رزيقة عدناني
فيلسوفة، باحثة في الفكر الإسلامي و كاتبة فرنسية ـ جزاذرية
(Razika Adnani)
الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 00:47
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
فشل الولايات المتحدة، القوة العسكرية الرائدة في العالم، في حربها ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الذي يتأكد كحقيقة يوما بعد يوم، مكّن إيران من اكتساب قوة لم تكن لها من قبل. لم يقتصر الأمر على قدرتها على الصمود ضد الولايات المتحدة، ولا على تأكيد طموحها في امتلاك أسلحة نووية، بإزالة العقبة التي وضعتها أمامها الولايات المتحدة، بل تعدّاه إلى المكاسب الاستراتيجية التي حصلت عليها. ولا شك أن خطاب الرئيس الإيراني خلال قمة رؤساء دول مجموعة بريكس وحضوره في اليونسكو دليل على ذلك. إن انعكاسات هذه المكاسب الإيرانية على المملكة السعودية بعد نهاية عهد الحماية الأمريكية للمملكة السعودية وللدول الخليجية السنية الأخرى كانت متوقعة جدًّا، انعكاسات تنبئ بوقوع حرب بين البلدين. فلماذا المملكة العربية السعودية بالضبط؟ ما حقيقة الصراع بين هذين البلدين؟ وهل هناك من حل لهذه الحروب والصراعات في الشرق الأوسط؟
السنة والشيعة، صراع قديم
المملكة العربية السعودية ذات الأغلبية السنية هي أكبر وأهم دولة في العالم الإسلامي لكونها مهد الإسلام، وعلى أراضيها توجد أقدس المواقع الإسلامية: مكة والمدينة. أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فهي المركز الرئيسي للمذهب الشيعي، إذ تضمّ أكبر عدد من الشيعة في العالم ويسيطر عليها رجال الدين، المتميزون بعمائمهم السوداء، الذين يدّعون النسب إلى نبي الإسلام محمد. بين الدولتين الجارتين منافسات سياسية، يعتبرها المحللون حربًا باردة بينهما، نشأت منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية الشيعية الإيرانية عام 1979، لكن لها جذور تاريخية تعود إلى زمن بعيد، وتحديدًا إلى وفاة النبي محمد. في البداية، كانت المنافسات ذات طابع سياسي، ثم أصبحت أكثر تعقيدًا وعمقًا حين اتخذت فوق ذلك طابعًا دينيًا مع انقسام الإسلام إلى فرعين: الشيعة والسنة.
لا تزال هذه المنافسات إلى يومنا هذا تغذيها ذكريات من كلا الجانبين. لم ينسَ الشيعة أبدًا المجازر التي تعرضوا لها على أيدي السنة والتي دفعتهم، أي الشيعة الاثني عشرية، إلى الابتعاد عن السياسة وإعلانهم اختفاء إمامهم «المهدي»، وهو أمر لم يجدوا له حلاً إلا في عهد الخميني (1900-1989)، الذي سمح للملالي باستئناف النشاط السياسي بفضل مفهوم «ولاية الفقيه» الذي ابتكره. كذلك لم ينسَ السنة أبدًا أن الشيعة كانوا أشد خصومهم السياسيين، وأنهم نجحوا مرارًا في تهديد سلطتهم السياسية والسيطرة على المدينتين المقدستين، مكة والمدينة، خلال العصر الفاطمي (909-1171).
على الصعيد الديني، يعتبر السنة أن الشيعة هرطقة. وقد أعلن ابن باز، مفتي المملكة العربية السعودية من عام 1992 حتى وفاته عام 1999، أن الخميني وكل الشيعة الاثني عشرية، الذين بيدهم السلطة في الدولة الإيرانية، كفار. في عام 2008 اتهم الوهابيون الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمحاولة نشر المذهب الشيعي في السعودية. أما الشيعة فيعتبرون أن السنة قد حرّفوا الإسلام، ويعتقدون بضرورة نشر الإسلام الشيعي، بوصفه الإسلام الحق، بين جميع المسلمين، وهذا أيضًا هو هدف الأيديولوجية السياسية والدينية للدولة الإيرانية كما صاغها الخميني. في الكتاب الأخضر للإمام الخميني، الذي يؤكد فيه أن العالم الإسلامي لا بد أن يكون شعبًا واحدًا تحت سلطة الإمام الشيعي. ومن أهداف الشيعة أيضًا الأخذ بثأر عليّ وابنه الحسين، إضافة إلى استعادة مكة والمدينة. يعتبر الشيعة أن سيطرتهم على المدينتين حقًّا مشروعًا بصفتهم من نسل النبي، الذين يُطلق عليهم اسم «أهل البيت».
