رضا كامل الموسوي
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 10:13
المحور:
قضايا ثقافية
ليست أخطر الترجمات تلك التي تخطئ في معنى كلمة، بل تلك التي تصيب الكلمات وتخطئ الإنسان.
قد يقرأ المرء ترجمة سليمة في نحوها، دقيقة في معجمها، طليقة في أسلوبها، فلا يعثر فيها على خطأ يمكن أن يشير إليه بقلمه، ومع ذلك يشعر أن المتكلم الذي خرج من النص المترجم ليس هو الإنسان نفسه الذي تكلم في الأصل. لقد انتقلت أفكاره، وربما انتقلت صوره واستعاراته، لكن طريقته في الوقوف داخل العالم تغيرت: صوته أكثر تهذيبا أو أكثر خشونة، تدينه أشد أو أخف، علاقته بالسلطة مختلفة، إحساسه بالجماعة أقل حضورا، سخريته فقدت محليتها، أو تحول تردده إلى يقين، وخضوعه إلى احتجاج، وقربه من جماعته إلى فردانية لم تكن فيه.
هنا لا نكون أمام مشكلة في التكافؤ الدلالي وحده، بل أمام سؤال آخر ظل زمنا خارج مركز التفكير الترجماتي: ماذا تفعل الترجمة بهوية المتكلم؟
لقد شغل مفهوم التكافؤ جزءا كبيرا من تاريخ التفكير في الترجمة، وكان السؤال التقليدي هو مقدار ما تنقله الترجمة من معنى النص الأصلي، ومقدار ما تحافظ عليه من بنيته ووظيفته وأثره. لكن تطور دراسات الترجمة كشف تدريجيا أن النص لا يدخل اللغة الجديدة منفردا؛ إنه يدخل معها تاريخا وثقافة ومؤسسة وقارئا وسوقا وعلاقات قوة وصورا مسبقة عن الذات والآخر. ومن هنا كان ما عرف بالمنعطف الثقافي في دراسات الترجمة انتقالا من النظر إلى النص بوصفه بنية لغوية يمكن قياس قربها أو بعدها عن أصل، إلى النظر إليه بوصفه فعلا يحدث داخل شبكة من العلاقات الثقافية والتاريخية والاجتماعية.(1)
غير أن هذا الانتقال يقود إلى نتيجة أبعد مما يبدو للوهلة الأولى. فإذا كانت الترجمة حدثا ثقافيا وليست مجرد حدث لغوي، فإنها تصبح بالضرورة حدثا هوياتيا أيضا، لأن الثقافة لا توجد خارج الجماعات التي تحملها، ولا توجد الجماعات خارج صور الذات والآخر التي تتداولها وتحميها وتعيد إنتاجها.
ومن هنا تبدأ المشكلة.
1- عندما لم يعد التكافؤ كافيا
التكافؤ مفهوم ضروري، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر كل ما يحدث في الترجمة.
يمكن لجملة أن تؤدي المعنى الإخباري نفسه في لغتين، بينما تؤدي كل واحدة منهما وظيفة هوياتية مختلفة. ويمكن لنداء القرابة، أو ضمير المخاطبة، أو صيغة الاحترام، أو اسم ديني، أو تعبير محلي، أو مثل شعبي، أن يحمل في الثقافة الأصلية تاريخا من العلاقات الاجتماعية لا يمكن اختزاله إلى تعريف معجمي.
فحين يترجم المترجم لفظا من ألفاظ القرابة إلى كلمة عامة، قد يحفظ المرجع ويفقد البنية الاجتماعية المحيطة به. وحين يحول تعبيرا دينيا متداولا إلى صيغة محايدة ثقافيا، قد يجعل الكلام مفهوما لقارئ جديد، لكنه في الوقت نفسه يغير طبيعة المتكلم الذي صدر عنه الكلام. وحين يستبدل مثلا محليا بمثل من ثقافة اللغة الهدف، قد ينقل الحكمة التداولية، ولكنه ينقلها على لسان ذاكرة أخرى.
