أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شربل نصار - نقد أدورنو لهايدغر: رطانة الأصالة















المزيد.....


نقد أدورنو لهايدغر: رطانة الأصالة


شربل نصار

الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 09:23
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدّمة
يُعَدّ كتاب تيودور ف. أدورنو رطانة الأصالة (Jargon der Eigentlichkeit)، الصادر سنة 1964، واحدًا من أشدّ المؤلّفات الفلسفية نقدًا لفكر مارتن هايدغر. ذلك أنّ أدورنو لا يقصر نظره فيه على مناقشة المضامين النظرية لفلسفة هايدغر، أو على مساءلة مفاهيمها الأنطولوجية، بل ينفذ إلى اللغة التي تتشكّل بها هذه الفلسفة، ويتقصّى وظائفها الأيديولوجية وآثارها الاجتماعية والسياسية في الوعي الألماني إبان مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومن ثمّ، فإنّ موضوع نقده لا ينحصر في جملة من الأطروحات الفلسفية، وإنّما يمتدّ إلى ضرب مخصوص من الخطاب، اكتسب سلطته من نبرته الجليلة، ومفرداته الموحية، وقدرته على إضفاء مسحة من العمق الوجودي على أقوال لا يتناسب ما توحي به من دلالة مع ما تتيحه من مضمون قابل للفحص والنقد. ويمكن إجمال أطروحته المحورية في القول إنّ رطانة الأصالة ليست مجرّد لغة تحمل أيديولوجيا، بل هي ضرب من الأيديولوجيا يتجسّد في اللغة ذاتها.
ما الذي يستهدفه أدورنو؟
ينبغي، ابتداءً، التمييز بين نقد أدورنو لهايدغر بوصفه فيلسوفًا، وبين نقده للخطاب الذي انبثق من فلسفته وتجاوز حدود الدرس الفلسفي المتخصّص إلى مجالات اللاهوت والتربية والإدارة والحياة الثقافية العامة في ألمانيا الغربية بعد الحرب. فأدورنو لا يقصد إلى تقديم قراءة تفسيرية مستوعبة لفلسفة هايدغر، ولا يتوخّى إقامة موازنة محايدة بين وجوه قوّتها ومواطن ضعفها؛ إنّما ينصرف، في المقام الأوّل، إلى الكشف عن بنيتها الأيديولوجية من خلال تحليل لغتها واستجلاء الوظائف التي تؤدّيها في الوعي الاجتماعي.
وفي هذا السياق، تتصدّر دائرة النقد مفاهيم هايدغرية من قبيل الأصالة (Eigentlichkeit)، والدازاين (Dasein)، والكَيْنونة (Sein)، والإلقاء أو الإلقاء في الوجود (Geworfenheit)، واللقاء (Begegnung)، والنداء (Ruf)، والعناية (Sorge)، والعزم أو الحزم (Entschlossenheit). وليس اعتراض أدورنو على هذه المفاهيم ناشئًا، بالضرورة، من مجرّد غرابة ألفاظها أو صعوبة دلالاتها، بل من الكيفية التي تُستعمل بها، ومن السلطة التي تستمدّها من الإيحاء بعمق لا يُستنفد في التفسير ولا يخضع للمساءلة. فكأنّ الكلمات، في هذا الخطاب، لا تعود مفاهيم يُطلب تحديد معناها واختبار صلاحيتها التفسيرية، بل تغدو أشبه بالتعاويذ التي تستمدّ فاعليتها من وقعها وهيبتها، فتمنح قائلها ومتلقيها شعورًا بالمشاركة في حقيقة عميقة، من غير أن تستلزم بالضرورة معرفة محدّدة أو فهمًا قابلًا للتبرير.
