خيري بوزاني
الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 08:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عادة لا تنصب الفخاخ على خطوط النار أثناء الحروب وحدها، بل غالبا ما تضع الفخاخ على طاولة المفاوضات أيضا، وأحيانا من خلال مكالمة هاتفية فقط، كما جرى من خلال المكالمة الهاتفية بين رئيسا أمريكا وروسيا، فقد عقد ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتفاقًا لضخ كميات كبيرة من الديزل الروسي في الأسواق الأمريكية، ولا ندري إن كان ذلك لتخفيف الضغط على أسعار الديزل قبل انتخابات الكونغرس الأمريكي القريبة. أم أن بوتين استطاع استدراج واشنطن لتخفيف الضغط على موسكو؟ أم أن ترامب يريد بذلك ممارسة هذه اللعبة لكي يرغم أوكرانيا على أن تقبل في تسوية لا تحمدها هي. ولكن ما بدا حلا لأزمة داخلية في واشنطن، دفعت كييف ضريبته، لان شراء أمريكا للديزل الروسي، يعكس معنى أخر لأوكرانيا، لان هذه الصفقة من شأنها تخفيف العقوبات عن غريمها روسيا، من دون انتزاع تنازل سياسي واضح منها. ومن جهة أخرى، تتباعد واشنطن أكثر عن حلفائها الأوروبيين والأوكرانيين.
والمفارقة الكبرى هي أن أوكرانيا كانت تضرب المصافي الروسية يتمويل أمريكي – أوربي. ومن جهة أخرى، تفيد تقارير بأن مسؤولين أمريكيين قد حذّروا كييف من مواصلة استهداف البنية التحتية النفطية الروسية، مع إشارات إلى احتمال تعليق مشاركة المعلومات الاستخباراتية أو تعطيل آلية شراء الأسلحة، وكلما قامت أوكرانيا بضرب الاقتصاد الروسي – الديزل على وجه الخصوص – ازداد سخط ترامب من مخلفات تلك الضربات على سوق الوقود.
وقد يبدو أن هذه المواقف ماهي إلا رسالة سياسية واضحة مفادها: على كييف تعديل أسلوب حربها إذا أراد الحفاظ على الدعم الأمريكي.
زيلينسكي طبعًا انزعج من هذه الخطوة ووصف الاتفاق بأنه يوفر لموسكو أموالًا لمواصلة حربها ضد بلاده، وأن تقديم الهدايا لبوتين لن يجلب السلام ولن يعود بأي فائدة على العالم المتحضر.
بالطبع تصريحات زيلينسكي لم تعجب الرئيس ترامب ورد عليها برد أقوى، حيث قال: كان بإمكان زيلينسكي إنهاء هذه الحرب أكثر من مرة، ولكنه اختار عدم القيام بذلك. إنه يريد افتعال مشكلات للعالم، لأن روسيا تزود العالم بجزء كبير من احتياجاته منه. أخبرتهم افعلوا ما تشاؤون في روسيا، لكن لا تستهدفوا مصافي النفط الروسية، وأعتقد أن الوقت قد حان لأن يكون لأوكرانيا رئيس جديد. طبعًا روسيا أعجبها اقتراح ترامب بتغيير زيلينسكي ورحبت به. وبطبيعة الحال هذا التصريح يضع زيلينسكي أمام سؤال وجودي: هل يقبل تسوية قد تتضمن تنازلات، أم يواصل المقاومة رغم تراجع الدعم؟
من جانب أخر صرح وزير الخزانة الأمريكي الذي رد فيه على الانتقادات الأوروبية للصفقة. صفقة شراء الديزل التي أبرمتها واشنطن مع موسكو. قال الوزير "الأوروبيون منافقون"، وإن الأوروبيين قدموا للروس أموال لشراء الطاقة أكثر من الدعم الذي قدموه لأوكرانيا، وأنهم عاجزون عن فطام أنفسهم عن الطاقة الروسية. الآن أيضًا موسكو صبت الزيت على النار، وكشفت عن أنها باعت ما قيمته 321 مليار دولار من منتجات الطاقة للدول الأوروبية منذ العام 2022. في شهر أغسطس فقط، اشترت أوروبا ما قيمته 1.4 مليار دولار من منتجات الطاقة الروسية، و20 شحنة منتجات نفطية من مصافي تعالج الخام الروسي وصلت إلى الموانئ الأوروبية.