المشكلة هنا ليست أن الترجمة أصبحت خطأ، بل أن معيار الصحة نفسه أصبح أضيق من الحدث الذي نحاول قياسه.
ولهذا كان الانتقال من التكافؤ إلى الثقافة لحظة حاسمة: لم يعد السؤال «هل نقلت الترجمة ما قاله النص؟» كافيا، بل أصبح علينا أن نسأل أيضا: أي نص صنعت الترجمة؟ وأي صورة للمتكلم أتاحت للقارئ أن يراها؟
2- الترجمة بوصفها إعادة كتابة
حين وصف أندريه لوفيفير الترجمة بأنها شكل من أشكال إعادة الكتابة، نقل النقاش من وهم الحياد إلى الاعتراف بأن النص المترجم يدخل منظومة جديدة تحدد اختياراته وقراءاته وانتشاره ومكانته.(2)
فالمترجم لا يعيد إنتاج النص في فراغ. إنه يكتب داخل أدبيات قائمة، وقيم جمالية سائدة، ومؤسسات نشر وتعليم، وتوقعات قرائية، وصور ثقافية راسخة. وقد لا يكون التغيير في الترجمة نتيجة قرار واع لإعادة تشكيل الهوية، لكنه يمكن أن يؤدي هذه الوظيفة رغم ذلك.
حين تترجم شخصية تنتمي إلى هامش اجتماعي بلغة معيارية مصقولة، فهي قد ترتقي لغويا وتفقد موقعها الاجتماعي في الوقت نفسه. وحين تحذف من كلام مهاجر علامات التردد والازدواج اللغوي والاقتراض، يمكن أن يصبح صوته أكثر صفاء، لكنه يصبح أقل صدقا بوصفه صوت إنسان يعيش بين لغتين.
وهكذا لا تكون إعادة الكتابة مجرد تعديل في الأسلوب، بل يمكن أن تكون إعادة توزيع لعلامات الهوية.
ما الذي يبقى من الإنسان إذا نقلنا مضمون كلامه وحذفنا العلامات التي تقول من أين يتكلم؟
هذا السؤال هو النقطة التي تلتقي عندها الترجمة بالسلطة.
3- من يملك حق تمثيل الآخر؟
ليست السلطة في الترجمة رقابة حكومية فقط، وليست دائما أمرا يصدره مركز سياسي إلى مترجم. السلطة أكثر انتشارا من ذلك. إنها تعمل في معايير اللغة المقبولة، وفي قوانين النشر، وفي صورة القارئ المتخيل، وفي التصورات السابقة عن الثقافات، وفي ما ينبغي شرحه وما يمكن تركه غريبا، وفي ما يستحق أن يبقى وما يمكن حذفه.
ولهذا يصبح المترجم، سواء أراد أم لم يرد، مشاركا في عملية تمثيل.
إنه لا يقدم الآخر فقط، بل يقدم صورة قابلة للقراءة عن الآخر.
وقد أظهرت دراسات الترجمة في السياقات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية أن الترجمة لم تكن دائما جسرا بريئا بين ثقافتين؛ فقد شاركت في بعض السياقات في إعادة ترتيب العلاقة بين المركز والهامش، وفي إنتاج صور عن الشعوب واللغات والآداب تتجاوز النصوص التي ترجمتها.(3)
غير أن هذه السلطة لا تعمل في اتجاه واحد. فالترجمة يمكن أن تكون أداة هيمنة، كما يمكن أن تكون أداة مقاومة. ويمكنها أن تجعل صوت الهامش ملائما لقواعد المركز، كما يمكنها أن تدخل إلى لغة المركز ما يزعزع استقرارها ويجبرها على توسيع حدودها.
