رضا كامل الموسوي
الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 17:55
المحور:
قضايا ثقافية
رضا كامل الموسوي*
حين نذكر الخوارزمي، فإننا لا نستحضر عالما من علماء بغداد العباسية فحسب، بل نستحضر واحدا من العقول التي وضعت أسسا رياضية ومنهجية كبرى للتفكير الخوارزمي الذي أصبح اليوم من مرتكزات الحوسبة والذكاء الاصطناعي. فالكلمة الإنكليزية Algorithm التي تتحكم بمسارات العالم الرقمي ليست بعيدة عن اسم محمد بن موسى الخوارزمي، الذي تحول في الترجمات اللاتينية إلى Algoritmi، قبل أن يستقر في المصطلح العلمي الحديث. ومن هنا تبدأ المفارقة الحضارية: كيف استطاع عالم ارتبط ببيت الحكمة قبل أكثر من ألف ومئتي عام أن يترك اسمه في قلب الثورة الرقمية، بينما لم يستطع البيت الذي يحمل ذلك التاريخ أن يصبح حتى اليوم مركزا عالميا لإنتاج المعرفة الرقمية؟[1]
لم يكن الخوارزمي مجرد ناقل للمعرفة الهندية أو اليونانية، وإنما كان عقلا رياضيا أعاد تنظيم المسائل وابتكر طرائق منهجية لمعالجتها، ولا سيما في كتابه «المختصر في حساب الجبر والمقابلة». ومن خلال أعماله الحسابية والجبرية ترسخت طريقة في التفكير تقوم على تحويل المشكلة إلى خطوات محددة قابلة للتنفيذ. وليس المقصود أن الذكاء الاصطناعي اختراع عباسي، أو أن الخوارزمي أول من عرف الإجراءات الحسابية المنظمة، وإنما أن إسهامه كان من اللبنات الكبرى في التاريخ الطويل الذي أفضى إلى الحوسبة الحديثة. وبذلك يمكن القول إن أحد الجذور المعرفية التي نمت منها تقنيات عصرنا يحمل اسم عالم ازدهر في بغداد.[2]
وفي هذه النقطة بالذات ينبغي أن نستعيد المعنى الحقيقي لبيت الحكمة. فقد استطاعت بغداد العباسية، في حركة علمية واسعة ارتبطت بعهد المأمون، أن تجمع علماء ومترجمين من أصول وديانات ولغات متعددة. كان بينهم العربي والفارسي والسرياني، والمسلم والمسيحي وغيرهما، يعملون في بيئة معرفية لم تمنعها اختلافاتها من تبادل العلوم وترجمتها وتطويرها. ولم تكن تلك البيئة خالية من الصراع المذهبي أو تأثير السلطة السياسية، لكنها قدمت تجربة تاريخية مهمة في التعاون العلمي عبر الحدود الدينية والثقافية.
والأهم أن المعرفة لم تتوقف عند الترجمة؛ فقد تحولت النصوص الوافدة إلى مادة للشرح والتصحيح والنقد والتأليف، وبرزت إسهامات أصيلة في الرياضيات، والفلك والطب والفلسفة. تلك هي الروح التي نريد استعادتها: ألا تكون المؤسسة مجرد مستقبلة لما يصنعه الآخرون، بل شريكة في إنتاجه.