وعليه، فإنّ السؤال الذي يوجّهه أدورنو إلى الرطانة ليس: هل تبدو هذه اللغة عميقة؟ بل: ما الذي تفسّره بالفعل، وما الذي تستره، وأيّ وظيفة اجتماعية تؤدّيها وراء مظهرها الفلسفي؟
نقد الأصالة (Eigentlichkeit) — الفردية البرجوازية في لباس أنطولوجي
يرى أدورنو أنّ مفهوم الأصالة في فلسفة هايدغر لا يمكن التعامل معه بوصفه مفهومًا أنطولوجيًا منزّهًا عن المحدّدات الاجتماعية والتاريخية؛ إذ إنّه ينطوي، في قراءته النقدية، على إعادة صياغة فلسفية لنموذج الذات الفردية البرجوازية، بما تنسبه إلى نفسها من استقلال وقدرة على اختيار ذاتها وتعيين إمكاناتها الخاصة. فالدازاين، بحسب التصوّر الهايدغري، يستطيع أن ينتزع نفسه من استغراقه في «الهمّ» (das Man)، أي في نمط الوجود اليومي الذي يذوب فيه الفرد في المألوف والمشترك، لكي يستردّ إمكانه الأخصّ (eigenste Möglichkeit) ويغدو وجوده، بهذا المعنى، وجودًا أصيلًا.
غير أنّ موطن الإشكال، من منظور أدورنو، يكمن في ما ينطوي عليه هذا التصوّر من افتراض ذات قادرة على استرداد نفسها وتعيين إمكاناتها بمعزل نسبي عن الشروط الاجتماعية التي أسهمت في تكوينها. فالذات الإنسانية لا تنشأ في فراغ، ولا تتشكّل خارج التاريخ؛ إنّها تتكوّن داخل لغة موروثة، وعلاقات اجتماعية محدّدة، وبُنى طبقية واقتصادية تؤثّر في حاجاتها ورغباتها وتمثّلاتها عن نفسها وعن العالم. وحتى ما يظنّه الفرد تعبيرًا عن أخصّ إمكاناته وأشدّها أصالة قد يكون، في جانب منه، أثرًا لشروط اجتماعية لم يخترها، وإنّما وجد نفسه واقعًا فيها.
ومن ثمّ، فإنّ الحديث عن اختيار الذات (Selbstwahl) كما لو كان فعلًا فرديًا خالصًا، مستقلًّا عن المحدّدات الاجتماعية، ينطوي على نقل التناقضات الموضوعية إلى حيّز التجربة الباطنية، وتحويل المشكلات التي تتولّد من علاقات المجتمع إلى مهمّة روحية أو وجودية يُناط بالفرد وحده إنجازها. وهنا تتجلّى الوظيفة الأيديولوجية لمفهوم الأصالة: فهو يضع مركز الثقل في كيفية علاقة الفرد بوجوده الخاص، من غير أن يجعل الشروط الاجتماعية التي تحدّد إمكاناته الفعلية موضوعًا كافيًا للمساءلة.
فالفرد الذي تستنزف قواه ضرورات العمل والمعيشة، وتُقيّد إمكاناته علاقات الاستغلال والتفاوت، لا تتكافأ فرصه مع فرص غيره في ممارسة ما يُطلب منه من استرداد الذات وتحقيق إمكاناته الخاصة. وإذا أُغفل هذا التفاوت، أمكن أن يتحوّل تعذّر تحقيق الأصالة إلى إخفاق يُنسب إلى الفرد نفسه، بدلًا من أن يُفهم في ضوء الشروط الموضوعية التي تضيق بمجال حريته. وهكذا يغدو ما هو اجتماعي في منشئه مظهرًا من مظاهر القصور الوجودي الفردي، وتُحجب البنية التي تنتج هذا القصور وراء خطاب يَعِد الذات باستعادة نفسها.
نقد الكينونة (Sein) والدازاين (Dasein) — الأنطولوجيا بوصفها منفذًا إلى التهرّب من الواقع
يتّصل أحد أبرز اعتراضات أدورنو على هايدغر بالتمييز بين الأنطولوجي (ontologisch) والأونطي، أو المتعلّق بالكيانات والوقائع الموجودة (ontisch). فالأنطولوجي، في الاصطلاح الهايدغري، يتعلّق بالكَيْنونة وبالشروط التي تتيح فهم الموجود من حيث هو موجود، في حين يتعلّق الأونطي بالموجودات المعيّنة وخصائصها والوقائع المتحقّقة في العالم.