ولذلك فالسؤال الأخلاقي لا ينبغي أن يكون: هل للمترجم سلطة؟
إنها موجودة بالفعل.
السؤال هو: كيف يستخدم هذه السلطة حين تصبح اختياراته اللغوية اختيارات في تمثيل البشر؟
4- التدجين والتغريب: هل نقرب النص أم نغير صاحبه؟
تكشف ثنائية التدجين والتغريب التي ارتبطت بصورة خاصة بلورنس فينوتي عن واحد من أكثر التوترات حساسية في الترجمة الحديثة.(4)
التدجين يجعل النص أكثر ألفة في ثقافة الوصول. تقل الغرابة، تسلس العبارة، تختفي بعض المقاومة، ويشعر القارئ أن النص يتحرك داخل لغته من دون عوائق كثيرة. أما التغريب فيقاوم هذا الامتصاص الكامل، ويترك في الترجمة شيئا من أثر الاختلاف.
لكن القضية تصبح أكثر تعقيدا عندما ننظر إليها من زاوية الهوية.
فما يبدو قرارا أسلوبيا قد يصبح قرارا أنثروبولوجيا.
حين نستبدل طعاما محليا بطعام مألوف للقارئ، أو نظام قرابة بنظام آخر، أو صيغة دعاء بعبارة وجدانية عامة، أو لقبا اجتماعيا باسم مجرد، فإننا لا نسهل القراءة فقط. نحن نعيد بناء العالم الذي ينتمي إليه المتكلم.
التدجين المفرط لا يجعل النص قريبا فحسب؛ قد يجعل الآخر شبيها بنا أكثر مما هو عليه.
وفي المقابل، فإن التغريب المفرط ليس بريئا دائما. فإذا جرى تضخيم الغرابة وإبقاء كل علامة ثقافية في صورة استعراضية، يمكن أن يتحول الآخر إلى كائن إثنوغرافي، غريب باستمرار، معروض أمام القارئ أكثر مما هو حاضر معه.
ولهذا فالمسألة ليست الاختيار الآلي بين التدجين والتغريب، بل معرفة اللحظة التي يتحول فيها كل منهما من استراتيجية ترجمية إلى سياسة للهوية.
5- الهوية ليست شيئا ننقله
يصبح فهم هذه النقطة أكثر وضوحا حين نغادر التصور الجوهري للهوية.
فالهوية الثقافية، كما يبين ستيوارت هول، ليست جوهرا ثابتا كامنا في الماضي نبحث عن الطريقة المثالية لنقله إلى الحاضر. إنها أيضا عملية تشكل مستمرة، تنتجها الذاكرة والتاريخ والتمثيل والاختلاف.(5)
إذا أخذنا هذا التصور بجدية، فلا يعود النص الأصلي وعاء يحتوي هوية جاهزة تنتظر المترجم كي ينقلها. الهوية نفسها تظهر داخل اللغة: في الاختيار، وفي الإيقاع، وفي الصمت، وفي الاسم، وفي الاستعارة، وفي العلاقات بين المتكلمين.
وهذا يعني أن الترجمة لا تواجه السؤال: «كيف ننقل الهوية؟» فقط.
إنها تدخل في عملية إعادة إنتاج الهوية نفسها.
كل ترجمة تمنح المتكلم حياة ثانية في نظام لغوي جديد. وهذه الحياة الثانية ليست نسخة مطابقة من الأولى، لأنها تنشأ في فضاء مختلف، وأمام قراء مختلفين، وتحت شروط ثقافية مختلفة.
ومن هنا يمكن أن ننتقل من فكرة الحفاظ على الهوية إلى فكرة أكثر دقة: التفاوض الهوياتي.
فالمترجم لا يستطيع تجميد الهوية، لكنه يستطيع أن يتجنب اختزالها.
6- المساحة الثالثة: حين لا يعود الإنسان ابن لغة واحدة
تكتسب هذه المسألة بعدا أعمق مع الهجرة والمنفى والتعدد اللغوي.
