أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد يعقوب أبكر - الجُودية والأجاويد: من -العُرف- إلى -الأبستمولوجيا















المزيد.....

الجُودية والأجاويد: من -العُرف- إلى -الأبستمولوجيا


أحمد يعقوب أبكر

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 18:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الجُودية والأجاويد: من "العُرف" إلى "الأبستمولوجيا"
أحمد يعقوب

ربّما لم تحظى الجودية والأجاويد بالاهتمام الأكاديمي أو السياسي؛ إلا على نطاق ضيق ومحدود، بوصفها نظاماً لفض النزاعات تحت إطار إداري وقانوني أهلي، وبالرغم من أن هناك العديد من الدراسات التي استفاضت في شرح الجودية وتفاصيلها وما يتعلق بها ...الخ إلا أن هذه الدراسات وهي مهمة بالطبع؛ لم تنفذ إلى بناء وتأطير الجودية بشكل إبستمولوجي؛ وأعني بذلك بناء النموذج الإرشادي/المنهج (راجع توماس كونت في بنية الثورات العلمية) وبلغة أخرى فإن قضايانا وموضوعاتنا النابتة من البنى المجتمعية؛ هي بنيات ومقدمات لبناء نظرية ابستمولوجية. ولقد مر وقت طويل منذ أن نوقشت قضايا النماذج الإرشادية في عمليات البحث العلمي ومدى تطور وتطوير النماذج، وهو سؤال يظل اليوم أكثر إلحاحاً في ظل المعرفة السائلة، وكانت الفيزياء والرياضيات والكيمياء هي أكثر الموضوعات إلحاحاً على بناء نماذج إرشادية تقود موضوعة ما.
يأتي هذا الكتاب، للدكتور ضيو مطوك ديينق وول، ليمثل إضافة نوعية، بل وصادمة، للمكتبة الأكاديمية عموماً والأفريقية خصوصاً، فهو لا يكتفي بوصف آليات "الجودية" و"الأجاويد" كنظم تقليدية لفضّ النزاعات، بل يرفعها إلى مصاف "الأبستمولوجيا" البديلة، ويقحمها في قلب المفاوضات السياسية الحديثة، وتحديداً اتفاقية جوبا للسلام (2020). وهو كتاب يُعيد الاعتبار لأنظمة المعرفة المحلية التي لطالما جرى تهميشها أو تغليفها برومانسية أنثروبولوجية، ليجعلها فاعلاً مركزياً في صياغة العقود الاجتماعية والسياسية.
غير أن المفارقة التاريخية القاسية، التي تقف خلف كل سطر من هذا الكتاب، هي أن هذه الاتفاقية الطموحة، التي كانت قد بشّرت بانتقال ديمقراطي وتفكيك لبنية الدولة المركزية، قد جرفتها حرب أبريل 2023، وتتجلى الفلسفة العميقة للكتاب؛ في أنه رغم انهيار المؤسسات الرسمية وتمزق الدولة، تظل "الجودية" و"الأجاويد" قائمة، وتظل المجتمعات المحلية في دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، تتشبث بها كملاذٍ أخير لاستعادة الانسجام ومنع الانتقام. إن الكتاب، رغم أنه كُتب في خضم لحظة تفاؤل، إلا أنه يقدم لنا "نصّاً مرجعياً" للنهوض من تحت الأنقاض، لأن أنظمة المعرفة المحلية أثبتت صلابتها وقدرتها على التكيف، بينما لم تصمد المؤسسات المركزية.
وضمن سياق النقاشات الأكاديمية المعاصرة حول بناء السلام وفضّ النزاعات، يظلّ السؤال الإبستمولوجي (المعرفي) كأحد أكثر الأسئلة إلحاحاً: من يملك الحق في تعريف "السلام"؟ ومن يمتلك الأدوات المعرفية لإنتاجه؟ ويأتي كتاب الدكتور ضيو مطوك ديينق وول كعمل تأسيسي يتجاوز المقاربات الأنثروبولوجية الكلاسيكية التي كانت تنظر إلى مؤسسات مثل "الجُودية" و"الأجاويد" كمجرد "عادات وتقاليد" أو "مخلفات ماضٍ"، ليعيد تأطيرها كـ "نظام معرفي إبستمولوجي" متكامل، بل كنظرية معرفية قابلة للتطوير وبناء "برادايغم" (نموذج إرشادي) خاص بها.
