أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد أرسلان علي - عندما تُختزل القضية في ملعب: كيف صادرت الرأسمالية وجدان الكرد؟














المزيد.....

عندما تُختزل القضية في ملعب: كيف صادرت الرأسمالية وجدان الكرد؟


محمد أرسلان علي

الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 22:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمة سؤال يلاحق كل كردي واعٍ هذه الأيام: كيف تحوّل مسار نضال عمره نصف قرن إلى مشهد احتفالي في مدرجات كرة القدم؟ وكيف صعد فريق مغمور من الدرجة الثالثة إلى الممتاز بسرعة تشبه المعجزات، في التوقيت نفسه الذي أُعلن فيه إنهاء "الثورة المسلحة" لحزب العمال الكردستاني والانتقال للنضال السياسي؟ هل نحن أمام مصادفة بريئة، أم أمام هندسة سياسية باردة تستبدل القضية بالترفيه؟
ما يحدث اليوم ليس حادثة معزولة، بل هو الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من محاولات اختزال القضية الكردية وتفريغها من مضمونها. الأنفال اختُزلت بعشيرة، وكردستان اختُزلت بإقليم، والثورة اختُزلت بفريق. والمشترك بين هذه الاختزالات كلها أنها تخدم منطق القوى الكبرى في إدارة المنطقة، لا منطق الشعوب التي تدفع الثمن.
لا يمكن فصل تصاعد نجم آمد سبور عن اللحظة السياسية التي تتقاطع فيها ملفات عدة: إنهاء العمل المسلح للعمال الكردستاني، وإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، والبحث عن صيغ جديدة لاحتواء الحراك الكردي. في مثل هذه اللحظات، تبرز الحاجة إلى "بدائل آمنة" تشغل الجمهور وتُبقي الشارع مشغولاً عن الأسئلة الكبرى.
الفريق المغمور الذي "يصعد بطريقة بهلوانية وبقدرة إلهية" إلى الممتاز ليس مجرد ظاهرة رياضية. إنه، في القراءة السياسية، أداة إلهاء مثالية: يوحّد المشاعر، ويخلق أبطالاً، ويمنح الجمهور نشوة النصر بعد سنوات من مرارة الخسارات. والسؤال المشروع: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه السرعة؟ ولماذا في هذه الجغرافيا تحديداً؟
الرأسمالية الحديثة بارعة في تحويل الوجع إلى سلعة، والهوية إلى منتج، والقضية إلى علامة تجارية. ما لا تستطيع السيطرة عليه بالقوة العسكرية، تعالجه بغزارة العاطفة البديلة. والفريق الرياضي هو الوسيط الأمثل: يستطيع أن يوحّد الكرد في المدرجات بينما تبقى ساحاتهم السياسية ممزقة.
والمفارقة القاتلة التي يطرحها السؤال: صار فريق كرة قدم يوحّد الكرد، بينما "كردستان" تفرّقهم. على امتداد التاريخ، كانت "كردستان المقدسة" غطاءً لمصالح سلطوية واقتتال داخلي، بينما اليوم يجد الشاب الكردي في فريق كرة قدم معنى للانتماء وفرصة للاحتفال. هذا ليس انتصاراً للهوية، بل دليل على عمق الأزمة: لقد فشلت النخب في تقديم مشروع جامع، فجاءت الرأسمالية لتقدّم بديلاً سريع المفعول.
منذ عقود، تعمل القوى الكبرى على "تقزيم" القضية الكردية. فبعد الحرب العالمية الأولى، اختُزلت أرمينيا الكبرى بأرمينيا الصغرى. واليوم، يُراد للقضية الكردية أن تختزل بإقليم كردستان العراق، وللأنفال التي راح ضحيتها أكثر من 183 ألف مدني أن تختزل بأنفال عشيرة واحدة تُخلَّد سنوياً، وكأن الحزن الرسمي قادر على محو الذاكرة الجمعية.

