حماية التماسك الاجتماعي أثناء الانتفاضات وبعدها


هيثم مناع
الحوار المتمدن - العدد: 3521 - 2011 / 10 / 20 - 01:08
المحور: حقوق الانسان     

أنهكت الدكتاتوريات العربية قدرة المجتمع المدني على القيام بدوره الطبيعي كصمام أمان بين السلطة والمجتمع وبين مكونات المجتمع فيما بينها. وفتحت المجال للتعبيرات العضوية قبل المدنية (عشائرية وقبلية وطائفية ومذهبية..) للنمو بشكل سرطاني في مجتمع ولجته منذ أكثر من قرنٍ منظومة اجتماعية اقتصادية رأسمالية، أي منظومة تفتح المجال للإنتقال من الفرد المرتبط بالجماعة باعتبارها وسيلة حماية وهوية وانتماء إلى الشخص الذي يتمتع بحقوق وواجبات. وفي حين تمكنت الرأسمالية المركزية من تطوير مفاهيم وتعبيرات مؤسسية متقدمة للمواطنة والدولة الديمقراطية المدنية والسيادة. كان للأنموذج التسلطي العربي الفضل في تغييب الإنسان-المواطن وسرقة الدولة لحساب سلطة متنفذة مهيمنة ومصادرة لإمكانية التمثيل الشعبي التشريعي والقدرة على امتلاك قضاء مستقل نسبيا، حتى لا نتحدث في سلطة قضائية وفصل للسلطات!
اعتمدت الدكتاتورية على تجفيف منابع الحياة المدنية بمحاصرتها التطوع ومنعها التبرع ومصادرتها للمشاركة في الدور والحياة العامة. بحيث صار المرور من القنوات الأمنية المسيطرة، الشرط الواجب الوجوب في الفضاءات الثقافية والاجتماعية والسياسية.
لا شك بأن الحركة الشعبية المدنية التي انطلقت من تونس لم يغب عنها منذ اليوم الأول عمق التحديات وضرورة القطيعة المنهجية من التسلط المنتج للتفكك الاجتماعي بتعبيريه التقليدي (روابط التضامن العضوية) والحديث (وسائل الدفاع الذاتي النقابية والحقوقية، السياسية منها والمدنية). وتجلى ذلك بإعطاء الحراك طابعا مدنيا مواطنيا أولا، في رفضٍ لأي صنم وأي رمز سياسي أو ديني، والتأكيد على السلمية كوسيلة للتغيير الديمقراطي بأقل الخسائر. في مصر نجد هذا الإصرار واضحا أيضا وفي اليمن والبحرين وسورية والأيام الأولى للثورة الليبية. ولعل من المفيد التوقف عند انتفاضة الكرامة في سورية والمواجهة الأمنية العسكرية لها بشكل لم يعد السؤال مطروحا حول حماية التماسك الاجتماعي، بقدر ما صار هذا التماسك مادة توظيف من قبل السائد للحفاظ على النظام القديم.
لخص أحد الشباب من درعا صورة الوعي السياسي والمدني في الأيام الأولى للحراك الشعبي المدني بالقول: "عمي إحنا جينا من المواتير للثورة". انطلق الشبيبة لكسر حاجز الخوف قبل طرح أي برنامج أو تصور ولكنهم ومنذ اليوم الأول بهروا العالم وأجهزة الأمن بتداعيهم للتظاهر بوسائل حضارية راقية: يصرخون سلمية سلمية ويتحدثون في الحرية ويدينون رامي الحرامي والفساد. هذه المجموعات الجديدة غير المؤرشفة في سجلات المخابرات صارت على الفور في خطاب السلطة مؤامرة!!.. هؤلاء الذين كسروا هالة الدكتاتورية وحطموا صورة الأمن الكلي القدرة حطموا في الوقت نفسه فكرة درعا الروابط العشائرية و"ديرة الحسد" و"عين عالرزق وعين للمخابرات".. إلى غير ذلك من الصورة السلبية عن الذات التي راجت في ظل الدكتاتورية.
