أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وميض بطرس - مخالفة بعد منتصف الليل














المزيد.....

مخالفة بعد منتصف الليل


وميض بطرس

الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 08:31
المحور: الادب والفن
    


أيُّ بحرٍ هذا الذي أسبح فيه؟ وأيُّ سماءٍ هذه التي تتأملني من علٍ وتضحك؟

يا له من أمرٍ مؤلم! فما زلت لا أعرف أيَّ الجهات الجغرافية الأربع، أو الثماني، استقرت عليها قبلتي. ولا يزال هذا اللغز يحيرني، كما حيّر مَن سبقوني، أولئك الذين أصبحوا الآن في عداد المفقودين، ولم يتركوا خلفهم سوى أسئلةٍ لم تجد مَن يجيب عنها.

أيُّ مدينةٍ هذه التي تضيق بصرخة إنسانٍ داخل غرفةٍ من غرف بيوتها القديمة؟ غرفةٌ تأويني وتحتضن صمتي، لكنها لا تستطيع أن تمنع جارتي من استدعاء الشرطة، خشية أن أكون قد اقترفت جريمة إقلاق راحة الجيران في ساعةٍ متأخرة من الليل!

حسناً، فليكن إذن. لتحضر الشرطة، وليبدأ التحقيق.

لماذا كل هذا الإزعاج؟ وما الذي يدفعك إلى الصراخ في منتصف الليل؟

فأنا، يا سيدي، لست كما كنت! أم إنني ما زلت ذلك الإنسان الذي كان في السماء، ولم يتغير حين وطئت قدماه الأرض؟

أتراني أحلم، أم أن هذا هو الواقع الذي يُفترض بي أن أعيشه؟ أن ألتزم الصمت، وأكفّ عن طرح الأسئلة، وأسير مع الجميع، كأن الطريق يعرف وجهته، وكأنني أعرفها أيضاً؟

تشدّني أضواء سيارة الشرطة الزرقاء والحمراء؛ تومض في الخارج، وتنعكس على جدران غرفتي، فيما تتزاحم الأسئلة في رأسي. أما جارتي، التي يبدو أنها تراقب المشهد من خلف نافذتها، فتختفي كلما التقت نظراتنا، وكأنها تخشى أن تطالها لعنة ما من هذه الحكاية.

ينتابني ارتجاف مفاجئ رغم البرد. أقرر ألا أجيب عن شيء، وألوذ بصمتي، مع أنني لا أرى في ما أفعله ما يستدعي كل هذا التحقيق.

فأيُّ جريمة ارتكبتها؟ أكلُّ ما في الأمر أنني أمارس طقوسي الليلية، محاولاً أن أنسى ما لا يُنسى؟ ومَن يستطيع إنقاذي وأنا أغوص في بحرٍ من الاشتياق إلى مكانٍ ووجوهٍ كانت تألفني وأألفها؟ مَن يعيد إليَّ ذلك الإحساس البسيط بأنني أنتمي إلى مكانٍ ما؟

أستأذن الشرطي وأشعل سيجارة. يتصاعد دخانها بيننا ببطء، كأنه يشاركنا التحقيق، أو ربما يحاول أن يملأ الفراغ الذي تركته الكلمات.

أنظر إلى ضابط الشرطة وأبدأ الحديث. أخبره عن مدينتي، عن غرفتي، وعن ذاتي التي تاهت مني في الطريق. أحاول أن أشرح له كيف يمكن للإنسان أن يعيش في مكانٍ لا يعرفه، وأن يستيقظ كل صباح ليؤدي واجباته كأن شيئاً لم يحدث، بينما هو في داخله لا يزال يبحث عن بابٍ يعرفه، ونافذةٍ اعتاد أن يطلّ منها على العالم.

أقول له إنني أصبحت كقاربٍ بلا شراع، تائهاً في صحراءٍ من المياه؛ لا مرفأ يحتويني، ولا أرض تستوعب حزني على ما حدث.

يصمت الضابط. يطيل النظر إليَّ، ثم ألمح دمعةً صغيرة تتسلل من عينه، يحاول إخفاءها بحركةٍ سريعة من يده. للحظة، لا يعود بيننا شرطي ومشتكى عليه؛ بل إنسانان يقفان على ضفتين مختلفتين من الحكاية، ويعرف كلٌّ منهما أن الآخر ليس غريباً تماماً.

ينهض أخيراً، يمدّ يده ويشدّ على يدي، ثم يعتذر إليَّ عن الإزعاج الذي تسبب به مجيئه استجابةً لشكوى جارتي.

يبتسم، ويتجه نحو الباب بخطوات هادئة. يفتحه، ثم يغلقه برفق، تاركاً إياي أعود إلى طقوسي الليلية، وإلى عالمي الذي لم تنجح الشرطة في تفتيشه.

لكن الحكاية لم تنتهِ بعد.

فبينما كان الضابط يتجه نحو سيارته، توقف أمام باب جارتي وطرقه.

وبعد حديثٍ قصير معها، أخرج دفتر المخالفات وحرّر لها مخالفةً بسبب إزعاجها لي بعد منتصف الليل!

يبدو أن العدالة، ولو تأخرت قليلاً، تستطيع أحياناً أن تجد العنوان الصحيح.



هولندا – لاهاي

1/11/2026






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- بن راشد يغازل الإمارات في قصيدة جديدة معاهدا -بو خالد- على ا ...
- -الرجل لا يشتكي-.. عندما تتحول ثقافة التحمل إلى خطر على صحة ...
- المسرح العراقي في ملتقى القاهرة..ندوات وبحوث تعزز حضور الفنا ...
- بعد دعوات لتعديل الدستور.. فنان مصري يحذر السيسي من محاولات ...
- إحياء نوادي السّينما في المدارس والجامعات.. محمد عبيدو ل «ال ...
- جوائز الدورة الثالثة من VS-FILM توزع في السويس على أفلام من ...
- متحف مخلفات الحرب في هو تشي منه.. أهوال العميل البرتقالي وذا ...
- -فيلم ثقافي-.. جدل في مصر بعد -اختراق- لقطات إباحية لوحة إعل ...
- وعكة قلبية مفاجئة تصيب المطرب المصري محمد الحلو.. ونجله يطلب ...
- تايلور سويفت تنضم إلى قاعة مشاهير كتّاب الأغاني في ناشفيل


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وميض بطرس - مخالفة بعد منتصف الليل