|
|
شعرية الانتماء والمنفى في تجربة غالية عيسى دراسة نقدية في العتبات والبنية والخطاب الوجداني الباحث عمر علي جامعة ماروة كاميرون
عمر علي
الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 22:34
المحور:
الادب والفن
ملخّص تتناول هذه الدراسة تجربة الشاعرة اليمنية غالية عيسى (غالية محمد عيسى علي الزبيدي)، المقيمة في سلطنة عُمان، بوصفها نموذجًا لشعريةٍ تتأسّس على جدلٍ بين الانتماء والمنفى، وتُنجز نفسها في ثلاثة مستويات متداخلة: مستوى العتبات النصية (العنوان، والتصدير، والإهداء)، ومستوى البنية الفنية (التكثيف، والمفارقة، والتكرار، والتناص)، ومستوى الخطاب الوجداني الذي يحوّل الوجع الخاص إلى سؤال إنساني عام. تنطلق الدراسة من فرضيةٍ مؤداها أن شعرية غالية عيسى لا تُقرأ قراءةً وافية إذا وُصفت بأنها «شعر أنثوي» أو «شعر منفى» فحسب؛ لأن هذين الوصفين يختزلان تجربةً تُعيد ترتيب العلاقة بين الذات والمكان واللغة، وتجعل من «ابنة الفلّاح» و«المسافرة» و«المصلوب» أقنعةً رمزيةً لذاتٍ جماعية لا فردية. وتستعين الدراسة بأدوات «مدرسة النقد التفاعلي» في ثلاثة مفاهيم منها: التحليل السياقي المزدوج، والاستبطان النقدي، والترجمة الثقافية؛ إذ تُقرأ النصوص أولًا في سياقها اليمني/العدني، ثم في سياقها التفاعلي في بلد الإقامة، ثم في أفقها الإنساني. وتعتمد المنهج الوصفي التحليلي، مدعومًا بالمقاربة التاريخية في تتبّع التكوين، وبتحليل العتبات في قراءة المنجز، وبالقراءة القريبة (Close Reading) في تحليل النصوص المتاحة. وقد انتُخبت ثلاثة نصوص للتحليل المكثّف: تصدير ديوان «يعصرون خمرًا»، وقصيدة «ابنة الفلّاح»، ومقطع «محادثة على تلّ القمر»؛ لأنها تمثّل — على اختلاف مواقعها في المدونة — البنية العميقة نفسها: ذاتٌ تُثبت انتماءها بالنفي، وتُثبت وجودها بالرحيل. وتخلص الدراسة إلى أن أبرز ما يميّز التجربة هو «شعرية الانتماء بالنفي»: بنيةٌ خطابية تُبنى على النفي المتكرّر («ماتَ بلا أرض»، «لست بحجم الريح»، «لا تستسيغ طعم الزهور»)، وتنتهي إلى تأكيد الهوية عبر الفقد لا عبر الملك. كما تخلص إلى أن انتقال الشاعرة من الشعر إلى السرد، ومن الإبداع إلى البحث الأكاديمي، لم يكن تشتّتًا، بل امتدادًا لسؤالٍ واحد: كيف تُحوَّل التجربة إلى معرفة، والصوت إلى أثر؟ الكلمات المفتاحية: غالية عيسى؛ الشعرية؛ قصيدة النثر؛ الكتابة الأنثوية؛ المنفى؛ العتبات النصية؛ الخطاب الوجداني؛ الأدب اليمني الحديث. ١. مقدمة: إشكالية الدراسة وأسئلتها ١.١ تقديم منذ أواخر القرن العشرين، أخذت الخريطة الشعرية العربية تعيد توزيع أصواتها على نحوٍ لا تعود فيه العاصمة مركزًا ولا الأطراف هامشًا. وفي هذا التحوّل، برزت أصوات نسائية لم تكتفِ بالدخول إلى المشهد الشعري، بل أخذت تعيد صياغة أسئلته: من يكتب؟ ولمن؟ وبأي لغة؟ ومن أي موقعٍ جغرافي ووجداني؟ وتقع تجربة الشاعرة اليمنية غالية عيسى في قلب هذا التحوّل، لا لأنها تنتمي إلى جيلٍ بعينه، بل لأنها تجمع ثلاثة عناصر قلّ اجتماعها في تجربة واحدة: الأصل الجغرافي (اليمن/عدن)، والمنفى الاختياري (سلطنة عُمان)، والتكوين الأكاديمي في اللسانيات وتحليل الخطاب. وهذا الثلاثي هو ما يجعل سؤال الانتماء عندها سؤالًا مركّبًا، لا سؤالًا عاطفيًا بسيطًا: فهي لا تكتب من داخل الوطن ولا من خارجه تمامًا، بل من المنطقة الوسيطة التي يصنعها المنفى في وعي الكاتب. ١.٢ الإشكالية تقوم هذه الدراسة على الإشكالية الآتية: كيف تتحوّل تجربة الانتماء المفقود إلى بنيةٍ شعرية متماسكة، لا إلى بكاءٍ غنائي مباشر؟ وبأي أدواتٍ لغوية ورمزية تُنجز الشاعرة هذا التحويل؟
ويتفرّع عن هذه الإشكالية سؤالان فرعيان: 1. سؤال العتبات: هل تُدير عتبات النص (العنوان، والتصدير، والإهداء) عملية توجيهٍ للقراءة تجعل النصوص تُقرأ بوصفها سيرةً جماعية لا فردية؟ 2. سؤال البنية: ما الأدوات التي تحوّل الوجع إلى صورة، والصورة إلى معرفة، في نصٍّ يعتمد القصيدة القصيرة والتكثيف والمفارقة؟ ١.٣ الفرضية تفترض الدراسة أن شعرية غالية عيسى تقوم على ما يمكن تسميته «الانتماء بالنفي»: بنية خطابية لا تُثبت الهوية بالملك أو الاستقرار، بل بالفقد والرحيل والرفض. فالشاعرة لا تقول «أنا من هنا»، بل تقول «كل أرضٍ ترفضني»، ثم تُحوّل هذا الرفض إلى هويةٍ أعلى: هوية الإنسان الذي لا تُحدّه الأرض ولا تُنقصه السماء. وبهذا المعنى، فإن المنفى عندها ليس موضوعًا يُرثى، بل آلةً تصنع الوعي، على نحو ما ذهب إليه أدونيس في حديثه عن المنفى بوصفه شرطًا للرؤية لا مجرّد فقدانٍ للمكان (أدونيس ١٩٧٢). ١.٤ المنهج وحدود الدراسة تعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، وتستعين بأدواتٍ مساندة: • المقاربة التاريخية في تتبّع التكوين الثقافي للشاعرة. • تحليل العتبات بوصفه مدخلًا تأويليًا، وفق ما بلوره جيرار جينيت في دراسته عن «عتبات» النص (Genette 1987). • القراءة القريبة في تحليل النصوص المنتخبة. • المنهج المقارن في الموازنة الموجزة مع تجربة الشاعرة السودانية روضة الحاج، بما يضيء خصوصية كل تجربة دون المفاضلة بينهما. وأمّا حدود الدراسة، فهي حدودٌ يفرضها واقع المصادر لا اختيار الباحث: فالمتون الشعرية الكاملة للدواوين ليست متاحةً إلكترونيًا، ومن ثمّ اقتصر التحليل النصّي المكثّف على نصوصٍ منشورة كاملة أو مقاطع موثّقة، مع الإحالة إلى الديوان والقصيدة لا إلى رقم الصفحة، لأن الطبعات الورقية لم تكن في متناول الباحث. وهذا إجراءٌ منهجي يُعلَن صراحةً بدلًا من الاستكمال بالتخمين، تحقيقًا لشرط الأمانة العلمية. ١.٥ الدراسات السابقة وموقع هذه الدراسة لا تتوافر — في حدود ما تمكّن الباحث من رصده — دراسات أكاديمية محكّمة مستقلّة تُفرد لتجربة غالية عيسى، وإنما تتوزّع المعرفة بها على ثلاثة أنواع من المصادر: 1. تراجم صحفية وتعريفات ذاتية نُشرت في صحف ومواقع عربية، أبرزها ملفّ «المدائن بوست» الذي قدّم سيرةً موجزة ونماذج شعرية (المدائن بوست ٢٠٢٢)، ومقال منصور عامر في «الاتحاد نت» (عامر ٢٠١٩). 2. حوارات صحفية كشفت عن تصوّر الشاعرة لعلاقة الشعر بالبحث وبالسرد، أبرزها حوار «الاتحاد» (عبدالسميع ٢٠٢٦)، وحوار «المدينة» (الغزال ٢٠٢٦). 3. قراءات نقدية رافقت ديوانها الثالث، وكُتبت بقلم ناقدين مغربيين هما محمد أزلماط وفاطمة بولحوش، ونُشرت داخل الديوان نفسه (عيسى ٢٠٢١). ٢. تمهيد نظري: الشعرية بين قصيدة التفعيلة والكتابة الأنثوية ٢.١ الشعرية بوصفها رؤية لا شكلًا لا تُفهم الشعرية في هذه الدراسة بوصفها مجموعةً من القواعد الشكلية التي تمنح نصًّا «جواز مرور» إلى دائرة الشعر، بل بوصفها — كما صاغها تودوروف — علمًا للأدب ينظر إلى النص في علاقته بشروط إنتاجه وتلقّيه لا في خصائصه الظاهرة وحدها (Todorov 1981). وقد عبّر الباحث في موضعٍ سابق عن هذا المفهوم بعبارةٍ تُلخّصه: الشعرية «قدرة عميقة قادرة على استبطان الإنسان والعالم» (جبريل ٢٠٢٦)، أي أنها ليست لعبةً لفظية، بل طريقة في المعاينة والرؤيا، واختراقٌ لقشرة الأشياء إلى لباب التناقضات التي تنسج الوجود الإنساني. وهذا التصوّر هو الذي يسمح بقراءة تجربة غالية عيسى قراءةً لا تُصادر على نصوصها مسبقًا. فلو انطلقنا من تعريفٍ شكليّ للشعرية لخرجنا بنتيجةٍ واحدة: أن نصوصها «ليست موزونة»، وهو حكمٌ لا يقول شيئًا. أمّا إذا انطلقنا من الشعرية بوصفها رؤيةً، فإن السؤال يصبح: ما الذي تراه هذه النصوص ولا تراه غيرها؟ وهو سؤالٌ أنفع بكثير. ٢.٢ قصيدة النثر: من «الخروج من الوزن» إلى «الدخول في الحاجة» من الشائع أن تُعرَّف قصيدة النثر بسلبٍ: شعرٌ بلا وزن ولا قافية. وهذا تعريفٌ صحيحٌ وصفًا، خاطئٌ تفسيرًا؛ لأنه يفسّر الظاهرة بما نفته لا بما أثبتته. وقد أظهرت الدراسات المؤسِّسة — ومنها عمل سوزان برنار المرجعي — أن قصيدة النثر ليست نقيض الشعر، بل شكلٌ شعري آخر له قوانينه الداخلية: التكثيف، والإيقاع الداخلي، والانقطاع الدلالي، والانفتاح على اليومي والصغير (Bernard 1959). وفي السياق العربي، تكرّس هذا الشكل عبر تجارب متعدّدة، وارتبط اسم محمد بنيس بوصفٍ للقصيدة الحديثة بوصفها «بنيةً» لا «وزنًا» (بنيس ١٩٨٩)، كما ارتبط اسم صلاح فضل بتحليل «أساليب الشعرية» في النصف الثاني من القرن العشرين (فضل ١٩٩٥). غير أن الملاحظ في معظم هذا التنظير أنه تنظيرٌ بصيغة المذكّر: الشاعر هو الأصل، والشاعرة حالة خاصة تُضاف. ٢.٣ الكتابة الأنثوية: بين الإضافة والتأسيس لم تكن الكتابة النسائية العربية مجرّد «دخول» إلى حقلٍ قائم، بل كانت في كثير من تجلياتها إعادة تأسيس لشروط الحقل نفسه. وقد صاغت إيلين شوالتر هذا الانتقال في سؤالٍ مزدوج: أن تُقرأ المرأة بوصفها قارئةً للتراث الذكوري، وأن تُكتب بوصفها منتجةً لنصوصها الخاصة (Show-alter-1985). وينضاف إلى ذلك ما طرحته المدرسة الفرنسية من فكرة «الكتابة الأنثوية» بوصفها كتابةً للجسد وللإيقاع وللمسكوت عنه (Cixous 1976). غير أن نقل هذه المفاهيم إلى السياق العربي يحتاج حذرًا. فالشاعرة العربية لا تكتب من موقع «ما بعد نسوي» مكتمل، بل من موقعٍ متوتّر بين ثلاث مرجعيات: التراث (الذي يمنح اللغة عمقها)، والدين (الذي يمنحها سؤال المعنى)، والحداثة الشعرية (التي تمنحها أدواتها). ومن هنا يبرز الفارق بين من تكتب «ضدّ» التراث، ومن تكتب «بتراثٍ مُعاد التفكير فيه». وغالية عيسى تنتمي — كما سيتّضح — إلى الفريق الثاني: فهي تستدعي بلقيس ومريم وأمّ موسى وشهرزاد، لا لتنقضها، بل لتُدخلها في حوارٍ مع ذاتها المعاصرة. ٢.٤ أداة إضافية: الخطاب الوجداني لم تأتِ دراسة الشاعرة للأكاديمية من خارج الشعر، بل من داخله. فقد اشتغلت في رسالتها للدكتوراه على «الخطاب الوجداني في القرآن الكريم» بوصفه خطابًا يبني علاقةً متوازنة بين الفكر والشعور، ويعتمد وسائل بلاغيةً تُحرّك المشاعر: التصوير البياني، والإيقاع الصوتي، واختيار المفردات، والانتقال بين الترغيب والترهيب، والحوار والاستفهام والتكرار بوظيفته الشعورية (الغزال ٢٠٢٦). وهذا الاشتغال مهمّ لدراستنا لسببين: الأول أنه يفسّر ميل نصوصها إلى النداء والاستفهام والتكرار، وهي بنى بلاغية درسَتها في سياقٍ قرآني ثم استثمرتها في سياقٍ شعري. والثاني أنه يُقدّم لنا مفتاحًا تفسيريًا: الشاعرة تتعامل مع اللغة بوصفها فعلًا على الوجدان، لا بوصفها زينةً على المعنى. وهذا ما قالته صراحة: «البلاغة ليست زينة للنص، بل هي الطريقة التي يتحوّل بها المعنى لتجربةٍ شعورية للمتلقّي» (الغزال ٢٠٢٦). ٣. التكوين والسيرة: من عدن إلى المنفى ٣.١ الأصل والتعليم وُلدت غالية محمد عيسى علي الزبيدي في اليمن، وتكوّنت ثقافيًا في بيئة عدن؛ المدينة التي تحمل في ذاكرتها طبقاتٍ متعدّدة من التاريخ: الميناء، والهجرة، والتعدّد الثقافي، والانفتاح على المحيط الهندي. وقد حصلت على البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة عدن عام ٢٠٠٠، ثم على الماجستير في الأدب والنقد العربي الحديث من الجامعة نفسها عام ٢٠٠٨ (عامر ٢٠١٩؛ المدائن بوست ٢٠٢٢). ومن المفيد التوقّف عند هذا المسار: بكالوريوس في اللغة، ثم ماجستير في النقد، ثم دكتوراه في اللسانيات وتحليل الخطاب. إنه مسارٌ تصاعدي في «التجريد»: من اللغة بوصفها مادةً جمالية، إلى النقد بوصفه وعيًا بالجمال، إلى الخطاب بوصفه نظامًا يُنتج المعنى والسلطة. وهذا التصاعد يفسّر، في تقديرنا، أحد أهم خصائص تجربتها الشعرية: أنها قصيدةٌ تعرف كيف تُصنع، لا قصيدة تتدفّق على سجيّتها. وهو ما يسميه النقاد «وعي الشاعر بأدواته»، وقد يعدّه بعضهم عبئًا، لكنه عند الشاعرة المتمكّنة رصيد. ٣.٢ العمل الأكاديمي والثقافي عملت معيدةً في قسم اللغة العربية بكلية التربية بجامعة عدن، ودرّست مهارات اللغة العربية لطلبة كلية الحقوق. ثم انتقلت إلى سلطنة عُمان بعد زواجها من شاعرٍ عماني تعرّفت عليه في مهرجان الشعراء العرب في صنعاء عام ٢٠٠٤ (عامر ٢٠١٩). وهذه التفصيلة، على صغرها، ذات دلالة نقدية: الزواج نفسه جاء من داخل الحقل الشعري، أي أن المنفى عندها لم يكن انقطاعًا عن الشعر، بل انتقالًا من جغرافيةٍ شعرية إلى أخرى. وتشير المصادر إلى أنها شغلت منصب المدير التنفيذي لفرع سلطنة عُمان لدار الدراويش للنشر والترجمة في يونيو ٢٠٢٠، ورئاسة تحرير «مجلة أبجديات الثقافية» في سبتمبر ٢٠٢٠ (المدائن بوست ٢٠٢٢). كما أنها عضو في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، والجمعية العمانية للكتاب والأدباء، ومجلس الكتاب والمبدعين العرب، واتحاد الأدباء والكتاب العرب، ورابطة الأدب الإسلامي العالمي بماليزيا. وهذه العضويات المتعدّدة، الموزّعة بين اليمن وعُمان والعالم العربي وماليزيا، تُشكّل في مجموعها هويةً ثقافية عابرة للحدود، لا هويةً وطنية منغلقة. وهي أيضًا مُنطلقٌ لفهم طبيعة «الانتماء» عندها: انتماءٌ لا يُقاس بجواز السفر، بل بشبكة العلاقات الثقافية واللغوية التي تحملها الذات معها. ٣.٣ المنفى: بين الاختيار والاقتلاع ثمّة فرقٌ جوهري بين منفًى يُفرَض ومنفًى يُختار. فالأول يُنتج خطابًا من نوع «المرثية»، والثاني يُنتج خطابًا من نوع «المساءلة». والمنفى العُماني في تجربة غالية عيسى ينتمي إلى النوع الثاني: لم تُخرِجها حربٌ ولا مطاردة، بل اختارت — عبر الزواج — حياةً في مكانٍ آخر. غير أن الاختيار لا يُلغي الاقتلاع. فهناك دائمًا الجزء الذي لا يُنقل: الرائحة، والضوء، والطريق إلى البحر، وصوت الأب. وهذا الجزء هو ما يظهر في نصوصها بوصفه «غيابًا حاضرًا»: حاضرًا في النداء، غائبًا في الجسد. ومن هنا فإن المنفى عندها ليس خيارًا جغرافيًا فحسب، بل حالة وعي دائمة: وعيٌ بأنك في المكان ولا تنتمي إليه انتماءً كاملًا، وبأنك من المكان ولا تسكنه. ٣.٤ الأب بوصفه عتبةً وجودية في نصوص غالية عيسى المتاحة، يحضر الأب حضورًا لافتًا. فالاسم الذي اختاره محرّرو ملفّها الصحفي عنوانًا لمقالهم هو «ابنة الفلّاح الذي مات بلا أرض» (المدائن بوست ٢٠٢٢)، وهو مأخوذٌ من مطلع قصيدتها «ابنة الفلّاح». وفي القصيدة نفسها يتكرّر النداء «يا أبتِ» ثلاث مرات، في ثلاثة مواضع مفصلية. وهذا الحضور ليس حضورًا سيريًا فقط، بل حضورًا بنيويًا: الأب هو نقطة الأصل التي تمنح الذات انتماءها الأول، وموته بلا أرضٍ يجعل هذا الانتماء مشروطًا بالفقد من البداية. فإذا كانت الذات «ابنة فلّاحٍ مات بلا أرض»، فإن ميراثها ليس الأرض، بل الشوق إلى الأرض. وهذا هو المفتاح الذي ستدور عليه قراءتنا التطبيقية في القسم السادس. ٤. المدوّنة الشعرية: توصيف ببليوغرافي ٤.١ الدواوين المنشورة تتوزّع المدوّنة المنشورة للشاعرة على ثلاثة دواوين، يبعد بينها زمنيًا ما يقارب سبعة عشر عامًا، وهي فجوةٌ ذات دلالة كما سيأتي: الديوان/الناشر/المكان السنة ملاحظات ١. أيّها الليل/دار جامعة عدن للطباعة والنشر ٢٠٠٢/ الديوان الأول، صدر في بيئة عدن الأكاديمية ٢. ما زلتُ أُغنّي دار مدبولي، القاهرة ٢٠٠٤ طبعة ثانية عن دار العودة، بيروت، ضمن مطبوعات وزارة الثقافة اليمنية بمناسبة «صنعاء عاصمة الثقافة العربية ٢٠٠٤» ٣. يَعْصرونَ خَمْرًا دار الدراويش للنشر والترجمة، كاوفبويرن — ألمانيا ٢٠٢١ ٢٢٠ صفحة، ١٥٠ نصًّا، عنوان فرعي: «قطوفٌ من أغاني الحب والحرب»، مع قراءتين نقديتين (المصدر: عيسى ٢٠٢١؛ ضفة ثالثة ٢٠٢١؛ المدائن بوست ٢٠٢٢) ٤.