام، وفي مقدمة ﻠ للبساطة، عرض إيدالجو تقسيمه الخاص لمراحل تاريخ الشعر. وقد أقام "عصر سكان كهوف" a troglodyte era بين هوميروس وڤيكتور هيجو، شمل داريو، الذي تبعه بعد انقطاع [أرتور] رامبو [Arthur] Rimbaud، الذي تبعته الطليعة التي يمكن تلخيصها، منطقيا، في إنتاجه هو. والحقيقة أن هذه اللحظات الهاذية جزء لا يتجزأ من القوة الدافعة التأسيسية للطليعة، ومن قوة وإقناع برنامجها الذي وضع الجديد في مركزه.
ويجب أن نقرأ فهرس الشعر الأمريكي الجديد باعتباره تجليا، تحت قناع أنثولوجيا (منتخبات)، لليوتوپيا الطليعية: هذه كانت النصوص التي غيرت الحالة الجمالية. ويمكن الجدال حول ما إذا كانت أو لم تكن كلها جزءًا من برنامج متجانس. وربما لم تكن، رغم الطريقة الثقيلة اليد التي تعامل بها إيدالجو مع أولئك الكتاب الذين استبعدهم. وعلى سبيل المثال، لم يتم إدراج خيروندو في الأنثولوجيا، لأن إيدالجو يعلن أنه استبعد أيّ مقلدين ﻠ جوميث دي لا سيرنا. ولأنه متعسف وإلى حد ما غريب الشأن، يمكن قراءة فهرس كإعلان عن فن الشعر وكذلك كتحقيق لرغبة: الاستبعادات والإدراجات تشكل معا خريطة أدبية تقيم شرعيتها في وجه التراث، وتحاول في الوقت نفسه استبعاد هذا التراث. والحقيقة أنه غيَّر علاقات أدبية، وعزز مبادئ جمالية، وقدم أمثلة لما ينبغي أن تكون عليه الكتابة منذ ذلك الحين فصاعدا. وفي الأنثولوجيا هناك كتاب يجب، وفقا لتعبير بورخيس، أن يقوموا أولا بعمل التدمير: "قبل أن نبدأ أيَّ تفسير للمبدأ الجمالي الأحدث، من الضروري أن ننزع القناع عن وجه داريوويات Darioisms(xxiv) وحكائية  anecdotalism الممارسات الأدبية الراهنة التي نسعى، كشعراء أولترائيستا، إلى كشفها والقضاء عليها".
كذلك فإن اﻠ فهرس تعبير عن هذا المبدأ الجمالي الطليعي في التشديد الذي يضعه على ثيمتين متكاملتين: الحداثة modernity الحضرية واستعادة بوينوس آيرس سابقة أو متخيَّلة. وقد طور إدواردو جونثاليث لانوثا أولى هاتين الثيمتين ليس فقط في عنوان القصائد التي أوردها- "فوريّ"، "قصيدة السيارة"، "قصيدة المصعد" (التي كتب عنها إيدالجو أيضا)- بل أيضا في النظرة التي قدمها للمشهد الحضري. وفي "هناك أماكن بعيدة على بعد خمسين مترا"، نرى المدينة الحديثة تبدل خبرة المكان، في صور تحدث أيضا في التصوير painting: "مناظر طبيعية منزوعة من أماكنها/ تفرّ هاربة في الأركان". ويجري تعديل المكان لأن السرعة تغدو مبدأ النسق الإدراكي والتمثيل. ويصدق الشيء نفسه على الضوضاء، التي لم تظهر في الشعر الأسبق عهدا: "كلمات تتدلى من الكابلات/ أبواق، زعيق، أصوات". وموسيقى الجاز ثيمة رئيسية: "عندما تقوم فرقة جاز الملائكة/ بعزف موسيقى رقصة فوكستروت يوم القيامة....". تفتيت تكعيبي للمتصل الحضري، تأثير الحداثة على نسق وأشكال الإدراك الحسي، تدمير السياق "الطبيعي" بين الإنسان والبيئة المحيطة به، بناء صور جديدة من هذا الخليط من الحكايات الرمزية الناقصة- كل هذه ثيمات للشعر الجديد.
وتتمثل ثيمة أخرى في ثيمة المدينة المفقودة، التي يقوم أدب تلك الفترة، وبصورة خاصة إنتاج بورخيس، باختراعها أو إعادة بنائها. وقد عاد بورخيس إلى بوينوس آيرس حاملا الأنباء الطيبة عن اﻠ أولترائيسمو؛ وكان في الوقت نفسه يبحث كلا المظهرين الأدبي والعاطفي للماضي. وكان شعره جزءًا من مبدأ جمالي، وحساسية، ومشهد حضري يمر بعملية سريعة من التغيير. وقد ربطه نسق إدراكاته الحسية وذكرياته بالماضي؛ وكان مشروعه الشعري، من جهة أخرى، مرتبطا ﺑ "الجديد". وقد عمل تحت تأثير كل من التجديد الجمالي والتحديث الحضري لينتج ميثولوجيا احتوت على عناصر قبل حداثية غير أنه كان يجري تنقيتها عبر مبادئ طليعية جمالية ونظرية. ومن الناحية الطوپوغرافية، أتى بالأطراف إلى مركز النظام الثقافي الأرجنتيني وأقام مجموعة جديدة من العلاقات بين ثيمات وأشكال الشعر. كما أنه أدخل الاستخدام الطليعي للغة الشفاهية في الأرجنتين، وهي لغة كانت تمثلها في تلك الأعوام صور اﻠ أولترائيسمو. لقد قام بتأسيس مركزية الأطراف.
وتبرز القصائد المطبوعة في اﻠ فهرس مختلف الاتجاهات الطليعية في العشرينات، ليس فقط لأنها تستخدم النسق البلاغي للتكعيبية و اﻠ أولترائيسمو، بل أيضا لأنها، كمجموع أعمال تثبت قوة اﻠ أيديولوجيمات ideologèmes الجديدة للتحديث الحضري والتجديد الجمالي في أقصى حالات عنادها. غير أن الطليعة الأرجنتينية، على النقيض من أويدوبرو أو البرازيليين، لم تضع التجريب في بؤرة اهتماماتها. وقد تمثل تدخلها الرئيسي في المجال الجمالي في تأكيد اختلافها عن الحداثة، كما أن أصالتها ماثلة في مزيج اﻠ أولترائيسمو والشعر الحضري.
وكان نشر فهرس الشعر الأمريكي الجديد يمثل إحدى المجابهات الثقافية الرئيسية في العشرينات. وتمثل القصائد الإثبات العملي لصراع كان لا يمكن حله عبر وسائل عملية فقط. وقد تم إيجاز الخطوط العريضة لجدَّة newness الطليعة (التي تشمل طبعتها الجديدة المتمثلة في الكريولية) في برامج وبيانات متعاقبة. ويفسر هذا مداخلات بورخيس اللاذعة في مجلتيْ مارتن فييرو و پروا، وعدوانية جونثاليث لانوثا، وهجمات ليوپولدو ماريتشال على القوافي والإيقاعات، ومراثي ريكاردو جويرالديس حول ماضيه المنعزل وصداقته الرقيقة مع الكتاب الشبان، ومنزلة العبادة التي حظي بها ماثيدونيو فيرنانديث، ونضالية أوليبيريو خيروندو، وحيوية نورا لانخي.
وفي هذه الأعوام وكما لم يحدث من قبل، أنتج الكتاب الأرجنتينيون نصوصا تفسيرية وسجالية كثيرة يمكن النظر إليها، في الإجماع النسبي لثيماتها ونظرتها، على أنها برنامج "الجديد". ويمكن أن نجد الخطوط العريضة الرئيسية لهذا البرنامج عند إيدالجو، وماثيدونيو، وبورخيس، وجونثاليث لانوثا، وفي التعليقات غير الموقعة التي نشرتها المجلات الصغرى. وهذه هي أعوام الهجمات على المؤسسة الأدبية: هناك مناقشات كثيرة بشأن نسق قيم الآخرين، الشيوخ، أتباع لوجونيس أو روبن داريو، وما بعد الرومانسيين. وهناك أيضا عرض لنسق قيم الشعر الجديد.
وقد ترابطت لدى جماعات المجال الفكري في هذه الفترة أفكار مختلفة سوف تصير الاهتمامات الرئيسية لأعوام لاحقة: طورت الثلاثينات اتجاهات العشرينات. وكانت الاهتمامات الفكرية أكثر تعقيدا وتنوعا من العدد الصغير نسبيا من المسائل التي ناقشتها المجموعات القومية الثقافية الأولى لجيل الثينتيناريو. ومن كل من وجهة النظر الأيديولوجية والجمالية، أرسى الكتاب أسسا أدبية جديدة. وفيما يتعلق بمسألة الهوية الثقافية، التي كانت قد استحوذت للغاية على أجيال سابقة، اعتبرت المجموعات الطليعية أن مفهوم "الجديد" قوي بما يكفي لتأكيد هيمنته. على أنها في الوقت نفسه، ومن وجهة نظر "الجديد"، عبرت عن نزعة قومية ثقافية مختلفة. وترتبط التغيرات الكبرى في الثقافة في هذه الفترة بالتغيرات في أسس نظام القيم، أيْ في مختلف الإجابات عن السؤال التالي: "ما الذي يضفي الشرعية على ممارسة ثقافية، جاعلا إياها أسمى أو أفضل من ممارسات أخرى؟"
وفي 1930، عندما قدم إيبارا وصفا نقديا ومتوازنا بوضوح ﻠﻠ أولترائيسمو (مانحا بورخيس دورا رئيسيا في هذه الحركة)، أضاف تعليقا على المزيج الأيديولوجي- الجمالي الذي سبق أن سميته "الكريولية الطليعية الحضرية":
هذه النزعة القومية الفنية حديثة جدا- ربما المظهر الوحيد الحديث حقا لروحنا.... وهذه النزعة القومية الفكرية المتنامية والمنظمة لها تأثير كبير على كتابنا الشباب. والمبشر العظيم باﻠ كريولية هو، كما نعرف، خورخي لويس بورخيس. وكريولية بورخيس، وهو الكاتب الوحيد الذي يقوم بتعريفها بطريقة منهجية وغير لفظية، تعريف ﻠﻠ كريولية الأدبية بوجه عام: لا يستطيع لوجونيس، أو كارلوس دي لا پوا Carlos de la Púa، أو خيخينا سانتشيث Jigena Sánchez ، أن يقدم أيّ حجة أو أيّ عمل فني للرد عليه.(6)
ويأتي هذا الاختراع لبورخيس بمظهر هام "للجديد" إلى اللعبة؛ وهو يقدم أيضا إعادة قراءة للتراث كان ما جعلها ممكنة هو قيام بورخيس بمزج الطليعة مع إعادة تأكيد أهمية الآداب الأجنبية.
غير أنه كان يتم تداول ونقاش تعاريف أخرى "للجديد" في بوينوس آيرس. ومع إنتاج أويدوبرو، قدمت الطليعة موقفا "ضد- المحتوى" غير قابل للتفكير بأيّ طريقة أخرى. ذلك أن الجدَّة newness، كما لم يمل أويدوبرو من التكرار مطلقا، كانت لا تكمن في الثيمة "بل في الطريقة التي يجري بها إنتاج هذه الثيمة".(7) والجدَّة شكلية، كما رأى بورخيس عندما أيد إحلال مبدأ جمالي للانكسار محل مبدأ جمالي للمحاكاة. "ولهذا فإن هناك مبدأين جماليين فقط: المبدأ الجمالي السلبي للمرايا والمبدأ الجمالي الفعال للموشورات".(8) وقد قبل ماثيدونيو تعريفا واحدا صحيحا للأدب: "حالة الجمال الأدبي لا ينبغي أن تحتوي على 1: أيّ عناصر أو معلومات تثقيفية 2: أيّ مظاهر حسية 3: أيّ هدف آخر سوى ذاتها". ويشغل ماثيدونيو النقطة الأكثر تطرفا في هذه المناقشة، نتيجة لموقفه الفلسفي المعادي للمذهب الطبيعي، فكرته القائلة إن "العاطفة" بنية ذهنية كليًّا مجردة من أيّ مفاهيم عن اللذة في حد ذاتها كهدف أو غاية.
وعبر مثل هذه المقاومة لمواقع الشعر الرومانسي وما بعد الرومانسي، تغدو كتابة الشعر عملية شكلية. وبهذا المعنى كانت الطليعة ضد- سيكولوجية وضد- تعبيرية. ويعبر بورخيس عن هذا، مستبقا صياغته اللاحقة ﻠﻠ "أنا" الشعرية كنسيج من أصوات مختلفة، كما يلي:
لم يقم الشعر الغنائي، إلى الآن، إلا بالتذبذب بين البحث عن النتائج السمعية والبصرية والإلحاح على شخصية مبدعه. وأول هذين الشيئين ينبغي أن يكون اهتمام التصوير أو الموسيقى، ويقوم ثانيهما على خطأ سيكولوجي، حيث أن الشخصية، "الأنا"، ليست سوى تعبير جمعي واسع يشمل تعددية كل حالات الوعي على اختلافها. وأية حالة جديدة تضاف إلى الحالات الأخرى تصير جزءًا جوهريا من هذا الأنا، وتعبر عنه سواء فرديا أم بصورة عامة. وأيّ حدث، أيّ إدراك حسي، أيّ فكرة، يُعبر عنا بقوة متساوية، يمكن أن يضاف إلينا .... ومتغلبة على هذه الرغبة غير المجدية والعنيدة في أن نثبت في كلمات "أنا" سافلة، تتحول في كل ثانية، تتبنى اﻠ أولترائيسمو المبدأ الرئيسي لكل شعر: تحويل الواقع المحسوس للعالم إلى واقع داخلي وعاطفي.