غير أنّ هذا التمييز، الذي يكتسب في المشروع الهايدغري أهمية منهجية أساسية، يصبح موضع شبهة في نظر أدورنو حين يُتّخذ ذريعة للانتقاص من شأن الوقائع الاجتماعية والتاريخية الملموسة، أو لإقصائها من دائرة الأسئلة الفلسفية الأساسية. إذ يمكن، في ظلّ هذا الترتيب، أن تُعامل مسائل الفقر والاستغلال والفاشية والسلطة بوصفها قضايا أونطية جزئية، في حين يُحتفظ للأنطولوجيا، باعتبارها بحثًا في الكينونة، بمقام أعلى يُزعم أنّه يتجاوز تلك الوقائع ولا يتوقّف عليها.
وتكمن المشكلة هنا في أنّ التمييز بين مستويين من البحث قد ينقلب إلى تراتبية معرفية تُجرّد الواقع التاريخي من مركزيته، وتتيح للفكر أن يتفادى مواجهة التناقضات الاجتماعية التي تتشكّل داخلها حياة البشر. فكلّما طُرحت مسألة تتعلّق بالاستغلال أو الهيمنة أو المسؤولية السياسية، أمكن ردّها إلى مستوى الوقائع الجزئية، ثمّ الاستعاضة عنها بخطاب عن الكينونة والقدر (Geschick) والحدث (Ereignis)، وكأنّ هذه المفاهيم تفتح أفقًا أعمق من الواقع التاريخي، لا أنّها قد تحجب بعض شروطه وآلياته.
ولا ينتهي نقد أدورنو عند حدّ الاعتراض على هذا التهرّب من الواقع؛ إذ إنّه يشكّك أيضًا في دعوى حياد مفهوم الكينونة ذاته. فالكينونة، حين تُقدَّم بوصفها أفقًا متعاليًا على التاريخ، قد تُمنح منزلة تجعل ما هو قائم يبدو وكأنّه يستمدّ مشروعيته من ضرورة تتجاوز إرادة البشر وقدرتهم على التغيير. وبهذا، يمكن أن يتحوّل التاريخ من حصيلة علاقات اجتماعية متغيّرة ومتناقضة إلى ضرب من القدر الذي ينبغي الإصغاء إلى ندائه أو التسليم بمقتضياته.
وعلى هذا النحو، لا تعود الأنطولوجيا مجرّد بحث في معنى الكينونة، بل تغدو، في قراءته النقدية، لغةً يمكن أن تُسبغ على الواقع القائم شرعية ميتافيزيقية، وأن تحجب طابعه التاريخي، بما ينطوي عليه من علاقات قوة قابلة للمساءلة والتبديل. وليس المقصود أنّ كلّ تفكير أنطولوجي يفضي بالضرورة إلى هذه النتيجة، بل إنّ دعوى تجاوز التاريخ قد تصبح، في استعمال مخصوص، وسيلةً لتعطيل النقد الذي يقتضيه فهمه.
نقد العناية (Sorge) والموت (Tod) — تحويل المعاناة الاجتماعية إلى شأن فردي
يشغل مفهوما العناية (Sorge) والوجود-نحو-الموت (Sein-zum-Tode) موقعًا محوريًا في تحليل هايدغر للوجود الإنساني. فالإنسان، وفق هذا التحليل، كائن ينكشف له وجوده من خلال إمكاناته ومشروعاته، ويواجه حدّه الأقصى في الموت؛ ومن شأن استحضار الموت مواجهةً أصيلة أن ينتشله من استغراقه في الوجود اليومي المألوف، وأن يتيح له استرداد مسؤوليته عن إمكانه الخاص.