٢ المدوّنات قيد النشر تشير التعريفات الذاتية المنشورة عام ٢٠٢٢ إلى أعمالٍ كانت «قيد الطباعة» آنذاك: ديوان «أحلام على تلّ الرماد»، وديوان «وجع النخيل»، ومجموعة قصصية بعنوان «عندما ينحني الظل» (المدائن بوست ٢٠٢٢). وقد اشتغل الباحث في دراسةٍ سابقة على مدوّنة «أحلام على تلّ الرماد» بوصفها مجموعةً مخطوطة، ووصف عتباتها الثلاث: العنوان، والتصدير الشعري، والإهداء (جبريل ٢٠٢٦). وهذه الملاحظة الببليوغرافية مهمّة لسببين. الأول أنها تُبيّن أن جزءًا من المدوّنة لم يدخل بعد دائرة التداول المطبوع، ومن ثمّ فإن أي حكمٍ نهائي على «تطوّر» التجربة يبقى حكمًا مؤقتًا. والثاني أنها تكشف أن انتقال الشاعرة إلى السرد كان مُعلنًا قبل سنوات من تحقيقه، أي أنه لم يكن تحوّلًا مفاجئًا بل مشروعًا مؤجّلًا ظهر في التصريح قبل أن يظهر في النص. ٤.٣ ملاحظة على الفجوة الزمنية (٢٠٠٤–٢٠٢١) بين الديوان الثاني والثالث سبعة عشر عامًا. وقد تُقرأ هذه الفجوة بوصفها انقطاعًا، لكن القراءة الأدقّ تُظهر أنها كانت مرحلة تكوين صامت، تُرجمت في مجالات أخرى: التدريس، والأسرة، والعمل الثقافي، والبحث الأكاديمي، والصحافة. وهذا نمطٌ معروف في سِيَر الشاعرات العربيات: فليس الانقطاع عن النشر انقطاعًا عن الكتابة، بل قد يكون تراكمًا لا يجد منفذه إلا متأخرًا. والدليل على ذلك أن الديوان الثالث جاء مختلفًا في تقنيته اختلافًا يفرض تفسيرًا: من القصيدة الممتدة إلى القصيدة القصيرة، ومن البوح إلى التكثيف، ومن العنوان المفرد إلى العنوان المشروط بعنوانٍ فرعي. ٥. العتبات النصية: مدخل تأويلي ٥.١ في وظيفة العتبات تُعدّ العتبات — العنوان، والعنوان الفرعي، والتصدير، والإهداء، والغلاف — «بوابةً تأويلية» تُحدّد شروط دخول القارئ إلى النص. وقد أشار جينار جينيت إلى أن هذه العناصر ليست ملحقاتٍ خارجية، بل أجزاء من استراتيجية النص، تنظيمًا لقراءته وتوجيهًا لتوقّعاته (Genette 1987). وفي الشعر العربي الحديث، اكتسبت العتبات وظيفةً مضاعفة، لأن القصيدة الحديثة نفسها أصبحت أكثر «وعيًا بذاتها»، فصار العنوان جزءًا من بناء المعنى لا علامةً عليه فقط. وسنفحص هنا ثلاث عتبات في مدوّنة غالية عيسى، ثم نتوقف عند عتبةٍ رابعة داخلية هي النداء، الذي يعمل عندها عمل العتبة المتكرّرة. ٥.٢ عتبة العنوان: من «أيّها الليل» إلى «يعصرون خمرًا» العنوان الأول: «أيّها الليل». وهو عنوانٌ يقوم على النداء؛ والنداء في الشعر العربي أداةُ استدعاءٍ لطيفٍ يُخاطَب به ما لا يُخاطَب عادةً: الليل، والريح، والوطن، والأب. ودلالته هنا مزدوجة: فهو استدعاءٌ للستر (الليل يستر)، واستدعاءٌ للوحدة (الليل يُفرد). وهو عنوانٌ يضع الذات في مواجهةٍ مع الزمن الكوني، لا مع حدثٍ اجتماعي محدّد. أي أنه عنوان تأمّلي لا عنوان مناسبة. العنوان الثاني: «ما زلتُ أُغنّي». وهو عنوانٌ يقوم على الفعل المستمر («ما زلتُ»). وهذه الصيغة اللغوية تحمل دلالة المقاومة: فالمتكلّم يُقرّ بوجود ما يوجب السكوت (حرب، فقد، منفى)، ثم يُعلن استمرار الغناء رغم ذلك. وهو من أقرب العناوين إلى ما يمكن تسميته «التفاؤل العنيد»: لا تفاؤل ساذج، بل قرارٌ بالإصرار في مواجهة ما يُبرّر الانكسار. العنوان الثالث: «يَعْصرونَ خَمْرًا». وهو العنوان الأكثر تعقيدًا، لأنه عنوانٌ غير مباشر يقوم على صورةٍ مجازية تُخفي أكثر مما تُظهر. فالعصر إنتاجٌ، والخمر نتيجةُ تحويل، لكن من يعصر؟ ومن يُخاطَب؟ لا يُحدَّد الفاعل. وهذه اللاأدرية المقصودة هي ما يفتح النص على قراءاتٍ متعدّدة: قد تكون الخمر استعارةً للحرب (العصر = إراقة الدم)، أو للحب (الخمر = النشوة)، أو للكتابة نفسها (العصر = تحويل التجربة إلى نص). وقد رافق العنوان عنوانًا فرعيًا بالغ الدلالة: «قطوفٌ من أغاني الحب والحرب». ولاحظ هنا التقنية: العنوان الرئيس مُلغِز، والعنوان الفرعي مُفسِّر. فالعنوان الرئيس يُثير السؤال، والعنوان الفرعي يُجيب عنه جزئيًا، فيتحوّل الثنائي إلى عتبةٍ من طبقتين تُنتج توقّعًا مركّبًا: هذا كتابٌ عن الحب والحرب معًا، لا عن أحدهما. وهذا الاختيار — أن يجتمع الحب والحرب في عنوانٍ واحد — هو تعبيرٌ عن رؤيةٍ للوجود بوصفه متضادًّا لا منفصلًا. ففي تجربة الحرب، الحب ليس نقيضًا لها بل شاهدًا عليها؛ وفي تجربة الحب، الحرب ليست خلفيةً بل تهديدًا دائمًا. وهذا ما يُصطلح عليه في النقد بـ«البنية المتضادية»، وقد جعلها الباحث أساسًا في قراءته لشعرية قصيدة النثر (جبريل ٢٠٢٦). ٥.٣ عتبة التصدير: «المصلوب» يُصدّر الديوان نفسه بتصديرٍ وضعه على الغلاف الأخير، يقول: «لم يَكُنْ حُلُمًا حين رأيتُهُم يَعْصِرونَ خَمْرًا وأنا المَصْلُوبُ الَّذي تأكلُ الطيرُ من رأسِه» (عيسى ٢٠٢١، الغلاف الأخير)
هذا التصدير يستحقّ وقفةً مطوّلة، لأنه مفتاح الديوان كلّه، ولأنه يشتغل على أربعة مستويات في وقتٍ واحد: المستوى الأول: نفي الحلم. يبدأ النص بـ«لم يكن حلمًا». وهذه بدايةٌ سلبية تُغلق باب التخفيف: ما جرى ليس وهمًا ولا كابوسًا عابرًا، بل واقع. وفي هذا النفي إشارةٌ إلى أن الشعر عندها لا يلجأ إلى الحلم للهروب، بل يستخدم اليقظة لتثبيت الجرح. المستوى الثاني: تحويل المشهد إلى صورة. «حين رأيتُهم يعصرون خمرًا». المشهد بصريّ: قومٌ يعصرون. لكن المحصول غير محدّد، والنتيجة (الخمر) تُشير إلى التحويل. وهنا يشتغل الانزياح: العنب لا يُذكر، والدم لا يُذكر، وما بينهما هو ما يفعله القارئ. المستوى الثالث: المفارقة الجسدية. «وأنا المصلوب الذي تأكل الطير من رأسه». الصورة قاسيةٌ ومباشرة، وهي تستدعي ذاكرةً عربية قديمة: صورة المصلوب الذي تُنقّر الطير رأسه، وهي صورةٌ حاضرة في الشعر الجاهلي وفي خطاب العقوبة. لكن الشاعرة لا تستعملها استعمالًا تاريخيًا، بل تُسقطها على الحاضر: من يُصلَب اليوم؟ ولماذا؟ المستوى الرابع: تعطيل التعاطف. لاحظ أن النص لا يقول «فأنا الضحية» بل «أنا المصلوب». والفرق جوهري: كلمة «الضحية» تطلب التعاطف، وكلمة «المصلوب» تفرض المشهد. فالشعر هنا لا يستجدي الرحمة، بل يبني مسرحًا يُجبر القارئ على النظر. وهذا اختيارٌ فني واعٍ يعبّر عنه الباحث بـ«النقد التشاركي»: النص لا يُقدّم حكمًا جاهزًا، بل يُشرك القارئ في إنتاج المعنى (جبريل ٢٠٢٦). ويُضاف إلى ذلك ملاحظةٌ أسلوبية دقيقة: التضارب بين الحلم والعصر. من يرى قومًا يعصرون خمرًا وهو مصلوب، هو في موقع المُشاهِد لا المُشارِك؛ ومن ثمّ فإن الصورة تُنتج إحساسًا بالعزلة الكاملة: الجريمة تحدث، والضحية يراها، ولا أحد يرى الضحية. وهذا هو جوهر ما نسمّيه «شعرية الشهادة المستحيلة»: أن تشهد على ما يحدث لك، وأن يكون شهادتك نفسها غير مسموعة. ٥.٤ عتبة الإهداء: «إهداء التلّ» في مدوّنة «أحلام على تلّ الرماد»، توقّف الباحث عند إهداءٍ سمّاه «إهداء التلّ»، ورأى فيه إهداءً «صادرًا من المكان لا من الذات الفردية، ليتحول النص إلى صوتٍ جماعي» (جبريل ٢٠٢٦). وهذه الملاحظة تستحق التوسيع، لأنها تكشف آليةً تتكرّر في التجربة: تحويل الإهداء من الشخص إلى المكان = تحويل الشعر من سيرةٍ خاصة إلى شهادةٍ عامة.