ينجح الكتاب في تفكيك الهيمنة المعرفية الغربية التي لطالما تعاملت مع المجتمعات الأفريقية كـ "موضوع" للدراسة والتدخل، لا كـ "ذات" منتجة للمعرفة. فالجُودية، كما يقدمها د. مطوك، ليست مجرد آلية تحكيم بديلة، بل هي أنطولوجيا (رؤية للوجود) وأبستمولوجيا (نظرية في المعرفة) مختلفة جذرياً عن النظم القانونية الوضعية، ففي حين تنظر النظم الحديثة إلى النزاع كـ "انتهاك للقانون" يستوجب العقاب الفردي، تنظر الجُودية إلى النزاع كـ "تمزق في النسيج الاجتماعي" يستوجب الترميم والشفاء الجماعي. هذا التحول من "العدالة العقابية" إلى "العدالة الترميمية" هو في جوهره تحول إبستمولوجي؛ إذ يعيد تعريف ماهية الحقيقة، والذنب، والمسؤولية.
يؤكد الكتاب أن الجُودية تنتج معرفتها من خلال آليات دقيقة ومعقدة؛ فهي لا تعتمد على النصوص القانونية الجامدة، بل على الذاكرة الجماعية، والسرديات الشفوية، والسياق الاجتماعي، والسلطة الأخلاقية للوسطاء (الأجاويد). إن "الأجوادي" في هذا الطرح ليس مجرد "رجل كبير في السن"، بل هو "فاعل معرفي" (Epistemic Agent) يمتلك "ذكاءً سياقياً" (Contextual Intelligence) يؤهله لفك شيفرة النزاع وفهم أعماقه التاريخية والنفسية. إنه يقرأ "الصمت"، و"الإهانة"، و"الكرامة" كما يقرأ القاضي النصوص القانونية.
إن هذا النظام المعرفي يعتمد على "التوافق" وليس "الأغلبية"، وعلى "الإقناع الأخلاقي" وليس "الإكراه القانوني". مما يعني أن الجُودية تمتلك نظرية خاصة في "الشرعية" (Legitimacy) تنبع من "الصدى الثقافي" و"القبول الاجتماعي"، وليس من "التعيين الرسمي" أو "العقوبات المفروضة". ومن هنا، فهي ليست مجرد أداة لحل النزاعات، بل هي نظرية متكاملة في الحكم والإدارة الاجتماعية تقدم بديلاً جذرياً للعقلانية الأداتية (Instrumental Rationality) التي تحكم عمليات السلام الحديثة.
يشير الكتاب بوضوح إلى أن هذه الآليات تظل "حية" وقادرة على التكيف، وهذا هو جوهر إمكانية تحويلها إلى "برادايغم" معرفي. ويطرح الكتاب فكرة "النظرية المعرفية الأفريقية في الوساطة" (African Epistemology in Mediation)، مؤكداً أن أفريقيا لا تنتج "حالات دراسية" فحسب، بل تنتج "نظريات" قابلة للتصدير والتعميم.
إن بناء هذا البرادايغم يتطلب الخروج من ثنائية "التقليدي مقابل الحديث"، والانتقال إلى "السلام الهجين" (Hybrid Peace)؛ حيث تتفاعل الجُودية مع الوساطة الرسمية والأطر القانونية الدولية. وقد تجلى هذا في عملية "جوبا للسلام" (2020)، حيث لم تكن الجُودية مجرد "طقس ثقافي" في الهوامش، بل كانت هي "المنهجية" التي أدارت بها لجنة الوساطة الجنوب سودانية المفاوضات المعقدة. لقد تجسدت مبادئ الجُودية في الصبر، والشمولية، واللقاءات غير الرسمية، والضيافة، وإدارة العواطف، وبناء العلاقات، مما يثبت أن هذا النظام المعرفي قادر على العمل في أعقد السياقات السياسية الوطنية، وليس فقط في النزاعات المحلية الصغيرة.