ومن حيث البرنامج، تحركت الحجة بطريقتين: فهي تعارض المظاهر الحسية للحداثة والمنحطين decadents، وتعارض الطابع العاطفي للرومانسية المتأخرة والنزعة السيكولوجية للواقعيين والسذج naïfs. ويمتزج تعريف ماثيدونيو للفن باعتباره ضد المذهب الطبيعي بمفهوم الفن كعملية. وقد ظهرت كل هذه التعاريف في كل بيانات تلك الفترة ومنحها بورخيس كثافة نظرية في الأعداد الأولى من المجلة الأدبية سُورْ، في أوائل الثلاثينات.
وكبرامج، يمكن جزئيا تعديل نظريات الطليعة في الممارسة. ومع هذا فإن صياغاتها تحدد عالم ما هو مرغوب فيه: إنها تعمل كيوتوپيات حقيقية، مُدْخلة، في المجال الأدبي، الماضي، الذي يجب أن يُحْدِثوا قطيعة معه، والحاضر، الذي يجب إعادة بنائه بصورة كلية، والأفق المستقبلي "للجديد"، تحقيق كل ما شغل قواهم الأيديولوجية والجمالية. وقد وجدت الممارسات الأدبية معنى للمستقبل في هذه البرامج المتطرفة والسجالية: لقد قدمت أسسا للتحويل.
وكان ليوتوپيا الطليعة قوة لم تكن أدبية فقط. وقد أثارت البيانات والسجالات ردَّ فعل قويا من جانب أعضاء المجموعات الأخرى في المجال الفكري. وهذه البيانات هي الطليعة ذاتها، تماما كالقصائد ذاتها، لأنها توضح الطابع الإطلاقي وضد التوفيقي لحركة التجديد الجمالي في العشرينات. وتعلن هذ البيانات: "نحن، الكتاب الشبان، نؤيد فقط <الجديد> ولن نسمح لقطاعات أخرى من المجتمع بأن تحدد معايير عملنا". وعلى هذا النحو التزم هؤلاء الكتاب بطريقة جذرية بمفهوم الاستقلال الذاتي، معلنين أن أساس عملهم ماثل في العمل ذاته، حتى في العمل الذي لم يُكتب بعد. وقد بدا أنهم يضعون أنفسهم خارج المجتمع، ومع هذا كان المجتمع ومكانهم بداخله، هو ما جعل برنامجهم ممكنا. وقد دافع عن التجديد على وجه التحديد أولئك الذين كانوا واثقين بماضيهم، الذين كان بوسعهم الرجوع إلى التراث وإعادة تأكيده وكأنه ألبوم عائلي. ولم يكن أولئك الذين أيدوا الجديد قادمين جددا إلى البلاد. وكان هناك إحساس بأن القادمين الجدد دافعوا عن مبادئ أخلاقية أو أيديولوجية خارج عوالم الأدب وكانوا بحاجة إلى إرساء الأسس الضرورية التي تجعلهم مقبولين كمثقفين شرعيين.
والحقيقة أن اليوتوپيا التي يمكن أن نقرأها في هذه البرامج تقوم بوظيفتها ككل اليوتوپيات: إنها توسع حدود الممكن، متحدية الشرعية الجمالية والمؤسسية لأولئك الذين لا يمكن أن يفكروا خارج حدود موصوفة بالتفصيل. ورغم سعيهم إلى تحرير الأدب من حدوده الاجتماعية- الأيديولوجية فقد تبنى هؤلاء الكتاب الطليعيون في العشرينات موقفا بعيدا تماما عن المشروع السوريالي، الذي حمل الفن إلى حدود الحياة ذاتها. وعلى النقيض فإن هذه الطليعة فصلت بين الحياة والأدب، حتى وإنْ كان من الممكن قراءة طبعة جديدة من المسألة القومية في نصوصهم.
حالة مجلة پروا
في أغسطس 1924، أعيد إصدار مجلة پروا في قطع جديد. وفي 7 سبتمبر، أشارت لا ناثيون إلى هذه الواقعة بغياب مدبر أو غير مدبر للتعليق. فقد أعادت طبع جزء من افتتاحية پروا وأوردت قائمة بأسماء المحررين والمساهمين. وعندما علقت لا ناثيون على كتب بأقلام كتاب شبان أولترائيستا، اكتفت بإعلان أنه تم نشرها، وأعادت طبع مقتطفات منها. ومن الجلي أن پروا مثلت صعوبات لهذه الصحيفة لأنها قدمت نفسها كصوت يسعى إلى أن يسمعه ويفهمه أنداده ومعاصروه.
والنص الجماعي الذي يظهر على الصفحة الأولى من العدد الأول من المجلة فوق توقيعات المحررين، بورخيس، وبراندان كارافا، وجويرالديس، و [پابلو] روخاس پاث [Pablo] Rojas Paz، تعريف بصورتهم، ومقترحاتهم، وتحالفاتهم، وآمالهم. وهذا النص الجماعي إعلان لقاعدة معيارية تحدد برنامج المجلة للتجديد الجمالي. ومدركة لحالتها كجيل، أعلنت المجلة أن كتابها لم تكن لهم صلة بالأساتذة القدامى، وأشارت إلى أن الحرب العالمية الأولى قد قلبت كل الهياكل والمؤسسات القديمة رأسا على عقب. فقد جعلت الحرب "من الممكن لأول مرة في البلاد تكوين جيل على أطراف المؤسسات المعيارية السائدة للمجتمع".(9) وسوف يؤثر هذا الموقف بعمق في الطريقة التي سوف يتم بها الحكم على القيمة الأدبية، نظرا لأن المجلة لم تناشد الأسماء الكبيرة للجيل الأسبق إضفاء الشرعية على الكتاب الجدد. وربما لأول مرة في التاريخ الثقافي للأرجنتين، سوف يجري الإدلاء بمثل هذه الأحكام فيما بين الأنداد. وعلى هذا النحو جرى تقسيم المجال الفكري بين أولئك الذين أيدوا التغيير وأولئك الذين تشبثوا باستمرار للنظام القديم. ولم تكن لدى أولى هذه الجماعات قوة كبيرة إلى أن ظهرت پريسما، و إينيثيال، و مارتن فييرو، و پروا. وقد أدت هذه المجلات وأنشطة المساهمين فيها إلى ظهور ما سماه خيروندو "الجبهة المتحدة"، التي كانت مركزا لمبادرات فكرية كانت تطمح بدورها إلى التأثير في تيارات أوسع في أمريكا اللاتينية:
في الآونة الأخيرة أخذ أوليبيريو خيروندو معه الثمار الأولى لجهدنا. وقد أمكن حل كل الصراعات التي كانت تفصل من قبل بين المجلات الصغيرة الرئيسية وتكوين جبهة متحدة. وقد ذهب خيروندو كسفير ليحاول تعزيز التبادل الفكري وزيارة المراكز الرئيسية للثقافة في أمريكا اللاتينية.(10)
ولم يقدم أسلوب عرض پروا أيَّ شيء جديد: استخدمت صيغا طقسية للهوية الجماعية. غير أن أحد مظاهر هذا العدد الأول يبدو أكثر إثارة. ذلك أننا نجد في پروا مؤثرات جمالية وأيديولوجية لا تظهر في مارتن فييرو: هذه المؤثرات هي آثار روح ما يزال متأثرا بالأرييلية Arielism(xxv) وبالأخلاق الجديدة في صفوف الشباب الذين أتوا من الإصلاح الجامعي، تلك الحركة الطلابية الضخمة التي فرضت في 1918 تغيرات هائلة على النظام التعليمي وإدارة الجامعة.(11) وينظر محررو پروا إلى نشرهم على أنه جزء من "واجب جماعي" ملقى على عاتق جيل كانت الحرب قد حررتهم من معلميهم وكانوا يسعون إلى توسيع "ذلك الشعاع من الاستنارة، الإصلاح الجامعي".
وكان لدى پروا، إلى حد كبير مثل حركة الإصلاح، نظرة تميزت بالروحية، بروح التجديد والنزعة الشبابية. وهي تختلف عن مارتن فييرو في أنه لا يوجد أيّ خصومات أدبية على صفحاتها. وقد تميزت پروا بنغمة تفسيرية ومنطقية، رغم أن إسهامات بورخيس تعرض في كثير من الأحيان أفكارا راديكالية ولاذعة. ويرتبط الأسلوب المعتدل عند پروا بالمغزى الإصلاحي لتقديمه: تسعى المجلة إلى أن تقدم حيزا عاما، غير انقسامي non-sectarian.
نحن لا نحاول أن نكوم معا مجموعات متباينة، لتقويض اتجاهات مختلفة وخنق شخصيات مختلفة. بل تتمثل رغبتنا في أن نقدم إلى الكتاب الشباب منبرا هادئا رصينا وغير متعصب سوف يجمع بين مظاهر مختلفة من العمل الذهني ليست صحفية بصورة خالصة.
إن مجلتنا ينبغي أن تكون من نوع خاص: لا أدبية بصورة خالصة ولا فلسفية بصورة خالصة. ولا يملك شبابنا الأذكياء مثل هذا المنبر، المفتوح وبدون حواجز. وكبوتقة انصهار للكتاب الشباب الذين يعجبون بالبطولة المبهمة واليومية، سوف تحاول پروا توحيد الطاقات المبعثرة لجيل لا يشعر بالخصومة في شكل مجتمع ثقافي.(12)
وكان لهذا النص الأول من نصوص پروا أصداء وانعكاسات أرييلية؛ بحماسها، وإيجابيتها الأخلاقية، وجدية محاولتها، ووحدة أمانيها، نظرت المجلة إلى نفسها على أنها "مزيج نقي من الأحلام والرغبات". وقد أفضى هذا الخطاب الأرييلي، في ارتباطه الوثيق بأفكار من الإصلاح الجامعي، إلى مجموعة من الإغراءات والرغبات التي شكلت، في 1924، ميراثا مشتركا كان من الممكن أن يشارك فيه كثير من المجددين الجماليين.
وقد وحدت هذه النغمة كثيرا من الملاحظات والتعليقات في المجلة. ونشبت معركة لفرض "قيم الروح" في بلد كان كبار رجاله لا يفهمون هذه القيم. وكان أبطال هذا النضال شبانا كان يحدوهم الأمل في "مجتمع مستقبلي تجد فيه هذه القيم مكانا لها".(13)
وقد جرى الاحتفاظ بهذا الروح نفسه في الأعداد اللاحقة. وفي العدد 10، خصصت پروا ثلاث صفحات للأنباء الخاصة بأن الاتحاد الأمريكي اللاتيني كان يجري تأسيسه. ولم يكن من المعتاد نشر مثل هذه الإشارات بشأن أمور مؤسسية من هذا النوع، خاصة بشأن السياسة، في پروا. وكان الاتحاد الأمريكي اللاتيني محاولة لحمل روح الإصلاح الجامعي إلى حلبة القارة. وكان مؤسسو الاتحاد كتابا وسياسيين من الشباب. وتعطينا مقتطفات من هذا الإعلان، الذي كان خارج الشواغل المعتادة لمجلة پروا، فكرة ما عن المناخ الذي ظهرت فيه المجلة. فالاتحاد يسعى
إلى أن يطور لدى شعوب أمريكا اللاتينية وعيا جديدا بالمصالح القومية والقارية، مؤيدا كل مظاهر التجديد الأيديولوجي الذي يفضي إلى الممارسة الفعلية للسيادة الشعبية، محاربا أيّ ديكتاتورية قد تقف في طريق الإصلاحات الاقتصادية التي تلهمها الرغبة في العدالة الاجتماعية.... معارضة أية سياسات مالية تساوم في السيادة القومية، وبصورة خاصة الحصول على أيّ قرض يمكن أن يسمح ﺒ أو يبرر التدخل العنيف للرأسماليين الأجانب.... تأميم مصادر الثروة وإلغاء الامتيازات الاقتصادية. النضال ضد أيّ تأثير للكنيسة في الحياة العامة وفي التعليم.... توسيع التعليم الإلزامي الحر العلماني وإصلاح جامعي متكامل.(14)