فكثير من البشر الذين تترجم أصواتهم اليوم لا يعيشون داخل لغة واحدة أو ثقافة واحدة بالمعنى المستقر. المهاجر واللاجئ والمنفي وابن الشتات والمتكلم الثنائي اللغة يعيشون في مناطق وسطى يصعب وصفها بمنطق الأصل والنسخة.
هنا تصبح أفكار هومي بابا عن التهجين و«الفضاء الثالث» مهمة، لأنها تكسر التصور الذي يفترض وجود ثقافتين مكتملتين ثم تأتي الترجمة لتربط بينهما.(6)
هناك ذوات تولد في العبور نفسه.
لغتها الأولى تسكن الثانية، والثانية تغير الأولى. قد تفكر بلغة، وتحلم بأخرى، وتغضب بلهجة ثالثة، وتستعيد طفولتها بكلمات لا يعرفها أبناؤها.
كيف نترجم هذا الإنسان؟
إذا أعدناه في الترجمة إلى لغة نقية، نكون قد صححنا لغته وأفسدنا سيرته.
إن التردد، والتناوب اللغوي، والكلمة غير المترجمة، والعبارة الهجينة، ليست دائما عيوبا تنتظر المحرر. قد تكون هي الشكل اللغوي الدقيق لحياة موزعة بين أمكنة وانتماءات وذكريات.
وهنا تتحول الترجمة من عبور بين لغتين إلى تمثيل لإنسان يعيش العبور نفسه.
7- الترجمة والهجرة: اللغة التي تسافر مع الجسد
الهجرة لا تنقل الأجساد وحدها.
يسافر مع المهاجر معجم البيت، وأسماء الطعام، وطرق النداء، والنكات، والدعاء، والشتائم، والأغاني، وعبارات الأمومة، وأسماء الأماكن التي لم يعد يسكنها. وقد تبقى هذه اللغة داخل اللغة الجديدة مثل طبقة من الذاكرة لا تزول تماما.
لهذا يرتبط مشروع مايكل كرونين بين الترجمة والهوية والحركة الحديثة ارتباطا عميقا بالسؤال عن الكيفية التي تعاد بها صياغة الانتماءات في عالم يتسم بالحركة والاتصال والتعدد اللغوي.(7)
فالترجمة بالنسبة إلى المهاجر ليست مهنة يؤديها مترجم محترف دائما؛ إنها ممارسة يومية.
يترجم اسمه.
يترجم أوراقه.
يترجم ذاكرته لأبنائه.
يترجم أبناءه لأجدادهم.
يشرح بلده الجديد لبلده القديم، وبلده القديم لمن لم يره.
وفي هذه المنطقة تصبح الترجمة جزءا من السيرة الذاتية للإنسان.
وقد يبدأ خطر الفقد الهوياتي من أكثر الأفعال بساطة: حين يشعر المتكلم أن جزءا من ذاته لا يستطيع الوصول إلى اللغة الجديدة، أو أن اللغة الجديدة لا تستطيع حمل التجربة كما عاشها.
ليست كل خسارة هنا خسارة معجمية. بعض الكلمات يمكن أن نجد لها مقابلات دقيقة، لكن العالم الذي جعلها ضرورية لا ينتقل معها كاملا.
8- الشتات: حين تصبح الترجمة ذاكرة متنقلة
في جماعات الشتات تتجاوز الترجمة وظيفة التواصل لتصبح أحد أشكال حفظ الذاكرة.
فالأجيال الجديدة قد لا تقرأ لغة الأسلاف، وحينها تمر الذاكرة العائلية والثقافية عبر الترجمة: الحكايات، الرسائل، السير، الطقوس، الأغاني، النصوص الدينية، الأمثال، أسماء الأمكنة.
لكن ما يصل إلى الجيل الثاني أو الثالث ليس الماضي نفسه.