ولا يقتضي نقد أدورنو إنكار حقيقة القلق أو المعاناة، ولا التقليل من وطأة الموت في التجربة الإنسانية؛ إنّما ينصرف إلى الاعتراض على تحويل هذه الخبرات إلى مقولات وجودية عامة تُعرض كما لو كانت مستقلة عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي تتشكّل فيها صورها المعيّنة. فالقلق، وإن أمكن أن يُدرس من جهة بنيته الوجودية، يتّخذ في الحياة الفعلية أشكالًا تتأثّر بالاغتراب في العمل، والعزلة في المجتمع الحديث، وانعدام الأمان، والتفاوت الاجتماعي، ونمط التنظيم الاقتصادي الذي قد يختزل الإنسان إلى وظيفة إنتاجية.
وحين يُدرج القلق ضمن بنية وجودية (existenzial)، من غير أن يُستكمل هذا التحليل بمساءلة شروطه الاجتماعية، يُعرَّض السؤال عن أسبابه التاريخية للتراجع، ويغدو ما كان يستدعي تفسيرًا اجتماعيًا مشكلةً يتعيّن على الفرد أن يواجهها في علاقته بوجوده الخاص. وهكذا يمكن أن تُحجب الشروط التي تنتج المعاناة خلف وصفها بوصفها مكوّنًا من مكوّنات الوجود الإنساني.
ويظهر هذا التحوّل بوضوح في معالجة الموت. فبدلًا من أن يفضي التفكير في الموت إلى مساءلة الشروط التي تجعل بعض أشكال الموت المبكر أو المعاناة أو الهلاك نتيجةً لعلاقات اجتماعية قابلة للتغيير، قد ينصرف الاهتمام إلى كيفية استيلاء الفرد على وجوده في مواجهة فنائه، وإلى ما تتيحه هذه المواجهة من إمكان للأصالة. وبذلك تُنقل المسألة من مستوى الشروط التي تتوزّع في ظلّها المعاناة والمخاطر على نحو غير متكافئ إلى مستوى العلاقة الفردية بالموت.
ويترتّب على هذا النقل، في المنظور الأدورني، احتمالُ تحويل المعاناة الجماعية إلى تأمّل فردي، وإحلال القرار الوجودي (Entschlossenheit) محلّ مساءلة الشروط الاجتماعية التي تحدّد مجال الفعل ونتائجه. فليس الاعتراض على قيمة المواجهة الفردية للموت في ذاتها، بل على أن تصبح هذه المواجهة بديلًا من التفكير في التاريخ الاجتماعي للمعاناة، أو أن تحجب ما في هذه المعاناة من أسباب لا يمكن ردّها إلى علاقة الفرد بوجوده وحده.
الرطانة بوصفها أيديولوجيا — الأيديولوجيا في اللغة ومن خلالها
هنا يبلغ نقد أدورنو موضعه الأشدّ تميّزًا؛ إذ لا يتعامل مع الأيديولوجيا على أنّها، في المقام الأوّل، مجموعة من الأفكار الزائفة أو الأحكام الخاطئة التي يمكن كشف تناقضها بمقارنتها بالواقع. فرطانة الأصالة لا تستمدّ فاعليتها من ادّعاءات صريحة يسهل عزلها وإبطالها، بقدر ما تستمدّها من النبرة التي تُلقى بها الكلمات، ومن الهالة (Aura) التي تحيط بها، ومن الإيقاع الخطابي الذي يمنحها مهابةً توحي بأنّها تعبّر عن حقيقة عميقة يتعذّر اختزالها في شرح مباشر.
فألفاظ من قبيل «الأصالة» (Eigentlichkeit) و«النداء» (Ruf) و«الكينونة» (Sein) قد تُستعمل على نحو يستمدّ سلطته من جلال اللفظ أكثر ممّا يستمدّها من وضوح الدلالة أو قوة البرهان. إنّها تُلقى في سياق يستدعي التوقير، وتوحي بأنّ وراءها حقيقة لا ينفذ إليها إلا من تهيّأ لفهمها، فينشأ لدى المتلقي شعور بأنّه يلامس عمقًا استثنائيًا، حتى قبل أن يتبيّن ما الذي تقوله العبارة على وجه التحديد.