وكان مزيج من النزعة القومية والنزعة الروحانية كاسحا في أمريكا اللاتينية. فإلى أيّ درجة يمكن اعتبار پروا جزءًا من هذا المناخ؟ والحقيقة أن نشر هذه الوثيقة عن تأسيس الاتحاد الأمريكي اللاتيني ليس كافيا لحسم هذه النقطة. غير أن ما يعنيه فعلا هو الإشارة إلى حسن النية نحو، والاعتراف ﺒ، تيارات الفكر اليساري- الديموقراطي والمعادي للإمبريالية، التي كانت پروا تشارك في مظاهرها الأرييلية، والروحانية، والشبابية. غير أن هذه ليست القصة كلها. فمن جهة، عبرت المجلة عن رغبة في أن تنظم مجالا فكريا مشتركا يشمل كل مظاهر الطليعة. وكانت پروا ملتزمة بهذا في المجال الفني، في حين أنها كانت تعترف بأنه توجد مجالات أخرى كانت مشروعة أيضا. وقد أثبتت تجربة الأعوام الأولى للطليعة الحاجة إلى غزو أماكن عامة؛ ولهذا كان من الممكن الاعتراف بهذه الحاجة نفسها في المعترك السياسي. وشاركت پروا حركة الإصلاح وحركة الجامعة الأمريكية اللاتينية Pan-Latin Americana الرغبة في الوصول إلى جمهور مستمر: كان لرحلات أوليبيريو خيروندو، والأنثولوجيات، ونشاط السنوات الأولى للدورية الأدبية سُورْ، جميعا، نفس الغاية. وعلاوة على هذا فإن الشبان ذوي الارتباطات السياسية اتجهوا إلى التسلل إلى المجال الفكري، وكانت الولاءات تميل إلى التغير. أما حركة التجديد الجمالي فلم تكن قد صارت بعد مستقطبة أو حبيسة في مواقف أيديولوجية غير قابلة للتوفيق. وعلى العكس، ففي هذا النصف الأول من العشرينات، اصطف "الشباب" ضد مواقع المثقفين التقليديين ذوي المراكز الوطيدة. وكانت لا تزال حركة أجيال. وفي نهاية الأمر فإن ما تدل عليه هذه الولاءات المتشابكة إنما هو مجال فكري صغير كانت الانقسامات فيه بين "اليمين" و"اليسار" أقل أهمية من تلك الانقسامات بين "القديم" و"الجديد". وكانت هناك طريقة مشتركة لرؤية، وبنية مشتركة للشعور ﺑ، المشروع الذي يسعى إلى غزو المجتمع وتغييره جماليا، أو أخلاقيا، أو سياسيا. ويمكن أن نلاحظ هذا في كل الافتتاحيات المنشورة في پروا. وقد حاولت المجلة التعويض عن عزلتها في عالم من الصحف اليومية الكبرى والمؤسسات التقليدية عن طريق دعوة الكتاب والمثقفين إلى دعم قضايا وأفكار مختلفة. وشهد العدد 11 نشر رسالة ، بتوقيع بورخيس، وبراندان، وجويرالديس، طالبت بدعم كل الكتاب الذين وافقوا على التغيرات الأيديولوجية والثقافية الهائلة التي كانت تنطلق من عقالها:
كان أملنا، منذ البداية، أن تصير پروا Proa [كلمة تعني: مقدَّم السفينة]، كما يليق باسمها، نقطة حشد للنضال، عبر العمل الجاد وليس عبر المساجلات. إننا نعمل في الجزء الأكثر حرية ولكنْ الأكثر صعوبة من السفينة، في الوقت الذي تنام فيه البورجوازية الأدبية في الكابينات. ومن الموقع الذي اخترناه، سوف نفتح دروبا جديدة، في حين أنهم سوف يبقون في الخلف. دعوهم يصفوننا بالمجانين والمغالين. إنهم في صميم قلوبهم مروَّضون وسوف يفعلون كل شيء إلا أن يقاتلونا من أجل الحق في العمل والمغامرة. وعلينا أن نكون متحدين على هذا الجانب غير المستقر من الصنعة، الجانب الذي يحدد الطريق. ومقدَّم السفينة أصغر من الهيكل الرئيسي للسفينة لأنها النقطة التي تتقارب عندها كل الطاقات. ونحن نضحك من أولئك الذين يستبد بهم الغضب، إذ أنهم يعرفون أنهم مولودون ليقتفوا أثر الآخرين. ولا يمكن أن تؤثر فينا هجماتهم لأنهم خائفون. وتعيش پروا في اتصال مباشر مع الحياة. لقد عركها الصراع مع الأمواج  وصارت منتعشة بالتفاؤل وبرغبتها في غزو آفاق المدى. وهي تتمنى اليوم أن تواصل نموها. وهذا هو السبب في أننا نكتب إليكم. امنحونا دعمكم القوي لمساعدتنا في هذا النمو.
ومن المؤكد تقريبا أن جويرالديس مسئول عن النغمة الروحية لمثل هذه الإعلانات. وكان للمشاركين الشباب في الحركة الإصلاحية علاقات حميمة (وأحيانا عائلية) مع كتاب پروا، أما الاشتراكيون الكريوليون المتعلمون الذين وقعوا بيان الاتحاد الأمريكي اللاتيني فإنهم لم يحملوا سوى شبه ضئيل بالمناضلين اليساريين الكثيفي الشعر المنحدرين من أصول من المهاجرين. وكانت الطليعة تضع في صلب برنامجها نزعة قومية ثقافية من طراز جديد. وقد أعطاها بورخيس شكلها ونغمتها. وتشارك مقالات أخرى كثيرة منشورة في پروا في هذه المشاعر غير أن رسالة أعلن فيها المحررون أنهم مستعدون لمغادرة السفينة ربما كانت النموذج الأسلوبي الأكثر لفتا للنظر للمزج بين الطليعة والكريولية. وكانت الرسالة مرسلة من بورخيس، إلى براندان كارافا وريكاردو جويرالديس، وهي تنقل الاستعارة من البحر إلى اليابسة، إلى الحواف. وحكمها الأخير هو الكريولو باعتباره فردوسها:
... سوف نلتقي من جديد ونبدأ تجمعا أدبيا حيا، محادثة خالدة دون احتفال أو تعجل. إن آباء الكنيسة لا يقولون لنا سوى القليل عن تلك الصداقات في نهاية العالم، غير أنني أعتقد أن واجبنا السعيد يتمثل في أن نمضي إلى الأمام نحو هذه الغاية، وأن نستبق تدابير الرب. ولا أستطيع أن أفكر في مسعى أفضل ملاءمة لهذا الغرض من پروا.
ما أروع محادثاتنا ومناقشاتنا! جويرالديس: من خلال مشط قيثارك المتقشف، من خلال ذلك الثقب الأسود، أو النافذة السوداء، الذي يمكن من خلاله أن نلمح بكل تأكيد سان أنطونيو دي أريكو San Antonio de Areco(xxvi)، ومن بعيد جدا تحدثنا الأماكن بكل فصاحة. ويبدو براندان صغيرا، ولكن هذا لأنه يقف دائما على الجانب الآخر من أحد أبيات شعره التي غمرته بالنشوة قبل أن تغمر بها بقيتنا. ماثيدونيو، خلف سحابة من دخان السجائر، نصف الإله الكريولي الطيب ذاك، يعرف كيف يخترع عالما بين تقديميْن لشاي الماتيه maté(xxvii) ثم يقوم بتفريغه من جديد في الحال. روخاس پاث، و [لويس فرانثيسكو] بيرنانديث [Luis Francisco] Bernádez، وماريشال، يشعلون الحريق تقريبا في المائدة باستعاراتهم. [پيدرو لياندرو] إيپوتشي [Pedro Leandro] Ipuche يتكلم بصوت عميق وهو رسول مأمون اليد وراسخ القدم، جالبا أسرارا عاجلة من الغابات في أوروجواي. راموس، القادم حديثا the Recently-Arrived (xxviii) والذي يتم إنذاره مسبقا دائما  the Always-Forewarned يحتل أيضا مكان الصدارة، وهناك عصابة من التشيليين الرائعين الذين انقضُّوا عبر أراض رطبة رملية بعيدة، تجتاحها، أحياناـ ريح سوداء، "الريح السوداء" ﻠ كينتوس أوراثيو Quintos Horacio، ذلك الذي يلون السماء. وهناك عشرة، عشرون، ثلاثون منا يؤمنون بإمكان الفن والصداقة. ما أروع محادثاتنا! ومع هذا .... هناك حق مقدس للغاية في هذا العالم: حقنا في أن نفشل، وأن نسير وحدنا، وأن نعاني .... وأنا أريد أن أخبركم أنني أغادر پروا وأنني أغادر تاجي الورقي على المشجب. أكثر من مائة من الشوارع في الحواف تنتظرني بقمرها وعزلتها وبالجرعة الصغيرة الباقية من الروم. وأعرف أن الرياح التي تهب من سهول الپامپا تنادي ريكاردو وأن جبال كوردوبا [قرطبة] تستدعي برندان. إلى اللقاء أيتها الجبهة المتحدة، تشاو سولدير [وداعا يا سولدير] Ciao Solder، وداعا للجميع. وأنت يا أديلينا Adelina، بتلك الرقة الحامية التى تملكينها، أعطيني معطفي وعصاي، لأنني ذاهب.(15)
ومن المستحيل بالطبع إيراد مراجع كريولية Criollista أكثر من هذه على صفحة واحدة. وتصل پروا إلى نهايتها، ويكتب بورخيس أحد إعلاناتها الختامية – ويحمل نظرياتها في الإبداع الأدبي إلى أقصى حدودها بطريقة پارودية تقريبا. ومن الجلي أن نغمة فكاهية تسود في هذه الرسالة، غير أن من المهم أيضا أن نتساءل عن مدى الحقيقة التي تقولها عن پروا. ومرة أخرى تتمثل سمتها الأكثر لفتا للنظر فيما أسميناه الكريولية الطليعية avant-garde criollismo. وعندما كتب بورخيس، في العدد 1 من پروا، عن موشورات Prismas جونثاليث لانوثا، فقد اعتنى بالتمييز بين نظريات الإبداع الأدبي الأرجنتينية الجديدة واﻠ أولترائيسمو الإسپانية. وكان الاختلاف يكمن في نسق القراءة (الذي حرَّفه بورخيس كالعادة)، وفي المكان الذي كانت تتم فيه القراءة: تحت "نجوم الضواحي". وإنما هناك، على وجه التحديد، وضع بورخيس عندئذ برنامجه الأدبي: 
إننا نؤمن بأشياء مختلفة: بأن الپامپا مكان مقدس؛ بأن أول رجل ريفي هو رجل حقا وصدقا؛ بقوة اﻠ ماليبوس malevos [المقاتلين بالسكاكين]؛ بالسخاء الحلو للضاحية arrabal. ومن بين كل ثروات العالم التي لا تحد فإن ما يخصنا حقا هما الضاحية arrabal والپامپا.(16)
وكان قد تم نفي التانجو من العالم الذي خلقته "الإرادة الإلهية" في الضواحي. ولم تستطع الطليعة الكريولية أن تجد نفسها في موسيقاها وكلمات الأغاني التي كانت ما تزال موصومة بالجريمة أو بيت الدعارة. ولهذا السبب تمحورت إعادة قراءة بورخيس حول كارييجو (السلف الحقيقي موسيقى التانجو التي ستأتي) وحول الأدب الجاوتشي. كما أنه أبرز الابتكارية الكريولية لدى ماثيدونيو ومن الصحيح دون شك أن مفارقات ماثيدونيو، وأسلوبه الفطن التلميحي conceptismo وصيغ الجمع عنده(xxix) كانت قريبة النسب بالطابع الابتكاري ﻠﻠ پيادور payador [الشاعر الفروسي الجوال]، تروبادور troubadour الجاوتشو.
على أن طبعة بورخيس من الكريولية لم تكن تمثل البرنامج الوحيد لمجلة پروا. وكمجلة "للجبهة المتحدة"، قامت پروا بعمل في "الپيداجوجيا" عن طريق نشر مختلف اتجاهات الطليعة الأوروپية. وقد قامت بهذا بصورة رئيسية من خلال سلسلة مقالات طويلة بقلم جييرمو دي تورّي  Guillermo de Torre الذي سوف يتزوج، بعد هذا مباشرة، من الفنانة نورا بورخيس Norah Borges، أخت لويس بورخيس، التي قامت بإعداد رسومات بعض أعداد پروا. ومثل مقالات كثيرة لجويرالديس، كانت مقالات دي تورّي حديثة بصورة موسوعية ولكنْ مكتوبة بنغمة بدت أكاديمية بصورة غريبة في هذا العالم من كتاب المقالات الأدبية. وإشاراته تفسيرية وتميل إلى إرشاد القارئ عبر مبادئ جمالية جديدة، بدلا من التصوير بقوة لمجال جديد يتألف من أصدقاء وحلفاء. ولأن مقالات جييرمو دي تورّي تعليمية وإلى حد ما متحذلقة فقد كانت بمثابة كتيِّب جيب vademecum تفسيري، أو بمثابة دليل a Baedeeker للأرفف الأدبية. ويوضح العرض الفطن لجويرالديس لكتاب دي تورّي الآداب الأوروپية الطليعية Literaturas europeas de vanguardia أن الكتاب يختلف في الأسلوب والذوق عن إنتاج جويرالديس وعن إنتاج بورخيس:
يُبْرز جوييرمو مجموعات وعقائد credos مجموعات، دارسا الشخصيات المعنية داخل هذه الفئات العريضة وتاركا جانبا إلى حد ما الأفراد المنعزلين الذين ليست لهم أهمية سجالية كبيرة جدا. وقد لا يكون هذا معيارا مشتركا من جانب آخرين فضلوا أن يدرسوا الأعمال باعتبارها قبل كل شيء إبداعات أفراد، تاركين جانبا السياق التاريخي للأدب ومركزين على طبيعتها الأدبية بصورة نوعية.(17)
وينطوي عرض جويرالديس على التناقض الكلاسيكي بين التاريخ الأدبي والأدب، بين القراءة الجمالية المنتجة والطابع البارد للنقد. والحقيقة أن مقالات جويرالديس نفسه مقالات شخصية للغاية وغير أكاديمية، وهي في العادة تعليقات على الرمزية وما بعد الرمزية الفرنسيتين. وفي أحد هذه المقالات، عن كتاب A. P. Barnabooth لڤاليري لاربو، يقدم جويرالديس نظرات نافذة لافتة للنظر إلى الطريقة التي قام بها بتكوين مكتبته الأدبية. وحتى بالنسبة لرجل له خلفية اجتماعية متميزة مثله، كان ذلك مغامرة شاقة. وهذه هي الثيمة الرئيسية للمقال: كيف، في 1919، أخبره صديق عائد من أوروپا عن كتاب لاربو، الذي لم يحصل عليه إلا بصعوبة كبيرة؛ وكيف أنه أقام بعد ذلك صداقة شخصية وأدبية مع لاربو؛ وكيف وجد أن من الضروري كسر الحلقة الشريرة للحداثة، والإطاحة بهيمنتها الجمالية عن طريق تقديم مبادئ جمالية أخرى، ومناصرة الشعراء الفرنسيين بتفضيلهم على داريو ولوجونيس. وحتى بالنسبة لجويرالديس، اقتضت هذه المهمة إرادة حازمة وكثيرا من التفاني:
هناك وقت كان يمثل فيه حصول المرء (في بوينوس آيرس) على كتاب، أو حتى على قصيدة، للرمزيين، عملا بطوليا. على أن حفنة من القراء الشباب، بتشجيع من التوجسات التي كانت لدينا، ومدفوعين بعناد ثوري، نجحوا في القيام بهذه الرحلة إلى منطقة محظورة. وفي حالتي أنا، قبل أن يبدأ الناس في الضحك على إنتاجي،   أعتدت عليهم يضحكون على اختياراتي للقراءة... ولهذا كان الرمزيون أساتذتنا.
كان رامبو وحيدا إلى حد أن عظمته كانت صاعقة.
وألقى [ستيفان] مالارميه [Stéphane] Malarmé إلينا بأفكار نيرة.
وبدا لنا [جول] لافورج [Jules] Laforgue الشخص الذي كان قبل كل الباقين قد عاش حالة من الجمال الشعري.
وكان [تريستان] كوربيير [Tristan] Corbière مختلفا إلى حد ما: أدب ضد الأدب، تعبير خارجي عن حساسية شرسة مجروحة بالألم.
وكانت لدينا نسخة واحدة من إيزيدور دوكاسّ Isidore Ducasse كنا نلقي بها إلى رؤوس بعضنا البعض الآخر، ليخيف كل منا الآخر.
أما [پول] كلوديل [Paul] Claudel، و[إميل] ڤيرايران [Emile] Verhaeren، هاتان الشخصيتان الكبيرتان للرمزية الجديدة (دعونا نسميها هكذا) فإنهما لم يأسرانا. الدين، الوطن الأم. لقد أردنا الأدب قبل كل شيء آخر. وكان على الكاتب أن يثبت لنا أن الفن هو لب الحياة.(18)
كان هذا هو وضع الأمور قبل 1920: عزلة فكرية، كما يوجزها جويرالديس، والبحث عن أدب جديد، يقوم بصورة جوهرية على مبدأ جمالي للتجديد. وكاتبا عن الثينتيناريو، كان لوجونيس قد أشبع فضاء الوطنية، وجويرالديس محق في حدسه بأن هذه التغيرات سوف تؤثر أيضا على النزعة القومية الثقافية. كانت هذه عتبة إرساء أسس أيديولوجيات "الجديد". وكان من الضروري استيراد كتاب أوروپيين يمكن أن يساعدوا في الإجابة على الأسئلة التي تطرحها الحركات الجمالية الجديدة والاستقلال المتنامي للفن عن الضوابط الاجتماعية. وقد أدى طابع هذا الاستيراد إلى الصراع مع الحداثيين، ولهذا السبب أعطت پروا مساحة وقيمة إستراتيجيتين لنشر المؤلفين الأجانب. وكانت هذه المساحة مختلفة اختلافا كبيرا عن القسم الكلاسيكي "الأدب الأوروپي"، الذي كانت نوسوتروس تنشره بكفاءة ولكنْ بطريقة إخبارية أكثر منها برنامجية. وقد أحدثت پروا قطيعة جذرية مع مثل هذه النزعة التقليدية عن طريق تقديم، ليس أرفف لأحدث المطبوعات، بل بالأحرى لنسق لفهم "الجديد". ولم تعط معلومات بشأن كل المؤلفين أو كل النصوص: بدلا من هذا أعطت الأدب الأوروپي وظيفة جديدة في سياق طليعة نهر پلاتي.
وفي الفنون البصرية جرى اقتراح هدف مماثل. ومثل مارتن فييرو، نظرت پروا إلى فنون الجرافيك على أنها مهمة، غير أنها تبنت أسلوبا كان أقل علوّ صوت بكثير من أسلوب مارتن فييرو، وأكثر احتفاظا بنغمتها الجادة. وقد استفادت فنون جرافيك في پروا بشدة من النقوش الصغيرة vignettes، عدد كبير منها لنورا لانخي وقليل منها من [پيدرو] فيجاري [Pedro] Figari. ونسخ العدد 4 رسومات لجوستاڤ كليمت Gustav Klimt. وملأت النقوش الصغيرة المساحات الفارغة في أسفل الصفحة، واستخدم التوضيب المكاني للمجلة الحروف الطباعية المسبوكة الانسيابية،  المؤطرة بسطور هندسية كانت تتناقض بحدة مع النقوش الصغيرة الزخرفية والزركشات الفنية لمجلة پروا في فترتها الأولى. وعلى هذا النحو كانت المجلة تُرَى في نفس الإطار الجمالي الذي كانت تقرأ فيه.
وعلاوة على هذا فقد كان الكتاب والفنانون التشكيليون، في هذه السنوات، قريبين من بعضهم البعض. وقد دافعت مختلف المطبوعات الطليعية ببسالة عن إنتاج الفنانين فيجاري و[إميليو] پيتوريتي [Emilio] Perutti. وفنون الجرافيك أشبه بالترجمة: إنها إيضاح بصري لوجهة نظر المجلة، من اللحظة التي يقوم فيها القراء لأول مرة بتصفح النص. وقد غيرت مارتن فييرو القطع التقليدي للصفحة، في حين أثبتت پروا التزامها بمبادئ حداثة جمالية أكثر اعتدالا. ولم يكن الكتاب الطليعيون يعتقدون أن فنون الجرافيك مساحة مغتصبة يجب ملؤها تماما بالكتابة؛ إنهم لم يكونوا مقتصدين، والواقع أنه لم يكن لديهم سبب ليكونوا كذلك.
وإذا كانت هناك سياسة إزاء فن الجرافيك، فقد كان هناك أيضا تحرك لبدء ما يسميه بورخيس "سياسة لغوية".(19) فماذا كانت تعني هذه السياسة اللغوية؟ ولماذا كانت ضرورية؟ وكان كل من بورخيس وجونثاليث لانوثا في هذه السنوات قد قاما بالتجريب في قواعد الإملاء.(20) وكان بيان- إعلان پريسما مكتوبا وفقا للقواعد الجديدة التي سوف يستخدمها بورخيس في كتبه الأولى. ويمكن النظر إلى الإصلاح الهجائي على أنه يلعب دورا هاما في مشروع الطليعة حتى وإنْ كان كاتبان فقط فد تبنياه بصورة عابرة. ذلك أنه كان ينطوي على قطيعة مع المعايير الأكاديمية وكان يشعل الجدال بين الطليعة وإسپانيا ذلك الجدال الذي اندلع في مارتن فييرو، كما سبق أن رأينا، عندما كان يجري اقتراح أن تكون مدريد هي "خط السمت الثقافي" لأمريكا اللاتينية وقد حطم بورخيس هذه الفكرة في رده على أميريكو كاسترو Américo Castro. غير أن الأهم هو واقع أن هذا الهجاء البوينوس آيرسي porteño كان دحضا للمعايير اللغوية يُوازي دحض الشعر لمعايير العروض. وكانت له دلالات أيديولوجية وجمالية لأنه كان يمثل- من ناحية فنون الجرافيك- اللغة الشفاهية الحضرية لنهر پلاتي، التي كان يعمل عليها بورخيس في ذلك الحين. وقد صار في الحال عملا بارزا معترفا به: كان كافيا أن يراها المرء في شكلها الجرافيكي. وعلاوة على هذا فإن هذا المشروع قام بتنفيذه كتاب كانوا واثقين بصوتياتهم مثلما كانوا واثقين بأصولهم. ولم يكن لمثل هذا السلوك أن يكون قابلا للتفكير بين القادمين حديثا إلى المشهد الفكري، الذين كانوا غير واثقين بهجائهم، أو بين أولئك الذين كان اكتساب اللغة بالنسبة لهم عملية حديثة ومؤلمة. وكما في إنتاج سارميينتو فإن إصلاح الهجاء يوتوپي وراديكالي، مما يدل على عمق ومدى تغيرات أخرى في الأسلوب، والشكل، والعروض. وهو لم يقدم تدوينا قائما على محاكاة اللغة الشفاهية، بل بالأحرى دحضا للمعايير على كل المستويات.
وكانت مشكلة اللغة أساسية بالنسبة للطليعة الأرجنتينية، في المحل الأول لأنها كانت مشكلة أساسية من مشكلات المجتمع الأوسع: بدت اللغة غير موثوقة ليس لأسباب تتعلق بالنقاء اللغوي الزائد بل لأن بوينوس آيرس كانت قد صارت في العقود الأخيرة ميناءً حرا للمهاجرين إلى الأرجنتين. وحتى المجال الفكري كان يتألف من أصوات لا تشارك في السجل اللغوي، المكتسب على مرّ سنين عديدة، للكريولو القدامى. وكانت هناك تغيرات صرفية صوتية أخرى مزاحمة للمساحة ومفسدة الأدب. وكان بورخيس مجادلا تهكميا في هذا الجدال مع دعاة النقاء اللغوي، لأنه أيضا عارض، بطريقته الخاصة، اللونفاردو [العامية الحضرية] lunfardo، التي نظر إليها على أنها هجين من الضواحي والهجرة إلى الأرجنتين:
غير أن من الضروري أن نميز بين الثروات الخارجية والجوهرية. فالمرء يستعمل التعبير الصحيح اللاتيني prostituta (مومس). ويسقط المعجم على رأسه، مُسْكتا إياه بكلمات مثل meretriz و buscona(xxx) وسوف يضيف بلطجي الحي كلمات مثل yiro، yiradora، turra، mina، milonga(xxxi). وهذا لا يثبت غنى لغتنا. إنه، بالأحرى، استعراض مبهرج- إذ أن مقلب الزبالة هذا لا يساعد على الإحساس أو التفكير.(21)
ويدل هذا النص لبورخيس على استعماله الخاص للغة، أحد الاختراعات العظيمة لتلك الفترة: “se le viene encima” ("يسقط على رأسه")، “le tapa la boca” ("يُسْكته"، حرفيا "يُقفل فمه")، “farolería” ("استعراض مبهرج")، “cambalache” ("مقلب زبالة") كلها كلمات وتعابير مأخوذة من لغة الحديث الإسپانية لنهر پلاتي. ويقوم بورخيس هنا بإضفاء الطابع الكريولي، وهو أحد أكثر المشروعات الممكنة مخاطرة إذا أخذنا في الاعتبار المحاولات الرامية إلى خلق الأدب الكريولي الملحوظة من قبل في الأرجنتين. و"إضفاء الطابع الكريولي" من جانب بورخيس يدفع باستمرار إلى الحدود القصوى: إنه يُدْخل تغييرات معجمية lexical ونحوية syntactical، ولكنه قبل كل شيء يؤثر في إيقاع نقطة الوقف والجملة. ومن الجلي أنه ليس مشروعا معجميا، لأن بورخيس يتفادى اللونفاردو (العامية الحضرية) والتعبيرات الجاوتشية، ويختار بدلا منها مجموعة من الكلمات ذات خطوط خارجية غير واضحة المعالم، وتعبيرات يمكن الرجوع بها أحيانا إلى الجاوتشية ولكنْ يمكن دائما تقريبا أن نجدها في لغة حديث الكريولو الحضريين منذ عهد طويل. وهي مجموعة مألوفة وذكورية، ولكنها ليست أبدا عامية أو سوقية.
وتقوم سياسة للغة على أساس الاقتناع بأن هذه اللغة أداة تاريخية ومتغيرة ولهذا يمكن في آن معا أن تقاوم النسق وأن تقدم قماشة توضع عليها بصمات حساسية وأمة:
ما أتمنى أن أقوم به هو أن أوقظ لدى كل كاتب إدراك أن الإمكانات الكامنة في اللغات نادرا ما تنغلق. وأن مجدنا وواجبنا جميعا يكمن في مضاعفتها وتنويعها. وكل جيل أدبي واع فهم هذه الحقيقة.(22)
والحقيقة أن الخيال اللغوي تغلغل في هذه الأعمال لبورخيس ووجه قراءاته للأدب الجاوتشي، التي ظهرت في پروا وفيما بعد في سُورْ. وكان ما امتلكه خيالا في مقابل التقاليد المعقدة للحداثيين إزاء الحَرْفية literalness اللا-إبداعية anti-poetic في لغة الكتاب الإنسانيين اليساريين. وقد قفز هذا الخيال اللغوي إلى الوراء وبالعرض بحرية كان في استطاعة الطليعة فقط إنتاجها: تجاه الجاوتشية، تجاه التقاليد الكريولية القديمة، تجاه التغيرات الصرفية للغة الشفاهية البسيطة والتافهة. وعلى هذا النحو منحت طليعة العشرينات النزعة القومية الثقافية تعريفا شكليا وجماليا جديدا. والحقيقة أن الخيال الأدبي، الذي تحرر أخيرا من الحداثة، أعاد تعريف فضاء الآداب الأرجنتينية.
إشارات
 
