الخروج من اسطنبول


هيثم مناع
الحوار المتمدن - العدد: 3727 - 2012 / 5 / 14 - 09:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     


يوم الخميس 10/5/2012 وصلتني رسالة من الجامعة العربية فيها دعوات لعدد من أعضاء هيئة التنسيق الوطنية بينهم اسمي، عندما قرأت الدعوة استحضرت على الفور دعوة سابقة تسلمتها من وزير خليجي وسفير تركي لاجتماع للمعارضة في مدينة صارت تحمل جملة رموز سلبية للثورة الديمقراطية المدنية، سواء في وسائل التعبير عنها أو وسائل نضالها: اسطنبول. ومن المثير للألم أن الرسالة هذه المرة موقعة من الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية، أي المبادر الأول لدعوة أطراف المعارضة لمؤتمر مشترك، والشريك الأساس في المبادرة الأممية العربية المعروفة باسم مبادرة السيد كوفي عنان. فمن المعروف أن مبادرة عنان ليست امتدادا لمؤتمرات أصدقاء الشعب السوري، فالأخيرة تشكلت من محور غربي خليجي تركي، في حين أن الأولى تشكلت بإجماع دولي وسوري. أي أن خطة كوفي عنان مدعومة، نظريا على الأقل، من كل الأطراف القادرة على التأثير والفعل الدولي والإقليمي والداخلي. ومع ذلك، تعود لخاطري باستمرار جملة قالها لنا وزير الخارجية الروسي سيرجي لافكوف: "هناك من يدعم خطة عنان مئة بالمئة، هناك من يدعمها سبعين بالمئة، هناك من لا يدعمها وليس عنده الجرأة السياسية ليعلن رفضها". ولن أنسى في اجتماع مع المكلف بالملف السوري في الخارجية البريطانية جون لينكس حديثه عن أن فرص نجاح كوفي عنان أقل من 15% وأن التفكير بخطة (ب) بعد كوفي عنان مطلوب!
البعض يتحدث في الخطط والمشاريع بخفة مؤلمة، ولا يدرك أنه يتحدث في مستقبل شعب وثورة ووطن ودولة تجمعهم كلمة سورية، كقضية أضحت وجودية. وللأسف يشارك الإعلام الخليجي في ضرب خطة كوفي عنان بكل المعاني دون أن يقدم بديلا أو يسمعنا أصواتا تطرح بدائل خارج نطاق العنف. وحتى من داخل فريق عنان، ثمة من لا يميز بين مشروعه الخاص ومشروع اسطنبول، بل ورأينا البعض يضيع الوقت في ثنايا وتفاصيل أزمات اسطنبول المتعلقة بالمعارضة عوضا عن أن ينطلق من اوتوستراد فتح الأفق الواسعة على كل أطراف النضال الميداني والسياسي في مشروع تمثيلي وديمقراطي يعيد ثقة المجتمع بمعارضة تحولت بعض أطرافها إلى مقاتل من أجل مصادرة الثورة والثروة.
من مصادر اعتزاز المرء أن يكون قد توجه إلى الدكتور العربي والجامعة العربية منذ اليوم الذي صادرت فيه السلطات السورية فرصة حل سوري-سوري. وكم سمعنا من تهم ونالتنا شتائم شاركنا بها الدكتور العربي. ومع ذلك كان إصرارنا على أن للجامعة صوت وكلمة وأن الحل العربي مقبول سورياً من كل الأطراف بما فيها غير العربية. ومع التراجع المخجل للمجلس الوطني السوري عن اتفاقية القاهرة في 30 ديسمبر/كانون الأول 2011 التي وقعتها مع رئيسه، كان المنطق يتطلب استدعاء أطراف الحوار للمؤتمر السوري لتدارك الأمر، إلا أن الجامعة العربية واللجنة الوزارية العربية أعطت الأولوية لمكونات المشروع الأخرى ووضعت في الثلاجة قضية مؤتمر المعارضة.
