مصطفى الموسوي
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 10:19
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
جمهورية التصريحات العظمى
حين تتحوّل الدولة إلى مسرحٍ للكوميديا السوداء
في العراق لا تحتاج إلى شراء تذكرةٍ لدخول مسرح العبث ، يكفي أن تفتح نشرة الأخبار وتُحضِر استكاناً من الشاي وتراقب كيف تتحوّل المآسي الوطنية إلى مؤتمرات صحفية والأزمات الاقتصادية إلى خطبٍ عصماء وحقوق المواطنين إلى وعودٍ مؤجّلة حتى إشعارٍ آخر
هنا حيث يُفترض أن تكون الدولة مؤسّسةً لخدمة الناس ، يبدوا أحياناً أن الناس هم الذين وُجدوا لخدمة الدولة وأن المواطن ليس سوى موظفٍ مجانيّ لدى منظومةٍ تتقن مطالبته بالصبر أكثر مما تتقن تقديم أسباب الحياة الكريمة له
أمّا المسؤول العراقي فشخصيةٌ تستحقّ الدراسة في كبرى معاهد الكوميديا السياسية
يستطيع أن يقف أمام الكاميرات بوجهٍ شديد الجدية ليشرح لك لماذا لم تُحلّ المشكلة التي وعدك بحلّها قبل عام ولماذا ستحتاج إلى عامٍ آخر لحلّها ولماذا يُعَدُّ عدم حلّها في حقيقة الأمر دليلاً على حجم الجهود الاستثنائية المبذولة لحلّها
يا لها من عبقرية إدارية !
إنّها المدرسة العراقية في إدارة الأزمات
اصنع المشكلة وشكّل لجنةً لدراستها وأنشئ لجنةً لمراقبة اللجنة ثمّ اعقد مؤتمراً صحفياً تعلن فيه نجاح التجربة الديمقراطية في إنتاج لجانٍ أكثر من الحلول
دولارٌ يرتفع ومواطنٌ ينخفض
وحكومةٌ تشرح قوانين الفيزياء
ولأنّ الكوميديا العراقية لا تكتمل من دون ضربةٍ اقتصاديةٍ على الرأس
جاءنا خبر تعديل سعر الصرف في السابع من تشرين الأول 2026 مع رفع السعر الرسمي للدولار من نحو 1300 إلى 1500 دينار في ظلّ اضطراب صادرات النفط والضغوط الإقليمية
هكذا يبدوا أنّ الدولار يمتلك حقّ التطوّر والترقّي بينما يُطلب من المواطن أن يبقى ثابتاً في مكانه حتى لو كان راتبه يذوب أمام عينيه كما تذوب قطعة ثلجٍ في صيف بغداد
الدولار يصعد ، الأسعار تتأهّب للصعود ، التاجر يعيد حساباته ، والموظف يفتح محفظته ليتأكّد من أنّها لم تتحوّل إلى قطعة أثرية من العصر العباسي
أمّا المواطن المسكين فقد أصبح خبيراً اقتصادياً من دون أن يدخل كلية الاقتصاد
يعرف سعر الدولار وسعر الزيت وسعر الطماطم ويستطيع أن يشرح لك تأثير الأزمات الدولية على سعر صحن البيض
لكنه يعجز عن الإجابة عن سؤالٍ بسيط
كيف يعيش براتبه حتى نهاية الشهر ؟
والحكومة ؟
لا تقلقوا ، الحكومة تتابع الموقف عن كثب
وهذه العبارة تستحقّ أن تُكتب بماء الذهب على بوابة كلّ مؤسسةٍ حكومية
فالمسؤول يتابع واللجنة تدرس والوزارة تراجع والناطق الرسمي يوضّح بينما المواطن يدفع الفاتورة كاملةً مع أجور الخدمة والضريبة والانتظار
يا لها من دولةٍ متقدّمة في فنّ المشاهدة
كأنّ إدارة البلاد أصبحت مسابقةً في مراقبة الأزمات
لا في منعها أو تخفيف آثارها
وزارةٌ ناقصة ، ووعودٌ كاملة
ومن أعجب فصول المسرحية السياسية أن تستمرّ الخلافات على استكمال التشكيلة الوزارية فيما تبقى ملفاتٌ أساسية مثل الموازنة وحصر السلاح بيد الدولة موضع نقاش بين القوى السياسية
وقد أشارت تقارير حديثة إلى استمرار المفاوضات بشأن الحقائب الوزارية المتبقية
تخيّلوا هذا المشهد :-
مواطنٌ ينتظر أن تتحسّن حياته ومسؤولٌ ينتظر أن يحصل حزبه على حقيبة وحزبٌ ينتظر أن يحصل على حصّة وكتلةٌ تنتظر أن يوافق الطرف الآخر والطرف الآخر ينتظر أن يتنازل الطرف الأول
والدولة في منتصف هذا الانتظار الجماعي تجلس كضيف شرفٍ في حفلٍ لا تعرف متى ينتهي
أمّا المواطن فهو الكومبارس الوحيد الذي يدفع ثمن الإنتاج
لقد تحوّل السؤال السياسي من
( ما البرنامج الذي ستنفّذونه لخدمة الناس )
إلى ( كم حقيبةً ستنالون ومن سيحصل على المنصب الفلاني وكيف نضمن ألّا يخرج أحدٌ من حفلة المحاصصة جائعاً )
ولأنّ المسرحية عراقية لا بدّ أن يكون لكلّ مشهدٍ عنوانٌ وطنيّ رنّان ولكلّ صفقةٍ تبريرٌ دستوريّ أنيق ولكلّ إخفاقٍ عدوّ خارجيّ جاهزٌ لتحمّل المسؤولية
فإذا تعطّلت الخدمة فالأزمة معقّدة وإذا ارتفعت الأسعار فالظروف استثنائية وإذا تأخّرت الإصلاحات فهناك تحدّيات وإذا سأل المواطن عن النتائج قيل له إنّ الإنجازات تحتاج إلى وقت
كم يحتاج الإصلاح من الوقت يا سادة ؟
وهل توجد ساعةٌ خاصة في العراق تسير فيها الوعود بسرعة الضوء بينما تتحرّك النتائج بسرعة سلحفاةٍ مصابةٍ بالشيخوخة ؟
ديمقراطيةٌ تتقن الكلام وتخشى الامتحان
إنّ الديمقراطية ليست صندوق اقتراعٍ يُفتح في موسم الانتخابات ثمّ يُغلق معه باب المحاسبة
وليست تفويضاً مفتوحاً لتحويل المناصب العامة إلى غنائم حزبية ولا شيكاً على بياض يُمنح لمن يرفع أكثر الشعارات وطنيةً
الديمقراطية الحقيقية هي أن يستطيع المواطن محاسبة المسؤول وأن تكون الوظيفة العامة تكليفاً لا امتيازاً وأن تخضع الأموال العامة للرقابة وأن تكون مؤسسات الدولة أقوى من مصالح الأحزاب والأشخاص
أمّا أن يتحوّل كلّ خلافٍ سياسيّ إلى بازارٍ للمساومات وكلّ استحقاقٍ انتخابيّ إلى معركةٍ لتوزيع النفوذ وكلّ أزمةٍ إلى فرصةٍ لتبادل الاتهامات فهذه ليست ديمقراطيةً مكتملة الأركان إنّها ديمقراطيةٌ تحتاج إلى دورةٍ مكثّفة في معنى المسؤولية العامة
والسخرية هنا ليست من الشعب الذي يحاول النجاة كلّ يوم بل من منظومةٍ سياسيةٍ يُفترض أن تقدّم له حلولاً قابلةً للقياس لا خطباً تصلح لتزيين جدران قاعات المؤتمرات
فليس من العدل أن يُطالَب المواطن بالصبر الأبدي بينما يُعامَل المنصب السياسي كأنّه حقّ تاريخيّ لا يجوز المساس به وليس من المنطقي أن يُطلب من الفقير أن يضحّي أكثر فيما يبقى السؤال عن كفاءة الإدارة والإنفاق ومكافحة الفساد سؤالاً مزعجاً في نظر بعض أصحاب الكراسي
العراق ليس شركةً خاصةً ولا غنيمةً انتخابية
يا أصحاب المعالي والسعادة والسيادة
يا من تتسابقون على الألقاب حتى تكاد بطاقة التعريف تحتاج إلى صفحةٍ كاملة
تذكّروا أنّ الوطن ليس ملكيةً شخصيةً لأحد وأنّ خزينة الدولة ليست حصّالةً حزبية وأنّ المواطن ليس رقماً انتخابياً يُستخرج من الأدراج عند الحاجة ثمّ يُعاد إليها بعد انتهاء الموسم
العراق ليس فقيراً في موارده إلى الحدّ الذي يجعل كلّ أزمةٍ قدراً محتوماً وليس فقيراً في عقول أبنائه إلى الحدّ الذي يضطرّه إلى التسليم بأنّ سوء الإدارة أمرٌ طبيعيّ لا علاج له
إنّما المأساة حين تصبح الثروة بلا عدالة والسلطة بلا مساءلة والوعود بلا جداول زمنية والخطاب الوطنيّ غطاءً لمصالح ضيّقة
فما قيمة الحديث عن السيادة إذا ظلّ القرار الوطنيّ محاصراً بحسابات النفوذ والصراع ؟
وما قيمة الحديث عن الإصلاح إذا بقيت المحاسبة انتقائية ؟
وما قيمة الاحتفال بالوطن إذا كان المواطن يشعر أنّ أبسط حقوقه تحتاج إلى واسطةٍ وتوسّلٍ ومراجعاتٍ لا تنتهي ؟
إنّ الوطنية ليست صورةً معلّقةً خلف مكتب المسؤول ولا نشيداً يُردَّد في المناسبات ولا بياناً طويلاً ينتهي بعبارة ( حرصاً على المصلحة العامة )
الوطنية أن تجعل حياة الناس أفضل وأن تحمي أموالهم وأن تصون كرامتهم وأن تعترف بالفشل حين يقع وأن تُحاسب المقصّر بدلاً من البحث عن مخرجٍ لغويّ يجمّل الإخفاق
الخاتمة ...
أضحكوا ، فالمشهد لم ينتهِ بعد !
في العراق صار المواطن يخشى من الأخبار الاقتصادية ويشكّ في التصريحات السياسية ويستقبل الوعود الجديدة كما يستقبل نكتةً سمعها مئة مرة
يبتسم مجاملةً لا اقتناعاً
وإذا سألته عن سبب ضحكه ، أجابك بأنّ البكاء صار مكلفاً أيضاً !
هذه هي الكوميديا السوداء حين تبلغ ذروتها
أن يصبح الضحك وسيلةً للدفاع عن النفس أمام واقعٍ يثقل الروح وأن تتحوّل السخرية إلى لغةٍ شعبيةٍ لمحاسبة من يظنّون أنّ المناصب تمنحهم حصانةً من النقد
لكنّ السخرية وحدها لا تبني دولة كما أنّ الغضب وحده لا يصنع إصلاحاً
المطلوب مؤسساتٌ قوية ومحاسبةٌ عادلة وإدارةٌ كفوءة وسياساتٌ اقتصاديةٌ تحمي محدودي الدخل وقرارٌ وطنيّ يضع مصلحة العراقيين فوق مصالح المتنفّذين
أيّها السادة في قصور السلطة
لا نريد منكم معجزةً بل نريد دولةً تعمل
لا نريد خطبةً جديدةً عن الصبر بل أسباباً حقيقيةً تجعله ممكناً
ولا نريد أن نسمع كلّ يومٍ أنّ المرحلة صعبة نريد أن نعرف لماذا تبدوا حياة المواطن أصعب من حياة الذين يديرونها
فالعراق لا تنقصه الخطب ولا الشعارات ولا صور المسؤولين ولا لجان دراسة الأزمات
ما ينقصه ببساطةٍ موجعة ، أن تصبح السلطة مسؤولةً أمام الشعب لا أن يصبح الشعب مسؤولاً عن تحمّل نتائج السلطة
وإلى أن يحدث ذلك
ستظلّ جمهورية التصريحات العظمى مفتوحةً على مدار الساعة وسيظلّ مسرح العبث يعرض مسرحيته المفضّلة
مسؤولٌ يَعِد ومواطنٌ ينتظر ودولارٌ يصعد وحقيقةٌ تتوارى خلف الستار
والتصفيق في نهاية العرض ليس دليلاً على إعجاب الجمهور ، فقد يكون التصفيق الوحيد المتاح لشعبٍ لم يعد يملك ثمن تذكرة الخروج
#مصطفى_الموسوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