1: Néstor Ibarra, La nueva poesía argentina, Buenos Aires 1930, pp. 15-16.
2: Ibid., p. 21.
3: Poesía, 1-2, 1933, p. 43.
4: Simplismo: poemas inventados por Alberto Hidalgo, Buenos Aires 1925, p. 13.
5: Prologue to La roas blindada (1936), quoted in the Horisonte edition, Buenos Aires 1962.
6: La nueva poesía argentina, p. 127.
7: Vicente Huidobro, Obras completas, Santiago de Chile 1964, p. 686. On Huidobro, see George Yúdice, Vicente Huidobro y la motivaciόn del lenguaje, Buenos Aires 1978.
8: Anatomía de mi Ultra, text of 1921, quoted in César Fernández Moreno, La realidad y los papeles, Madrid 1967, p. 493.
9:  Proa, 1, p. 40.
10: Ibid., pp. 4-5.
11:  يشير راؤول كريسافيو Raúl Crisafio إلى أن: "نظريات الإبداع الأدبي الجديدة كانت تتعارض بعنف مع المجتمع <التجاري>. وقد عارضت هذا المجتمع بالاستخدام، في أكثر من مناسبة، لأفكار ومشاعر كانت ماثلة في <الإصلاح الجامعي> في 1918.... طالبت بتدمير مؤسسات تقليدية وطفيلية بالية وأدانت رضوخ السكان للروتين اليومي والرفض بالتالي لأيّ شيء جديد". “Buedo-Florida e la letterature argentina degli anni venti”, Materiali Critici (Geneva), 2, 1981, p. 374. وتشير ماريا لويزا باستوس أيضا إلى هذه الآثار الأسلوبية في إينيثيال: انظر بحثها Borges ante la Crítica argentina 1923-1960, Buenos Aires 1974, pp. 24, 25 and 38.
12: Proa, 1, pp. 4-6.
13: تعليق غير موقع Proa, 1, p. 28. على جمعية "أصدقاء الفن" “Amigos del Arte”.
14: Proa, 10, pp. 65-6.
15: رسالة بتاريخ 1 يوليو 1925 ومنشورة في پروا Proa, 15, pp. 26-7.
16: “La pampa y el suburbio son dioses”, Proa, no. 15.
17: Proa, 8, p. 15.
18: “Un libro”, Proa, 3, pp. 35-6.
19: “El idioma infinito”, Proa, no. 12.
20: حذف “d” في نهاية كلمة؛ استعمال “i” بدلا من “y” في أدوات العطف وفي نهاية كلمة تحتوي على اجتماع صوتيْ حركة في النطق a diphthong؛ استعمال غير منتظم ولكن لا يُراعَى دائما ﻠ “j” بدلا من “g”. 
21: “El idioma infinito”, p. 43.
22: Ibid., p. 46.
 