الآن، وفي المقابل، مسؤولو الاتحاد الأوروبي أقروا عقوبات جديدة على 1600 فرد وشركة روسية في أكبر دفعة إدراجات على قوائم العقوبات الأوروبية منذ بدء الحرب. هذه العقوبات رفعت إجمالي الأفراد والكيانات الروسية الخاضعين للعقوبات الأوروبية إلى أكثر من 4500، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
فالأوروبيون دفعوا لحد الآن أكثر من 228 مليار يورو مقابل نحو 115 مليار دولار منحتها واشنطن لأوكرانيا قبل أن تتوقف المساعدات الأمريكية. والمشكلة، أوكرانيا تطلب الآن المزيد من الأوروبيين بشكل عاجل، وتريد أكثر من 5 مليارات يورو فورًا لسد عجز الموازنة، وهو ما لم يستجب له الأوروبيون حتى الآن بسبب تعثر إصلاحات مقاومة الفساد.
عمومًا، ترامب وضع الأوروبيين في مأزق واختبار صعب، فبينما يخسر الأوروبيون تكسب روسيا إيرادات جديدة.
يبدو بوتين الرابح الأوضح في المرحلة الراهنة، فقد حصل على تخفيف عقوبات وقودية، وفتحٍ لأسواق جديدة، وضغطٍ على خصمه الأوكراني، دون أن يقدّم حتى الآن ضمانات واضحة بوقف الحرب أو الانسحاب.
على الأرجح، أن الثمن الأكبر يدفعه أوكرانيا، ومن بعدها اوربا.
مع كل هذا وذاك لنعد الى الفخاخ:
- فخ روسيا للغرب: المتمثلة باختراق تحالف الغرب وخسائر الحرب إلى مكاسب استراتيجية لروسيا؟
- أما زيلينسكي، فقد وقع في فخٍ صممته واشنطن وموسكو معًا، فوجد نفسه أمام معادلة قاسية للغاية إذا أوقف الضربات، خسر أداة ضغط مؤثرة على روسيا، وإذا واصلها، خاطر بتدهور علاقته بواشنطن.
- وهنالك من يقول: أن ترامب هو من دخل في فخ بوتين، حين قدّم له تنازلات مقابل وقودٍ قد لا يحل أزمة الطاقة ولا يوقف الحرب.
- أما اوربا فقد تواجه فخا أخر، فهي مطالبة بتعويض أي تراجع أمريكي في دعم كييف، بينما تعاني هي الأخرى أعباء الطاقة والإنفاق الدفاعي.
- ولا ننسى انه يوجد هنالك فخ أخر قد لا ينتبه إليه ترامب نفسه. فارتفاع أسعار الطاقة لا تفسره الضربات الأوكرانية وحدها، اضطرابات الإمدادات بفعل الحرب في الشرق الأوسط لها وزن كبير، بينما الكميات الروسية المعلنة لا تكفي لسد عجز السوق. فإذا بقيت الأسعار مرتفعة بعد تخفيف العقوبات، سيجد الرئيس الأمريكي نفسه قد دفع ثمنا سياسيا واستراتيجيا لبوتين من دون أن يحصد المكسب الانتخابي الذي سعى إليه.
- أما بوتين من جهته قد يعتقد انه كسب فرصة اقتصادية وشرخا سياسيا بين خصومه، وإن كانت كميات الديزل المطروحة أصغر من أن تعالج أزمة الأسعار العالمية بمفردها.
- وترامب قد يكسب عنوانا انتخابيا جذابا، لكنه يغامر بتحويل الضغوط على موسكو إلى ضغوط على كييف، من دون ضمان انتهاء الحرب.
- أما زيلينسكي فيدفع ثمن الصمود مرتين: مرة في الميدان، وأخرى على طاولة حلفائه.
وأخيرا، مع كل ما سردناه أنفا، ربما لا يكون السؤال الأهم من وقع في فخ من؟ قد يكون هنالك مشكلة أخرى تكمن في سؤال: من سيدفع ثمن الخروج من بين كل هذه الفخاخ؟ فعندما يصبح الوقود – الديزل - أسرع ديناميكية من مبادرات السلام، وعندما يطلب من المعتدى عليه أن يتنازل قبل المعتدي، من المحتمل ألا تعود الصفقة وسيلة مضمونة لإنهاء الحرب. قد يكون بوتين نصب فخا لترامب، وربما قام ترامب بنصب فخ لزيلينسكي، لكن الواقع يبين أن أوكرانيا وقعت اليوم بين أسنان الفخين، والأوضح من الشمس هو أن الجميع يبحث عن مكاسبهم الخاصة قبل أن يجدوا طريقا عادلا إلى السلام.
------------------------------------------------
• دكتوراه في العلاقات الدولية. تخصص الأمن الإقليمي والسياسات الخارجية.
#خيري_بوزاني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