فإهداء الديوان إلى «التلّ» — وهو مكانٌ لا شخص — يعني أن الكتاب مُهدى إلى الذاكرة المكانية نفسها: إلى من سكنوا التلّ، وإلى ما جرى عليه، وإلى رماده. وهذا اختيارٌ يضع النص في مواجهة التاريخ لا في مواجهة الأصدقاء، ويُخرج الإهداء من دائرة المجاملة إلى دائرة التوثيق. ٥.٥ عتبة النداء: «يا أبتِ» ثمّة عتبةٌ رابعة لا تظهر في الغلاف، لكنها تعمل عمل العتبة في المتن: النداء المتكرّر «يا أبتِ». فهو يفصل النص إلى مقاطع، ويُعيد ترتيب علاقة الذات بالمخاطَب، ويُحوّل القصيدة إلى رسالة. والنداء في الشعر العربي ذو تاريخ طويل، من «قفا نبكِ» إلى «يا ليلُ». لكن الفارق أن النداء الكلاسيكي يستدعي المكان أو الحبيبة، أما هنا فيستدعي الأب. وهذا اختيارٌ يقلب التراتب المعتاد: فالأب في الثقافة العربية رمز السلطة والمنع، وفي هذا النص يصبح المخاطَب الذي يُشكى إليه لا الذي يُخشى. أي أن الشاعرة لا تتمرّد على الأب، بل تُعيد تعريفه بوصفه المرجع العاطفي الأول. ٦. قراءة تطبيقية موسّعة في قصيدة «ابنة الفلّاح» ٦.١ تقديم النص نُشرت قصيدة «ابنة الفلّاح» ضمن نماذج من مجموعة «أحلام على تلّ الرماد» (المدائن بوست ٢٠٢٢)، واعتمدها الباحث في دراسته السابقة بوصفها نصًّا مركزيًا في المدوّنة (جبريل ٢٠٢٦). ويُعاد نشرها كاملةً في ملحق هذه الدراسة، تيسيرًا للقارئ ومحافظةً على وحدة التحليل. ويقوم النص على ضمير المتكلّم المفرد («أنا») في بنيةٍ تكرارية تُعيد تعريف الذات عبر سلسلةٍ من الاستعارات: ابنة الفلّاح، التفاحة، المطر، الناسكة، العاشقة، المسافرة. وهذا التعريف المتكرّر ليس حشوًا، بل هو استراتيجية نصية: الذات لا تُعرّف مرةً واحدة، لأنها لا تُعرَّف أصلًا بحدٍّ واحد. ٦.٢ تحليل البنية: من الانتماء إلى الاقتلاع يمكن تقسيم النص إلى أربع حركات: الحركة الأولى: الانتماء بالميراث (المقطعان الأول والثاني). يبدأ النص بـ: «أنا ابنةُ الفلّاح الذي ماتَ بلا أرضٍ»
وهذا مطلعٌ يقوم على مفارقةٍ بنيوية: أن تكون «ابنة فلّاح» يعني أن يكون لك ميراثُ الأرض، لكن الإضافة تُمزّق هذا التوقّع فورًا: «ماتَ بلا أرض». فالانتماء إذن بلا سندٍ مادي؛ هو انتماءٌ بالدم والنسب لا بالملك. وهنا تكمن أولى طبقات «الانتماء بالنفي»: الذات تُعرّف نفسها بما لم تحصل عليه. ثم تتوالى الاستعارات: «أنا التفاحةُ التي تركها الفلّاح على أرضٍ بورٍ ينخرها الدود وتسكنها الرياح»
ثلاث صور في خمسة أسطر. التفاحة تُستدعى بكل حمولتها الرمزية (الحب، الإغواء، الخطيئة الأولى)، لكنها هنا ليست تفاحةً في يد أحد، بل تفاحةٌ متروكة. والترك يُنتج معنى الهجر لا معنى الهديّة. والأرض البور تُقابل أرض الفلّاح المفقودة؛ فالأب لم يترك أرضًا مزروعة، بل ترك أرضًا ينخرها الدود. والرياح التي تسكنها تُكمل الصورة: المكان ليس مسكونًا بالبشر، بل بالريح — أي أنه مكانٌ فارغٌ من الحضور الإنساني ومملوءٌ بالزمن. والملاحظ أن الصور الثلاث مترابطة ترابطًا عضويًا: تفاحةٌ (نتاج) على أرضٍ (وسط) تسكنها رياح (فاعل مُدمِّر). أي أن النص يبني مشهدًا كاملًا للفقد في خمسة أسطر، دون أن يذكر كلمة «فقد» مرة واحدة. وهذه هي الشعرية في أصفى تجلياتها: أن تُنتج المعنى بالصورة لا بالتصريح. الحركة الثانية: الانتماء بالحركة (المقطع الثالث). «ناسكةٌ أنا ولكنني أتجول في طرقات الليل أشمُّ رائحة المتسولين المشردين والعراةِ النائمين قرب أوجاعهم»
هنا يحدث انقلابٌ دلالي عبر أداة الاستدراك «لكن». فالبداية تُثبت حالةً دينية (ناسكة)، والاستدراك ينسف هذه الحالة: الناسكة لا تتجوّل في طرقات الليل ولا تشمّ رائحة المتسولين. فما هذا التناقض؟ القراءة الأرجح أن «النُّسك» هنا ليس عبادةً بالمعنى الفقهي، بل انقطاعًا اختياريًا عن عالمٍ لا يستحقّ المشاركة. والذات تنسحب من العالم لا كراهيةً له، بل لأنها لم تجد فيه موضعًا. ثم إن تجوّلها في طرقات الليل بحثٌ عن رفقةٍ في الوجع: المتسولون والمشردون والعراة النائمون هم من يشبهونها في الفقد، وإن اختلفت الأسباب. وهذه لفتةٌ إنسانية عميقة: الشاعرة لا تُقارن جرحها بجرحهم لتُصغّره، بل تُقارن مواقعهم بموقعها لتُثبت أن الفقد يجمع الناس في مكانٍ واحد هو الهامش. وفي هذا المقطع أيضًا تحويل الوجدان إلى حاسّة: «أشمُّ رائحة المتسولين». الرائحة هنا ليست تفصيلًا واقعيًا فجًّا، بل هي أقصى درجات القرب: من يشمّ إنسانًا يكون قد اقترب منه اقترابًا يُلغي المسافة الاجتماعية. وهذا اختيارٌ يناقض «النُّسك» المعلن، ويُثبت أن الذات ناسكةٌ بالكلام، مُخالطةٌ بالفعل. الحركة الثالثة: الانتماء بالحزن (المقطعان الرابع والخامس). «قلبي أرجوحةُ النُّعاسِ تهدهد صوت البحر فتتحول أمواجه العاتية إلى خريرٍ وهديلٍ لكني مُعتمة بعد أن سقط البرق جريحًا برحيلك يا أبتِ»
صورة «أرجوحة النعاس» من أجمل صور النص: القلب أرجوحةٌ، والنعاس يهدهدها، والبحر يتحوّل من عاتٍ إلى خرير. أي أن الحزن هنا يُهدّئ لا يُهيّج؛ وهذا نادر في شعر الفقد، حيث يُتوقّع أن يُنتج الحزن اضطرابًا. لكن الشاعرة تُنتج سكونًا بعد الصدمة، وهو سكونٌ ليس سلامًا بل خَدَر. والدليل على ذلك ما يليه: «لكني مُعتمة». أي أن السكون سطحيٌّ فقط، والداخل مُعتِم. وصورة «سقط البرق جريحًا» صورةٌ بالغة الجرأة، لأنها تُسقط صفة الجَرح على البرق، وهو رمز الضوء والقوة. فإذا جُرح البرق نفسه، فمن يبقى سليمًا؟ وهذه استعارة تصعيدية: لا يكفي أن تكون الذات مجروحة، بل يجب أن يكون الكون كلّه جريحًا حتى يصير الجرح مقبولًا. والجرح مرتبطٌ بسببٍ محدّد: «برحيلك يا أبتِ». فالبرق لم يسقط عبثًا، بل سقط لأن الأب رحل. الحركة الرابعة: الانتماء بالمنفى (المقطعان السادس والسابع). «فمازلت أنا المسافرة على أكتافِ المدن البعيدة والرّمال الأرضُ تتشقق من حولي لكنها لا تبتلعني»
«المسافرة» لفظٌ مختارٌ بعناية: هو صيغة فاعلٍ مؤنّثة من السفر، ويحمل في العربية إيحاءً بالاستمرار والدوران. والمسافرة هنا لا تهاجر (الهجرة قرارٌ نهائي) بل تسافر (السفر حركةٌ متكرّرة). والسفر «على أكتاف المدن» صورةٌ تُحوّل المدن إلى كائناتٍ تحمل؛ فالمسافة بين الذات والمدينة ليست مسافة سيرٍ على الأرض، بل مسافة اعتمادٍ على كائنٍ لا يعرفك. ثم تأتي الجملة الأشدّ دلالة: «الأرضُ تتشقق من حولي لكنها لا تبتلعني»
التشقق صورة زلزالية تُهدّد بالابتلاع، ثم يأتي النفي: «لا تبتلعني». وفي هذا النفي معنى مزدوج: هو نجاة (لم أهلك)، ورفض (الأرض لا تريدني حتى في الهلاك). أي أن النجاة نفسها تصبح دليلًا على عدم الانتماء. وهذه من أعمق ما تُنتجه «شعرية الانتماء بالنفي»: أن يكون البقاء جرحًا لا انتصارًا. الحركة الخامسة/الختام: إعلان الهوية بالرفض. «كل أرضٍ ترفضني ويكسرني ارتفاع السماء ولأنني لست بحجم الريح فقد جردتني من سمائها وأسقطتني أين أنا من كل هذا التيه يا أبتِ وكل الأرض لي غربه وكل الأرض لي عتمه وكل الأرض لي منفى»