لن ابتعد عن الأسطورة التي يسجلها الشباب والشعب في ملحمة ثورية لم تعرفها سورية في تاريخها الحديث أو القديم، وضعت خيمتان في ساحة السرايا في درعا للإعتصام، الشباب ينظمون المرور، يحمون المجمع الحكومي خوفا من اعتداء عناصر الأمن عليه، أمام الجامع العمري عشرات الآلاف يحتفلون بالحرية، يافطة تقول "يا بوطي ويا حسون الشعب السوري ما بخون" وأخرى تقول "لا إخوان ولا سلفية بدنا دولة مدنية". كل إنسان ضروري، لكلٍ دوره، عجينة وطنية وديمقراطية متكاملة متجانسة.. بلدات لم يسمع بها العالم مثل جاسم والحراك والمسيفرة وداعل والحارة ونوى.. أقامت مدارس الحوار الديمقراطي في اعتصاماتها وبشكل يومي. عرسٌ للمواطنة ينير غدا مختلف يحتفل في أقل من أربعين يوما بانضمام 16 مدينة سورية لموكب الكرامة. ورغم القتل والقمع، انتقلت الإنتفاضة من محافظة درعا إلى سورية ولم يعد بالإمكان إطفاء نور الثورة.
في هذا المعمعان، بدأت السلطة حربا شعواء للدفاع عن الطحالب التي أنتجتها في عقود أربعة.. الفزاعة الإسلامية والمذهبية انتصبت سلاحا إيديولوجيا للدكتاتورية، الفوضى والحرب الأهلية صارت مادة الرهاب اليومي لكل من لم ينضم للحراك المدني. وإن فشلت في تحقيق ذلك في محافظة درعا فقد استطاعت زرع اسفين قاتل في مناطق الاحتكاك الطائفي مثل بانياس وطرطوس واللاذقية وأخيرا حمص. وكأن حرب السلطة المعززة للأحقاد الطائفية لا تكفي، بدأت العيون الخارجية تسعى لتحويل الصراع في سورية (بين الثوار والدكتاتورية) إلى صراع على سورية (يركز على طبيعة تحالفات السلطة الإقليمية وفرص توظيف الحراك الشعبي المدني لمصالح أطراف غير سورية ويطرح القضية المذهبية من منطلق الصداقات والعداوات للسلطة السورية).
كان الحراك المدني يقبر أخلاق الطغيان وينتج أخلاق الثورة.. السلطة تكذب والثوار يوثقون كل ما يقولون، السلطة تقتل والشباب يحمون الحق في الحياة والأمن في اعتصاماتهم.. السلطة تسعى للشحن الطائفي والناس يصرخون واحد واحد واحد الشعب السوري واحد.
شاركت عدة أطراف، علمانية وإسلامية ومستقلة، من الجاليات السورية في الخارج، في دعم الحركة الثورية المدنية. وقمنا، كلٌّ على طريقته، بإيصال وسائل كسر الحصار الإعلامي وخلق أدوات التواصل والحوار والنقاش شبه اليومي بين الداخل والخارج. وقد أطلقت في الأسبوع الثاني للثورة ما صار يعرف باللاءات الثلاث: لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي. كاستراتيجية عمل سياسية أساسية لضمان وحدة الأراضي السورية ووحدة النضال والشعب ومن أجل تحويل انتفاضة الكرامة إلى قوة جاذبة للأغلبية السكانية بكل معنى الكلمة. وقد تحرك تيارنا من أجل خلق عمليات الاستقطاب الضرورية لتحّول الإنتفاضة إلى ثورة: الريف-المدينة، الأقليات-الأغلبية الإسمية، العلمانيون-الإسلاميون، الشرعية التاريخية للأحزاب الديمقراطية- الشرعية الثورية للحركة الشبابية.
لكن الإبداع الشبابي كان أرقى في العديد من معالمه، فقد نظمت النساء مظاهرات يومية أثناء حصار درعا. وكان الشباب يسترشدون في العديد من القضايا الكبيرة بما يسمونه (الكبارية) أي أصحاب الخبرة من الوجهاء والشخصيات العامة. يشكلون اللجان وينظمون حياتهم في ظل الحصار والحرمان من الماء والكهرباء والغذاء.. كتب لي أخي الشهيد وكان ملاحقا وقتئذ : "التضامن بين المواطنين يفوق التصور، سمّها المعجزة أو أي اسم تعثر عليه. لقد رفعنا حالة الطوارئ من جانب واحد، نظمنا إمكانيات الصمود لأصعب أشكال الحصار، الناس تتبرع بكل ما لديها من أجل الصمود الجماعي، الآن يا أخي أدرك ما يعنيه الأدباء في حديثهم عن عطر الثورة الذي يصل لكل من يحبها.. ويستفيد منه الجميع."
