الثورات والطفيليات


هيثم مناع
الحوار المتمدن - العدد: 3266 - 2011 / 2 / 3 - 11:09
المحور: حقوق الانسان     

حاولنا التجمع قبل يوم الغضب في باريس تضامنا مع الداعين له، فلم يحضر سوى أقل من عشرين وبعضنا أخطأ العنوان. بعد يوم الغضب تداعينا لتشكيل لجنة التضامن مع نضال الشعب المصري، فاستجابت أكثر من 40 جمعية ونقابة وحزب من العالم العربي وأوربة للنداء، وبعد أن انتُزعتْ رخصة للتظاهر، إذا بنا يوم 28 بعد جمعة الغضب تنطبق علينا الآية القرآنية الكريمة "إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها".. المصريون يهرولون بين مقر السفارة المصرية وساحة حقوق الإنسان وساحة الهال يبحثون عن مكان التظاهر. لقد نقلتنا جمعة الغضب من مرحلة الثورة التونسية إلى حالة ثورية عربية يصعب وضع سقف أو حدود لها، فقد دشنت ولايات القصرين وسيدي بوزيد والكاف وجندوبة والجنوب التونسي عودة العرب للتاريخ، ولا شك بأن الكثير من أصنام الحقبة التسلطية ستنهار ومعها كل الطحالب التي تعيشت من حالة البؤس العربي.
اقتربتُ بعد جهد جهيد من أحد المتظاهرين الذين يحرقون الغاز في الهواء لأقول له بأن هذا ممنوع وأخشى أن يمنعوا مظاهرة السبت بدعوى الفوضى، فقال لي: "اسمع يا مناع، عمري ثلاثين سنة دي أول مرة بحياتي فيها بصرخ، ولدنا ساكتين وعشنا مبارك وجوع وطوارئ مش حنموت ومصر لمبارك، خلاص حنعيش حقيقي أو نروح بستين داهية". علمت فيما بعد أن محدثي بدون أوراق ويعمل في قطاع البناء في المنطقة الباريسية لمساعدة أهله في مصر، وقد أنهى الدراسة الجامعية في القاهرة ولم يجد أي عمل. مثله عشرات المصريين الذين قام البوليس الفرنسي باعتقالهم مساء السبت بحجة الاستمرار في التظاهر بعد الزمن المرخص به ونجحت منظمات حقوق الإنسان في إطلاق سراحهم.
لا بد من استعادة الحقبة البائسة، لكي نتحرر من كل عقابيلها ورموزها ومصطلحاتها، فعندما تشتعل الكلمات في الحناجر المكشوفة الصدر أمام آخر ضربات الخيار الأمني لمواجهة العصيان، يصبح تدوين الوقائع العربية دون أساطير ودون أكاذيب جزء من بناء الغد الجديد.
علينا اليوم قبل الغد أن نذكر كيف روت أقبية الأمن جذور التطرف وسقى الاستبداد كل أشكال التعصب، وكيف صرنا لعقود ندور في حلقة مفرغة لا تشكل فيها الخيارات المطروحة على الشبيبة حلا بل استمرارا لبؤس التسلط. تعلمنا الشبيبة العربية التي قيل بها ما لم يقل مالك في الخمر، بأنها لم تعد تقبل بأن تكون مجرد كائنات تريد زيادة حصتها من الخبز واللبن كما تحاول مراكز "أبحاث" الغرب وعرابيها تقديم الشبيبة الثائرة: علم فلسطين يرافق العلم التونسي والمصري وتمزيق صورة خادم الغربين (في أجمل تسمية سمعتها للملك السعودي من شاب من سيدي بوزيد)، في تونس يربط الشبيبة بين بن علي واغتيال أبو جهاد، وفي مصر يربط الشباب المصري بين ذل اللقمة وذل السفارة الإسرائيلية الجاثمة على كرامة شعب مصر. لقد قبرت الحالة الثورية الجديدة أنموذج احتلال العراق في القلوب وفي العقول. وبعد أن شكل هذا الأنموذج حالة رهاب وخوف من التغيير، صار رمزا لكل ما يجب قبره في ثورات