هذا القانون نفسه هو ما يحكم التعامل مع الثورة الكردية: استُنزفت في محاربة داعش، ثم أُعلن بعد استنزافها أنها كانت "إرهابية منذ تأسيسها"، وأن شهداءها كانوا "إرهابيين". وعلى نفس المنطق، تم القضاء على اسطورة "قسد" التي هزمت داعش، وترويجها بعد ذلك في هزيمة نكراء على يد نفس أصحاب الفكرة. وليس مصادفة أن يتم اختيار كردي لمنصب أممي لحقوق الانسان أو يتم اختيار الزي الكردي في ممرات وصالونات الأزياء العالمية. وبعد كل هذا، يُقدَّم للكرد بديل جاهز: فريق رياضي، نشوة مؤقتة، وأبطال في التلفزيون بدلاً من أبطال في ساحات الحرية.
العبارة الساخرة "خسرنا ثورة وربحنا فريق كرة قدم" ليست مجرد تعليق غاضب، بل هي توصيف دقيق لواقع مقلوب. لقد أصبح الكرد يدافعون عن فريق، وينسون الدفاع عن حقهم في دولة حرة مستقلة. والأخطر أن هذا التحول يحدث أمام أعيننا، بغطاء من "الفرح الشعبي" الذي لا يُساءل.
إن اختزال قضية شعب بأمور ثانوية برعت فيها الرأسمالية، وتقديمها كـ"الدواء الناجع"، هو أخطر أشكال الاستعمار الناعم. لأنه لا يسلبك حقك بالقوة فقط، بل يقنعك بأنك لم تعد بحاجة إليه، وأن السعادة متاحة في مكان آخر. وهنا تكمن الشماتة المرّة في مقولة عادل إمام: "يا شماتة أبلة ظاظا فينا" — نحن نضحك على أنفسنا بينما نُساق إلى الفخ.
لا يعني هذا الكلام أن الرياضة عدو، أو أن الفرح ممنوع. لكنه يعني أن الوعي السياسي لا يجوز أن يُساوم عليه. فالفريق الذي يوحد الكرد يجب أن يكون جسراً إلى قضيتهم، لا بديلاً عنها. والمدرجات التي تجمعهم يجب أن تكون نقطة انطلاق إلى الساحات، لا ملاذاً للهروب منها.
المطلوب اليوم ليس رفض آمد سبور، بل رفض تحويله إلى قضية. المطلوب أن نعيد طرح السؤال الكبير: من يريد لنا أن نفرح بالفريق كي ننسى الحق؟ ومن يستفيد من توقيت هذا الصعود؟ وكيف نحمي الذاكرة من الاختزال، والقضية من التجزئة؟
إن الكرد الذين قضوا خمسين عاماً في النضال يستحقون أكثر من فريق. يستحقون دولة، وعدالة، وذاكرة كاملة غير مبتورة. وأي مشروع يحوّلهم إلى مجرد جمهور، مهما بدا بريئاً، فهو مشروع يجب أن يُساءل، لا أن يُصفَّق له.



#محمد_أرسلان_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حماية العلويين من مهام قسد، ولما لا؟
- الانتخابات الامريكية واليسار والكرد
- صراخ صامت من أطلال غزة


المزيد.....




- -يضع مصالحه الشخصية أولاً-.. استطلاع لـCNN يرصد أسباب -الاست ...
- معركة الكونغرس.. رهانات الداخل والخارج
- لبنان.. مصير التعليم بعد حرب إسرائيل
- فاغنكنخت لميرتس: دعم سخي لأوكرانيا وإهمال لا محدود للداخل ا ...
- اشتباكات وطلقات نارية قرب كييف.. الأمن الأوكراني يكشف ما ورا ...
- محكمة برتغالية تتيح استمرار خيام محتجي أزمة السكن في ساحة رو ...
- تهديدات بوجود قنابل على متن سبع طائرات وسفينة متجهة إلى إسرا ...
- ترامب: الجيش الأمريكي شن ضربات أمريكية جديدة على أهداف إيران ...
- بعد ضربات أميركية على إيران هل ردت طهران بقصف دبي وحاملة طائ ...
- -ما وراء الخبر- يناقش أبعاد التصعيد الإسرائيلي في غزة


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد أرسلان علي - عندما تُختزل القضية في ملعب: كيف صادرت الرأسمالية وجدان الكرد؟