إشارات أسفل الصفحات
 
* الفصل الثامن
xxii: يشير تعبير sencillista و sencillismo إلى الشعر الذي حاول أن يتشبث بنغمة لغة الحديث وأن يعمل على الموضوعات اليومية في مقابل غرائبية الحداثة.
xxiii: Index of the New American Poetry, 1926.
xxiv: الداريووية= الروبنية المذكورة في الفقرة السابقة: نسبة إلى روبن داريو في الحالتين- المترجم.
xxv: الأرييلية  Arielism: تسَمَّى الحركة الروحية spiritualist التي نمت في نهر پلاتي خلال العقدين الأولين من القرن العشرين ضد الوضعية بالأرييلية بعد المقال الهام للكاتب الأوروجوايي خوسيه إنريكي رودو José Enrique Rodό، المنشور في 1900، مستخدما التعارض بين شخصيتيْ شكسپير: أرييل Ariel وكاليبان Caliban، حيث انتقد مادية النخب المحلية واقترح تجديدا أخلاقيا وثقافيا بالاعتماد في جانب لا يستهان به على الشباب المثقف في القارة.  
xxvi: المنزل الريفي لجويرالديس وهو نموذج الإطار المكاني لروايته دون سيجوندو سومبرا.
xxii: في أغلب الأحيان يتم شرب شاي الماتيه جماعة. ويجري تمرير القرعة المجوفة على حلقة من الأصدقاء.
xxviii: يلعب بورخيس هنا بصفات مركبة بأسلوب ماثيدونيو.
xxix: استعمل ماثيدونيو أسماء المعاني abstract nouns في صيغة الجمع، وهو استعمال ليس شائعا جدا في اللغة الإسپانية، غير أنه يمكن أن نجدها في أغنية "المبارزات" في قصيدة مارتن فييرو.
xxx: كلمتان "أدبيتان" بمعنى بغي أو مومس.
xxxi: كلمات لونفاردو [عامية حضرية] lunfardo بمعنى "المشي في الشوارع"، "التي تمشي في الشوارع"، "التي تستلقي بسهولة"، "دمية"، "ميلونجا" (شكل أغنية ورقصة).
 
    
 
 
                            
 
 
 
 
 
المؤلفة فى سطور
بياتريث سارلو
 أستاذة الأدب الأرجنتيني بجامعة بوينوس آيرس. عملت أستاذة زائرة في العديد من الجامعات في الولايات المتحدة ثم أستاذة كرسي سيمون بوليڤار للدراسات الأمريكية اللاتينية بجامعة كامبردج. تدير، منذ 1978 ، المجلة الثقافية "وجهة نظر" وهي أهم مجلة للنظرية الاشتراكية في الأرجنتين. ألفت العديد من الكتب والأبحاث والمقالات البالغة الأهمية عن الأدب الأرجنتيني والثقافة الأرجنتينية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المترجم فى سطور
خليل كلفت
 كاتب ومترجم مصري. كتب العديد من مقالات النقد الأدبي وقليلا جدا من القصص القصيرة في النصف الثاني من الستينات. وفي النصف الثاني من السبعينات كتب (باسم قلم) العديد من المقالات والكتب في مختلف مجالات السياسة المصرية والعربية والعالمية والمسألة الزراعية في مصر ومسألة القومية العربية وغيرها. يعمل منذ بداية الثمانينات في مجال إعداد المعاجم والترجمة عن الإنجليزية والفرنسية حيث ترجم العديد من الكتب في مجالات الأدب والنقد الأدبي والسياسة والفكر، كما نشر العديد من المقالات والدراسات السياسية والثقافية واللغوية. صدر له مؤخرا (بالاشتراك مع علي كلفت) ترجمة لكتاب "عالم جديد" لمؤلفيْه فيديريكو مايور و چيروم بانديه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
ببليوجرافيا خليل كلفت
 
