انتفاضة الكرامة وانبثاق الجديد


هيثم مناع
الحوار المتمدن - العدد: 3327 - 2011 / 4 / 5 - 09:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

منذ 18/3/2011، يوم نجح الشباب في مدينة درعا، رغم كل الحصار الأمني والتحضيرات لإجهاز أي اعتصام أو تظاهرة، بكسر الحصار، وخرجوا من منطق فئة تطالب بالتغيير إلى مجتمع يتحرك بكل فئاته من أجله، تتداول وسائل الإعلام ردود السلطة على الأحرار، سواء منها ما كان بالرصاص الحي أو الغازات الممنوعة أو وسائل الإعلام المنتمية إلى العصور الحجرية للتواصل بين البشر. وفي غمرة أحداث متسارعة نستعرض فيها قائمة غير حصرية بأكثر من مئة شهيد من المحافظة لوحدها، وعشرات المفقودين والمعتقلين في الأيام الأخيرة، نطالب بالتوقف لحظة عند زهرة الجنوب لمعرفة من هم وماذا يريدون وكيف يعيشون عملية التحول الملموسة في المسلك والأخلاق ومفهوم المشاركة العامة وفكرة المواطنة والوطن. من هم هؤلاء الذين أسقطوا جدار برلين الدكتاتورية بصدور عارية وكلمات ظن أكثر المتفائلين بالإنسان العربي أنها قد اختفت من القاموس (سلمية، سلمية، لا لا للطائفية، لا فساد ولا استبداد، يابوطي ويا حسون الشعب السوري ما بخون، يا بثينة يا شعبان شعب درعا مش جوعان، فزعة فزعة ياحوران للقدس والجولان، اعتصام اعتصام حتى إصلاح النظام، قاتل شعبه خاين شعبه، واحد اثنين واحد اثنين وينك يا سورية وين..). يكتب لي أحد المناضلين المخضرمين وهو سجين سابق: "كنا نتضايق من أصوات الموتورات القديمة التي يستعملها الشباب لأن بعضها عمره عشرين سنة أي أكثر من عمر صاحبه، صوت وضجيج يشق هدوء جلستنا على مساطب المنازل ليلا. لم ندرك أن هؤلاء هم صناع الغد، الآن ينظفون الساحة قبل مغادرتها يرفعون اليد للقسم: "أقسم بالله العظيم أن لا أرتشي ولا أصافح مرتشي ولا أسكت عن رشوة"، "لن ننسى دم الشهداء ولن نتوقف قبل محاسبة القتلة"، يا شهيد الحرية اسمك أكبر غنية، "لا سنية ولا علوية، وحدة وحدة وطنية".
قام شباب درعا بتشكيل ثلاث لجان الإسبوع الماضي: لجنة تنظيم للاعتصامات واستقبال الضيوف والمتضامنين، لجنة تأمين للمؤن والطعام، ولجنة من أجل المساعدة الطبية. فقد استعملت السلطات الأمنية كل وسائل الضغط بما فيها محاصرة المشافي ومنع سيارات الإسعاف من نجدة الجرحى، فيما يشكل جريمة ضد الإنسانية. وأعطت الأوامر بإطلاق الرصاص الحي، ووضعت القناصة في الأماكن الحساسة في المدينة. كانت تريد خلق حالة فوضى تبرر استعمال القمع لتفريق المعتصمين. لكنها صعقت بقدرة هؤلاء الصغار في العمر الكبار في الحكمة والقدر، على ضبط النفس وعدم استعمال أية وسيلة عنف ورفض الحجارة في محافظة استعمال الحجارة فيها تعبير عن الرجولة والبلوغ. دعوة أولى لجمعة الشهداء، وهاهم عبر حركة شباب 17 نيسان للتغيير الديمقراطي يوجهون النداء لجمعة الحرية للمعتقلين (8 نيسان)، ورغم كل الأوجاع والضغوط والملاحقات، مازالت الشبيبة تمسك البوصلة من أجل تغيير ديمقراطي سلمي وحضاري.
