مارك سانغاني
(Marc B. Sanganee)
الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 11:10
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
خلال السنوات الأخيرة، جرى توجيه اتهامات متزايدة إلى عدد من النشطاء المؤيدين لفلسطين وغيرهم من منتقدي الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، بتهمة تمجيد الإرهاب في الدنمارك. ويبدو أن الدور وصل الآن أيضا إلى صحيفة Arbejderen.
إن دعم Arbejderen لنضال الفلسطينيين من أجل الحرية قد ينتهي بتوجيه اتهام إليها بدعم الإرهاب.
مارك ب. سانغاني، رئيس التحرير المسؤول، ولوكاس كارن، المحرر السياسي في Arbejderen
يوم الثلاثاء 8 سبتمبر، تلقينا في هيئة تحرير Arbejderen اتصالا من شرطة كوبنهاغن، أبلغتنا فيه بأنه سيتم توجيه اتهام إلى Arbejderen بتمجيد الإرهاب.
ويقال إن الأمر يتعلق بمقال رأي نشرته Arbejderen في أكتوبر 2023، يشير إلى أن الفلسطينيين، وفقا للقانون الدولي، لهم الحق في خوض مقاومة مسلحة ضد قوة الاحتلال الإسرائيلية.
وفي وقت كتابة هذا المقال، لم نتلق بعد أي لائحة اتهام رسمية، ولذلك لا نعرف ما الذي سيحدث لاحقا. وبهذا المعنى، وجدنا أنفسنا في الوضع نفسه الذي وجد فيه كثيرون آخرون أنفسهم خلال السنوات الثلاث الماضية، بعد أن تواصلت معهم الشرطة أو وجهت إليهم اتهامات بدعم الإرهاب بسبب تصريحات ومواقف تتعلق بفلسطين. لكن الفرق هو أن Arbejderen وسيلة إعلامية، وهذا أمر جديد بلا شك!
إن الاتهامات العديدة الموجهة إلى المتعاطفين مع فلسطين لم تأت من فراغ، بل جاءت نتيجة دعوات مباشرة من كل من رئيسة الوزراء ووزير العدل.
ففي نوفمبر 2023، وجهت رئيسة الوزراء مته فريدريكسن رسالة إلى وزير العدل أعربت فيها عن قلقها إزاء «سلوك مثير للقلق» لاحظته. وكتبت: «إن هذا يظهر بوضوح أن هناك أشخاصا في الدنمارك لم يتبنوا قيمنا الدنماركية».
وبناء على ذلك، طلبت من وزارة العدل تقديم تقرير حول «كيفية استخدام الشرطة والنيابة العامة للحماية الجنائية، بما في ذلك ما يتعلق بالتحريض على الإرهاب وتمجيده وما إلى ذلك، في سياق المظاهرات والتصريحات العلنية الأخيرة المتعلقة بالصراع في إسرائيل وغزة».
بعد ذلك بدأت سلسلة من التطورات. فقد ردت وزارة العدل ووجهت تعليمات إلى المدعي العام بضرورة إيلاء اهتمام إضافي لقضايا تمجيد الإرهاب.
وأدى ذلك إلى فتح عدد كبير من القضايا، فيما خضع عدد أكبر منها للتحقيق. كما طلب المدعي العام إحالة كل اتهام يتعلق بتمجيد الإرهاب إليه بشكل منفصل، حتى القضايا التي ترى الشرطة أنها تفتقر إلى أساس.
ومن الصعب معرفة العدد الدقيق لهذه القضايا. لكن وفقا لصحيفة Politiken، كانت هناك 31 قضية تتعلق بتمجيد الإرهاب بين عامي 2023 و2025. ومن بينها تمت تبرئة تسعة أشخاص، فيما كانت أربع قضايا لا تزال بانتظار صدور الأحكام عندما أعدت Politiken إحصاءها في أبريل من العام الماضي.
وقد لفت العدد الكبير من أحكام البراءة انتباه عدد من الأشخاص، من بينهم أستاذة القانون الفخرية إيفا سميث. ففي مقال نشرته في صحيفة Altinget في أبريل 2025، كتبت أنه في القضايا الجنائية «العادية» في الدنمارك تتم الإدانة في 90 بالمئة من الحالات، أي إن 90 بالمئة من المتهمين تثبت إدانتهم. أما في قضايا تمجيد الإرهاب، فلا تتم الإدانة إلا في 50 بالمئة من الحالات.
فعادة ما ترفع الشرطة القضايا التي تتوقع أن تؤدي إلى الإدانة، لكن الأمر يختلف في هذه القضايا. وترى إيفا سميث أن ذلك يمثل تدخلا سياسيا في عمل المدعي العام، الذي يفترض، وفقا لقانون الإجراءات القضائية، أن يكون مستقلا:
«في القضايا المحددة، اضطر المتهمون إلى تحمل عبء اتهامهم بارتكاب جريمة خطيرة وموصومة اجتماعيا، ليس لأن النيابة العامة كانت تعتقد أنهم مذنبون، بل لأنهم اتبعوا توجيها سياسيا يقضي برفع أكبر عدد ممكن من القضايا».
