نهى جاسم حسين
الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 22:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المقدمة
يُعد استقرار العراق الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أمن الخليج العربي، فالعراق لا يمثل مجرد جار جغرافي لدول مجلس التعاون الخليجي، بل هو الركيزة الشمالية لمنظومة الأمن الإقليمي، والمتغير التابع والمستقل في آن واحد ضمن مصفوفة الاستقرار, إن هذه العلاقة تقوم على جدلية أمنية متبادلة تجعل من مفهوم الأمن المشترك حقيقة واقعية تتجاوز الشعارات الدبلوماسية لتصبح ضرورة بقاء، حيث إن أي اختلال بنيوي في الدولة العراقية يترجم فوراً إلى تهديدات وجودية وضغوط سياسية على الدول الخليجية.
العراق كعمق جيو استراتيجي وبوابة حماية للأمن الخليجي: يُعد العراق البوابة الشمالية لمنظومة الأمن الخليجي، لذا فعندما واجه العراق خطر التنظيمات المتطرفة والانهيارات الأمنية بعد عام 2014، أدركت عواصم الخليج أن تداعيات عدم الاستقرار في بغداد لن تقف عند حدود العراق، بل ستطال ارتداداتها العواصم الخليجية وأمنها الاقتصادي لتصل الى الممرات المائية وتوثر على طرق التجارة الدولية التي هي مرتكز وجودها.
وتؤشر هذه العلاقة على الأهمية المشتركة للاستقرار، حيث إن استقرار النظام السياسي في العراق يضمن أمن واستقرار الممرات المائية وتدفقات الطاقة، وهي المقومات الأساسية لتأمين الاقتصادي الخليجي , وفي المقابل، يمثل الانخراط الخليجي الدبلوماسي والاقتصادي أداة لتعزيز السيادة العراقية وموازنة الضغوط الخارجية , هذه العلاقة التبادلية تخلق ما يُعرف بـ الأمن التساهمي، حيث تصبح تأثير الاضطراب في أي طرف مرتفعة جداً للطرف الآخر، مما يحفز على تبني سياسات تنسيقية عالية المستوى تفرضها ضرورة البقاء واستقرار الشعوب في مواجهة التهديدات العابرة للحدود .
التحديات الأمنية في مواجهة وحراك التنظيمات : على الرغم من الجهود الكبيرة، فإن التحدي الأمني لا يزال قائماً ، وبحسب إحاطة وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بالإنابة "ألكسندر زوييف" أمام مجلس الأمن (2025-2026)، فإن التهديد الذي يمثله تنظيم داعش قد ازداد بشكل مطرد وأصبح أكثر تعقيداً ومتعدد الأوجه , وذكر التقرير الأممي أن التنظيم أظهر مرونة عالية في التكيف مع ضغوط مكافحة الإرهاب، وهو مستمر في تجنيد المقاتلين الأجانب وتطوير استخدام التكنولوجيا الناشئة، والاحتفاظ بمصادر التمويل غير المشروع من خلال الابتزاز والتهريب والتجارة غير القانونية.
وانطلاقاً من هذه المعطيات الاستراتيجية والتحذيرات الدولية، تحولت النظرة الخليجية نحو العراق من إطار الجوار التقليدي إلى فضاء شراكة استراتيجية حتمية ، إيماناً بأن استقرار الدولة العراقية بمؤسساتها الوطنية هو الضمانة الوحيدة لتحجيم التدخلات الخارجية التي قد تستخدم الأراضي العراقية كمنصة لتهديد أمن دول الجوار، وهو ما يفسر حتمية الانفتاح الخليجي الأخير نحو بغداد.
