العنف .. فى جوهر الإسلام؟


خليل كلفت
الحوار المتمدن - العدد: 5465 - 2017 / 3 / 19 - 09:23
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

يعتقد كثير من المثقفين، خاصة ونحن فى غمرة هذا العنف الوحشى فى سياق حرب إسلامية سياسية عالمية بالوكالة عن الإمپريالية الأمريكية وحلفائها، أن العنف ماثل فى صميم نصّ وممارسة الإسلام؛ كما يُثبت فى نظرهم تاريخ طويل من عنف الحروب والفتوحات الإسلامية.
والحقيقة أن هذه الفكرة لا تصمد للتحليل والنقد. وهى تقترن عادة بالصراع الفكرى مع الإسلام كدين، وبالصراع الحربى مع الإسلام السياسى. ويُقال إن خصوصية العنف فى الإسلام ترتبط بأن العنف وارد فى صميم النص الإسلامى. غير أن النص على العنف وارد فى كل دين، متخذا حدة بالغة عندما تكون نشأة دين أو مراحله اللاحقة محاطة بصراعات سياسية وحروب.
ولا شك فى أن اختلاف هذه الكثرة من الديانات ينطوى بالضرورة على أن المجتمعات البشرية قد تجد فى الدين أو المذهب، عندما يتشظَّى أىّ دين إلى مذاهب، الهوية التى تميزها عن غيرها، ويمكن أن تطفو على السطح فتكشِّر عن أنيابها عند وقوع صدام عنيف أو حرب؛ حتى بين أتباع دين واحد.
ولكنْ هل يقتصر العنف الوحشى على الدين السياسى؟
وفيما نعيش فى هذه الآونة فى أجواء الوحشية الإسلامية الداعشية يبدو من الصعب أن يدافع أحدٌ عن الفصل بين الإسلام والسياسة اللذين يجمع بينهما الإسلام السياسى لداعشية الدولة الإسلامية فى العراق والشام، أو الإخوان، أو إيران وتوابعها، أو القاعدة، أو بوكو حرام، وتعنى "الداعشية" هنا لحظة العنف الوحشى لدى كل أيديولوچيا سياسية دينية أو غير دينية؛ أليست حوليات تاريخ العالم مكتوبة بالدم والحديد والنار وفقا لقول شهير؟!
وهناك مَنْ يرى مبالغة فى وصف جماعات أصولية متفاوتة العنف بالعنف الوحشى الداعشى، بعد أن جربنا فى تاريخنا القريب اعتدالها باستثناء لحظات بعينها، وبالأخص فى أعقاب الإطاحة بحكم مرشد جماعة الإخوان المسلمين. غير أن من الضرورى أن نضع نصب أعيننا عند كل تحليل أن الاعتدال سياسة إلزامية وسلوك إلزامى فى فترات الضعف النسبى، فيما يأتى العنف الوحشى مع القوة الحقيقية أو الإحساس المبالغ فيه بالقوة، وبالتالى حماقة القوة.
وهنا فقط يتحول المعتدلون إلى اللحظة الداعشية فى سبيل الحسم "النهائى" بأقصى القوة لغاياتهم التى خططوا لها طويلا.
فما الذى يحدِّد تلك اللحظة؟ إنها ليست بالطبع طفرة دينية من أىّ نوع، بل لا شك فى أنها طفرة سياسية بامتياز، تتمثل بصورة مباشرة فى تنامِى وتعاظُم قوة الجماعة الدينية الأصولية "المعتدلة". وهناك بالطبع جماعات أصولية صغيرة متطرفة وعنيفة منذ البداية، لا تعرف الاعتدال، إذْ تستشعر القوة بصورة مبتسرة قبل الأوان فتعجِّل بالصدام العنيف الذى يُودِى ببقائها، وليس من شأنها على كل حال إحداث أزمات كبرى ممتدة، باستثناء تنظيم أصولى، مثل تنظيم القاعدة، يعتمد على سرية صارمة تحمى أعمالا إرهابية متفرقة تزداد كثافة وخطورة بصورة تدريجية تراكمية.