وتكشف فيوليت مولر في كتابها "خريطة المعرفة" كيف تنقلت العلوم القديمة بين الإسكندرية وبغداد وقرطبة وطليطلة وساليرنو وباليرمو وفينيسيا، وكيف أسهمت الترجمة العربية ثم الترجمة إلى اللاتينية، إلى جانب الشروح والإضافات العلمية، في انتقال المعرفة إلى أوروبا. لم تكن بغداد محطة عابرة في هذه الرحلة، بل واحدة من أهم مراكز إعادة تشكيل التراث العلمي القديم. فالحضارة التي تستقبل معارف غيرها ثم تضيف إليها تصبح جزءا من مستقبل المعرفة، لا مجرد حارسة لماضيها.[3]
غير أن تاريخ بيت الحكمة نفسه يحتاج إلى مراجعة نقدية، وهذا ما يلفت إليه عبد الأمير المؤمن في كتابه "البحث عن بيت الحكمة في بغداد"، حين يناقش تعدد بيوت الحكمة والخزائن العلمية واحتمال تداخل أخبارها في الروايات التاريخية. ولهذا لا ينبغي اختزال كل الإنجازات العباسية في مؤسسة واحدة، بقدر ما ينبغي فهم الشبكة المعرفية التي جعلت بغداد بيئة جاذبة للعقول.[4]
وإذا كان بيت الحكمة التاريخي قد استفاد من علوم العالم القديم لإنتاج معرفة جديدة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا لا يؤسس بيت الحكمة العراقي المعاصر منظومة علمية تستفيد من الذكاء الاصطناعي لكي تنتقل من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها؟
إن إعادة الأوج إلى بيت الحكمة لا تتحقق بتعليق صور الخوارزمي على الجدران، ولا بعقد المؤتمرات التي تستعيد أمجاد بغداد، وإنما بإعادة بناء المؤسسة على أسس علمية معاصرة. ونقترح أن تبدأ هذه العملية بتأسيس وحدة للذكاء الاصطناعي والخوارزميات، لا تقتصر مهمتها على استخدام التطبيقات الجاهزة، بل تتولى تطوير مشاريع بحثية في معالجة اللغة العربية، وتحليل البيانات، والنمذجة المعرفية، وبناء أدوات رقمية تخدم البحث العلمي العراقي. ويمكن لهذه الوحدة أن تتعاون مع الجامعات ومراكز التكنولوجيا لتصبح نواة لمختبر وطني للابتكار الخوارزمي.
وإلى جانبها نحتاج إلى وحدة للترجمة السيبورغية (Cyborg Translation)، تعمل وفق نموذج جديد يتكامل فيه المترجم البشري مع الذكاء الاصطناعي. فالمترجم السيبورغي ليس مستخدما آليا لبرنامج ترجمة، وإنما باحث يمتلك القدرة على توجيه المنظومة الذكية، ومساءلة نتائجها، وإعادة بناء المعنى، وممارسة الحكم الترجمي عند المفاضلة بين البدائل. وهنا تتحول الترجمة من نقل لغوي إلى إنتاج معرفي تشاركي، مع بقاء المسؤولية النهائية عن النص للمترجم الإنسان.
وتستطيع هذه الوحدة أن تطور مشاريع لترجمة الدراسات العلمية والفلسفية بين العربية والإنجليزية والفارسية والتركية والسريانية وغيرها، وأن تؤسس قواعد مصطلحية متعددة اللغات، وبيئات للمراجعة النقدية والتقييم، فتستعيد بغداد دورها التاريخي في استقبال المعرفة وإعادة إنتاجها، ولكن بأدوات العصر الرقمي.
أما المشروع الثالث فهو وحدة تحقيق التراث والأرشفة الذكية، التي تتولى رقمنة المخطوطات والوثائق والكتب النادرة، وتوظيف تقنيات التعرف على الخطوط القديمة والمقارنة بين النسخ وتحليل النصوص، مع إخضاع النتائج للمراجعة البشرية المتخصصة. وبهذا لا تصبح المكتبة الرقمية مجرد مستودع للصور، بل بيئة بحثية يستطيع العلماء استخراج المعارف منها واكتشاف علاقات لم تكن ظاهرة في القراءة التقليدية.
ويمكن أن يتبع ذلك تأسيس مرصد معرفي واستراتيجي للعراق، يستفيد من التحليل الحاسوبي والذكاء الاصطناعي في دراسة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، ويقدم دراسات علمية قابلة للاستفادة منها في صناعة السياسات العامة. فالمؤسسة العلمية لا تقاس بعدد الندوات التي تعقدها، وإنما بقدرتها على طرح الأسئلة الجديدة وتقديم حلول مدروسة لمشكلات المجتمع.
لكن هذه الوحدات، مهما امتلكت من أجهزة وبرمجيات، لن تحقق أهدافها ما لم تسبقها ثورة في فلسفة الإدارة. فالعقل الخوارزمي يقوم على المنهج والدقة وإمكان اختبار النتائج، بينما تحتاج الإدارة العلمية إلى الكفاءة والاستقلال والمساءلة والتقويم. ولا يمكن أن نطلب من العلماء التفكير بحرية إذا كانت البرامج البحثية والتعيينات والموارد مرهونة باعتبارات لا تقوم على الإنجاز العلمي.