وتكمن الفاعلية الأيديولوجية لهذه اللغة في أنّها قد تُعفي نفسها من مقتضيات التفسير والمناقشة. فالمتلقي، وقد استولى عليه وقع الخطاب، لا يعود بالضرورة يسأل عن المعنى المحدّد للمفهوم، أو عن الشروط التي تجعل استعماله مبرّرًا، أو عن النتائج التي تترتّب عليه. بل قد يبدو السؤال نفسه ضربًا من سوء الفهم، أو علامةً على العجز عن إدراك العمق الذي يُفترض أنّ العبارة تنطوي عليه.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين أيديولوجيا تُعبّر عنها اللغة، وأيديولوجيا تتجسّد في اللغة ذاتها. ففي الصورة الأولى، تكون اللغة وعاءً لمضمون أيديولوجي يمكن استخراجه وفحصه؛ أمّا في الصورة الثانية، فإنّ الوظيفة الأيديولوجية تتجلّى في طريقة القول نفسها، وفي النبرة التي تكسو العبارة بهالة من العمق، وفي الأثر الذي تحدثه في المتلقي قبل أن يخضع مضمونها للفحص النقدي. ليست المسألة، إذن، أنّ اللغة تنقل أفكارًا أيديولوجية فحسب، بل أنّها قد تؤدّي، من خلال بنيتها البلاغية وأسلوب استعمال مفرداتها، وظيفةً أيديولوجية مباشرة.
وبهذا المعنى، لا تكمن خطورة الرطانة في أنّها تقدّم بالضرورة مضمونًا كاذبًا يمكن دحضه، بل في أنّها تُضعف الحاجة إلى السؤال عن صدق المضمون ومعناه. فهي تنشئ علاقةً بالخطاب يصبح فيها الإحساس بالعمق بديلًا من الفهم، والوقار اللفظي بديلًا من الحجة، والانتماء إلى لغة مخصوصة بديلًا من ممارسة التفكير النقدي.
وعندئذٍ لا يتعطّل التفكير بفعل منع خارجي صريح، بل بفعل لغة تجعل التوقّف عن السؤال أمرًا مريحًا، وتضفي على المساءلة طابعًا من الابتذال أو السطحية. ومن ثمّ، فإنّ الرطانة لا تكتفي بتوجيه الفكر إلى نتائج بعينها؛ إنّها قد تؤثّر في الشروط التي يُمارَس التفكير ضمنها، وفي ما يُعَدّ سؤالًا مشروعًا، وما يُعَدّ فهمًا، وما يُنظر إليه بوصفه علامةً على العمق أو القصور.
هايدغر والسياسة — الفلسفة وعلاقتها بالنازية
لا يفصل أدورنو بين نقد اللغة الفلسفية ومساءلة آثارها السياسية. فمن هذا المنظور، لا يُقرأ انضمام هايدغر إلى الحزب النازي سنة 1933، وخطابه في أثناء تولّيه رئاسة جامعة فرايبورغ، وما أثارته مواقفه اللاحقة من إشكالات بشأن مراجعة تجربته السياسية، بوصفها وقائع منفصلة تمامًا عن بنيته الفكرية. إنّها، في نظر أدورنو، تتيح إعادة النظر في مدى قدرة فلسفته على مقاومة أنماط الخضوع والهيمنة التي قد تتجلّى في المجال السياسي.