إنه ماض تمت ترجمته.
أي أنه ماض اختيرت منه أشياء، وشرحت أشياء، وحذفت أشياء، ووجدت لأشياء أسماء جديدة.
ومن هنا تظهر سلطة الترجمة مرة أخرى: إنها لا تحفظ ذاكرة الجماعة فقط، بل تشارك في تقرير أي ذاكرة ستبقى قابلة للتوريث.
وتزداد المفارقة حدة حين تكتب الجماعة تاريخها بلغة البلد الذي هاجرت إليه. إنها تريد أن تجعل نفسها مفهومة، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن يكون ثمن الفهم أن تفقد شيئا من اختلافها.
وهنا تكف الترجمة عن أن تكون جسرا بين وطنين، وتصبح مكانا ثالثا تعيد الجماعة داخله تعريف وطنها.
9- الترجمة لا تعبر بين الجماعات فقط، بل تبنيها
هنا نصل إلى تحول نظري بالغ الأهمية.
يذهب إدوين غنتزلر في دراسته للترجمة والهوية في الأمريكتين إلى أن الترجمة ليست مجرد شيء يحدث بين ثقافات مكتملة ومستقلة؛ ففي سياقات كثيرة تسهم الترجمة نفسها في تكوين تلك الثقافات والجماعات.(8)
وهذا التحول يقلب الصورة التقليدية للعملية الترجمية.
لسنا دائما أمام:
جماعة أولى ← ترجمة ← جماعة ثانية.
فأحيانا تكون الترجمة جزءا من العملية التي جعلت الجماعة تدرك نفسها بوصفها جماعة.
ترجمة الأدب القومي، وترجمة النصوص الدينية، وترجمة التاريخ، وترجمة سرديات المقاومة والمنفى، كلها قد تدخل في بناء الذاكرة المشتركة وفي ترسيم الحدود الرمزية بين "نحن" و" هم".
والترجمة بهذا المعنى فعل مؤسس.
إنها تسهم في تحديد ما تقرأه الجماعة عن نفسها، وما تقرأه عن الآخرين، وما يقرؤه الآخرون عنها.
10- عندما تصبح الترجمة سردا
غير أن الجماعات لا تتشكل بالمفردات وحدها، بل بالسرديات التي تقول من نحن، ومن خصومنا، وما الذي حدث لنا، وما الذي ينبغي أن نفعله.
وهنا تقدم منى بيكر نقلة مهمة حين تربط الترجمة بالسرد والصراع.(9)
المترجم لا يتعامل دائما مع جمل منفصلة، بل يدخل في سرديات أكبر: سردية أمة، وسردية حرب، وسردية مقاومة، وسردية ضحية، وسردية تقدم، وسردية إرهاب، وسردية تحرير.
وقد تغير الترجمة موقع حدث صغير داخل السرد الكبير من خلال اختيار لفظ واحد.
هل الشخص "مقاتل" أم "مسلح" أم "متمرد" أم "إرهابي"؟
هل الجماعة "أقلية" أم "شعب"؟
هل الإنسان "مهاجر غير شرعي" أم "مهاجر غير نظامي"؟
هذه ليست اختلافات معجمية محضة.
كل تسمية تسحب الشخص إلى سردية مختلفة، والسردية تمنحه هوية سياسية وأخلاقية أمام القارئ.
وهكذا يصبح اختيار الكلمة جزءا من صناعة الموقع الذي سيحتله الإنسان في الحكاية.
11- الهوية والجندر: من يتكلم داخل اللغة؟
تكشف شيري سايمون جانبا آخر من هذه العلاقة حين تربط الترجمة بالهوية الثقافية والجندر وسياسات النقل.(10)
فاللغة نفسها ليست محايدة تجاه مواقع المتكلمين. وبعض الاختيارات الترجمية قد تعيد إنتاج علاقات قوة راسخة، في حين تحاول اختيارات أخرى كشفها أو مقاومتها.
