أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرزاق محمود عبدالرحمن - جريمة حرق سيارات العائدين إلى ديارهم














المزيد.....

جريمة حرق سيارات العائدين إلى ديارهم


عبدالرزاق محمود عبدالرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 00:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يكتشف، بعد سنوات من اقتلاعه من أرضه، أن الطريق إلى بيته قد يصبح امتداداً للمأساة التي ظن أنه نجا منها. فالمهجّر الذي يعود إلى مدينته لا يحمل معه مجرد أمتعة جمعها على عجل، وإنما يحمل سنوات من الانتظار، ووجوه أحبته، وذاكرة مكان ظل حاضراً في حياته رغم المسافات والحدود.
ما جرى للعائلات المهجّرة العائدة إلى مدينة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي، وفق المعلومات الواردة عن اعتداءات السادس والعشرين من تشرين الأول 2026، يطرح أسئلة موجعة تتجاوز حادثة الاعتداء نفسها. فقد تحدثت المعلومات عن تكسير سيارات العائدين وإحراق بعضها، وعن أعمال تخويف وتهديد رافقت محاولتهم الوصول إلى ديارهم. وهي وقائع تستدعي تحقيقاً مستقلاً يكشف حقيقتها كاملة، ويحدد المسؤوليات دون استباق للأحكام.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل ضمير المجتمع السوري هو: كيف يمكن لإنسان دفع من عمره سنوات ثمناً للتهجير أن يجد نفسه مهدداً مرة أخرى عندما يقرر العودة؟
السيارة التي أُحرقت ليست مجرد هيكل معدني يمكن تعويضه بالمال. ربما كانت ثمرة سنوات من العمل الشاق، أو الوسيلة الوحيدة التي استطاعت عائلة من خلالها نقل أطفالها ومتاعها إلى المكان الذي انتظرته طويلاً. وإحراقها، في مثل هذه الظروف، يحمل معنى أشد خطورة من الخسارة المادية، لأنه قد يتحول إلى رسالة تخويف تقول للعائدين إن وجودهم نفسه غير مرغوب فيه.
وهنا تكمن فداحة الظلم.
لقد عرف السوريون خلال سنوات الحرب أشكالاً متعددة من الحرمان. فقدوا منازلهم وأعمالهم وأراضيهم، وتوزعوا في المخيمات والمدن البعيدة وبلدان اللجوء. وكثيرون منهم لم يغادروا قراهم ومدنهم بحثاً عن حياة أفضل، بل لأن البقاء أصبح مستحيلاً. ولذلك فإن العودة بالنسبة إليهم ليست امتيازاً تمنحه جهة نافذة، ولا منحة يقدمها طرف سياسي أو عسكري، وإنما محاولة لاستعادة حياة انقطعت قسراً.
إن حق الإنسان في مسكنه وأرضه لا ينبغي أن يصبح رهينة لتغير موازين القوة أو تبدل السلطات أو حسابات النفوذ المحلي. وإذا نشأت نزاعات حول ملكية منزل أو أرض، فمكان الفصل فيها هو القضاء، وليس الشارع، ولا السلاح، ولا حشود الغضب.
والأخطر أن يتحول الخلاف حول الممتلكات إلى مواجهة ذات طابع قومي أو اجتماعي. فحين يصبح انتماء الإنسان سبباً للاشتباه في أحقيته بالعودة، تكون فكرة المواطنة نفسها قد تعرضت لجرح عميق. لا يجوز أن يُطالب الكردي أو العربي أو أي مواطن سوري بإثبات استحقاقه للكرامة بسبب هويته. ولا يمكن تحميل جماعة بأكملها مسؤولية اعتداء يرتكبه أفراد منها.
إن العدالة التي نريدها لسورية لا يمكن أن تكون عدالة انتقائية، تتسع لضحايا وتضيق بآخرين. فالبيت الذي سُلب من صاحبه يظل قضية حق، أياً كانت لغة صاحبه أو قوميته أو معتقده. والمواطن الذي يتعرض للتهديد يستحق الحماية نفسها التي يستحقها أي مواطن آخر.
وما يثير القلق أن الاعتداء على العائدين لا يقتصر أثره على الضحايا المباشرين. فكل عائلة مهجّرة تسمع أن عائلات أخرى تعرضت للعنف عند عودتها ستعيد التفكير في قرار الرجوع. وهكذا قد تؤدي حادثة واحدة، إذا تُركت دون محاسبة، إلى إطالة سنوات النزوح وتعميق القطيعة بين الناس وأماكنهم الأصلية.