الخاتمة تُنجز ثلاث حركات بلاغية متتابعة: (أ) التعميم بالتكرار: «كل أرضٍ ترفضني». أداة «كل» تُحوّل الرفض من تجربةٍ خاصة إلى قانونٍ عام. فليست أرضٌ واحدة ترفضها، بل كل أرض. وهذا يُخرج النص من الشكوى إلى التشخيص: المشكلة ليست في المكان، بل في علاقة الذات بالأمكنة كلها. (ب) الاستفهام الحائر: «أين أنا / من كل هذا التيه». والسؤال هنا ليس طلبًا لمعلومة، بل إعلانًا للضياع. وهو سؤالٌ يُعاد إلى المخاطَب (الأب) وهو غائب، فيصبح السؤال موجّهًا إلى الفراغ. وهذا أقصى ما تُنتجه بنية النداء: أن ينادى من لا يُجيب. (ج) الثلاثية الختامية: «وكل الأرض لي غربه / وكل الأرض لي عتمه / وكل الأرض لي منفى». وهذه أجمل لبنة في النص، لسببين: • التكرار الثلاثي يُنتج إيقاعًا داخليًا يُعوّض غياب الوزن؛ وهو تكرارٌ يُشبه «اللازمة» في الأغنية، ومن هنا ارتباطه بعنوان الديوان الثاني «ما زلتُ أغنّي». • الجناس الناقص بين «غربه» و«عتمه» و«منفى» يُنتج تدرّجًا دلاليًا: الغربة حالة نفسية، والعتمة حالة وجودية، والمنفى حالة جغرافية. لكن الشاعرة تُنهي بالمنفى، وهو الأكثر تجسيدًا، فتنتقل من الداخل إلى الخارج في ثلاث كلمات. وأخيرًا، لاحظ بنية «كل + الأرض + لي»: هذا التركيب يجعل الأرض مملوكةً للذات في الوقت الذي تنفي فيه الذاتُ انتماءها إليها. أي أن الذات لا تملك الأرض، لكن الأرض مملوكةٌ لها بالوجع. وهذه مفارقةٌ أخيرة تُغلق النص على نفسه: المنفى هو المِلك الوحيد. ٦.٣ خلاصة التحليل يُظهر التحليل أن النص يُنجز «الانتماء بالنفي» عبر أربع آليات: 1. آلية التعريف بالاستعارة المتوالية: الذات لا تُعرَّف بصفةٍ واحدة، بل بسلسلةٍ من الاستعارات (ابنة/تفاحة/مطر/ناسكة/عاشقة/مسافرة) تُنتج في مجموعها هويةً متعدّدة الطبقات. 2. آلية الاستدراك («لكن»): تُستخدم مرتين في موضعين مفصليين، لنسف الحالة المُعلنة وإظهار الحالة الحقيقية. 3. آلية التعميم («كل»): تُحوّل التجربة الفردية إلى قانونٍ وجودي. 4. آلية النداء («يا أبتِ»): تُحوّل القصيدة إلى رسالةٍ إلى مخاطَبٍ غائب، وتُنتج مأساةً في بنية الخطاب نفسه. وهذه الآليات الأربع هي، في تقديرنا، البصمة الفنية لتجربة غالية عيسى، وهي ما يميّزها عن الشعر النسوي العربي المعاصر الذي يعتمد غالبًا على التصريح بالمظلومية. ٦.٤ تناصٌ داخلي: «أرجوحة النعاس» من الدلائل على وعي الشاعرة ببناء مدوّنتها ككلّ متكامل، أن صورة «أرجوحة النعاس» تتكرّر في نصٍّ آخر هو «محادثة على تلّ القمر»: «اصمتي الآن ودعيني أقبلك وحدك لأجلك الآن بدأت حكايا الأطفال نامي عميقًا كأرقي أرجوحة النعاس لا تتسع إلا لاثنين» (جبريل ٢٠٢٦، نقلًا عن المدوّنة)
في النص الأول، الأرجوحة فردية: قلبٌ يهدهد نفسه. وفي النص الثاني، الأرجوحة ثنائية: «لا تتسع إلا لاثنين». وهذا التكرار ليس تكرارًا معجميًا فحسب، بل تطوّرٌ دلالي: الصورة نفسها تنتقل من العزلة إلى الشراكة، ومن الحزن إلى الحب. وهكذا تعمل المدوّنة عندها عمل نصٍّ واحد متعدّد المقاطع، تتكرّر فيه الرموز لتُبنى بها دلالةٌ تراكمية. وهذا ما يُصطلح عليه في النقد بـ«التناص الداخلي» (Intratextuality)، وهو من أقوى مؤشرات الوعي المعماري عند الشاعر. ٧. المحاور الموضوعية: خريطة الثيمات ٧.١ الوطن بوصفه جرحًا لا شعارًا لا يُطرح الوطن في تجربة غالية عيسى بوصفه قيمةً خطابية تُمجَّد، بل بوصفه غيابًا ملموسًا: أرضٌ، وبيتٌ، ولقمةُ عيش، ورائحة. وقد لخّص الباحث هذا التصوّر في دراسته السابقة بوصف الوطن عندها «حلمًا لا يريد أن يغادر فكر الشاعرة وروحها» (جبريل ٢٠٢٦). والملاحظ أن الوطن عندها لا يُسمّى بالاسم في النصوص التي اطّلعنا عليها؛ فاليمن لا يُذكر، وعدن لا تُذكر صراحة. وهذا اختيارٌ فني بالغ الذكاء: فالوطن حين يُسمّى يصبح موضوعًا، وحين لا يُسمّى يصبح حالة. واللاسَمْيَنة هنا تُوسّع الدلالة بدل أن تُضيّقها: كل قارئ يستطيع أن يضع وطنه في الفراغ الذي تركته الشاعرة. ٧.٢ الحرب: من الحدث إلى الجسد الحرب حاضرةٌ في عنوان الديوان الثالث («أغاني الحب والحرب»)، وهي حاضرةٌ في تصديره (المصلوب)، وهي حاضرةٌ في لغته (العصر، والدم، والطير). لكن الحرب عندها لا تُروى بوقائعها: لا جيوش، ولا مدن محاصرة، ولا أرقام ضحايا. بل تُروى بآثارها على الجسد والذاكرة. وهذا اختيارٌ يُقابل ما يُعرف في النقد بـ«شعر الحرب» الذي يعتمد التصعيد الخطابي والمباشرة السياسية. فغالية عيسى تُمارس ما يمكن تسميته «التخفيض البلاغي»: كلما ازداد الحدث قسوةً، خفّضت اللغة صوتها. والدليل: تصدير الديوان كله يقوم على جملةٍ هادئة («لم يكن حلمًا») لا على صرخة. وهذا الهدوء هو ما يجعل القسوة تُقرأ، لأنها لا تُغطّى بالصياح. ٧.٣ الحب: وطنٌ بديل أم فخٌّ لغوي؟ في نصوصها، يظهر الحب بوصفه بديلًا عن الوطن المفقود. وقد لاحظ الباحث في دراسته السابقة أن الحبيب في «محادثة على تلّ القمر» «يتحوّل إلى وطنٍ صغير يقي الذات من برودة المنفى» (جبريل ٢٠٢٦). وهذه الملاحظة صحيحة، لكنها تحتاج إضافة: الحب عندها ليس بديلًا مطمئنًا، بل بديلٌ مشروط بالقلق. والدليل من «ابنة الفلّاح»: «عاشقةٌ أنا / والحبُّ ليس من مزايا هذا الكون يا أبتِ». هنا لا يُقدَّم الحب كخلاص، بل كـاستثناء في كونٍ لا يتّصف به. أي أن الحب ليس قاعدةً في العالم، بل معجزةٌ صغيرة وسط نظامٍ من الفقد. وهذا تصوّرٌ وجودي أكثر منه رومانسيًا: الحب ليس علاجًا للمنفى، بل هو دليلٌ على أن المنفى ليس كل شيء. ٧.٤ المرأة: بين المرجعية والتحرّر تُقدّم الشاعرة ذاتها بوصفها امرأةً تنتمي إلى سلسلةٍ نسائية طويلة: بلقيس، وأروى بنت أحمد الصليحية، ومريم، وأمّ موسى، وشهرزاد (عامر ٢٠١٩؛ جبريل ٢٠٢٦). وهذا الاستدعاء يُنتج ما يمكن تسميته «النسب الرمزي»: الذات لا تُعرّف نفسها بالحاضر فقط، بل بمن سبقها من النساء القويات. وفي هذا الاستدعاء موقفٌ فكري واضح: الشاعرة لا تختار التمرّد على التراث، بل تختار انتقاء التراث. فهي تأخذ منه ما يُقوّيها (الملكة، الحكيمة، الأم، الحاكية) وتترك ما يُقيّدها. وهذا ما يُعبّر عنه بوصفه «الاستبطان النقدي» في مدرسة النقد التفاعلي: أن تُراجع الذات مرجعياتها قبل أن تُنقد الآخر (جبريل ٢٠٢٦). ٧.٥ الهامش الاجتماعي: المتسولون والمشردون في «ابنة الفلّاح»، تظهر طبقةٌ اجتماعية كاملة: المتسولون، المشردون، العراة النائمون. وهذا حضورٌ لا يُلفت النظر إليه عادةً في الشعر النسوي العربي، الذي ينشغل غالبًا بالذات وبالجسد وبالعلاقة. ووظيفة هذا الحضور مزدوجة: فهو من جهةٍ يُوسّع أفق النص من الخاص إلى العام، ومن جهةٍ أخرى يُثبت أن الذات الشاعرة لا ترى نفسها في مركز العالم. فالشاعرة التي ترفضها كل أرض، تجد نفسها في المكان نفسه الذي يوجد فيه المشردون: الطريق، والليل، والهامش. وهذا وعيٌ طبقيّ نادر في شعرٍ يُصنَّف عادةً ضمن «الشعر الوجداني».