وهكذا أصبح قانون مكافحة الإرهاب، بحسب هذا الطرح، أداة سياسية تستخدمها الحكومة لقمع الآراء التي تتعارض مع السياسة الرسمية للدنمارك.
قضية «Oprør»
ليست هذه المرة الأولى التي تجد فيها Arbejderen نفسها في مواجهة مع قانون مكافحة الإرهاب. فقد حدث ذلك أيضا عام 2006، عندما أزالت شرطة كوبنهاغن وثيقة من موقع Arbejderen الإلكتروني، مستندة إلى قانون مكافحة الإرهاب.
ومن المهم التذكير بأن قانون مكافحة الإرهاب دخل التشريعات الدنماركية لأول مرة عام 2002، ثم جرى تشديده لاحقا. وقد حذر كثيرون في ذلك الوقت من عواقب التشريع الجديد. وحتى داخل الأحزاب اليمينية والمحافظة كانت هناك مخاوف واعتراضات. كما حذر نشطاء سياسيون وقانونيون ومتخصصون من المسار الخطير الذي بدأ آنذاك.
وكان من بين هؤلاء عضو البرلمان الدنماركي السابق بريبان فيلهيلم، الحاصل على درجة الدكتوراه في القانون، الذي قال في مايو 2002:
«إن حزمة مكافحة الإرهاب تمثل تغييرا في العلاقة بين سلطات الدولة وحقوق الفرد القانونية، وهو تغيير يتجاوز، من حيث شموله، مجموع جميع التغييرات التي أدخلت منذ تأسيس دولة القانون الدنماركية مع إصلاح نظام الإجراءات القضائية عام 1919».
ومع قانون مكافحة الإرهاب، جرى التعامل مع النشاط السياسي بوصفه إرهابا. وأصبح التضامن مع حركات التحرر جريمة إذا كانت هذه الحركات مدرجة على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية. وقد أشير خلال النقاش الذي سبق إقرار القانون إلى أنه لو كان هذا القانون ساريا أثناء حرب فيتنام أو خلال نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، لكان جزء كبير من حركة التضامن الدنماركية قد أدين.
وكانت جمعية Oprør، التي تأسست عام 2004، من بين الجهات التي قررت تحدي قانون مكافحة الإرهاب. واحتجت الجمعية على تجريم تقديم الدعم لحركات التحرر، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC)، لمجرد أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي صنفاها كمنظمات إرهابية.
وفي عام 2005، نشرت Oprør نداء دوليا دعا إلى دعم حركات التحرر التي تناضل من أجل أهداف علمانية وديمقراطية وإنسانية، بغض النظر عما إذا كانت مدرجة على قائمة الإرهاب الخاصة بالاتحاد الأوروبي. وكتبت Oprør في ندائها:
«تستخدم الحكومات الأوروبية التشريعات الحالية لمكافحة الإرهاب لفرض قيود على حرية التعبير والحقوق السياسية للمواطنين، بما في ذلك الحق في إيصال الدعم المعنوي والمادي إلى حركات المقاومة والتحرر في العالم».
وبعد فترة قصيرة، وجهت إلى المتحدث باسم Oprør، باتريك ماك مانوس، تهمة الدعوة إلى دعم الإرهاب.
وكانت Arbejderen تتابع قضية Oprør عن كثب، فنشرت النداء في نسختها الورقية، ثم وضعته لاحقا على موقعها الإلكتروني. وأدى ذلك إلى أن تتلقى شركة استضافة الموقع الإلكتروني للصحيفة في 24 فبراير 2006 رسالة من شرطة كوبنهاغن تطالبها بإزالة النداء فورا من موقع Arbejderen، وإلا فإن الشركة قد تواجه قضية جنائية.
ولم تتلق صحيفة Arbejderen نفسها أي إخطار من شرطة كوبنهاغن. فقد علمنا بالقضية عندما اتصل بنا مزود خدمة الإنترنت. وعندما اتصلنا بمبادرة منا بالمدعي العام في الشرطة، مايكل يورغنسن، قال إن تحرك الشرطة كان قانونيا تماما. وشرح أن الإجراء الذي اتخذته الشرطة مماثل لما كانت ستفعله لو كان موقعنا يحتوي على مواد إباحية للأطفال، مضيفا أنه في مثل هذه الحالات لا يمكن انتظار صدور أمر قضائي...