تأليف
* نشر العديد من المقالات والكتب فى مجالات النقد الأدبى واللغة والسياسة والفكر وله الكتب التالية:
النقد الأدبى واللغة:
1: النموذج الثورى فى شعر عبد الوهاب البياتى، (بالاشتراك فى عمل جماعى) بغداد، الطبعة الأولى، 1972.
2: خطوات فى النقد الأدبى، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى، القاهرة، 2005.
3: معجم تصريف الأفعال العربية، (بالاشتراك مع حسن بيومى وأحمد الشافعى) دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1989.
4: من أجل نحو عربى جديد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2009.
السياسة والفكر:
1: القرن الحادى والعشرون: حلم أم كابوس؟، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى، القاهرة، 2007.
* نشر (باسم قلم: صالح محمد صالح) العديد من المقالات والكتب فى مجالات الاقتصاد والسياسة والفكر، ومن كتبه باسم القلم المذكور:
1: الإقطاع والرأسمالية الزراعية فى مصر - من عهد محمد على إلى عهد عبد الناصر [الاسم الأصلى للكتاب: تطور الرأسمالية الزراعية فى مصر قبل 1952]، دار ابن خلدون، بيروت، الطبعة الأولى، 1979.
2: حول أسلوب الإنتاج الآسيوى، سلسلة دليل المناضل فى النظرية، الطبعة الأولى، دار ابن خلدون، بيروت، 1978.
ترجمة:
 *  نشر فى الصحف والمجلات المصرية والعربية عشرات المواد المترجمة فى مجالات الأدب والنقد الأدبى والفكر والسياسة وقصص الأطفال، وله الكتب المترجمة التالية:
أدب:
1: ماشادو ده أسيس: السراية الخضراء (رواية قصيرة)، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1991، [عن الإنجليزية].
2: ماشادو ده أسيس: دون كازمورّو (رواية)،
ا: الطبعة الأولى، 1991، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة [عن الإنجليزية].
ب: الطبعة الثانية، 2012، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة.
3: خ. ل. بورخيس: مختارات الميتافيزيقا والفانتازيا (قصص، مقالات، أشعار، حكاية رمزية)، ا: الطبعة الأولى، دار شرقيات، القاهرة، 2000، [عن الإنجليزية].
ب: الطبعة الثانية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 2008.
4: مجموعة من الكتاب البرازيليين: قصص برازيلية (بالاشتراك مع سحر توفيق)، إبداعات عالمية، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الطبعة الأولى، 2000، [عن الإنجليزية].
5: مجموعة من الكتاب: آدم وحواء وقصص أخرى من أمريكا اللاتينية، سلسلة آفاق عالمية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2008، [عن الإنجليزية].
6: ماشادو ده أسيس: حكاية سكندرية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2009، [عن الإنجليزية].
أدب الأطفال والناشئة:
1: ريتا جولدن چيلمان: شخابيطو تشخبط (قصة مصورة)، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006، [عن الإنجليزية].
2: آنا ماريا روميرو يبرا: دينو، الديناصور [Ufito, el dinosaurio]، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006، [عن الإسپانية]. 
3: ميكيل بالبيردى: ملك الغابة [El rey de la selva]، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006، [عن الإسپانية].
4: آنى جروڤى، تيمور والتعبيرات، (بالاشتراك مع هويدا نور الدين)، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، القاهرة، 2006، [عن الفرنسية].
5: برنار كلاڤيل: أساطير البحر، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007، [عن الفرنسية].
6: برنار كلاڤيل: أساطير الجبال والغابات، المشروع القومى للترجمة، المركز القومى للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007، [عن الفرنسية].
7: برنار كلاڤيل: أساطير البحيرات والأنهار، المشروع القومى للترجمة، المركز القومى للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2008، [عن الفرنسية].
نقد أدبى:
1: يورى كارياكين: دوستويڤسكى - إعادة قراءة، كومبيونشر للدراسات والإعلام والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1991، [عن الإنجليزية].
2: پول ب. ديكسون: الأسطورة والحداثة: حول رواية دون كازمورّو، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1998، [عن الإنجليزية].
3: مجموعة من الكتاب: عوالم بورخيس الخيالية، آفاق الترجمة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1999، [عن الإنجليزية].
4: بياتريث سارلو: بورخيس: كاتب على الحافة، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2004، [عن الإنجليزية].
5: ماريا تيموسكو: الترجمة فى سياق ما بعد كولونيالى: ترجمة الأدب الآيرلندى المبكر إلى الإنجليزية، المشروع القومى للترجمة، المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2009، الطبعة الأولى، [عن الإنجليزية].      
فكر سياسى واقتصادى وفلسفى:
1: وثائق محكمة الشعوب الدائمة للرابطة الدولية لحقوق وتحرر الشعوب - جلسة بشأن أرتريا، ميلانو، إيطاليا، 24-26 مايو 1980: قضية أرتريا، الطبعة الأولى، پاريس، 1985، [عن الإنجليزية والفرنسية].
2: سيرچ لاتوش: تغريب العالم: دراسة حول دلالة ومغزى وحدود تنميط العالم، الطبعة الأولى، دار العالم الثالث (بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، ا: الطبعة الأولى، 1992، [عن الفرنسية].
ب: (طبعة ثانية، المغرب، ؟!).
3: توما كوترو وميشيل إسّون: مصير العالم الثالث، دار العالم الثالث (بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، الطبعة الأولى، 1995، [عن الفرنسية].
4: راؤول چيرارديه: الأساطير والميثولوچيات السياسية، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع (بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، الطبعة الأولى، 1995، [عن الفرنسية]. 
5: كريس هارمان: العاصفة تهب (حول انهيار النموذج السوڤييتى)، دار النهر، القاهرة،
ا: الطبعة الأولى، 1995، [عن الإنجليزية].
ب: الطبعة الثانية بعنوان: انهيار النموذج السوڤييتي- الأسباب والنتائج، المشروع القومى للثقافة، المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2010.  
6: فيل سليتر: مدرسة فرانكفورت: نشأتها ومغزاها - وجهة نظر ماركسية، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة،
ا: الطبعة الأولى، 2000، [عن الإنجليزية].
ب: الطبعة الثانية، المشروع القومى للترجمة، 2004،. 
7: فيديريكو مايور و چيروم بانديه: عالم جديد (بالتعاون مع منظمة اليونسكو؛ بالاشتراك مع على كلفت)، دار النهار للنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2002، [عن الفرنسية].
8: إينياسيو رامونيه: حروب القرن الحادى والعشرين : مخاوف وأخطار جديدة،
ا: الطبعة الأولى، دار العالم الثالث (بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، الطبعة الأولى، 2005 ، [عن الفرنسية].
ب: الطبعة الثانية، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2006.
9: إيڤ ميشو (إشراف) جامعة كل المعارف: ما الحياة؟ (بالاشتراك فى ترجمة جماعية) المجلس الأعلى للثقافة (بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، 2005، الطبعة الأولى، [عن الفرنسية].
10: إيڤ ميشو (إشراف) جامعة كل المعارف: ما الثقافة؟ (بالاشتراك فى ترجمة جماعية) المجلس الأعلى للثقافة (بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، 2005، الطبعة الأولى، [عن الفرنسية].
11: نخبة من المؤلفين: تحولات عالمية عند منعطف القرن: دراسات ومقالات سياسية واجتماعية واقتصادية، دار هفن، القاهرة، 2008، الطبعة الأولى، [عن الإنجليزية والفرنسية].
12: چوزيف ستيجليتز و أندرو تشارلتون: تجارة عادلة للجميع، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، (بالتعاون مع مشروع "كلمة")، القاهرة، 2009، الطبعة الأولى، [عن الإنجليزية].
13: ألكسى دو توكڤيل: النظام القديم والثورة الفرنسية، المشروع القومى للترجمة، المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2010، الطبعة الأولى، [عن الفرنسية].
14: بى. سى. سميث: كيف نفهم سياسات العالم الثالث، نظريات التغيير السياسىّ والتنمية، المشروع القومى للترجمة، المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2011، الطبعة الأولى، [عن الإنجليزية].
معاجم:
1: الياس–هاراب القاموس التجارى إنجليزى-عربى، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1996، [عن الإنجليزية].
2: چيرار سوسان و چورچ لابيكا: معجم الماركسية النقدى (بالاشتراك فى ترجمة جماعية)، دار محمد على للنشر، صفاقس، تونس، و دار الفارابى ، بيروت (بالتعاون مع منظمة اليونسكو)، الطبعة الأولى، 2003، [عن الفرنسية].
مراجعة و/أو تقديم:
1: (مراجعة) تونى كليف: رأسمالية الدولة فى روسيا، ترجمة عمر الشافعى، مركز الدراسات الاشتراكية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1998، [عن الإنجليزية]. 
2: (مراجعة وتقديم) هاوارد كايجل وآخرون: أقدم لك ... ڤالتر بنيامين، ترجمة: وفاء عبد القادر مصطفى، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2005، [عن الإنجليزية].
3: (مراجعة) چن دى: الترجمة الأدبية - رحلة البحث عن الاتساق الفنى: ترجمة: محمد فتحى كلفت، المشروع القومى للترجمة، المركز القومى للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2009، [عن الإنجليزية].
4: (تقديم) وولتر إمرى: مصر وبلاد النوبة، ترجمة: تحفة حندوسة، مراجعة: عبد المنعم أبوبكر، المشروع القومى للترجمة، المركز القومى للترجمة، سلسلة ميراث الترجمة، القاهرة، 2008، [عن الإنجليزية].
5: كريس هارمان: إنجلس وأصل المجتمع البشرى، ترجمة: هند خليل كلفت، المشروع القومى للترجمة، المركز القومى للترجمة، القاهرة، [عن الإنجليزية].
 
يصدر له قريبا:
تأليف:
 
السياسة والفكر:
ب: القرن الحادى والعشرون: حلم أم كابوس؟، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الثانية، القاهرة.
2: ثورة 25 يناير 2011 طبيعتها وآفاقها، دار ميريت
3: ثورة 25 يناير فى النصف الأول من 2012
 
النقد الأدبى واللغة:
5: الازدواج اللغوى فى العالم العربى، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.
ترجمة:
فكر سياسى واقتصادى وفلسفى:
15: أندرو ڤنسنت: الأيديولوچيات السياسية الحديثة، المشروع القومى للترجمة، المركز القومى للترجمة، القاهرة، [عن الإنجليزية].
أدب:
7: ساندرا سيسنيروس: بيتنا فى شارع المانجو، المشروع القومى للترجمة، المركز القومى للترجمة، القاهرة، (رواية)، [عن الإنجليزية].
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كلمة الغلاف                                                                                                                                                             
يدور هذا الكتاب حول فكرة مؤداها أن أدب بورخيس أدب عالمي وفي الوقت نفسه أدب قومي أرجنتيني، من داخل وضد التراث الأرجنتيني والثقافة الأرجنتينية. وهو بهذا يتحدى الطريقة التي يجري بها تقديم بورخيس في المناخ الأوروبي الراهن، أيْ بورخيس الذي تفسره الثقافة الغربية (ويفسرها في الوقت نفسه) وكذلك التفاسير التي تقدمها هذه الثقافة أيضا للشرق، وليس أيضا بورخيس الذي تفسره الثقافة الأرجنتينية (ويفسرها)، وبصورة خاصة ثقافة بوينوس آيرس. وعلى هذا النحو فإن هذه القراءات "العالمية الطابع" تدع جانبا مظاهر حيوية لكتابات بورخيس، خاصة صلات إنتاجه بالتاريخ الأرجنتيني في القرن التاسع عشر وبتطور الحداثة الثقافية في الأرجنتين في العقود الأولى من القرن العشرين. والحقيقة أن بورخيس يكتب عند مفترق الطرق الذي تلتقي عنده الثقافة الأوروبية والثقافة الأرجنتينية. ويثبت إنتاجه مدى عظمة الأدب الذي يمكن إنتاجه في أمة طرفية هامشية ثقافيا، على حافة الثقافة الغربية. غير أن هدف سارلو لا يتمثل في تفضيل قراءة واحدة لبورخيس بل كان هدفها تقديم طرق مختلفة لقراءته تأخذ في الحسبان الطبيعة المزدوجة والمتناقضة دوما لإنتاجه الأدبي، بعيدا عن كل تبسيط. فهو في الحقيقة كاتب عالمي وفي الوقت نفسه قومي بعمق، طرفيّ في المركز، كوزموﭙوليتاني في الحافة.
 
    
 
 
 
 
 
 
 
 

  
 
 
Bibliography
 
Works by J.L.Borges
[Dates correspond to first editions]
 
Fervor de Buenos Aires, Buenos Aires 1923.
Luna de enfrente, Buenos Aires 1925.
Inquisiciones, Buenos Aires 1925.
El tamaño de mi esperanza, Buenos Aires 1926.
El idioma de los argentinos, Buenos Aires 1928.
Cuaderno San Martín, Buenos Aires 1929.
Evaristo Carriego, Buenos Aires 1930.
Discusión, Buenos Aires 1932.
Historia universal de la infamia, Buenos Aires 1935.
Historia de la eternidad, Buenos Aires 1936.
Antología de la literatura fantástica (with Silvina Ocampo and Adolfo Bioy Casares), Buenos Aires 1940.
El jardín de los senderos que se bifurcan, Buenos Aires 1941.
Seis problemas para don Isidro Parodi (with A. Bioy Casares), Buenos Aires 1942.
Poemas (1922-1943), Buenos Aires 1943.
Artificios, Buenos Aires 1944.
Ficciones (1935-1944), Buenos Aires 1944.
El Aleph, Buenos Aires 1949.
La muerte y la brújula, Buenos Aires 1951.
Otras inquisiciones, Buenos Aires 1952.
 