٨. البنية الفنية: أدوات الشاعرة ٨.١ التكثيف: الاقتصاد بوصفه موقفًا أبرز ما يلاحظه قارئ ديوان «يعصرون خمرًا» — بحسب توصيف الناشرين والصحافة الثقافية — أنه يقوم على قصائد قصيرة: ١٥٠ نصًّا في ٢٢٠ صفحة، أي بمعدّلٍ يقارب نصًّا واحدًا في كل صفحة ونصف (ضفة ثالثة ٢٠٢١). وهذا الاختيار الكمّي ليس تفصيلًا ناشرًا، بل خيار جمالي. فالتكثيف في الشعر يؤدي وظيفةً مزدوجة: يُقلّل الكلام، ويُزيد الدلالة. وهو بذلك يُقارب مبدأ «الاقتصاد البلاغي» الذي يقوم على أن أقصى الأثر يُنتَج بأقلّ الوسائل. وقد أشارت الشاعرة نفسها إلى هذا الميل حين قالت إنها تميل اليوم إلى «كتابة النص الذي يعيش طويلًا، وليس النص الذي يحصد إعجابًا سريعًا» (الغزال ٢٠٢٦). وفي «ابنة الفلّاح» يظهر التكثيف بوضوح: مشهد الفقد كامل (تفاحة، أرض بور، دود، رياح) في خمسة أسطر. ولو أراد شاعرٌ تقليدي أن يُعبّر عن المعنى نفسه لاحتج إلى عشرين سطرًا. والفرق أن التكثيف لا يختصر المعنى فقط، بل يترك فراغًا يشتغل فيه القارئ؛ وهذا الفراغ هو ما يجعل النص يُقرأ أكثر من مرة. ٨.٢ المفارقة: العمود الفقري للدلالة المفارقة (Irony) في تجربة غالية عيسى ليست زينةً أسلوبية، بل بنيةً مُنتجة للمعنى. ويمكن رصد أربعة أنواع منها في النصوص المدروسة: 1. المفارقة الاسمية: «ابنة الفلّاح» التي لا أرض لها. فالاسم يحمل توقّع الملك، والمضمون ينفيه. 2. المفارقة الحالية: «ناسكةٌ أنا / ولكنني أتجول في طرقات الليل». حالة دينية تُناقضها حركةٌ دنيوية. 3. المفارقة الكونية: «سقط البرق جريحًا». رمز القوة يصبح موضوعًا للجرح. 4. المفارقة الوجودية: «الأرض تتشقق من حولي / لكنها لا تبتلعني». النجاة نفسها تصبح دليلًا على الرفض. وهذه الأنواع الأربعة تتراكم في النص لتُنتج ما نسمّيه «المفارقة المتراكمة»: كل مفارقة تُهيّئ للأخرى، حتى يصبح النص في نهايته مفارقةً واحدة كبرى: أن تكون في كل مكان، ولا تكون في أي مكان. ٨.٣ الإيقاع الداخلي: تعويض غياب الوزن قصيدة النثر تُلغي الوزن الخليلي، لكنها لا تُلغي الإيقاع؛ بل تنقله من الخارج إلى الداخل. وفي نصوص غالية عيسى، يُبنى الإيقاع الداخلي على أربع أدوات: (أ) التكرار: وهو الأداة الأبرز. فتكرار «أنت» الضمني في «يا أبتِ»، وتكرار «كل الأرض لي...» ثلاث مرات، يُنتج إيقاعًا يُشبه الدقّة على بابٍ مغلق. والتكرار عندها ليس عجزًا معجميًا، بل هو إصرارٌ دلالي: الكلمة تُعاد لأن المعنى لم يُقل بعد. (ب) التقابل الثنائي: «الحب والحرب»، «النهار والليل»، «السماء والأرض»، «الوصول والرحيل». وهذا التقابل يُنتج توتّرًا دائمًا، ويُعطي النص عمقًا مزدوجًا. (ج) التقطيع بالسطر القصير: لوحظ في نصوصها اعتماد الأسطر القصيرة جدًا («والرّمال»، «أين أنا»، «من كل هذا التيه»). والسطر القصير في قصيدة النثر يعمل عمل الوقفة التنفسية: يُبطّئ القراءة، ويُبرز الكلمة الوحيدة. (د) الصوت الصادي (Alliteration) والجناس: «غربه/عتمه/منفى» تُنتج تشابهًا صوتيًا في نهايات الكلمات، وهو ما يُقارب وظيفة القافية دون التزامها. وهذا يُثبت أن الشاعرة لا تهرب من الإيقاع، بل تُعيد بناءه بوسائل أخرى. ٨.٤ التناص: من الموروث الديني إلى الأسطورة يُشكّل التناص ركنًا أساسيًا في بناء النص عندها، ويتوزّع على ثلاث دوائر: الدائرة الدينية: أمّ موسى (الأم التي ألقت وليدها في اليمّ)، ومريم، ويوسف، وإبراهيم، ومحمد. وهذه الشخصيات ليست استدعاءً للتبرّك، بل نماذج للامتحان: كلٌّ منها واجه اختبارًا وجوديًا. الدائرة الأسطورية: بلقيس، وسليمان، والهدهد، وشهرزاد. وهذه الدائرة تُدخل النص في أفقٍ يمني/سبئي خاص، وتربط الذات بذاكرةٍ حضارية لا بذاكرةٍ فردية. واختيار الهدهد تحديدًا لافت: فهو الطائر الذي يحمل الرسالة ويكشف الماء — أي أنه رمز البحث والكشف، وهو ما يُشبه وظيفة الشاعرة نفسها. الدائرة الشعبية: «ابنة الخبّاز»، «ابنة الشرطي»، «ابنة المطر». وهذه صيغةٌ تُعيد إنتاج بنية الحكاية الشعبية في نصٍّ حداثي، وتُوسّع سلسلة «ابنات» تُقابل «ابنة الفلّاح» المركزية. وهذا التناص الثلاثي يُنتج ما نسمّيه «الهوية المتعدّدة الطبقات»: ذاتٌ واحدة تحمل في داخلها دينًا وأسطورةً وحكايةً شعبية، دون أن تتناقض. وهذا في تقديرنا أرقى ما تُنتجه التجربة، وأكثره جدارةً بالدراسة الأكاديمية المستقلة. ٨.٥ الانزياح: حين تُسمّى الأشياء بغير أسمائها الانزياح — أي مخالفة الاستعمال اللغوي المعتاد — حاضر بكثافة في نصوصها: «سقط البرق جريحًا»، «قلبي أرجوحة النعاس»، «الأرض لا تستسيغ طعم الزهور»، «أكتاف المدن البعيدة». ووظيفته هنا إعادة الاعتبار للغة: فالشاعرة ترفض أن تُسمّى الأشياء بأسمائها المباشرة، لأن التسمية المباشرة تُنهي التجربة. ولذلك تستخدم صورًا تُبطئ الفهم، وتُجبر القارئ على التوقّف. وهذا ما يُعبّر عنه عبد القاهر الجرجاني بمبدأ «المبالغة في المعنى» حين يكون الغرض إحداث الأثر لا الإخبار (الجرجاني، دلائل الإعجاز). ٨.٦ البنية السردية الخفيّة من المفارقات أن نصوصها الشعرية تحمل بنيةً سرديةً خفيّة: شخصية (الأنا)، وحدث (الرحيل)، ومكان (الأرض/المدينة)، وزمن (الليل)، ونهاية (المنفى). وهذا يعني أن انتقالها اللاحق إلى القصة لم يكن قطعًا مع الشعر، بل إظهارًا لبنيةٍ كانت كامنة. وقد أشارت الشاعرة إلى هذا الوشائج بنفسها حين قالت إن الشعر يعبّر عن «اللحظة المكثفة» والإيحاء، بينما يمنحها السرد «مساحة لبناء الشخصيات واستكشاف دواخلها وتتبّع التحولات الزمنية» (الغزال ٢٠٢٦). وبين العبارتين علاقة تكامل لا تنافس. ٩. الشاعرة والأكاديمية: أثر الدرس اللغوي في الشعر ٩.١ سؤال العلاقة يثير الجمع بين الشعر والبحث الأكاديمي سؤالًا قديمًا: هل يُفسد التحليلُ الأكاديمي التجربةَ الشعرية، أم يُعمّقها؟ وقد أجابت الشاعرة عن السؤال في أكثر من مناسبة، ورأت أن «البحث الأكاديمي والشعر يلتقيان في خدمة الإنسان»، وأن «المعرفة الحقيقية تبدأ من السؤال لا من الإجابة» (عبدالسميع ٢٠٢٦). وهذا الجواب ليس جوابًا دبلوماسيًا، بل هو موقف معرفي: الشعر يسأل، والبحث ينظّم الأسئلة. وكلاهما في النهاية صيغة للسؤال لا صيغة للإجابة. ٩.٢ أثر الدرس البلاغي الأثر الأوضح للدرس الأكاديمي يظهر في تعاملها مع الصورة بوصفها وظيفة دلالية، لا بوصفها زخرفة. وقد صرّحت بأن البلاغة «ليست زينة للنص، بل هي الطريقة التي يتحوّل بها المعنى لتجربةٍ شعورية للمتلقّي»، وأنها أصبحت تهتم بـ«طاقة الكلمة، والإيقاع الداخلي، ووظيفة الصورة أو الاستعارة دلاليًا وجماليًا» (الغزال ٢٠٢٦). وهذا يفسّر ظاهرة لافتة في نصوصها: قلّة الصور «الجميلة» وكثرة الصور «الوظيفية». فصورها لا تُستعمل للاستعراض، بل لحمل المعنى: «الأرض البور ينخرها الدود» ليست صورةً للجمال، بل صورةٌ للخصوبة المفقودة. ٩.