حرية التعبير وحرية الصحافة
لكن المشكلة كانت أن Arbejderen كانت ولا تزال وسيلة إعلامية مسجلة لدى مجلس الصحافة، وبالتالي فإن موقع Arbejderen الإلكتروني يخضع لما يسمى «قانون مسؤولية وسائل الإعلام».
وهذا يعني أن الشرطة أو أي سلطات أخرى لا تملك الحق في التدخل في ما تنشره الصحيفة أو ما يظهر على موقعها الإلكتروني. وإذا كانت لدى السلطات اعتراضات على محتوى الصحيفة، فعليها أولا مخاطبة رئيس التحرير المسؤول، ثم اللجوء إلى القضاء.
لكن شرطة كوبنهاغن لم تفعل ذلك عام 2006، وهو ما دفع Arbejderen، بطبيعة الحال، إلى تقديم شكوى بشأن تحرك الشرطة إلى المدعي العام في الشرطة، والمدعي العام الأعلى، ورئيس الوزراء الذي كان يشغل أيضا منصب وزير الصحافة. كما تم إبلاغ جميع الأحزاب الممثلة في البرلمان الدنماركي، وأثيرت القضية من خلال عدد من الأسئلة الموجهة إلى كل من رئيس الوزراء ووزير العدل.
ولم يصل الرد إلا خلال جلسة استماع علنية في 23 يونيو، عندما أعلنت وزيرة العدل لينه إسبيرسن أن قانون مكافحة الإرهاب يتقدم على قانون مسؤولية وسائل الإعلام، لأن قانون مكافحة الإرهاب ينص على عقوبة قد تصل إلى عشر سنوات. ولذلك، بحسب تفسيرها، كان من المقبول أن تقوم شرطة كوبنهاغن بفرض الرقابة على موقع Arbejderen. وهو التفسير نفسه الذي كرره رئيس الوزراء آنذاك أندرس فوغ راسموسن.
لكن لم يتفق جميع الخبراء مع هذا التفسير. فقد وصف أولوف يورغنسن، الذي كان آنذاك محاضرا في المدرسة الدنماركية للصحافة وخبيرا في قانون الإعلام، القضية في يونيو 2006 بأنها «عبثية». وقال في مقابلة مع Arbejderen:
«إن الادعاء بأن Arbejderen مسؤولة عن فعل يمكن أن تصل عقوبته إلى السجن عشر سنوات هو اتهام خطير للغاية. ورئيس تحرير الصحيفة لم يقدم إليه حتى مثل هذا الاتهام. هذا أمر عبثي تماما، ولا يمكن أن يصمد».
كما أشار إلى أن وسائل الإعلام تتمتع بحماية موسعة لحرية التعبير:
«إن Arbejderen وسيلة إعلامية، ولذلك تتمتع وسائل الإعلام بحماية موسعة. كانت "جريمة" الصحيفة تتمثل في أنها نقلت ووثقت جمع Oprør للأموال. لكن لوسائل الإعلام كامل الحق في تغطية وتوثيق عمل غير قانوني».
والآن، بعد مرور 20 عاما، قد تجد Arbejderen نفسها مرة أخرى أمام القضاء. لكن دعونا نؤكد الأمر بوضوح: إن Arbejderen لا تؤيد الإرهاب، ولم تؤيده يوما، سواء كان الإرهاب الذي ينفذه أفراد أو منظمات أو دول. ونحن ندين قتل المدنيين وغير ذلك من الانتهاكات بحقهم.
نحن نؤيد حق كل شعب في النضال ضد الاحتلال والقمع. ونؤيد الشعب الفلسطيني وحقه في المقاومة، بما في ذلك استخدام الكفاح المسلح، ضد سلطة الاحتلال الإسرائيلية، كما هو منصوص عليه أيضا في القانون الدولي.
ونحن نشعر بقلق عميق إزاء العواقب التي ترتبت على قانون مكافحة الإرهاب في الدنمارك، ولا سيما بالنسبة إلى حرية التعبير.
ولا يمكن النظر إلى أي اتهام محتمل ضد Arbejderen بتمجيد الإرهاب بمعزل عن السياق. فهو يأتي في إطار صراع ضد النشطاء الفلسطينيين والأصوات التي تطالب بوقف الإبادة الجماعية الجارية في فلسطين، وتطالب بإنهاء الاحتلال وبحرية شعب يعيش منذ عقود تحت أشكال بالغة القسوة من القمع.
وتصف نوي مونك، رئيسة جمعية السياسة القانونية، توجيه رئيسة الوزراء للنيابة العامة برفع قضايا تتعلق بتمجيد الإرهاب بأنه «واحد من أخطر القيود على حرية التعبير في العصر الحديث». ونحن في هيئة التحرير نتفق معها تماما.
https://arbejderen.dk/indland/nej-arbejderen-stoetter-ikke-terror/
#مارك_سانغاني (هاشتاغ)
Marc_B._Sanganee#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