وتتجاوز أهمية هذا المنظور سؤال ترجمة خطاب النساء أو الكتابة النسوية. إنه يذكرنا بأن كل متكلم يحتل موقعا داخل المجتمع، وأن هذا الموقع قد يكون مشفرا في اللغة بطرق دقيقة.
فالهوية لا تقول فقط: أنا عربي أو فارسي أو تركي أو إنكليزي.
إنها تقول أيضا: أنا امرأة أو رجل، من مركز أو هامش، من طبقة اجتماعية بعينها، من جيل بعينه، من مدينة أو قرية، من لغة مهيمنة أو لغة مهددة.
وحين تقوم الترجمة بتسوية هذه الاختلافات من أجل الطلاقة، قد تنتج نصا جميلا وتنتج في الوقت نفسه إنسانا أقل تعقيدا.
12- المترجم بين الأمانة للنص والأمانة للإنسان
اعتادت أخلاقيات الترجمة أن تضع "الأمانة" في علاقتها بالنص الأصلي.
لكن ماذا لو احتجنا إلى توسيع هذا المفهوم؟
يمكن أن يكون المترجم أمينا لمعنى الجملة وغير أمين لصوت المتكلم.
يمكن أن يكون أمينا للخبر وغير أمين للموقع الاجتماعي.
يمكن أن يكون أمينا للمرجع وغير أمين للذاكرة.
يمكن أن يكون أمينا للبلاغة وغير أمين للهوية.
وهذا لا يعني أن على المترجم أن يحتفظ بكل ملمح من الأصل، فذلك مستحيل، ولا أن يقدس الغرابة، ولا أن يمتنع عن التكييف، ونما المقصود هو أن يدخل الوعي الهوياتي ضمن عملية اتخاذ القرار.
فقبل أن يسأل: ماذا تعني هذه العبارة؟ ، عليه أحيانا أن يسأل: ماذا تقول هذه العبارة عن الإنسان الذي ينطق بها؟ ثم:ماذا سيبقى من هذا الإنسان بعد أن أترجمها؟.
13- من التكافؤ الدلالي إلى التكافؤ الهوياتي
ربما نحتاج هنا إلى إضافة مستوى آخر إلى أدوات التفكير في الترجمةوهو لتكافؤ الهوياتي.
لا يقصد به تطابق هويتي بين الأصل والترجمة، فذلك غير ممكن نظريا وعمليا، كما لا يقصد به تثبيت الهوية وكأنها جوهر مغلق.
المقصود هو مقدار محافظة الترجمة على الملامح التي تجعل الصوت صوت هذا الإنسان أو هذه الجماعة تحديدا، حتى بعد انتقاله إلى نظام لغوي وثقافي مختلف.
اننا نتمكن من تصور فجوة هوياتية عندما:
• يبقى المعنى وتختفي الذاكرة الثقافية
• تبقى الحجة ويتغير موقع المتكلم الاجتماعي
• يبقى الحدث وتتغير سرديته
• يبقى الحوار وتختفي علاقات الاحترام والقرابة والسلطة
• تبقى الفكرة ويختفي الانتماء
• تبقى الكلمات ويصبح صاحبها شخصا آخر
وهنا تظهر المفارقة التي ينبغي أن يعاد على أساسها التفكير في مفهوم الخطأ الترجماتي:
قد تكون الترجمة صحيحة دلاليا، مقبولة نحويا، جميلة أسلوبيا، وناجحة تداوليا، ومع ذلك تكون ناقصة هوياتيا.
وهذا النوع من الخلل أخطر من بعض الأخطاء المعجمية، لأنه أقل ظهورا.
ونحن قد نتمكن من تصحيح كلمة خاطئة حين نكتشفها؛ أما الإنسان الذي أعادت الترجمة تشكيله بصمت، فقد يدخل ثقافة كاملة في صورته الجديدة من دون أن يشعر أحد أن خطأ وقع.