بين إيران والسعودية، صراع قبلي
في الحقيقة، الصراع السياسي والديني بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإيرانية ليس صراعًا بين الإيرانيين والعرب، بل بين العرب أنفسهم. ما دام الملالي يعتبرون أنفسهم عربًا من ذرية علي وفاطمة بنت النبي محمد، المنتميَيْن إلى قبيلة قريش. اعتبر عليٌّ نفسه من أهل البيت، وبالتالي الأحق بالسلطة، بينما رأت العائلات القريشية الأخرى هي أيضًا أنها أهل للسلطة. في عام 657، اندلعت حرب أهلية بين علي بن أبي طالب، الخليفة الرابع وأول إمام للشيعة، من بني هاشم، ووالي دمشق من بني أمية. كانت حربًا قبلية بين مسلمي مكة، والتي ما تزال مستمرة إلى يومنا هذا. لذلك فإن الحرب المندلعة اليوم بين السعودية والحوثيين في اليمن، وهم شيعة أيضًا ومن ميليشيات إيران، هي في عمقها صراع قبلي قديم، على الرغم من أن آل سعود، الذين يحكمون السعودية حاليًا، هم من نجد، وسط الجزيرة العربية، وليسوا من مكة. بسبب كل العوامل التاريخية والسياسية والدينية، يصعب أن نتصور أن رجال الدين في إيران سيفوّتون الفرصة، التي حصلوا عليها بعد فشل الولايات المتحدة الأمريكية أمامهم، لمحاولة تحقيق أهدافهم السياسية والدينية، ولا سيما ما يعتبرونه استرجاعًا لمكة والمدينة.
الحماية الخارجية ليست الحل
نستنتج من هذه الوضعية أن الحماية الخارجية، سواء كانت من طرف الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها، ليست الحل لإنهاء المنافسات والحروب الدينية والسياسية بين السنة والشيعة، خاصة بين إيران والسعودية، وأنّ الشرق الأوسط، بل العالم الإسلامي كله، لن يخرج من أزماته السياسية وحروبه الدينية إلا بفصل الإسلام عن السياسة. كذلك لم تنتهِ الحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا إلا بالفصل بين الدين والسياسة. وهي الحروب التي جعلت الكاثوليك في فرنسا، في باريس ومدن أخرى، في سنة 1572 يقتلون آلاف البروتستانت يومي 23 و24 أوت. من المؤكد أن الدول الأوروبية لم تعلن كلها في دساتيرها الفصل بين الدين والسياسة، لكنها جعلت السياسة مستقلة في قراراتها، أي إنها لا تخضع للقوانين الدينية ولا لطموحات رجال الدين.
كذلك لا يمكن أن تخرج الدول الإسلامية من حروبها الدينية والسياسية إلا إذا خرجت من تصورها للدولة التي تخضع لقوانين الدين وأهدافه، ومن تصورها للإسلام الذي يخضع لأهداف السياسة إلى درجة تحوّله إلى سياسة، وإن كانت العلاقة المتداخلة بين الإسلام والسياسة ليست علاقة خضوع فقط، بل علاقة استغلال أيضًا: استغلال الدين للسياسة لتحقيق أهداف رجال الدين، واستغلال السياسة للدين لتحقيق أهدافها.
لا بد للسياسة في الدول ذات الأغلبية المسلمة أن يكون هدفها الوحيد تحقيق الرفاهية الدنيوية للأفراد. أما الأهداف الروحية والأخروية فتُترك للدين الذي يجب ألّا يتدخل في أمور السياسة حتى يحافظ على طبيعته كدين يهتم بالحياة الروحية وعلاقة الإنسان بالله - وهو المعنى الذي تُفهم به كلمة «دين» لدى الكثير من الفلاسفة. لا بد ألّا تعتبر السياسة نفسها دينًا، وألّا يتحول الدين إلى سياسة. فصل الإسلام عن السياسة هو الهدف الأساسي للإصلاح الذي يحتاج إليه الإسلام اليوم؛ وهو الإصلاح الذي ينظر إلى المستقبل، وليس الإصلاح السلفي الذي يدير وجهه إلى الماضي.
باريس 27 سبتمبر 2026
#رزيقة_عدناني (هاشتاغ)
Razika_Adnani#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