وتنبع المفارقة من أنّ فلسفة تجعل من استرداد الفرد لإمكانه الخاص ومواجهة استغراقه في «الهم» (das Man) شأنًا وجوديًا أساسيًا، لم تمنع صاحبها من الانخراط في حركة سياسية جماهيرية ذات طابع شمولي. فكيف أمكن لهذا الفكر أن يجتمع مع الخضوع لمشروع سياسي يقوم على التعبئة الجماعية والسلطة والاستناد إلى تصوّر مخصوص للشعب والتاريخ والمصير؟
لا تتمثّل إجابة أدورنو في إثبات أنّ فلسفة هايدغر تستلزم النازية استلزامًا منطقيًا مباشرًا، بل في التنبيه إلى أنّها لا تمتلك، في نظره، مناعةً كافية ضدّ بعض الأشكال السلطوية التي يمكن أن تتّخذها لغة الأصالة والقدر. فمفردات من قبيل القدر (Geschick)، والشعب (Volk)، والتجذّر (Bodenständigkeit)، والبطولة، فضلًا عن الارتياب في الكلام اليومي و«الثرثرة» (Gerede)، يمكن أن تدخل في خطاب يقدّم الخضوع لمشروع جماعي بوصفه استجابةً لنداء أعمق من الإرادة الفردية، أو مشاركةً في مصير يتجاوز الاختيار الشخصي.
ويكتسب هذا الاحتمال أهميته من أنّ اللغة التي تَعِد الفرد بتجاوز السطحية اليومية واسترداد وجوده الأصيل قد تُستخدم، في سياق سياسي مخصوص، لتسويغ التنازل عن استقلال الحكم الفردي باسم الشعب أو التاريخ أو المصير. وما يُقدَّم بوصفه تحرّرًا من الامتثال المألوف قد ينقلب، تبعًا لذلك، إلى امتثال لنظام أشدّ شمولًا، يستمدّ سلطته من ادّعاء التعبير عن حقيقة أصيلة أو ضرورة تاريخية.
ومن ثمّ، فإنّ نقد أدورنو لا يختزل فلسفة هايدغر في النازية، ولا يجعل العلاقة بينهما علاقة ضرورة منطقية لا فكاك منها؛ إنّما يثير سؤالًا يتعلّق بالبنية المفهومية واللغوية التي قد تجعل خطابًا فلسفيًا بعينه قابلًا للتوظيف السلطوي. وحين تتحوّل هذه اللغة إلى رطانة تتداولها الثقافة، فإنّها قد تسهم في تكوين وعي يستجيب للخطابات التي تتذرّع بالعمق والأصالة والقدر، من غير أن يُخضع دعاواها للمساءلة النقدية.
مفارقة اللغة النقدية — هل يقع أدورنو في الرطانة التي ينتقدها؟
لا يخلو نقد أدورنو للرطانة من مفارقة تستحقّ الوقوف عندها؛ ذلك أنّ أسلوبه الفلسفي نفسه معروف بكثافته وتعقيده، وبما يشتمل عليه من تراكيب ومفاهيم لا تُتاح دلالاتها دائمًا للقارئ من القراءة الأولى. ومن هنا وُجّه إليه اعتراض مؤدّاه أنّه ينتقد لغةً توحي بالعمق من خلال أسلوب قد يبدو هو الآخر عسيرًا ومعتمًا: فبأيّ معيار يمكن التمييز بين صعوبة تقتضيها ضرورة التفكير الفلسفي، وغموض يُستخدم لإضفاء هالة من العمق على القول؟
يمكن فهم دفاع أدورنو عن أسلوبه من خلال التمييز بين صعوبة تنشأ من طبيعة الموضوع وتعقّد تناقضاته، وصعوبة تُستعمل لتوليد انطباع بالعمق من غير أن تقابله ضرورة تفسيرية أو تحليلية. فالرطانة، وفق هذا التمييز، لا تُدان لمجرّد أنّها تستعمل لغة غير مألوفة أو مفاهيم دقيقة، بل لأنّها توظّف هذه اللغة في إحداث أثر من الهيبة الفكرية يعفيها من مقتضيات البيان والتبرير. أمّا الكتابة النقدية، فليس مطلوبًا منها أن تجعل موضوعها سهلًا على نحو مصطنع، بل أن تُبقي مفاهيمها، مهما بلغت درجة تعقيدها، مفتوحةً على التفسير والمناقشة والاعتراض.