٣ أثر درس الخطاب الوجداني أمّا أثر درسِ «الخطاب الوجداني» فأعمق وأخفى. فالخطاب الوجداني في القرآن — كما وصفته — يعتمد «التصوير البياني، والإيقاع الصوتي، واختيار المفردات، والانتقال بين الترغيب والترهيب، والحوار والاستفهام والتكرار بوظيفته الشعورية» (الغزال ٢٠٢٦). ولو قارنّا هذه القائمة بما لاحظناه في «ابنة الفلّاح»، لوجدنا تطابقًا لافتًا: التصوير البياني (التفاحة/الأرض البور)، الإيقاع الصوتي (غربه/عتمه/منفى)، اختيار المفردات (ناسكة، مسافرة، مُعتمة)، الاستفهام («أين أنا»)، التكرار («كل الأرض لي...»). إنها البنية نفسها، منقولةً من سياقٍ ديني إلى سياقٍ شعري. وهذا النقل ليس سرقةً ولا محاكاة، بل هو ما نسمّيه في إطار مدرسة النقد التفاعلي «الترجمة الثقافية»: نقلُ تقنيةٍ من حقلٍ معرفي إلى حقلٍ آخر، مع إعادة توظيفها في خدمة تجربةٍ جديدة (جبريل ٢٠٢٦). وهو ما يجعل تجربة غالية عيسى حالةً نموذجية لدراسة التفاعل بين الحقول المعرفية، لا بين الثقافات فقط. ٩.٤ خطر الأكاديمية على الشعر من الإنصاف أن نُشير إلى الوجه الآخر: للأكاديمية خطرٌ على الشعر، وهو خطر التخطيط. فالشاعر الذي يعرف كيف تُصنع القصيدة قد يفقد براءة الاكتشاف. وقد لاحظ بعض النقاد أن نصوص الشاعرة في ديوانها الثالث تبدو أحيانًا «محسوبة» أكثر من اللازم، بمعنى أن التكثيف فيها قد يصل إلى حدّ الإغلاق. وهذا حكمٌ يحتاج تدقيقًا، لكنه يجعلنا نضع سؤالًا مشروعًا: هل التكثيف عندها اقتصادٌ فني أم خوفٌ من البوح؟ ولا نملك جوابًا قاطعًا في ضوء المتاح من النصوص. وكل ما يمكن قوله إن النصوص التي اطّلعنا عليها تُوازن بين الإغلاق والوضوح على نحوٍ مقبول، وإن كانت تميل إلى الأول. ١٠. التحول السردي: من القصيدة إلى الحكاية ١٠.١ الحدث: «سرد الذهب» في عام ٢٠٢٦، فازت غالية عيسى بجائزة «سرد الذهب» في دورتها الثالثة، وهي جائزة ينظمها مركز أبوظبي للغة العربية (عبدالسميع ٢٠٢٦؛ الغزال ٢٠٢٦). وقد قرأت الشاعرة الجائزة بوصفها مسؤوليةً لا نهايةً، فقالت: «الجائزة ليست نهاية بل بداية لمسؤولية أكبر، إذ يجب على الكاتب بعد التكريم أن يكون صادقًا أكثر مع مشروعه» (الغزال ٢٠٢٦). ١٠.٢ دلالة التحوّل دلالة هذا التحوّل ثلاثية: أولًا: دلالة على اتّساع المدى. فالشاعرة التي بدأت بالقصيدة العمودية/التفعيلية ثم انتقلت إلى قصيدة النثر، تنتقل الآن إلى السرد. وهذا يعني أن تجربتها ليست تجربة «تخصّص» بل تجربة بحث عن الشكل المناسب. ثانيًا: دلالة على تغيّر موضوع الاهتمام. فالشعر — كما وصفته — يعبّر عن «اللحظة المكثفة» و«الإيحاء أكثر من الشرح»، والسرد يمنحها «فرصة للتأمل في المجتمع ومناقشة القضايا الإنسانية عبر الحكاية وليس الوعظ المباشر» (الغزال ٢٠٢٦). وبهذا فإن السرد عندها أداة اجتماعية، لا مجرّد شكل فني آخر. ثالثًا: دلالة على استمرار السؤال نفسه. فالسؤال الذي طرحناه في المقدمة (كيف تتحوّل التجربة إلى معرفة؟) هو ما يفسّر هذا الانتقال: الشعر يُثبت التجربة، والسرد يُفسّرها، والبحث يُنظّمها. وكلٌّ منها مرحلة في مسارٍ واحد. ١٠.٣ ما يُنتظر من السرد من المبكّر الحكم على تجربةٍ سردية لم تُطبع بعد (وأغلبها ما زال «قيد النشر» بحسب التعريفات الذاتية). لكن يمكن توقّع ثلاثة اتجاهات، بناءً على مادة شعرها: 1. سردٌ مكاني: لأن المكان في شعرها محورٌ لا خلفية. 2. سردٌ نسائي متعدّد الأصوات: لأن مرجعياتها النسائية جماعية، لا فردية. 3. سردٌ وثائقي: لأن الإهداء عندها «من المكان»، أي أنه توثيقي في جوهره. وهذه توقّعاتٌ قابلة للاختبار في الدراسات المقبلة، لا أحكامٌ نهائية. ١١. موازنة موجزة مع تجربة روضة الحاج ١١.١ لماذا الموازنة؟ يقوم اختيار الموازنة مع الشاعرة السودانية روضة الحاج على سببٍ منهجي: كلتاهما تنتمي إلى جيل قصيدة النثر العربية، وكلتاهما تحمل «جرح الوطن في جسد الأنثى»، وكلتاهما تُؤسّس لعلاقةٍ خاصة بين الهوية والكتابة (جبريل ٢٠٢٦). ولذلك فإن المقارنة بينهما لا تُقارن شاعرتين فحسب، بل نموذجين لكتابة الأنثى في المنفى. ١١.٢ وجوه الالتقاء 1. المرجعية الجمعية: كلتاهما تُدخل في نصها شخصياتٍ دينية وأسطورية وشعبية، فتُخرج الذات من الفردية إلى الجماعية. 2. جسد الأنثى بوصفه خريطةً للوطن: في كلتيهما، الوطن لا يُوصف جغرافيًا بل يُحسّ جسديًا. 3. رفض التصريح المباشر: كلتاهما تُميل إلى الإيحاء والتكثيف، وتتجنّب الوعظ. 4. المنفى كموقع كتابة: كلتاهما تكتب من خارج المكان، وهذا يمنح النص مسافةً تأمّلية. ١١.٣ وجوه الافتراق الوجه غالية عيسى روضة الحاج اللغة تقريرية حكائية، تقترب من البوح والحكاية إيحائية تأمّلية، تميل إلى التكثيف والرمز المكان اليمن/عدن/المنفى العُماني السودان/الذاكرة/منفى متعدّد المرجعية الرمزية بلقيس والهدهد والتراث السبئي النهر والحكاية الشعبية والتراث السوداني النبرة حزينة متأجّجة، تنشد السلام روحانية تتأمّل أسئلة التكوين والوجود موقع الأب حاضر بوصفه عتبةً وجودية أقلّ حضورًا كبنيةٍ خطابية
*(الجدول مبنيّ على ملاحظات الباحث في دراسته السابقة (جبريل ٢٠٢٦)، مع تعديلٍ في خانة «موقع الأب» استخلاصًا من النصوص المدروسة هنا.)* ١١.٤ خلاصة الموازنة الخلاصة أن الافتراق بينهما ليس افتراقًا في «الجودة» بل في الاستراتيجية الخطابية. فغالية عيسى تُواجه الفقد بالحكاية والنداء، وروضة الحاج تُواجهه بالتأمل والرمز. وهذا ما يُثبت أن «شعرية الأنثى» ليست نمطًا واحدًا، بل خيارات متعدّدة تُنتجها المرجعيات والجغرافيا والتكوين. وهذه النتيجة تخدم أطروحة مدرسة النقد التفاعلي في نقد «المقارنة القيمية»: نحن لا نقارن لنقول أيّهما أفضل، بل لنفهم كيف تُنتج كل تجربة حلّها الخاص للمشكلة الإنسانية نفسها (جبريل ٢٠٢٦). ١٢. التلقّي والنقد: ما قيل عن التجربة ١٢.١ النقد المصاحب للديوان من الظواهر اللافتة في ديوان «يعصرون خمرًا» أنه يضمّ قراءتين نقديتين داخله، بقلم الناقدين المغربيين محمد أزلماط وفاطمة بولحوش (عيسى ٢٠٢١؛ ضفة ثالثة ٢٠٢١). وهذه ظاهرةٌ تستحق التحليل بحدّ ذاتها، لأسبابٍ ثلاثة: أولًا: ظاهرة العتبة النقدية. أن يُصدَر الديوان ومعه قراءتان يعني أن الشاعرة تُدير تلقّي نصها، وتضع للقارئ مفتاحًا قبل أن يقرأ. وهذا امتدادٌ لسلوك العتبات الذي حلّلناه في القسم الخامس: النص يُهيّئ شرط قراءته. ثانيًا: دلالة الاختيار المغربي. أن يكون الناقدان مغربيين ليس أمرًا عابرًا؛ فهو يُدخل التجربة اليمنية في شبكة التلقّي العربي المغاربي، ويُخرجها من دائرة التلقّي الخليجي/اليمني المحلي. وهذا اختيارٌ استراتيجي يُوسّع دائرة القرّاء. ثالثًا: مخاطرة النقد المصاحب. لكن لهذه الظاهرة وجهًا آخر: النقد المصاحب قد يُغلق النص بدل أن يفتحه، لأنه يفرض على القارئ قراءةً مُعدّة سلفًا. وفي تقديرنا أن الأفضل أن يُنشر هذا النقد في مجلة أو ملحق، لا داخل الديوان؛ لأن الديوان نصٌّ إبداعي لا كتابٌ نقدي. ١٢.٢ التلقّي الصحفي أُحيطت التجربة بتغطيةٍ صحفية معتبرة: ملفّ «المدائن بوست» (٢٠٢٢)، ومقال «الاتحاد نت» (٢٠١٩)، وحوارات «الاتحاد» (٢٠٢٦) و«المدينة» (٢٠٢٦). وهذا يُشير إلى حضور إعلامي جيد، لكنه لا يُغني عن الدراسات الأكاديمية. ١٢.