في هذا الوقت، تحركت الأطراف غير السورية لتنصب مجلس اسطنبول في موقع متقدم يسمح لها بأن تتدخل في كل شاردة وواردة في الشأن السوري عبر وجودها المباشر أو غير المباشر في هيكلة المجلس وأفضالها في جعله ممثلا "شرعيا" للسوريين، في وقت كانت اسهمه في هبوط كبير. بشكل أدخل الأقلمة والتدويل في صلب قضية وحدة المعارضة النضالية والسياسية. وقد رفضنا بحزم هذا التوجه، وأكدنا في هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي على أن السوريين هم سادة قرارهم وأصحاب تقرير مصيرهم لأن "غير السوري" له منطقه ورؤيته ومصالحه التي يمكن أن تكون داعمة حينا ومعيقة أحيانا أخرى. وعندما عادت الجامعة العربية لفكرة اجتماع المعارضة، عدنا وتواصلنا معها وقدمنا لها مذكرة مفصلة بوجهة نظرنا، خاصة وكنا على علم بالعثرات التي وقعت في اسطنبول ثم في جنيف بكل ما يتعلق بمشروع إعادة هيكلة مجلس اسطنبول رغم حقنها بحضور نائب كوفي عنان ومساعد الأمين العام للجامعة العربية.
لقد قدمت أطراف المعارضة في الداخل كل مبادرات حسن النية الضرورية للتقارب والتنسيق، إلا أن هناك عقلية استنساخية لمنهج الحزب الواحد تعيد انتاج نفسها وتحاول فرض تصورها عبر الاستقواء بالدعم المالي والسياسي والإعلامي الخارجي، الأمر الذي ينعكس سلبا على صورة المعارضة واستقلاليتها وجاذبيتها في صفوف المجتمع السوري، بالمعنى الواسع للكلمة. ورغم وجود حالة وعي عند الكوادر النضالية والفكرية بضرورة وجود مؤسسة ديمقراطية جامعة جديدة، تعطي كل شخص وتنظيم مكانه الحقيقي، وتحدث عملية فك الإرتباط الضرورية بين قيادة المعارضة السورية ومحاولات الإحتواء والتوظيف لها، وتقيم التوازن الفعلي بين العلماني والإسلامي، الوطني الديمقراطي والليبرالي، الشرعية التاريخية والشرعية الثورية.. فثمة من يعتقد بأن الديمقراطية في عملية البناء الداخلي للمعارضة خط أحمر غير مقبول به إقليميا ودوليا، وبالتالي لا بد من الإختباء وراء كلمة التوافق ومراعاة الأجندات غير السورية في التركيب والوظيفة والبرنامج والخطوات.
من هنا ضرورة توضيح التخوم بين مشروع كوفي عنان الذي لم يسقط بعد في أوحال مؤتمر اسطنبول، وبين ما جرى في اسطنبول بغياب معارضة الداخل. من أجل تقدم الخطة العربية الأممية فيما يتعلق بموضوع المعارضة السورية على أسس ديمقراطية متزنة ومتكافئة، تأخذ بعين الإعتبار التمثيل الفعلي وليس التمثيل الإفتراضي للمجتمع السوري.
استلمنا الدعوة إلى القاهرة لمؤتمر المجاهيل، لا نعرف من هي القوى المدعوة، من هم الحضور، من اختار العدد والنسب، لماذا دعي أشخاص دون غيرهم.. ولم تعط الجامعة الوقت لعمل تتحدد به أسس ومعايير اللقاء، كما أنها لم تلجأ إلى لجنة تحضيرية سورية للقيام بذلك. الأمر الذي لا يبشر بنجاح هذا الاجتماع واستدعى من هيئة التنسيق الوطنية إرسال مذكرة للأمين العام للجامعة العربية تطالب بتأجيله.
إن المطالبة بتأجيل مؤتمر المعارضة السورية في القاهرة، ومباشرة التحضير الجيد والمتوازن لهكذا مناسبة، صرخة وطنية مواطنية لإنقاذ هذا المؤتمر من فشل رأيناه أكثر من مرة في أكثر من واقعة. فالمواطن السوري بأمس الحاجة لخطوات مدروسة ومطمئنة لا خطوات مسترجلة ومستعجلة..
لم يعد لنا الحق في الفشل، في لحظة لا يقدم لنا فيها أحد، خطة أو تصورا عقلانيا بناء يشكل بديلا جذابا ومقبولا لخطة كوفي عنان.
--------
• نائب المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في سورية.