ومن هذا الوجه، يمكن النظر إلى تعقيد أسلوب أدورنو بوصفه محاولةً لمقاومة التبسيط الذي يختزل التناقضات الاجتماعية والفكرية في صيغ مألوفة ومطمئنة. غير أنّ هذا الدفاع لا يحسم المسألة حسمًا نهائيًا؛ إذ يظلّ من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت الكتابة النقدية تنجح دائمًا في تجنّب إعادة إنتاج بعض الآثار التي تكشفها في غيرها. فوعي الكاتب بالمفارقة لا يضمن، في ذاته، الخلاص منها، كما أنّ إعلان مقاومة الأيديولوجيا لا يكفي لإثبات أنّ اللغة المستعملة في هذه المقاومة بمنأى عن آثارها.
وعليه، لا تكمن أهمية هذا الاعتراض في إبطال نقد أدورنو، بل في توسيع نطاقه ليشمل النقد ذاته: إذ ينبغي ألا تُعفى اللغة النقدية من الفحص لمجرّد أنّها تتبنّى غايةً تحرّرية، كما لا ينبغي أن يُدان تعقيدها لمجرّد أنّه تعقيد. إنّ المعيار الحاسم هو ما إذا كانت هذه اللغة تتيح فهمًا أدقّ لموضوعها، وتكشف تناقضاته، وتظلّ قابلةً للمساءلة، أم أنّها تستبدل بالحجة سلطة النبرة وبالتفسير هالةً من الهيبة.
خلاصة نقد أدورنو — ما الذي يبقى من مساءلته لهايدغر؟
يمكن ردّ المحاور الأساسية لنقد أدورنو إلى خمس قضايا مترابطة:
الأصالة (Eigentlichkeit) والتكوين الاجتماعي للذات: لا يُفهم مفهوم الأصالة بوصفه تعبيرًا عن حرية فردية خالصة، من غير مساءلة الشروط الاجتماعية والتاريخية التي تحدّد إمكانات الفرد الفعلية، وإلا غدت التناقضات الاجتماعية إخفاقات وجودية تُلقى مسؤوليتها على الذات.
الكينونة (Sein) والدازاين (Dasein) ومشكلة الواقع الملموس: قد يتحوّل التمييز بين الأنطولوجي والأونطي إلى وسيلة لإرجاء الأسئلة الاجتماعية والسياسية أو الانتقاص من شأنها، إذا استُخدم لتقديم التأمل في الكينونة على حساب تحليل العلاقات التاريخية المعيّنة.
العناية (Sorge) والموت (Tod) وتفريد المعاناة: إنّ تحويل القلق والموت إلى موضوعين للتأمل الوجودي لا يكفي لفهمهما ما لم تُفحص الشروط الاجتماعية التي تؤثّر في أشكال المعاناة وتوزّعها؛ وإلا أمكن أن تحلّ المواجهة الفردية محلّ مساءلة أسبابها الموضوعية.
الرطانة والأيديولوجيا اللغوية: لا تتجلّى الوظيفة الأيديولوجية في مضمون الأقوال وحده، بل قد تتجسّد في النبرة والهالة والإيقاع، وفي الطريقة التي يُنتَج بها الإحساس بالعمق، بحيث يغدو هذا الإحساس بديلًا من الفهم والبرهان.
الفلسفة والسلطوية السياسية: لا يثبت انخراط هايدغر في النازية أنّ فلسفته تستلزمها بالضرورة، لكنّه يثير سؤالًا حاسمًا عن مدى قابليّة بعض مفاهيمها ولغتها للتوظيف في خطابات تمجّد القدر والشعب والتجذّر، وتسوّغ الخضوع باسم الأصالة.