الشعوب: الاحتلال الجديد، الإستقواء بالأعداء، الطائفية المقيتة، الشركات الأمنية والمناطق اليابسة المسماة بالخضراء، أكثر من مليوني مهجر ومليون فقيد..). وقبرت معهم المرتزقة والسماسرة الجدد من رواد السفارات. المؤسسات الإعلامية التي ضخمت طاقمها بأموال فيلتمان والحوانيت التي عاشت من مساعدات الخارجية الأمريكية هي اليوم موضع ازدراء وقرف الشبيبة الصاعدة.. لم يعد أحد يتابع أكثر من 400 وسيلة إعلامية مسخرة للشحن الطائفي والمذهبي وفتاوى تخدير الناس. لقد كسرت الشبيبة وسائل تدنيس وعيها. وحين ذهبت أموال الجراد الأسود لكل ما يحطم الأمة، لجأ الشباب إلى الشبكات الاجتماعية المجانية التي لا يحتاجون معها للمال النفطي أو التمويل الغربي. لكن هذه الثورة كانت حقيقية ولم تكن افتراضية، من دم ولحم لا من الكترونيات وتنظيمات. وظفت الشبكات الاجتماعية في التواصل الثوري عوضا عن أن تتركها للتواصل الطائفي والعصبيات القديمة المريضة والشوفينيات التي لم تجد من يقبرها.
لم يعد أمام خبراء الحفاظ على معاقل التبعية الأمريكية سوى إعلان حظر التجول وإنزال البلطجي والميليشية وقطع الانترنيت والجوال والحظر على وجود شهود على جرائم القتل العمد والجرائم ضد الإنسانية، والبحث عن أسماء من الظل لأشباه حكومات لا تلبث أن تتعدل وتتبدل، لأن كل بضاعتهم أصبحت فاسدة في عيون الجيل الجديد.
لقد انتهى عصر الأستذة على الشبيبة الثائرة، فهي التي تعلمنا كيف نقتل الطحالب التي مزقت لعقود وجودنا اليومي وجعلت من الصراعات المسطحة هدفا في ذاتها ومن أجل ذاتها.. الشبيبة اليوم تحمل نعش الهوس المذهبي والطاعون الطائفي والانغلاق الجهوي والعشائري لتحدثنا عن الشعب والمواطنة والأمة والثورة والحقوق والحريات، كلمات كدنا ننساها في زحمة الإعلام المشهدي الخليجي الذي أنفق مئات المليارات لإبعاد الشباب عن مستقبل حالم باسم.. كتب لي شاب سوري من دمشق: "لنتوقف عن ترداد قذارات الخطاب الطائفي، وتمجيد الأموي أو العلوي، والحديث في أموات نعيد قبرهم في كل مناسبة ونعيد بكل حسرة تقوية أحقادنا بهم وعبرهم فنشوه صورتنا وصورتهم. أنا مواطن، أنا عربي أنا حر وافتخر..".
لعلنا نعيش حالة ثورية دون سقف ودون حدود، نتحول لقبلة أملٍ للشعوب المقهورة بعد أن كنا محطة خجلٍ في خارطة البشرية.
لكن حذار، فالعداوات أكثر من الصداقات بكثير، وسيدافع عن عفن القديم كل ديناصورات النظام العالمي السائد، وكل مجموعات الضغط الأمريكية المتعيشة من الإذلال العربي ونهب الخيرات العربية، كذلك كل مراكز القوى الأوربية، الخائفة من تحول جذري في طبيعة العلاقة بين شمال المتوسط وجنوبه على أساس التكافؤ والاحترام المتبادل. وأخيرا تلك الترسانة المسلحة المزروعة في قلب أمة العرب وأرض فلسطين.. لكن، هل كان التغيير يوما باقة ورد تقدم على طبق من ذهب؟
ها نحن من جديد في حقبة الاحتمالات المفتوحة، وكل أنصار النهضة والنهوض في العالم العربي اليوم أمام التحدي الأكبر في وجودهم: كيف يمكن أن لا نترك هذا الحلم يتحول في الذاكرة الجماعية للشعوب إلى مثلٍ لثورة مغدورة؟
الأحد 30/1/2011