٣ الفراغ النقدي أهم ما يُلاحظ في تلقّي التجربة هو الفراغ الأكاديمي: فحتى الآن، لا تتوافر — في حدود رصدنا — دراسة محكّمة مستقلّة تُفرد لتجربة غالية عيسى. وهذا يعني أن هذه الدراسة تُعدّ محاولة تأسيسية، وأن كثيرًا من أحكامها سيبقى قابلًا للمراجعة حين تصدر المدوّنات الكاملة. وندعو في هذا السياق إلى ثلاثة أبحاثٍ مطلوبة: 1. دراسة أسلوبية إحصائية لديوان «يعصرون خمرًا»، تُقارن معجمه بمعجم ديوانيها الأولين. 2. دراسة تناصية تُفصّل المرجعيات الدينية والأسطورية في المدوّنة كلها. 3. دراسة مقارنة بينها وبين شاعرات يمنيات معاصرات، لإضاءة «الخصوصية اليمنية» في قصيدة النثر. ١٣. الخاتمة والنتائج ١٣.١ النتائج توصّلت الدراسة إلى النتائج الآتية: أولًا: إن شعرية غالية عيسى تقوم على بنيةٍ مركزية يمكن تسميتها «الانتماء بالنفي»؛ إذ لا تُثبت الذات هويتها بالملك أو الاستقرار، بل بالفقد والرفض والرحيل. وتتجلّى هذه البنية في أربع آليات: التعريف بالاستعارة المتوالية، والاستدراك، والتعميم، والنداء. ثانيًا: إن العتبات في تجربتها ليست ملحقات، بل استراتيجية تأويلية. والعنوان عندها ينتقل من التأمّل («أيّها الليل») إلى المقاومة («ما زلتُ أغنّي») إلى الإلغاز («يعصرون خمرًا»)، وهو تطوّرٌ يعكس تطوّر الوعي الفني نفسه. ثالثًا: إن تصدير ديوانها الثالث («أنا المصلوب الذي تأكل الطير من رأسه») يُشكّل مفتاحًا للديوان كلّه، ويُدخل التجربة في خطاب الشهادة لا خطاب الشكوى. رابعًا: إن الدرس الأكاديمي — ولا سيّما درس البلاغة والخطاب الوجداني — ترك أثرًا واضحًا في أدواتها الشعرية، فانتقلت من الصورة الزخرفية إلى الصورة الوظيفية، ومن الإيقاع الخارجي إلى الإيقاع الداخلي. خامسًا: إن التناص الثلاثي (الديني والأسطوري والشعبي) هو أرقى ما تُنتجه التجربة، لأنه يُنتج هويةً متعدّدة الطبقات تُقاوم الاختزال. سادسًا: إن انتقالها إلى السرد لم يكن انقطاعًا، بل إظهارًا لبنيةٍ سردية كانت كامنة في شعرها، وامتدادًا لسؤالٍ واحد: كيف تتحوّل التجربة إلى معرفة؟ ١٣.٢ التوصيات 1. جمع المدوّنة: يُوصى بجمع الدواوين الثلاثة في مجلدٍ واحد، مع مقدّمة نقدية وفهرسٍ للموضوعات، لأن تشتّت المدوّنة يُعيق الدراسات. 2. نشر «أحلام على تلّ الرماد» و«وجع النخيل»، لأن الاعتماد على مخطوطاتٍ غير منشورة يُقيّد البحث. 3. إصدار طبعةٍ نقدية لديوان «يعصرون خمرًا» تُخرج القراءتين من داخل الديوان إلى ملحقٍ مستقل. 4. ترجمة نماذج من شعرها إلى الإنجليزية والفرنسية، لأن التجربة تحمل ما يستحقّ التداول خارج العربية — وهذا من صميم ما تدعو إليه مدرسة النقد التفاعلي في باب «الترجمة الثقافية». 5. إجراء دراسات أكاديمية على المدوّنة كاملة، لا على نصوصٍ منتخبة، لأن الحكم على تجربةٍ من نماذج يبقى حكمًا ناقصًا. ١٣.٣ كلمة أخيرة تبقى تجربة غالية عيسى حالةً دالّة على أن المرأة العربية الشاعرة لم تعد تكتب «من الهامش»، بل أصبحت تكتب من مركز سؤالها الخاص. وهي في ذلك لا تطلب إذنًا من أحد، بل تُقدّم نصًّا يعرف قيمته، ويُدير شروطه، ويُخطّط لسيرته. وقد تكون هذه هي أهمّ دلالاتها: أن الشاعرة التي «مات أبوها بلا أرض» قد صنعت لنفسها أرضًا من اللغة. وهذه الأرض — على عكس الأولى — لا ينخرها الدود، ولا تسكنها الرياح. المصادر والمراجع أولًا: المصادر الأولية (أعمال الشاعرة) 1. عيسى، غالية. أيّها الليل. عدن: دار جامعة عدن للطباعة والنشر، ٢٠٠٢. 2. عيسى، غالية. ما زلتُ أُغنّي. القاهرة: دار مدبولي، ٢٠٠٤. (وطبعة ثانية: بيروت: دار العودة، ضمن مطبوعات وزارة الثقافة اليمنية، ٢٠٠٤). 3. عيسى، غالية. يَعْصرونَ خَمْرًا: قطوفٌ من أغاني الحب والحرب. كاوفبويرن — ألمانيا: دار الدراويش للنشر والترجمة، ٢٠٢١. 4. عيسى، غالية. أحلامٌ على تلّ الرماد (مجموعة شعرية، قيد النشر؛ اشتغل عليها الباحث في دراسة سابقة). 5. عيسى، غالية. وجع النخيل (مجموعة شعرية، قيد النشر). 6. عيسى، غالية. عندما ينحني الظل (مجموعة قصصية، قيد النشر). ثانيًا: الحوارات والملفات الصحفية 7. الغزال، زهير بن جمعة. «غالية عيسى الزبيدي: أبحث عن النص الذي يبقى بعد أن ينتهي التصفيق». صحيفة المدينة، ١ سبتمبر ٢٠٢٦. الرابط: https://www.al-madina.com/article/1003599 8. عبدالسميع، محمد. «غالية عيسى: القصيدة رحلة بحث عن معنى التجربة». صحيفة الاتحاد (أبوظبي)، ٢٦ يوليو ٢٠٢٦. الرابط: https://www.aletihad.ae/news/4681298 9. عامر، منصور. «غالية عيسى (ابنة سبأ سيدة الضوء والحرية)». الاتحاد نت، ١٦ مايو ٢٠١٩. الرابط: https://alittihadnet.net/art315.html 10. «الشاعرة اليمنية غالية عيسى: ابنة الفلاح الذي مات بلا أرض». المدائن بوست، يناير ٢٠٢٢. الرابط: https://almadayinpost.com/11286.html 11. «يعصرون خمرًا لغالية عيسى». ضفة ثالثة (صحيفة العربي الجديد)، ٢٩ أبريل ٢٠٢١. الرابط: https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/books/2021/4/29 12. «الدكتورة غالية بنت عيسى الزبيدي: شاعرة وباحثة». إذاعة قطر (بطاقة تعريفية). الرابط: https://www.qatarradio.qa ثالثًا: المراجع النقدية والنظرية 13. أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار الساقي، ١٩٧٢. 14. بنيس، محمد. الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها. بيروت: دار توبقال، ١٩٨٩. 15. فضل، صلاح. أساليب الشعرية المعاصرة. بيروت/القاهرة: دار الشروق، ١٩٩٥. 16. الجرجاني، عبد القاهر. دلائل الإعجاز. تحقيق محمود محمد شاكر. القاهرة: مكتبة الخانجي. 17. الغذامي، عبد الله. الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية. جدة: النادي الأدبي الثقافي، ١٩٨٥. 18. أبو ديب، كمال. جدلية الخفاء والتجلّي: دراسات بنيوية في الشعر. بيروت: دار العلم للملايين، ١٩٨٤. 19. جبريل، إبراهيم محمد. «شعرية النثر والهوية الأنثوية: دراسة موازنة بين غالية عيسى وروضة الحاج». الحوار المتمدن، العدد ٨٨٣٥، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦. الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=
#عمر_علي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
- التعليم الاهلي في العراق الى الخلف ام الى الوراء ؟ -
-
هل تتبع عربة السياسه حصان الاقتصاد في العراق ام العكس?
-
-الاستثمار في العراق - بين الوهم والحقيقه-
-
هل تسعى الصناعه المصرفيه في العراق الى انعاش الاقتصاد العراق
...
المزيد.....
-
المسرح العراقي في ملتقى القاهرة..ندوات وبحوث تعزز حضور الفنا
...
-
بعد دعوات لتعديل الدستور.. فنان مصري يحذر السيسي من محاولات
...
-
إحياء نوادي السّينما في المدارس والجامعات.. محمد عبيدو ل «ال
...
-
جوائز الدورة الثالثة من VS-FILM توزع في السويس على أفلام من
...
-
متحف مخلفات الحرب في هو تشي منه.. أهوال العميل البرتقالي وذا
...
-
-فيلم ثقافي-.. جدل في مصر بعد -اختراق- لقطات إباحية لوحة إعل
...
-
وعكة قلبية مفاجئة تصيب المطرب المصري محمد الحلو.. ونجله يطلب
...
-
تايلور سويفت تنضم إلى قاعة مشاهير كتّاب الأغاني في ناشفيل
-
الموسيقى الروسية تصدح في مسقط
-
بطل الـ UFC إسلام ماخاتشيف يلمح إلى اقتراب اعتزاله الفنون ال
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|