انقل رسالة من شاب في السابعة والعشرين يشكو لي من تغييب الصورة الحقيقية لما يحدث:
"يحاولون تصوير درعا بالمجتمع القبلي والعشائري، نحن شباب لا ننتمي إلا للوطن، الشهداء من كل العشائر والجماعات دون استثناء والتعازي تجري في كل بيت. لا يمثلنا شيخ عشيرة أو قبيلة ونسمع من الأكثر احتراما وصدقا وأمانة وبعدا عن أجهزة السلطة، هذه هي معاييرنا. لا فرق بين ذرعاوي وقروي، لا فرق بين حوران والحسكة وحلب، نحن اليوم في مدرسة الكرامة نتعلم من بعضنا البعض. الاستبداد زرع عادات وتقاليد دنيئة لا تليق بالأحرار، وفي كل يوم نتناقش في جلساتنا واعتصاماتنا لنتحدث عن سورية الغد الجميل الذي لا يخاف الإنسان فيه إلا من ربه. يوم الحرية والعدالة. يوم يكون القاضي قاضي كما هو اسمه يقضي بالحق ولا يخاف في العدل لومة لائم، يوم يكون ممثل الشعب ابن الشعب لا ابن الحزب، يوم نقول بصوت واحد: هذا دستورنا وليس دستور الأسد والبعث، الأصغر عمرا يسألون من هم أكثر خبرة كيف يعدل الدستور وكيف تلغى حالة الطوارئ، يجيب محام اعتقل بالأمس: المادة 101 تقول يعلن الرئيس حالة الطوارئ ويلغيها، الأمر لا يحتاج إلى لجان هم يريدون استبدال طوارئ قديمة بطوارئ جديدة، والشباب يستمع ويصيح بعدها: لا طوارئ لا تعذيب.. حول تعديل الدستور أمسك باقتراحات المحامي حبيب عيسى، ولكي يعرف الشباب من هو يقول لهم هذا صديق هيثم مناع وهو ثقة.. يتابعون اكتشاف كيف وأين ومتى يحصل التغيير.. لقد استفاد الشباب كثيرا من تغطية الجزيرة للثورة المصرية، ونحن الحوارنة نحب مصر ونحب الشعب المصري، أصلا مثلما سبق وأعلمتك، الشباب كانوا متفقين على أن لا يتحركوا قبل سقوط الفرعون".
فقدت السلطات السورية صوابها، من أصغر عنصر أمن إلى رئاسة الدولة، اتهمتهم بجند الشام وهم يدعون للدولة المدنية، ثم عادت واتهمتهم بالماسونية والصهيونية وهم أنصار المقاومة الفلسطينية، حملت بالسيارات الرسمية السلاح والمال لتضعه في الجامع العمري فتبين عقم الكذبة الكبيرة، تحدثت عن عناصر غريبة وأجنبية ولم يشارك شخص واحد من خارج محافظة درعا، تحدثت في مساعدات خارجية وهي تعرف أن الإنتفاضة كانت ومازالت بوسائل محلية وإمكانيات ذاتية بشكل مبالغ فيه (لعلها الأنفة الحورانية والرفض الصارم للمثل العراقي). لكنها لم تفهم أن ما يحدث هو بداية نهاية الدكتاتورية، ونعش منظومة الفساد، وإعادة الإعتبار لمفاهيم كان يجري اغتيالها من السلطة سواء عبر التغييب أو التوظيف البائس مثل المواطنة والديمقراطية والإنسان وإقامة العدل والوحدة العربية وتحرير الجولان وفلسطين والدولة المدنية وسورية لكل أبنائها..
يبدو أن سقطة شافيز وأوغلو ومشعل، في سوء تقييم الحدث وفهم الرغبة العميقة عند شعب سورية للتغيير الديمقراطي، قد زادت في عمى دفة الحكم، فلم تعد ترى وقائع احتضار الوطنية التسلطية، وولادة الوطنية المواطنية ذات الشرعية الشعبية.. لقد رحلت مع دماء الشهداء حقبة كاملة، وسورية الغد لن تكون على شاكلة سورية العقود الأربعة الأخيرة.. سورية الجديدة لا تحمل لا روح الإنتقام ولا أمراض وعقابيل التسلط، بل تفتح صدرها لكل شريف ومخلص لهذا الوطن ليكون شريكا في صنع حاضره ومستقبله، وليس مجرد مهرج أو مروج، لآخر وأسوأ أشكال عبادة الشخصية ودكتاتورية الحزب والأمن.