El Martín Fierro , Buenos Aires 1953.
Poemas (1923-1958), Buenos Aires 1958.
El Hacedor, Buenos Aires 1960.
El lenguaje de Buenos Aires, Buenos Aires 1963.
El otro, el mismo, Buenos Aires 1964.
Obra poética (1923-1964), Buenos Aires 1964.
Para las seis cuerdas, Buenos Aires 1965.
Crónicas de Bustos Domecq (with A. Bioy Casares), Buenos Aires 1967.
Elogio de la sombra, Buenos Aires 1969.
El informe de Brodie, Buenos Aires 1970.
El oro de los tigres, Buenos Aires 1972.
Obras completas 1923-1972, Buenos Aires 1974.
El libro de arena, Buenos Aires 1975.
La rosa profunda, Buenos Aires 1975.
Prólogos. Con un prólogo de prólogos, Buenos Aires 1975.
La moneda de hierro, Buenos Aires 1976.
Cosmogonías, Buenos Aires 1976.
Rosa y azul, Barcelona 1977.
Historia de la noche, Buenos Aires 1977.
El libro de los seres imaginarios, Buenos Aires 1978.
Borges oral, Buenos Aires 1979.
Siete noches, México 1980.
La cifra, Buenos Aires 1981.
Nueve ensayos dantescos, Madrid 1982.
Los conjurados, Madrid 1985.
Atlas, Barcelona 1986.
Textos cautivos (edited by E.Sacerio Gari and E. Rodríguez Monegal), Barcelona 1986.
 


English Translations
 
Publication dates are taken from Jason Wilson, An A to Z of Modern Latin American Literature in English Translation, Institute of Latin American Studies, Longon, 1989, pp. 20-22.
Labyrinths: Selected Stories and Other Writings, New -dir-ections: New York, 1962 Penguin Books: Hardsmondsworth, 1970.
Ficciones, Grove Press, New York, 1962: Weidenfeld & Nicholson: London, 1962 publ. as Fictions, Calder: London, 1965.
Other Inquisitions, Univ. of Texas Press: Austin, 1964 Simon & Schuster: New York, 1965 Washington Square Press: New York, 1966 Souvenir Press: London, 1973.
Dreamtigers, Univ. of Texas Press: Austin, 1964 Souvenir Press: London, 1973.
A Personal Anthology, Grove Press: New York, 1967 Cape: London, 1968 Picador: London, 1972.
The Book of Imaginary Beings, (with Margarita Guerrero), Dutton: New York, 1969 Cape: London, 1970 Avon Books: New York, 1970 Penguin Books: Hardmondsworth, 1984.
The Aleph and Other Stories, 1933-1969, Dutton: New York, 1970 Cape: London, 1971 Picador: London, 1973.
Extraordinary Tales, (with Adolfo Bioy Casares), New York, 1971 Souvenir Press: London, 1973.  
An Introduction to American Literature, (with Esther Zemborain de Torres), Univ. of Kentucky Press: kentucky, 1971 Schoken: New York, 1973.
Selected Poems (1923-1967), Delacorte Press: New York, 1972 Allen Lane: Harmondsworth, 1972 Penguin Books: Hardmondsworth, 1985.
A Universal History of Infamy, Dutton: New York, 1972 Allen Lane: London, 1973 Penguin Books: Harmondsworth, 1975.
Doctor Brodie s Report, Dutton: New York, 1972 Bantam: New York, 1973 Allen Lane: Harmondsworth, 1974 Penguin Books: Harmondsworth, 1976.
The Congress, Enitharmon Press: London, 1973.
In Praise of Darkness, Dutton: New YOrk, 1974 Allen Lane: London, 1975.
Introduction to English Literature, (with María Esther Vásquez), Robson Books: London, 1975.
Chronicles of Bustos Domecq, (with Adolfo Bioy Casares), Dutton: New York, 1976 Allen Lane: London, 1982.
The Gold of the Tigers. Selected Later Poems. Dutton: New York, 1977.
The Book of Sand, Dutton: New York, 1977 Allen Lane: London, 1979 Penguin Books: Harmondsworth, 1979.
Six Problems for Don Isidro Parodi, (with Adolfo Bioy Casares), Dutton: New York, 1981 Allen Lane: London, 1981.
Borges. A Reader. A Selection from the Writings of Jorge Luis Borges. Dutton: New York, 1981.  
Evaristo Carriego, Dutton: New York, 1984.
Seven Nights, New -dir-ections: New York, 1984 Faber & Faber: London, 1986.
Atlas in collab, with María Kodoma, Dutton: New York, 1985 Viking: London, 1986.
 
Selected works on J.L.Borges
 
Jaime Alazraki, La prosa narrativa de Jorge Luis Borges, Madrid 1968.
---,Jorge Luis Borges, New York 1971.
---,Versiones, inversiones, reversiones, Madrid 1977.
---(ed.) Critical Essays on Jorge Luis Borges, Boston 1987.
Daniel Balderston, El precursor velado: R.L.Stevenson en la obra de Borges, Buenos Aires 1985.
---,The Literary Universe of Jorge Luis Borges, New York 1986.
Ana María Barrenechea, La expresión de la irrealidad en la obra de Jorge Luis Borges, Buenos Aires, 1967.
Willis Barnstone, Borges at Eighty Conversations, Bloomington 1982
María Luisa Bastos, Borges ante la crítica argentina, Buenos Aires 1974.
Gene Bell-Villada, Borges and His Fiction: A Guide to His Mind and Art, Chapel Hill 1981.
Harold Bloom (ed.), Jorge Luis Borges, New York 1986.
Richard Burgin, Conversations with Jorge Luis Borges, New York 1970.
Roger Caillois, Postface du traducteur , in Jorge Luis Borges, Histoire de l infamie/Histoire de l eternité, Paris 1964.
Michael Capobianco, Mathematics in the "Ficciones" of Jorge Luis Borges , International Fiction Review, Winter 1982.
Cleon Wade Capsus, The Poetry of Jorge Luis Borges, New Mexico 1964.
Serge Champeau, Borges et la métaphysique, Paris 1990.
George Charbonnier, Entretiens avec J.L. Borges, Paris 1967.
Ronald Christ, The Narrow Act Borges Art of Allusion, New York 1969.
David Cohen, An Introduction to Borges Labyrinths, Boston 1970.
John Alexander Coleman, Notes on Borges and American Literature , TriQuaterly, no. 25, 1972.
Edgardo Cozarinsky, Borges y el cine, Buenos Aires 1974.
Cuarenta inquisiciones sobre Borges, especial issue, Revista Iberoamericana, vol. 43, no. 100-101, 1977.
Giovanna De Garayalde, Jorge Luis Borges: Sources and Illumination, London 1979.
Albert Devran, Borges et la Kabbale, Brussels 1967.
Arturo Echevarría, Lengua y literatura de Borges, Barcelona 1983.
César Fernández Moreno, Esquema de Borges, Buenos Aires 1957.
Osvaldo Ferrari, Libro de diálogos, Buenos Aires 1986.
Angel Flores (ed.), Expliquemos a Borges como poeta, México 1984.
David William Foster, Jorge Luis Borges. An Annotated Primary and Secondary Bibliography, New York 1984.
Zunilda Gertel, Borges y su retorno a la poesía, New York 1967.
Gerardo Goloboff, Leer Borges, Buenos Aires 1978.
Cristina Grau, Borges y la arquitectura, Madrid 1989.
Rafael Gutiérrez Girardot, Jorge Luis Borges: ensayo de interpretación, Madrid 1959.
James Irby, Borges and the Idea of Utopia , Books Abroad, vol. 45, no. 3, 1971.
Introduction , Labyrinths, Penguin 1970.
The Structure of the Stories of J.L.Borges, Michigan 1963.
James Irby, Napoleón Murat, Carlos Peralta, Encuentro con Borges, Buenos Aires 1968.
Alicia Jurado, Genio y figura de Jorge Luis Borges, Buenos Aires 1964.
John King, "A Curiously Colonial Perfromance": The Ec-centric Vision of V.S.Naipaul and J.L.Borges , The Yearbook of English Studies, vol.13, 1983.
L Herne, especial issue on Jorge Luis Borges, Paris 1964.
Robert Lima (ed.), Borges the Labyrinth Maker, New York 1965.
Gabriela Massuh, Borges: una estética del silencio, Buenos Aires 1980.
Blas Matamoro, Jorge Luis Borges o el juego trascendente, Buenos Aires 1980.
Jean de Milleret, Entretiens avec J.L.Borges, Paris 1967.
Sylvia Molloy, Las letras de Borges, Buenos Aires 1979.
Juan Nuño, La filosofía de Borges, México 1987.
Victoria Ocampo, Diálogo con Borges, Buenos Aires 1969.
Roberto Paoli, Borges. Percorsi di significato, Firenze 1977.
Alberto Julián Pérez, Poética de la prosa de J.L. Borges, Madrid 1986.
Enrique Pezzoni, El texto y sus voces, Buenos Aires 1989.
Adolfo Prieto, Borges y la nueva generación, Buenos Aires 1954.
Prose for Borges, Evanston 1974.
Jaime Rest, El laberinto del universo, Buenos Aires 1977.
Emir Rodríguez Monegal, Borges: hacia una interpretación, Madrid 1976.
Borges par lui-même, Paris 1970.
Jorge Luis Borges: A Literary Biography, New York 1978.
Martin Stabb, Jorge Luis Borges, New York 1970.
Saúl Sosnowski, Borges y la cábala: la búsqueda del verbo, Buenos Aires 1976.
John Sturrock, Paper Tigers: The Ideal Fictions of Jorge Luis Borges, Oxford 1977.
María Esther Vázquez, Borges: imágenes, memorias, diálogos, Caracas 1977.
Cesco Vian, Invito alla lettura di Jorge Luis Borges, Milano 1980.
Carter Wheelock, The Mythmaker A Study of Motif and Symbol in the Short Stories of Jorge Luis Borges, Austin 1969.
Saul Yurkievich, Fundadores de la nueva poesía latinoamericana, Barcelona 1971.