يقدم الكتاب حجته المركزية التي تتردد أصداؤها في كل فصوله، وهي أن السلام المستدام لا يمكن استيراده. فلقد فشلت الاتفاقيات السابقة (.....) لأنها انطلقت من نماذج معرفية خارجية، وتجاهلت "المعرفة المحلية" (Local Knowledge) و"الأنطولوجيا" الخاصة بالمجتمعات السودانية لقد تعاملت تلك الاتفاقيات مع النزاع كمسألة تقنية تتطلب هندسة دستورية وتقاسم سلطة نخبوي، وتجاهلت حقيقة أن النزاع في السودان هو مجموعة أزمات.
إن بناء نظم معرفية منطلقة من البيئة المحلية ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو ضرورة وجودية. فالكتاب يبرهن على أن المجتمعات التي دمرتها الحروب (مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق) لا تزال تتشبث بالجُودية والأجاويد ليس لأنها "بدائية"، بل لأنها تقدم لها ما لا تقدمه الدولة الحديثة المنهارة: الأمان الوجودي، والاعتراف بالكرامة، وإمكانية التعايش. إن هذه الآليات الأهلية تمتلك "هندسة اجتماعية" دقيقة قادرة على معالجة الجروح العميقة التي تعجز المحاكم والاتفاقيات السياسية عن مداواتها.
يمكن القول إن كتاب الدكتور ضيو مطوك هو دعوة صريحة لـ "إنهاء استعمار المعرفة" (Epistemic Decolonization) في مجال دراسات السلام. إنه يطالبنا بالكف عن النظر إلى المجتمعات الأفريقية كـ "مستقبلات سلبية" للنماذج الغربية، والبدء في الاعتراف بها كـ "منتجة للمعرفة". إن الجُودية والأجاويد، كما يصوغها د. مطوك، ليست مجرد "ماضٍ نستدعيه للحنين"، بل هي "مستقبل نبنيه بالمعرفة". إنها نظرية معرفية أصيلة تحتاج إلى التطوير، والإصلاح (خاصة فيما يتعلق بقضايا النوع الاجتماعي والشمولية)، والدمج في أطر بناء الدولة الحديثة.
هذا الكتاب ليس توثيقاً لاتفاقية جوبا فحسب، بل هو بيان فكري (Manifesto) يدافع عن "الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية"، ليس كخطاب سياسي مبتذل، بل كمنهجٍ تحليلي ونقدي. إنه يؤكد أن السودان، بجروحه العميقة، لا يمكن أن يُشفى بقرارات أممية أو قوالب غربية، بل بذاكرته الجمعية، وبأعرافه، وبقدرته على إعادة اختراع دولته من الداخل إلى الخارج، ومن الأطراف إلى المركز.
أقدم هذه الترجمة للقارئ بالعربية، وللباحثين، وللممارسين في مجال بناء السلام، وللأجيال السودانية الشابة التي تبحث عن جذورها وسط الخراب. وهي دعوة للتفكير في سؤال فلسفي وأكاديمي وجودي: كيف يمكن للشعوب التي دُمّرت دولها أن تظل قادرة على إنتاج السلم عبر علاقاتها الاجتماعية، وحيث تفشل المؤسسات، تظل الروابط الإنسانية والآليات الأهلية هي آخر حصن للمدنية. ختاماً، أتمنى أن تُسهم هذه الترجمة في إثراء النقاش الأكاديمي والعام حول السودان، وأن تُساعد في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة سلامٍ لم يكتمل، لعلها تكون أساساً لبناء سلام قادم، أكثر عدلاً، وأكثر شمولاً، وأقرب إلى روح الإنسان السوداني.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع سعودية من طراز -كاريال- ...
- -عدوى فرنسية-.. أحداث شغب ونهب بمدينة ميلانو الإيطالية تسفر ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 87 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو م ...
- روبيو يبرر تعليق العقوبات على روسيا: الديزل سيباع بطريقة أو ...
- روبيو: لا علاقة للبيت الأبيض بتقييد عمل -ستارلينك- في أوكران ...
- احتجاجات فرنسا: حريق يُدمر بلدية ليموج
- تنظيم الدولة يعلن قتل 21 عسكريا بهجوم على قاعدة للجيش في نيج ...
- بعد 65 عاما.. الشرطة الأمريكية تحل لغز جريمة قتل وهوية القات ...
- معرض باريس للسيارات يشعل المشهد العالمي بموجة من الطرازات ال ...
- عاجل | وزير الخارجية الأمريكي: طالبنا إسرائيل باتخاذ إجراءات ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد يعقوب أبكر - الجُودية والأجاويد: من -العُرف- إلى -الأبستمولوجيا