التكامل والتعاون الاستراتيجي: إن هذا التحولات الجذرية في الرؤية السياسية قادت بالضرورة إلى صياغة مفهوم جديد للتكامل، فنحن اليوم أمام معادلة تفرض واقعاً مفاده أن التفاعلات الأمنية في العراق والخليج تتبع مساراً تكاملياً لا يقبل التجزئة، حيث يمثل العراق العمق الاستراتيجي للخليج، بينما يمثل الخليج ظهير الاستقرار للعراق, إن هذا الترابط الحيوي يفرض ضرورة الانتقال من التنسيق الأمني التقليدي إلى تحليل آفاق التعاون الشامل، خاصة في ظل المشاريع الناشئة مثل "طريق التنمية" والربط الكهربائي، التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تحويل "الجدلية الأمنية" من مجرد هواجس تاريخية إلى شراكات تنموية مستدامة، قادرة على ضمان البقاء والاستقرار في بيئة إقليمية مضطربة.
التكامل الميداني تعاون السنوات الأخيرة : وفق الحراك التعاوني نجد انه يتبع مساراً متكامل، فقد شهدت السنتان الأخيرتان تغير تاريخي انتقلت فيه العلاقة من أطر بروتوكولات التفاهم إلى مرحلة التعاون الميداني، ولوحظ ذلك من خلال مسارات التنسيق التالية :
تعاون أمن الطاقة: اعتمدت اتفاقيات الربط الكهربائي والمائي بين بغداد والخليج في 2024 و2025، وأوجد حالة من التعاون المتبادل التي تعزز الاستقرار الداخلي العراقي كجزء من المنظومة الخليجية.
1. استراتيجية الدفاع عن المصالح : ظهر مشروع طريق التنمية كمشروع جيو سياسي ضخم بمشاركة استثمارية خليجية كبرى، وقد غيّر مفهوم الأمن من الدفاع العسكري التقليدي إلى حماية المصالح الاقتصادية المشتركة وتأمين خطوط التجارة الدولية.
2. تأثير الوساطة الإقليمية :استثمر العراق الاستقرار النسبي ليكون مركز ثقل للحوار، الذي ساهم في الحد من الأزمات وجعل العراق منطقة عازلة آمنة بدلاً من كونه ساحة لتصفية الحسابات.
من وجهة نظرنا كباحثين، نرى أن السنتين الأخيرتين أثبتت أن اللغة الاقتصادية هي الأقدر على ترميم ما أفسدته السياسة, إن تحول العراق إلى ممر عالمي للتجارة بالتعاون مع الخليج هو الضمانة الحقيقية الوحيدة لعدم عودة الانفلات الأمني، لأن لغة المصالح لغة عالمية لا تقبل التأويل, إن تشابك المصالح المالية والاستثمارية يخلق طبقة حماية عالية للأمن، حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار ضرورة اقتصادية عابرة للحدود، وليس مجرد خيار سياسي متذبذب.
وان ترابط المصالح يدفع بتنمية العلاقات وتنميتها ليجعلها حصناً منيعاً امام ثغرات الأعداء واختراق وجودها .
ختاماً، يمكن القول إن استقرار العراق وأمن الخليج العربي ليسا مسارين متوازيين فحسب، بل هما وحدة أمنية وجيوسياسية لا تقبل التجزئة، إن الانتقال بالعلاقة من مرحلة هواجس الماضي إلى شراكات المستقبل يفرض ضرورة الاستثمار في نقاط الالتقاء التي برزت مؤخراً، وفي مقدمتها التكامل الاقتصادي والربط الاستراتيجي، إن الرهان القادم لا يتوقف عند التعاون العسكري التقليدي، بل يمتد نحو بناء بيئة إقليمية مستقرة يمثل فيها العراق الجسر الرابط بين القوى المختلفة، ويمثل فيها الخليج السند التنموي المستدام، إن نجاح هذه الجدلية المتبادلة هو الضمانة الوحيدة لتحويل المنطقة من ساحة للصراعات الدولية إلى مركز جذب للاستقرار العالمي، مما يجعل من تمكين الدولة العراقية ودعم سيادتها مصلحة خليجية عليا بقدر ما هي ضرورة وطنية عراقية.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