يمكن القول أن الأشهر الأولى شهدت تواصلا بين الأجيال انتهى بمشاركة كل الفئات العمرية على اختلافها، ومشاركة نسائية واسعة واندماجا مواطنيا طمس العلاقات العشائرية. وقد خلق هذا الوضع حالة هلع في صفوف سلطة متسلطة عاشت من التغييب الكامل لمواطنيها واغتيال كل شكل من أشكال المشاركة. وصار تأجيج العنف الأمني العسكري ليس فقط وسيلة قمع للحراك المدني الشعبي، وإنما أيضا عملية قتل عن سابق إصرار وتصميم لأشكال التضامن والتماسك والتفاعل المدني في المجتمع السوري. وقد اعتمد رهان السلطة على قانون نيوتن القائل بأن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومعاكس له في الإتجاه. لقد أرادت السلطات الأمنية في محاولتها للتطبيع مع الوسائل المتوحشة والخيارات الأسوأ التي لجأت إليها توليد ردود أفعال عنيفة متطرفة ومتطيفة تسمح لها بتبرير وتصعيد قمعها. وشجعت في وضح النهار كل أشكال رد الفعل الثأرية الشخصية واللفظية على حملاتها الهمجية بحق المتظاهرين العزل وأطلقت سراح أعداد كبيرة من المتطرفين المعتقلين قبل 18 آذار 2011 في قضايا تنظيمات جهادية وفي نفس الوقت اعتقلت أكثر من ثلاثة آلاف كادر متنور من عناصر الترشيد والتهدئة والتوجيه للحركة الشبابية والحراك الاجتماعي المدني. إلا أن التيار الأوسع حافظ حتى اللحظة، على قدرته على جعل النضال السلمي لإسقاط الدكتاتورية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية رغم كل مترتبات الزمن المدمى بالعنف السلطوي الأعمى.
لا يغيب عن المراقب أن أهم الوسائل لحماية التماسك الاجتماعي تتطلب التوقف عند أساسيات توفر الدفاع الذاتي السلمي عن النفس وعن المجتمع الأهلي الواسع وتشمل:
1- القدرة على حل الصراعات والخلافات بطريقة غير عنفية ورفض الوقوع في فخ الانتقال من الثورة إلى الحرب.
2- القدرة على الضبط الديمقراطي للفسيفساء القومية والدينية والطائفية، أي التأسيس لوضع ثقافي-سياسي جديد يعتبر الإعتراف بالحقوق الأساسية للجماعات مكمل أساسي لتعريف المواطنة في الدولة المدنية. (عهد الكرامة والحقوق كأنموذج).
3- ضمان السلام البارد في مرحلة الإنتقال
لا يمكن القول بأن عملية إنضاج الوعي المجتمعي المدني تسير دون حفر وأفخاخ وأعداء. فرموز العالم القديم ليسوا فقط في معسكر السلطة التسلطية، والمعارضة السياسية التقليدية تحمل إرثا ثقيلا بنيويا ووظيفيا يترك آثاره بوضوح على النضال اليوم داخل وخارج البلاد. وكما أن الثورة تتقدم، عناصر الثورة المضادة تتسلح أيضا. بل ويمكن القول أن هناك سباق علني وضمني بين إنضاج الوعي وتدنيس الوعي، بين تأكيد منطلقات الثورة ووضعها برمتها على بساط الرفض، أخيرا وهنا مرابض الخطر، بين تعزيز روح التعاون المواطني وعودة الطحالب الطائفية والشوفينية بأسماء أخرى في الأوساط الأخطر تضررا وسحقا. ولا نستغرب في الشعارات دخول العنف اللفظي (مثل دمك مهدور، إعدام الرئيس..)، كردود فعل على الاستعمال الأعمى والمفرط للعنف الفيزيائي بحق الحراك الاجتماعي. وهناك شخصيات وقوى متطرفة تقوم بذلك عن سابق وعي وبشكل يشمل رموز ديمقراطية معارضة (أكثر من فتوى صدرت بحقي من سلفيين آخرها: اللهم اصلحه أو خلصنا منه). ولا شك بأن الإعلام الخليجي قد لعب دورا في الترويج لخطاب العناصر الأكثر محافظة والأكثر تطيفا في المعارضة السياسية السورية بحيث تغيّب المرأة تماما وتستضاف الأقليات الدينية والقومية بجرعات هوميوباثية ولا ينال التيار المدني الديمقراطي حجما يتناسب مع قوته المجتمعية وحضوره في الميدان. وبعد أن كان الزمن عامل إنضاج سياسي أساس، ثمة مخاوف عند الشبيبة من أن يتحول إلى عنصر إحباط مدني يسمح بعودة شياطين الأمس بلباس الثورة ومخاطر التفتت المجتمعي الذي تحمله إيديولوجيات الطوارئ في ردها على عنف حالة الطوارئ السلطوية.
