تانيا ساوسيدو
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 15:02
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
عن الكاتبة: تانيا ساوسيدو صحفية وقيادية سياسية في جبهة غواسو (Frente Guasu) في باراغواي.
المصدر: غلوبتروتر (Globetrotter)
أُنتج هذا المقال بواسطة غلوبتروتر.
تمر باراغواي بإحدى أبرز الأزمات السياسية والمالية في تاريخها الحديث. فقد أدى تدخل البنك المركزي في باراغواي في بنك «أوينو» (Ueno Bank)، عقب اكتشاف مخالفات خطيرة في عملياته ومشكلات تتعلق بملاءته المالية، إلى اندلاع أزمة سرعان ما تجاوزت القطاع المصرفي. وباتت لهذه الأزمة اليوم تداعيات مباشرة على حكومة سانتياغو بينيا، وأطلقت إجراءات لعزله تضع مستقبل الرئيس نفسه موضع تساؤل.
ولفهم ما يجري، لا بد من توضيح بعض النقاط الأساسية. فقد شهد بنك أوينو نمواً هائلاً خلال السنوات الأخيرة، تزامن مع بداية عهد سانتياغو بينيا، حتى وصل عدد عملائه إلى نحو ثلاثة ملايين شخص، أي أكثر من 50 في المئة من السكان البالغين في البلاد. كما تلقى ودائع من القطاع العام بلغت قيمتها نحو 800 مليون دولار، من بينها أموال مرتبطة بمعهد الضمان الاجتماعي (IPS)، الذي يدير اشتراكات التقاعد والتأمين الصحي لآلاف العمال.
وتكمن إحدى المشكلات في أن الرئيس نفسه احتفظ بعلاقات تجارية مع المجموعة المرتبطة بالبنك حتى آذار/مارس 2025. ويضاف إلى ذلك أن كارلوس كارفالو، الذي سبق أن شغل منصب رئيس مؤسسة «أوينو» المالية، تولّى لاحقاً رئاسة البنك المركزي، وهو الجهة المسؤولة عن الإشراف على النظام المالي وتنظيمه. وخلال هذه الإدارة، جرى أيضاً تعديل الأحكام القانونية الرامية إلى منع هذا النوع من تضارب المصالح، والمعروفة باسم قواعد «الباب الدوّار»، التي تنظّم انتقال المسؤولين بين المناصب العامة والمؤسسات الخاصة.
وقد كشف التدخل في البنك، وتجميد الودائع، والتحقيقات المتعلقة بالقروض الممنوحة لشركات مرتبطة بمالكيه، عن شبكة متشابكة من العلاقات بين المصالح الخاصة والمؤسسات العامة.
لكن وراء الأرقام والمعاملات المالية، هناك آلاف الأشخاص الذين لا يستطيعون اليوم الوصول إلى مدخراتهم، وعمال يواجهون حالة من عدم اليقين بشأن أجورهم، ومتقاعدون باتت مواردهم المالية مهددة بالخطر.
وهكذا تحوّل الشمول المالي، الذي جرى الترويج له بوصفه أحد الإنجازات الكبرى للنموذج الاقتصادي، إلى عملية احتيال واسعة النطاق طالت السكان.
وكانت علاقات سانتياغو بينيا بالمجموعة الاقتصادية، والقرارات التي اتخذتها السلطة التنفيذية، ومسؤوليات الأجهزة الرقابية، من بين القضايا التي أدت إلى تقديم طلب عزله.
وقد قادت المعارضة هذه الإجراءات داخل الكونغرس، وفي الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، وافق مجلس النواب على الاتهامات الموجهة إلى الرئيس.
وقدّم بينيا استقالته، لكن مجلسَي الكونغرس رفضا محاولته التنحي عن منصبه، ومضى مجلس الشيوخ في إجراءات العزل. وعند كتابة هذا المقال، كان من المقرر أن يقدم الرئيس دفاعه في المحاكمة البرلمانية الخاصة بعزله.
غير أن فهم هذه الأزمة يتطلب أيضاً النظر إلى الجمعية الوطنية الجمهورية (ANR)، المعروفة باسم حزب كولورادو، المتجذّر بعمق في أجهزة الدولة في باراغواي، والمرتبط بديكتاتورية ألفريدو ستروسنر التي استمرت 35 عاماً، وبصورة خاصة إلى دور هوراسيو كارتيس (HC).
تتميز باراغواي بخصوصية سياسية أساسية لفهم ما يجري فيها. فقد حكم حزب كولورادو البلاد بصورة شبه متواصلة منذ عام 1947، ولم يشهد هذا المسار الطويل سوى انقطاع واحد خلال رئاسة فرناندو لوغو (2008-2012)، الذي وصل إلى السلطة على رأس تحالف تمكن من هزيمة حزب كولورادو انتخابياً بعد أكثر من ستة عقود من هيمنته.
لكن حكم لوغو انتهى بصورة مفاجئة في حزيران/يونيو 2012، عبر انقلاب برلماني أطاح به خلال 48 ساعة فقط، من خلال محاكمة برلمانية مثيرة للجدل.