ومن وراء هذه القضايا جميعًا يبرز سؤال أدورنو الأعمق: ما الوظيفة التي تؤدّيها اللغة الفلسفية داخل المجتمع؟ أهي أداة للكشف عن الواقع وتفسير تناقضاته، أم أنّها قد تتحوّل إلى وسيلة لتخفيف وطأة الوعي بالتناقضات، من خلال منح الإنسان شعورًا بالعمق والحرية لا يوازيه تحوّل فعلي في شروط وجوده؟ ثمّ هل تستطيع الفلسفة أن تضطلع بوظيفة نقدية حقيقية إذا كانت لغتها نفسها تُحصّن مفاهيمها من السؤال، أو تستمدّ سلطتها من الهيبة التي تحيط بها بدلًا من الحجج التي تسندها؟
خاتمة
ليس نقد أدورنو لهايدغر مجرّد هجوم شخصي، ولا رفضًا شاملًا لكلّ ما تتضمّنه فلسفة هايدغر من أسئلة ومفاهيم؛ إنّه، في جوهره، محاولة للكشف عن الكيفية التي يمكن بها للغة الفلسفية أن تتحوّل من أداة للفهم إلى وسيلة لإعادة إنتاج الأيديولوجيا، وأن تغدو، تحت ستار العمق الأنطولوجي، حجابًا يحول دون إدراك الشروط الاجتماعية والتاريخية التي يتشكّل فيها الوجود الإنساني.
فالرطانة، في هذا المنظور، ليست عيبًا أسلوبيًا محضًا، ولا مجرّد إفراط في استعمال المفردات المجردة؛ إنّها ظاهرة تتجاوز حدود التعبير إلى صميم العلاقة بين اللغة والوعي والمجتمع. إنّها لغة قد توهم الفرد بأنّه يستردّ حريته، في حين تترك الشروط التي تحدّ من حريته من غير مساءلة؛ وقد تمنحه شعورًا بملامسة حقيقة عميقة، في حين تعفيه من الجهد الضروري لفهم العالم وتناقضاته.
ولا تعود خطورة الرطانة، تبعًا لذلك، إلى ما تقوله فحسب، بل إلى ما تفعله: إلى قدرتها على إضفاء المشروعية على القائم، وتحويل ما هو تاريخي إلى ما يشبه القدر، وإحلال الشعور بالعمق محلّ المعرفة، والامتثال للخطاب محلّ التفكير المستقل.
ومن هنا تظلّ مساءلة أدورنو ذات راهنية فلسفية تتجاوز سجاله مع هايدغر؛ إذ تذكّر بأنّ النقد لا يقتصر على فحص الأفكار والمقولات، بل يقتضي أيضًا مساءلة اللغة التي تُصاغ بها، والسلطة التي تستمدّها من طرائق تداولها، والآثار التي تُحدثها في وعي المتلقين. فليس كافيًا أن تتّخذ الفلسفة من النقد موضوعًا لها؛ بل ينبغي أن تخضع لغتها نفسها للنقد، وألا تتحوّل مفاهيمها إلى تعاويذ تحجب الواقع الذي يُفترض أنّها تكشفه. ذلك أنّ اللغة الفلسفية لا تكون نقدية بمجرّد ما تدّعيه من عمق، وإنّما بمقدار ما تتيح من إمكان للفهم والاعتراض، وما تكشفه من تناقضات، وما تقاومه من نزوع إلى تحويل الأفكار إلى سلطات فوق المساءلة.



#شربل_نصار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نقد أدورنو لهايدغر: رطانة الأصالة


المزيد.....




- القوات الفرنسية تستولي على سفينة -أسطول ظل- روسية متورطة بـ- ...
- -لم يعجبني ما قرأته-.. ترامب يعلق على جدل السفيرة الأمريكية ...
- تحليل.. كيف نجح الحوثيون في استهداف منشآت السعودية الحيوية ر ...
- -وول ستريت جورنال-: الضربات الأمريكية على قوارب المهربين لم ...
- مراقبون غير مسلحين وقوارب صغيرة.. تكتيك إيراني جديد في مضيق ...
- ضربة قضائية جديدة لترامب: لا حظر على الصحفيين في البيت الأبي ...
- موسكو ومواصلاتها لا تكفّ عن التطور.. شهر على محطة -المنجل وا ...
- جامايكا تستقبل أول رحلة مهاجرين جرى ترحيلهم من الولايات المت ...
- أسباب ازدياد السكتات الدماغية عند الشباب
- عالم يحذّر من انتشار حمى غرب النيل في أوروبا


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شربل نصار - نقد أدورنو لهايدغر: رطانة الأصالة