خاتمة: أي إنسان يخرج من الترجمة؟
لم تعد الترجمة، بعد المنعطف الثقافي وما تبعه من أسئلة السلطة وإعادة الكتابة وما بعد الاستعمار والجندر والهجرة والشتات والسرد، قابلة للاختزال في انتقال الكلمات بين اللغات. لقد أصبحت مكانا تتفاوض فيه الثقافات على حدودها، والجماعات على ذاكرتها، والأفراد على صورتهم أمام الآخرين.
ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال الأخير في نقد الترجمة:هل قال النص المترجم ما قاله الأصل؟.
بل ينبغي أن يتجاوزه إلى سؤال أكثر حساسية: من أصبح المتكلم بعد أن ترجمناه؟
فبين النص الأول والنص الثاني لا تعبر الكلمات وحدها.
بل يعبر معها الإنسان، وقد يصل إلى الضفة الأخرى محتفظا بصوته وذاكرته وموقعه في العالم، وقد يصل وقد تغير شيء لا ترصده المعاجم ولا تقيسه قواعد التكافؤ التقليدية.
وعند هذه اللحظة تحديدا تصير الترجمة حدثا هوياتيا.
ولمهمة الأخلاقية الأعمق للمترجم ليست أن يمنع الهوية من التغير، فهذا مستحيل، بل أن يدرك متى يكون هو نفسه قد بدأ يغيرها.
فالترجمة لا تسألنا فقط:كيف ننقل الإنسان إلى لغة أخرى؟
إنها تسألنا قبل ذلك: كم من الإنسان يمكن أن يتغير قبل أن لا يعود هو نفسه؟
الهوامش والمصادر
1. Susan Bassnett and André Lefevere, eds., Translation, History and Culture, London: Pinter Publishers, 1990. ينظر بخاصة إلى المقدمة التي ارتبط بها ترسيخ مفهوم المنعطف الثقافي في دراسات الترجمة.
2. André Lefevere, Translation, Rewriting, and the Manipulation of Literary Fame, London/New York: Routledge, 1992.
3. Maria Tymoczko, Translation in a Postcolonial Context: Early Irish Literature in English Translation, Manchester: St. Jerome Publishing, 1999.
4. Lawrence Venuti, The Translator’s Invisibility: A History of Translation, London/New York: Routledge, 1995.
5. Stuart Hall, “Cultural Identity and Diaspora,” in Jonathan Rutherford, ed., Identity: Community, Culture, Difference, London: Lawrence & Wishart, 1990, pp. 222–237.
6. Homi K. Bhabha, The Location of Culture, London/New York: Routledge, 1994.
7. Michael Cronin, Translation and Identity, London/New York: Routledge, 2006.
8. Edwin Gentzler, Translation and Identity in the Americas: New -dir-ections in Translation Theory, London/New York: Routledge, 2008.
9. Mona Baker, Translation and Conflict: A Narrative Account, London/New York: Routledge, 2006.
10. Sherry Simon, Gender in Translation: Cultural Identity and the Politics of Transmission, London/New York: Routledge, 1996.
11. Susan Bassnett, “Culture and Translation,” in Piotr Kuhiwczak and Karin Littau, eds., A Companion to Translation Studies, Clevedon: Multilingual Matters, 2007, pp. 13–23.
12. Maria Tymoczko, Enlarging Translation, Empowering Translators, Manchester: St. Jerome Publishing, 2007.
13. Lawrence Venuti, The Scandals of Translation: Towards an Ethics of Difference, London/New York: Routledge, 1998.
14. Mona Baker, “Reframing Conflict in Translation,” Social Semiotics, Vol. 17, No. 2, 2007, pp. 151–169.
15. Sherry Simon, Cities in Translation: Intersections of Language and Memory, London/New York: Routledge, 2012.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