وبالنسبة إلى الحركات الاجتماعية والقطاعات الشعبية، لم يكن ذلك الحدث مجرد واقعة أخرى في التاريخ، وإنما عملية سياسية دبّرتها قطاعات من اليمين في باراغواي، وكان هوراسيو كارتيس أحد أبرز الفاعلين فيها، وسط اتهامات بوجود تواطؤ ودعم من مصالح خارجية، من بينها السفارة الأمريكية.
واليوم، تشهد الجمعية الوطنية الجمهورية صراعاً حاداً بين أجنحتها الداخلية على السلطة، لكن جناح كارتيس، المعروف باسم «هونور كولورادو» (Honor Colorado)، أصبح مركز القوة الرئيسي داخل الحزب الحاكم.
ولم يقتصر دور كارتيس على توليه رئاسة الجمهورية بين عامَي 2013 و2018، فقد أصبح لاحقاً رئيساً لحزب كولورادو نفسه، واحتفظ بنفوذ هائل على قرارات حكومة سانتياغو بينيا.
وقد وصل بينيا إلى الرئاسة بدعم سياسي من كارتيس، إذ تشكّلت حملته الانتخابية وإدارته اللاحقة تحت قيادة حركة هونور كولورادو.
ولهذا، فإن ما نشهده اليوم ينطوي على تناقض سياسي كبير: فالجناح نفسه الذي أسس هذه الحكومة ودعم استمرارها، قرر الآن تأييد إجراءات عزل الرئيس.
وقد تغيّر موقف كارتيس مع تطور الأزمة. ففي البداية، رفضت دائرته المقربة احتمال عزل الرئيس، وسعت إلى تحميل مسؤولي البنك المركزي المسؤولية.
لكن في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، أعلن كارتيس علناً أن الجمعية الوطنية الجمهورية ستدعم عزل بينيا.
ولا يمكن تفسير هذا التحول باعتباره مجرد قرار مؤسسي اتخذه حزب كولورادو، فهو يعكس أيضاً صراعاً على السيطرة السياسية، وعلى استمرار أجندة الحكومة، والحفاظ على بنية السلطة التي ساهمت الحركة نفسها في بنائها.
وفي ظل هذه التطورات، لا تكتفي الحركات الاجتماعية والقطاعات الشعبية بالمطالبة بمحاسبة المسؤولين ورفض أي محاولة للإفلات من العقاب، وإنما تحذّر أيضاً من أن هذه الأزمة تمثل دليلاً جديداً على فشل النموذج الاقتصادي الليبرالي.
فهذا النموذج ظل يؤكد، طوال سنوات، أن السوق قادرة على تنظيم نفسها بنفسها، وأن على الدولة تقليص تدخلها، وأن الخصخصة وإلغاء القيود التنظيمية يمثلان الطريق إلى التنمية.
لقد وعدونا بأنه إذا تُرك رأس المال يعمل بحرية، فإن الثروة ستصل في نهاية المطاف إلى جميع السكان، وأن النمو الاقتصادي سيتحول إلى رفاه اجتماعي، وأن الجميع سيستفيدون مما يُسمّى أثر «تسرّب الثروة من الأعلى إلى الأسفل».
لكن في باراغواي اليوم، يشعر كل عامل بعواقب هذه السياسات، نتيجة الرأسمالية المالية المرتبطة بتجارة المخدرات.
إنه نموذج يتصرف بالموارد العامة دون أي وازع، ويركّز الثروة في أيدٍ قليلة، ويعزز الروابط بين السلطة السياسية والمصالح الخاصة.
وهو نظام تبقى فيه الأرباح في أيدي قطاعات محددة، فيما يتحمل السكان في نهاية المطاف عواقب عملياتها وممارساتها.
ولذلك، فإن ما يحدث في هذا الجزء الجنوبي من أمريكتنا ليس معزولاً عما يجري في مناطق أخرى من العالم، وإنما يشكّل جزءاً من دينامية أوسع، يملي فيها رأس المال الكبير القرارات السياسية، ويستولي على الموارد والممتلكات المشتركة، ويحوّل الحقوق والاحتياجات الأساسية إلى فرص تجارية لتحقيق الأرباح.
تتغير الظروف، وتتبدل الأطراف الفاعلة، لكن المنطق يبقى واحداً.
ومع ذلك، فإن الفشل الواضح للسياسات الاقتصادية القائمة على الرأسمالية المالية يفتح أيضاً فرصة أمام الحركة الشعبية المنظمة لتصور مستقبل مختلف، وبناء بديل سياسي واقتصادي يقطع مع هذا المنطق.
إنها فرصة لتمهيد الطريق نحو عالم يكون فيه الاقتصاد في خدمة الحياة، بدلاً من خدمة تراكم الثروة لدى أقلية محدودة، وعالم يستطيع فيه الناس أن يقرروا بأنفسهم كيفية التصرف بمواردهم، وأن يتحكموا بحاضرهم ومصيرهم.
https://portal.globetrotter.media/2026/11/06/the-financial-and-political-crisis-in-paraguay-yet-another-sign-of-the-failure-of-the-liberal-economic-model/
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