ولهذا فإن إعادة بناء بيت الحكمة تبدأ من الانتقال من قيادة الإملاءات إلى قيادة الكفاءات، باختيار رئيس مجلس الأمناء ورؤساء الأقسام وفق معايير علمية معلنة، وبرامج بحثية قابلة للتنفيذ، وتقييم دوري للإنجاز، مع حماية استقلال الباحثين وتوفير الموارد والشراكات التي يحتاجون إليها. ولا تعني الاستقلالية الانفصال عن الدولة، بل بناء علاقة تجعل المؤسسة تقدم للدولة والمجتمع معرفة علمية مستقلة، لا مجرد تأييد للقرارات المتخذة سلفا.
ولعل أهم ما نستطيع تعلمه من بغداد العباسية ليس أن العلماء عاشوا جميعا في انسجام مثالي، بل أن حركة العلم بلغت مكانة كبيرة حين اجتمعت رعاية المعرفة وتعدد مصادرها وحيوية الترجمة وقدرة العلماء على الإضافة. ومن هنا ينبغي أن يكون بيت الحكمة القادم مفتوحا أمام العلماء العراقيين في الداخل والخارج، وأمام الشراكات العربية والدولية، وأمام مختلف التخصصات والمدارس الفكرية، بعيدا عن احتكار المعرفة أو اختزال المؤسسة في توجه واحد.
نحن لا نريد بيت حكمة يستعير اسم الخوارزمي ليجمل به ماضيه، بل نريد بيت حكمة يستطيع أن يهيئ الظروف العلمية لظهور خوارزمي جديد. ولا نريد أن نكتفي بالاحتفاء بأن مصطلح Algorithm يحمل اسما خرج من بيئتنا الحضارية، بينما تظل خوارزميات العصر تصنع في مؤسسات بعيدة عنا، ونكتفي نحن باستخدام منتجاتها.
إن استعادة بيت الحكمة ليست عودة إلى القرن الثالث الهجري، بل انتقال واع إلى القرن الحادي والعشرين. وليس المطلوب نسخ تجربة المأمون، بل استخلاص ما أسهم في نجاح حركة المعرفة، وتجاوز ما فرضته السياسة والمذهبية من قيود عليها، ثم صياغة مؤسسة حديثة تجعل الذكاء الاصطناعي والترجمة السيبورغية والبحث العلمي أدوات لإنتاج معرفة عراقية جديدة ذات حضور عالمي.
لقد أسهمت بغداد ذات يوم في تطوير العقل الخوارزمي الذي ترك بصمته في تاريخ الحوسبة. واليوم لا يكفي أن نروي للعالم قصة ذلك العقل؛ بل علينا أن نؤسس البيئة التي تستطيع أن تنتج عقول المستقبل.
فمن بغداد الخوارزمي إلى بغداد الخوارزميات تمتد مسؤولية حضارية لا تتمثل في استعادة المجد المفقود، وإنما في صناعة مجد معرفي جديد.
وبيت الحكمة الذي نطمح إليه ليس متحفا لذاكرة العلم، بل مختبرا لمستقبله.
* الرئيس السابق لقسم الدراسات اللغوية والترجمية في بيت الحكمة 2006-2025
المصادر والإحالات
1. NASA Earth Observatory (2018). How Algorithm Got Its Name. حول الاشتقاق التاريخي لكلمة Algorithm من اسم الخوارزمي.
2. Rashed, R. (2009). Al-Khwarizmi: The Beginnings of Algebra. Saqi Books. مرجع متخصص في دراسة أعمال الخوارزمي الجبرية وسياقها التاريخي.
3. مولر، فيوليت (2020). خريطة المعرفة: كيف فقد العالم أفكار العصر الكلاسيكي وكيف استعادها: تاريخ سبع مدن. ترجمة محمد حامد درويش، مؤسسة هنداوي، ولا سيما فصول بغداد، قرطبة، طليطلة، وفينيسيا.
4. المؤمن، عبد الأمير (2025). البحث عن بيت الحكمة في بغداد: قراءة وثائقية جديدة. الطبعة المزيدة والمنقحة، ولا سيما مبحث "بيت الحكمة بين بيوت الحكمة الأخرى".
5. Gutas, Dimitri (1998). Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early Abbasid Society. Routledge.
6. Lyons, Jonathan (2009). The House of Wisdom: How the Arabs Transformed Western Civilization. Bloomsbury..
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