وعندما تتعاظم القوةُ السياسية والاقتصادية والشعبية والعسكرية لجماعة أصولية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، بفضل إستراتيچيا الاعتدال، تنتقل إلى لحظتها الداعشية، لحظة العنف الوحشى، ويتوقف كل شيء بعد ذلك على مدى سلامة تقديرها لقوتها العسكرية والشعبية فى مقابل قوة الخصم أو العدوّ.
ولكنْ ما الذى يدفع جماعة أصولية إسلامية إلى الدخول فى قتال وحشى حاسم.
لا تقاتل الجماعة الأصولية لحسم قضية إسلامية من أىّ نوع، غير أنها تصطنع لنفسها راية، اتساقا مع حقيقة أن جماعات أصولية إسلامية وغير إسلامية خاضت طوال التاريخ صراعاتها وحروبها تحت رايات دينية زائفة تُضلِّل الجماهير الشعبية التى خلقت أوضاعُ فقرها المادى والروحى البيئة الملائمة لنمو هذه الجماعات.
هناك إذن تقاطُعٌ لا تُخطئه عين بين دين الجماعة الأصولية وجماعة اجتماعية واقتصادية وسياسة تندمج فيها وتمثلها هذه الجماعة الدينية. ولا يحدث التقاطُع فقط عند الصدامات الكبرى تحت راية دينية ولكنْ سياسية فى جوهرها بل هو قائم منذ البداية، منذ اتجاه جماعة سياسية أصولية إلى تأسيس نفسها فى تنظيم حزبى مهما تلاعبت بالتسميات.
وتهدف هذه الجماعة إلى انتزاع سلطة الدولة من أيدى طبقة حاكمة. فما دافعها إلى الاستيلاء على سلطة الدولة؟ لا شك فى أن الدعوة الدينية لا تفترض الاستيلاء على سلطة الدولة ويمكننا أن نرى الهدف الحقيقى بكل وضوح فى الاتجاه الفعلى لجماعة أصولية دينية، وحتى لا نذهب بعيدا، لنفكرْ فى جماعة الإخوان المسلمين عندنا. ومنذ نشأتها ركزتْ جماعة الإخوان المسلمين على بناء اقتصاد خاص بها، وعلى بناء الحزب المسمَّى بالجماعة فى سبيل الاستيلاء على سلطة الدولة من خلال النضال السياسى والأيديولوچى والپرلمانى والنقابى المهنى والعمالى.
ويشكل الاقتصاد والسلطة جناحين لإستراتيچيا الأخونة التراكمية على مراحل تصاعدية. فالأخونة لا تظهر بعد الوصول إلى الحكم بل تبدأ قبل ذلك بكثير. وتعمل الجماعة على بلورة ونشر وسيطرة الأيديولوچيا الإسلامية السياسية. وعندما تقدِّر أن قوتها صارت كافية اقتصاديًّا وسياسيًّا وشعبيًّا وعسكريًّا، تبدأ مغامرة انتزاع سلطة الدولة.
ونظرا لأن الهدف اقتصادى واجتماعى وسياسى وعسكرى ككل حزب سياسى دينى أو غير دينى فإن اللحظة الداعشية واحدة. فالدافع إلى الصراع واحد لدى كل الأيديولوچيات والممارسات السياسية، وهو يتمثل فى الاستغلال الاقتصادى الطبقى.
وينبغى بالتالى أن نحارب الإسلام السياسى بلا هوادة، مع إدراك أن الرأسمالية هى المسئولة حتى عن ظهور أيديولوچيات جماعات الأصولية الإسلامية الإرهابية لأنها خالقة الفقر المادى والروحى للجماهير، أىْ البيئة الملائمة لنموّ هذه الأيديولوچيات، وواهم مَنْ يتصور أنه يمكن القضاء على العنف الوحشى للأيديولوچيات السياسية الدينية أو غير الدينية دون القضاء على الرأسمالية كنظام اجتماعى فى مجرى نضال تاريخى تراكمى طويل للغاية؛ ولكنْ دون أدنى إهمال للقضايا السياسية والاقتصادية والحياتية للشعب.