ولا يمكن الحديث عن إعادة إعمار سورية بينما يبقى الإنسان خائفاً من العودة إلى منزله. فالإعمار لا يبدأ بالإسمنت وحده، وإنما بإعادة الثقة إلى المواطن بأن حقوقه محفوظة، وأن القانون قادر على حمايته من الاعتداء، وأنه لن يحتاج إلى حماية عشيرة أو قوة مسلحة كي يدخل بيته.
إن الجهات المسؤولة عن الأمن والإدارة مطالبة بإثبات قدرتها على حماية المدنيين، لا بالاكتفاء بإدارة نتائج الاعتداءات بعد وقوعها. كما أن التحقيق في إحراق المركبات وترويع العائلات يجب أن يكون واضحاً وجاداً، وأن يشمل كل من تثبت مسؤوليته عن الاعتداء أو التحريض عليه أو تسهيل وقوعه، مع ضمان حق المتضررين في التعويض والإنصاف.
ولا ينبغي أن تتحول المصالحات الاجتماعية إلى وسيلة لطي الملفات دون استعادة الحقوق. فالتسامح قيمة إنسانية عظيمة، لكنه لا يُفرض على الضحية، ولا يجوز استخدامه بديلاً عن المحاسبة. والمصالحة التي تترك المعتدي مطمئناً والمتضرر خائفاً لا تؤسس لاستقرار حقيقي.
إن مأساة المهجّرين السوريين أكبر من أن تُختزل في أرقام النازحين أو بيانات الإدانة. وراء كل عائلة قصة عمر مؤجل، وأطفال كبروا بعيداً عن بيوتهم، وآباء وأمهات ينتظرون فرصة أخيرة لرؤية الأماكن التي عرفوا فيها طفولتهم وشبابهم.
ومن المؤلم أن يتحول ذلك الانتظار الطويل إلى خوف جديد عند أول محاولة للعودة.
إن ما تحتاجه سورية اليوم ليس إعادة توزيع الخوف بين أبنائها، وإنما إنهاء الأسباب التي جعلت الخوف جزءاً من حياتهم. ولا يمكن بناء وطن يتساوى فيه المواطنون ما دامت العودة إلى المنزل تحتاج إلى شجاعة استثنائية، وما دام الاعتداء على الممتلكات يُستخدم لفرض إرادة الأقوى.
قد تُصلح سيارة محطمة، وقد تُشترى أخرى مكان السيارة المحروقة، لكن الضرر الذي يصيب شعور الإنسان بالأمان لا يُرمم بهذه السهولة.
فأي معنى للعودة إلى الوطن، إذا كان الإنسان يعود إلى الخوف الذي هرب منه؟ وأي معنى للسلام، إذا لم يستطع المهجّر أن يصل إلى باب بيته آمناً؟
إن كرامة سورية تبدأ من كرامة أبنائها، ومن حق كل مهجّر في أن يعود إلى أرضه دون إذلال، وأن يجد في وطنه حماية القانون، لا تهديد المعتدين.
فالوطن الذي يستحق أن نعود إليه هو الوطن الذي لا يُحرق فيه طريق العودة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العيش بكرامة بات حلماً في سوريا
- العيش بكرامة بات حلما في سوريا


المزيد.....




- من 62 ألفًا إلى 80 مليون دولار.. رحلة لوحة لكاندينسكي في سوق ...
- أهازيج عربية تشعل الأجواء خلال كلمة عبدالرحمن السيد.. شاهد ر ...
- زيلينسكي يحذّر من خطورة أي هيكل أمني أوروبي روسي مشترك
- غزة.. غرق 70 ألف خيمة للنازحين بمياه الأمطار
- الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة في غرب كردفان
- فوز عبد الرحمن السيد يُظهر أن الديمقراطيين يكررون خطأ الجمهو ...
- وسط تلويح بمراجعة العقيدة النووية.. إيران تُطوّر مدى ترسانته ...
- -شخصية سامة-… سفير أميركي سابق يحذّر من تعثّر إصلاح علاقات ت ...
- جدل في الولايات المتحدة بعد منع ولاية واشنطن المتحولين جنسيا ...
- محافظ القليوبية يتفقد أعمال رصف بلاط الإنترلوك بمتفرعات شارع ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرزاق محمود عبدالرحمن - جريمة حرق سيارات العائدين إلى ديارهم