هل تسير الأمور نحو الأسوأ وكيف يمكن مواجهة عناصر تمزيق التماسك الاجتماعي؟ بكل أمانة لا يمكن حماية التماسك الاجتماعي في عمليات الهدم والبناء الإجبارية والمرافقة لكل حالة ثورية دون التمتع بأعلى قدر من المسؤولية والصدق والشفافية في التعامل مع هذا النوع من المعضلات. فالنفاق والشعبوية والبحث عن الإرضاء من أجل الإرضاء وتجنب نقد الأخطاء والمنزلقات كل هذا يسمح للإخطاء الممكن تداركها بالتحول إلى مشكلات مستعصية ومتأصلة يصعب معالجتها. فلا يمكن معالجة مرض دون تشخيص صحيح ودقيق، ولا يمكن الذهاب بعيدا في الفعل السياسي والمدني دون القدرة على نزع القداسة عن الشأن الدنيوي العام. فالمواطنة تتكامل مع الحقوق الأساسية للجماعات، وتكتمل سيادتها، أي كرامتها بوطن سيد. ولا يمكن بحال استنباط إجابات ثورية في ظل انتفاضة-ثورة دون الاستيعاب المسبق لكون الثورة تعبر عن نفسها بالنهضة الثقافية والتنمية البشرية والديمقراطية المدنية. أي أنها مضطرة للمواجهة مع البنيات والوظائف القديمة التي غذتها الدكتاتوريات ووظفتها الإيديولوجيات المحافظة. من هنا ضرورة امتلاك القدرة على الإبتعاد عن الشارع من أجل مدّ شبابه بالبوصلة الضرورية للتمييز بين الثورة والثورة المضادة، بين التوظيف الخارجي والتغيير الداخلي، بين مصالح الدول التي تهدف لتحجيم التغيير الديمقراطي ومصالح الشعوب التي تريد أن يذهب إلى أبعد مدى. لن يرى المواطن السوري أو التونسي على الإعلام الخليجي من يتحدث عن ثورة من الماء إلى الماء لأن عروش الخليج تريدها للجمهوريات وتحرمها على شعوب الملكيات. لن يكون ثمة مجال للخوض في حقوق المواطنة ومدى تجسدها في النظام العربي؟ وسيخرج علينا أبناء الحركات البيروقراطية ورواد المال السياسي بأطروحة دعوا برامجكم وآراءكم جانبا، فليسقط النظام ونترك الأمر لصندوق الإقتراع؟ هذه الأطروحات هي التي تعطي العمر لأنظمة بالية بل ومتوحشة وتجعل قطاعات واسعة تستنكف عن المشاركة في الحراك المدني الاجتماعي. من هنا ضرورة وجود عقد اجتماعي سياسي أخلاقي يزرع الأسس لدولة غايتها الإنسان وقاعدتها المواطنة وصلابتها في فصل السلطات وإبتكاراتها في التداول السلمي على السلطة.
------------------------
مداخلة هيثم مناع في القاهرة 17/10/2011 في منتدى الحوارالشبابي: الشابات والشبان في الإنتفاضات العربية: عناصر التغيير نحو الديمقراطية، هيئة الأمم المتحدة للمرأة، الإسكوا، مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان.