|
|
إسبانيا و العراق : من إدارة التنوع إلى بناء الدولة المتعددة
سجاد طعمه حمود
الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 10:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس التنوع الاجتماعي و العرقي و الديني و اللغوي مشكلة في حد ذاته ؛ المشكلة تبدأ عندما تعجز الدولة عن تحويل هذا التنوع من حقيقة اجتماعية إلى قاعدة سياسية و قانونية و ثقافية للتعايش . فالمجتمعات لا تصبح مستقرة لأنها متجانسة ، بل لأنها تمتلك مؤسسات قادرة على إدارة اختلافاتها من دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع على الدولة ، أو يتحول الانتماء الفرعي إلى بديل عن المواطنة . و من هذه الزاوية تبدو المقارنة بين إسبانيا و العراق شديدة الأهمية ، ليس لأن التجربتين متطابقتان ، بل لأن كليهما يواجه سؤالا جوهريا واحدا : كيف يمكن بناء دولة موحدة من مجتمع متعدد الهويات ؟ إسبانيا ليست دولة متجانسة بالمعنى الثقافي أو اللغوي . فإلى جانب الإسبانية توجد لغات ذات حضور تاريخي و سياسي قوي ، أبرزها الكتالونية و الباسكية و الغاليثية ، إضافة إلى لغات و لهجات أخرى تتمتع بدرجات مختلفة من الحماية . و قد اختارت الدولة الإسبانية بعد دستور 1978 صيغة تقوم على الجمع بين وحدة الدولة و الاعتراف بالتعدد ؛ فالدستور يؤكد وحدة الأمة الإسبانية ، لكنه يعترف في الوقت نفسه بحق القوميات و المناطق في الحكم الذاتي ، و يمنح اللغات الإسبانية الأخرى إمكانية الصفة الرسمية داخل مجتمعاتها المستقلة . و هنا تكمن إحدى أهم أفكار التجربة الإسبانية : الوحدة لا تعني التشابه ، و الاعتراف بالاختلاف لا يعني بالضرورة تفكيك الدولة . هذه الفكرة تبدو شديدة الصلة بالعراق . فالعراق ، في الواقع ، أكثر تنوعا من الصورة التي تختزله أحيانا في ثنائية عربية - كردية أو سنية – شيعية . إنه فضاء تاريخي تتقاطع فيه هويات قومية و لغوية و دينية و مذهبية و ثقافية متعددة : العرب و الكرد و التركمان و السريان و الكلدان و الآشوريون و الأرمن ، و المسلمون بمذاهبهم المختلفة ، و المسيحيون و الإيزيديون و الصابئة المندائيون ، فضلا عن تنوعات اجتماعية و مناطقية و عشائرية و مدينية عميقة . و اللافت أن الدستور العراقي نفسه لا ينكر هذه الحقيقة ، بل ينص صراحة على أن العراق ( بلد متعدد القوميات و الأديان و المذاهب ) ، ويعترف بالعربية و الكردية لغتين رسميتين ، و يضمن حقوقا لغوية و تعليمية للتركمان و السريان و الأرمن و غيرهم ، كما يؤكد المساواة و عدم التمييز على أساس القومية أو الأصل أو الدين أو المذهب أو المعتقد . إذن ، المشكلة العراقية ليست في غياب الاعتراف الدستوري بالتنوع بقدر ما تكمن في الفجوة بين الاعتراف النصي و إنتاج المؤسسات و الممارسات التي تجعل هذا الاعتراف جزءا من الحياة اليومية للدولة . إسبانيا : حين أصبحت الهوية المحلية جزءا من الدولة لا نقيضا لها التحول الإسباني بعد نهاية نظام فرانكو لم يكن مجرد انتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية ، و إنما كان إعادة صياغة للعلاقة بين المركز و الأقاليم و الهويات المحلية . كان بإمكان الدولة أن تختار نموذجا شديد المركزية ، و أن تتعامل مع الكتالونية و الباسكية و الغاليثية بوصفها عوائق أمام الوحدة الوطنية . لكنها اتجهت إلى مسار أكثر تعقيدا : الاعتراف بالتعدد ، و توزيع السلطات ، و منح الأقاليم مساحة واسعة من الإدارة الذاتية ، مع الإبقاء على الدولة المركزية بوصفها الإطار الجامع . و هذا لم يلغِ النزعات الانفصالية . على العكس ، شهدت إسبانيا أزمات عميقة ، و كان الملف الكتالوني خصوصا اختبارا قاسيا لقدرة الدولة على الموازنة بين الوحدة و الحق في تقرير المصير السياسي . كما أن إسبانيا لم تتخلص من التوتر بين المركز و الأقاليم ، و لم تتحول إلى مجتمع بلا صراعات هوية . لكن قيمة التجربة لا تكمن في أنها ألغت المشكلة ، و إنما في أنها نقلت جزءا كبيرا من الصراع حول الهوية من الشارع إلى المؤسسات . و هذه نقطة جوهرية للعراق . فالدولة التي تمنع التعبير السياسي عن الهوية لا تلغي الهوية ؛ إنها تدفعها إلى البحث عن قنوات أخرى للتعبير . و كلما ضاقت القنوات المؤسسية اتسعت احتمالات تحول الهوية إلى قوة احتجاجية أو أمنية أو انفصالية أو طائفية . أما عندما يجد المواطن أن لغته يمكن أن تكون لغة مدرسة ، و أن ثقافته يمكن أن تكون جزءا من الإعلام ، و أن منطقته تمتلك صلاحيات إدارية ، و أن هويته لا تحرمه من الدولة و لا تحرمه الدولة من هويته ، فإن الهوية تصبح أقل حاجة إلى التحول إلى مشروع صدامي . العراق : دستور متقدم نسبيا و ممارسة ما زالت متأخرة المفارقة العراقية أن النص الدستوري بعد عام 2005 يبدو في بعض جوانبه أكثر وضوحا من الممارسة السياسية . فالدستور لا يكتفي بالاعتراف بالتعدد ، و إنما يضع إطارا قانونيا للحقوق اللغوية و الدينية و القومية . كما يقرر مبدأ المساواة أمام القانون و يحظر التمييز على أسس متعددة . لكن المشكلة أن بناء دولة متعددة لا يتحقق بكتابة المواد الدستورية وحدها . هناك فرق هائل بين أن تقول الدولة : ( أنت متساوٍ معي ) ، و بين أن يشعر المواطن فعلا أن الدولة تتعامل معه على هذا الأساس . فالمواطنة لا تُقاس بعدد المواد الدستورية التي تتحدث عن المساواة ، بل بعدد المرات التي يستطيع فيها المواطن أن يحصل على وظيفة من دون واسطة طائفية ، و أن يذهب إلى مؤسسة حكومية من دون أن يسأل عن هويته ، و أن يدرس بلغته ، و أن يمارس شعائره بأمان ، و أن يمتلك بيتا و أرضا في منطقته التاريخية ، و أن يشعر بأن الشرطة و القضاء و الإدارة العامة مؤسسات وطنية لا امتدادات لشبكات اجتماعية أو سياسية . و هنا ينبغي أن ينتقل العراق من مبدأ الاعتراف بالتنوع إلى هندسة الدولة على أساس التنوع . الدرس الإسباني الأول : الوحدة تحتاج إلى عقد لا إلى شعار أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الدولة المتعددة هو أن تجعل الوحدة الوطنية شعارا أخلاقيا مجردا . الوحدة ليست خطابا احتفاليا ، و ليست ترديدا دائما لعبارات من نوع ( كلنا عراقيون ) . إنها عقد سياسي يحدد بوضوح : ماذا تحصل عليه الجماعات المختلفة من الدولة ؟ و ماذا تقدم هي للدولة ؟ إسبانيا قدمت درسا مهما في هذا المجال : يمكن أن تكون هناك هويات إقليمية قوية من دون أن يعني ذلك تلقائيا انهيار الدولة . العراق بحاجة إلى عقد وطني مشابه في منطقه ، لا في تفاصيله . عقد يقول للكردي إن كرديته ليست تهديدا للعراق ، و للعربي إن عروبته ليست مشروعا لإقصاء الآخرين ، و للتركماني إن لغته ليست هامشا ، و للمسيحي و الإيزيدي و الصابئي إن وجوده ليس منحة من الأكثرية ، بل جزء أصيل من تعريف العراق نفسه . و هنا يجب إعادة تعريف مفهوم ( الأقلية ) ، فبعض الجماعات العراقية تُسمى أقليات عددية ، لكن وجودها التاريخي يجعلها جزءا من الذاكرة التأسيسية للبلاد . لذلك فإن حمايتها ليست قضية إحسان سياسي ، و إنما قضية حماية للهوية العراقية نفسها . الدرس الثاني : اللغة ليست مجرد وسيلة اتصال إسبانيا فهمت أن اللغة ليست قاموسا من الكلمات ، و إنما ذاكرة و هوية و انتماء . و لهذا فإن الاعتراف باللغات المحلية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تنازلا من الدولة ، بل استثمارا في استقرارها . و العراق يمتلك فرصة هائلة في هذا المجال . فالعربية و الكردية تمثلان إطارين لغويين أساسيين ، لكن إلى جانبهما توجد التركمانية و السريانية و الأرمنية و غيرها . و المطلوب ليس تحويل العراق إلى مجموعة جزر لغوية منفصلة ، بل تطوير نظام متعدد اللغات يسمح للطفل بأن يتعلم لغته الأم ، و يتقن العربية بوصفها لغة وطنية جامعة ، و يتعلم الإنجليزية بوصفها لغة عالمية ، و أن يكتسب في الوقت نفسه معرفة حقيقية بتاريخ اللغات و الثقافات العراقية الأخرى . و هنا يمكن تصور مشروع عراقي جديد تحت عنوان : ( المدرسة العراقية متعددة اللغات ) . في هذه المدرسة لا تكون اللغة المحلية منافسا للعربية أو الكردية ، و إنما جزءا من المعرفة الوطنية . يتعلم الطفل السرياني شيئا عن تاريخ اللغة السريانية ، و يتعلم الطفل العربي تاريخ المكونات المسيحية و الإيزيدية و المندائية ، ويتعلم الطفل الكردي تاريخ العراق العربي ، و يتعلم الجميع أن الاختلاف اللغوي لا يعني اختلافًا في قيمة المواطنة . الدرس الثالث : اللامركزية ليست تفكيكا من أكثر الأفكار التي تحتاج إلى إعادة النظر في العراق الخوف من اللامركزية . اللامركزية ليست بالضرورة مقدمة للتقسيم . و في الدولة المتعددة قد تكون اللامركزية وسيلة لحماية الوحدة . عندما تستطيع محافظة ما إدارة جزء أكبر من شؤونها التعليمية و الثقافية و الخدمية و الاقتصادية ، فإنها لا تحتاج إلى تحويل كل خلاف مع بغداد إلى أزمة وجود . و التجربة الإسبانية تقدم هنا مفهوما بالغ الأهمية : الحكم الذاتي داخل الدولة الواحدة . ليس المطلوب أن يستنسخ العراق النموذج الإسباني ، لأن العراق يمتلك بنية اتحادية و دستورية مختلفة ، لكن يمكنه تطوير صيغة عراقية للحكم المحلي الموسع ، بحيث تكون المحافظات و الأقاليم أكثر قدرة على إدارة خصوصياتها ، مع بقاء الملفات السيادية الكبرى - الدفاع و السياسة الخارجية و العملة و السياسة النقدية والحدود - ضمن إطار اتحادي واضح . المعادلة الصحيحة ليست : المركز أو الأطراف . بل : المركز و الأطراف . فالدولة القوية ليست التي تدير كل شيء من العاصمة ، و إنما التي تستطيع أن تجعل المواطن يشعر بالدولة حتى عندما تكون المؤسسة التي تخدمه في مدينته و قريته . الدرس الرابع : لا يمكن حماية التنوع من دون حماية الاقتصاد من الأخطاء الشائعة التعامل مع التنوع باعتباره قضية ثقافية فقط. الحقيقة أن التهميش الاقتصادي يمكن أن يحول الاختلاف الثقافي إلى صراع سياسي . عندما تكون منطقة ما محرومة من التنمية ، ثم تكون مختلفة قوميا أو دينيا أو لغويا عن المركز ، فإن الحرمان الاقتصادي يبدأ في إنتاج سردية سياسية تقول : ( نحن محرومون لأننا نحن ) . و هنا يصبح الاقتصاد وقودا للهوية . لذلك يحتاج العراق إلى مؤشر وطني للعدالة المكانية يقيس توزيع المدارس و المستشفيات و الجامعات و الطرق و الاستثمارات و فرص العمل بين المحافظات و المناطق و المكونات ، بعيدا عن الاعتبارات الحزبية . و يجب أن يكون هذا المؤشر علنيا سنويا ، بحيث يعرف المواطن أين تذهب الموارد ، و ما الذي حصلت عليه محافظته مقارنة بغيرها . فأفضل طريقة لتجفيف الطائفية السياسية ليست مهاجمة الطائفية بالخطاب ، و إنما إزالة الأسباب المادية التي تجعلها وسيلة للحصول على الحقوق . الدرس الخامس : الذاكرة المشتركة أهم من الذاكرة المتصارعة إسبانيا نفسها عاشت تاريخا دمويا و انقسامات عميقة ، و لا تزال الذاكرة السياسية موضوعا حساسا فيها . و العراق كذلك يحمل ذاكرة هائلة من الانقلابات و الحروب و الاستبداد و الإرهاب و التهجير و الصراعات الطائفية و القومية . لكن الدولة لا تستطيع بناء مستقبل مشترك إذا تركت كل جماعة تكتب تاريخها وحدها . العراق يحتاج إلى مشروع وطني للذاكرة ، لا يقوم على محو الروايات المختلفة ، و إنما على جمعها . يمكن إنشاء المتحف الوطني للتنوع العراقي ، و مراكز متخصصة في توثيق الذاكرة المحلية ، و مناهج مدرسية تعرض تاريخ العراق من وجهات نظر متعددة ، بحيث لا يكون تاريخ العراق تاريخ المنتصر فقط ، و لا تاريخ جماعة واحدة فالطفل العراقي ينبغي أن يعرف أن تاريخ بلاده لم تصنعه مجموعة واحدة ، و أن بغداد و الموصل و البصرة و أربيل و النجف و كركوك و الناصرية و سنجار و غيرها ليست مجرد مدن على الخريطة ، و إنما طبقات مختلفة من الذاكرة العراقية . الدرس السادس : الدولة يجب أن تكون محايدة لا عمياء هناك فرق بين الدولة المحايدة و الدولة العمياء. الدولة العمياء تقول : ( لا أرى اختلافاتكم ) . أما الدولة المحايدة فتقول : ( أراها ، لكنني لا أميز بينكم في الحقوق ) . و هذا فرق فلسفي و سياسي كبير . العراق لا يحتاج إلى محو الهويات من المجال العام ، بل إلى إخراج الدولة من لعبة التفضيل بينها . يمكن للمواطن أن يكون عربيا و كرديا و تركمانيا ، مسلما و مسيحيا و إيزيديا و مندائيا ، شيعيا و سنيا ، مدنيا أو عشائريا ، لكن الدولة لا ينبغي أن تكون شيعية أو سنية أو كردية أو عربية بالمعنى الحزبي و الإقصائي . الدولة هي الإطار الذي يجعل كل هذه الهويات ممكنة في الوقت نفسه . من ( التعايش ) إلى ( الشراكة ) ربما تكون كلمة ( التعايش ) نفسها بحاجة إلى مراجعة . التعايش يفترض أحيانا أن جماعات مختلفة تعيش بجوار بعضها ، بينما المطلوب في العراق أكبر من ذلك. العراق يحتاج إلى الشراكة الوطنية . التعايش يقول : ( دعني أعيش و اتركني أعيش ) . أما الشراكة فتقول : ( أنا جزء من بناء الدولة و أنت جزء من بنائها ) . و هذا الانتقال مهم جدا . فالمسيحي ليس مواطنا مطلوبا منه فقط أن يبقى في العراق ، و إنما ينبغي أن يكون حاضرا في الإدارة و الثقافة و الجامعة و الإعلام و الاقتصاد . و الإيزيدي ليس مجرد جماعة يجب حمايتها من العنف ، و إنما مكوّن له حق في صناعة القرار . و التركماني ليس مجرد رقم انتخابي ، و السرياني ليس مجرد لغة قديمة ، و الكردي ليس مجرد شريك جغرافي . كل هذه المكونات يجب أن تنتقل من موقع الموضوع الذي تتحدث عنه الدولة إلى موقع الشريك الذي يشارك في إنتاج الدولة . الرؤية العراقية الجديدة : ( مواطنة متعددة المستويات ) يمكن للعراق أن يطور مفهوما جديدا أسميه ( المواطنة متعددة المستويات) . فالمواطن العراقي يمكن أن يحمل في الوقت نفسه أربع دوائر من الانتماء : دائرة محلية : مدينته ومحافظته ، و دائرة ثقافية : لغته وثقافته ، و دائرة اجتماعية أو دينية : معتقده أو مجتمعه ، و دائرة وطنية : العراق . ولا ينبغي للدولة أن تطلب منه قتل الدوائر الثلاث الأولى حتى يصبح وطنيا . بل عليها أن تجعل الدائرة الوطنية هي الإطار الذي يحمي الدوائر الأخرى . و هنا يمكن صياغة المعادلة العراقية الجديدة : أنا عربي أو كردي أو تركماني أو سرياني ، و أنا مسلم أو مسيحي أو إيزيدي أو مندائي ، و أنا من البصرة أو بغداد أو أربيل أو الموصل أو الناصرية ، لكن كل هذه الانتماءات لا تنتقص من كوني عراقيا ؛ بل تصبح جزءا من معنى عراقيتي . العراق لا يحتاج إلى إلغاء الاختلاف بل إلى تنظيمه الدرس الإسباني الأهم ليس أن إسبانيا حلت مشكلة التنوع ، لأنها لم تفعل ، و ما زالت تعيش توترات قومية و لغوية و سياسية عميقة . لكنها قدمت نموذجا مهما في تحويل جزء كبير من الاختلاف من مشكلة أمنية إلى قضية دستورية و سياسية و مؤسسية . و هنا تكمن الفكرة التي يستطيع العراق الإفادة منها . العراق لا يحتاج إلى أن يصبح إسبانيا عربية ، و لا أن يستنسخ نظام الأقاليم الإسباني ، و لا أن يستورد مؤسسات غريبة عن تاريخه . إنه يحتاج إلى أن يتعلم المبدأ الأعمق : الدولة التي تعترف بتنوع مجتمعها تستطيع أن تدير اختلافه ؛ أما الدولة التي تنكر التنوع فإنها تتركه ليدير الدولة . و الفارق بين الاثنين هائل . إن بناء العراق المستقر لا يبدأ من السؤال : كيف نجعل العراقيين متشابهين ؟ بل من سؤال أكثر نضجا : كيف نبني دولة يستطيع المختلفون فيها أن يكونوا مختلفين ، من دون أن يصبح اختلافهم سببا للصراع على الدولة ؟ الجواب يبدأ بدستور يُطبّق ، و مؤسسات محايدة ، و لا مركزية مسؤولة ، و سياسة لغوية عادلة ، و تعليم يعترف بالتعدد ، و اقتصاد يوزع الفرص بعدالة ، و قضاء يحمي الفرد قبل الجماعة ، و إعلام يقدّم التنوع بوصفه ثروة وطنية لا مادة للتحريض . التنوع إلى عراق ( يُبنى على أساس ) التنوع . و هذه ليست مسألة ثقافية هامشية ، بل مشروع لإعادة تعريف الدولة العراقية نفسها . فالعراق ، في جوهره التاريخي ، لم يكن يوما بلد اللون الواحد . قوته الحقيقية ليست في أن يصبح كذلك ، و إنما في أن يكتشف للمرة الأولى أن تعدده الذي عانى منه طويلا يمكن أن يتحول ، إذا أُدير بعقل الدولة ، إلى أهم مصادر قوته . فالدولة الحديثة لا تنتصر على التنوع ؛ إنها تنتصر عندما تجعل التنوع يعمل لصالح الدولة . المرتكزات الدستورية و المقارنة التي بُني عليها المقال : الدستور الإسباني يجمع بين وحدة الدولة و الاعتراف بالحكم الذاتي للقوميات و المناطق ، و ينص على الرسمية المشتركة للغات المحلية وفق أنظمة الحكم الذاتي ، بينما ينص الدستور العراقي صراحة على تعدد القوميات و الأديان و المذاهب ، و يعترف بالعربية و الكردية لغتين رسميتين و يضمن حقوقا لغوية لمكونات أخرى . كما تشير البيانات الحكومية الإسبانية إلى أن نحو 40% من سكان إسبانيا يعيشون في مجتمع ذي أكثر من لغة رسمية . و في الحالة العراقية ، يؤكد الدستور مبدأ المساواة و عدم التمييز ، بينما توثق اليونسكو تاريخ التنوع العراقي و وجود مكونات مثل الشبك و الإيزيديين و الصابئة المندائيين و الكرد و الكلدان و الآشوريين ، مع الإشارة إلى أن استهداف هذا التنوع كان من أخطر التحديات التي واجهت العراق .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
برنارد عرّاب السقوط
المزيد.....
-
-داخل غسالة ضخمة-..مراسل CNN يصف تجربته في أحد أطول المنزلقا
...
-
أوكرانيا تشن هجومًا واسعًا بمئات المسيّرات على موسكو.. قتيل
...
-
السعودية تعلن تعرض مطاري جازان ونجران لاعتداءين.. وتكشف حصيل
...
-
وزير خارجية الأردن يكشف موقف عمّان من خطوات السعودية في اليم
...
-
لماذا سحب ترامب قاذفاته من بريطانيا؟ - مقال في الإندبندنت
-
الدفاع الروسية: ضرب أهداف مرتبطة بالجيش الأوكراني في أوديسا
...
-
الرهان على هزيمة روسيا.. هل يتحول الصراع إلى عبء على الغرب؟
...
-
المادة المكثفة أم فيزياء الجسيمات؟.. سباق محتدم على نوبل الف
...
-
إصابة 5 أشخاص وتضرر 20 مبنى جراء انفجار في مجمع تجاري بإندون
...
-
-دان-تي- الروسي من الجو إلى البر.. سلاح هجين بمدى 470 كيلومت
...
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|