|
|
تحويات الوعي والأنماط المنطقية عند رائق النقري: قراءة في «فقه المصالح»
حسين جمعة
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 10:07
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
المقدمة
كان أول عهدي بمدرسة «المنطق الحيوي» من خلال الإستماع إلى محاضرات للدكتور رائق النقري منشورة عبر الإنترنت. وفي بداية اطلاعي، لم أتعامل مع هذه المحاضرات بوصفها نظرية فلسفية مكتملة، وإنما لفت انتباهي فيها اختلاف اللغة والمصطلحات والتعبيرات التي يستخدمها النقري في تناول القضايا الفكرية والدينية والسياسية. فقد صادفت تعابير بدت غير مألوفة، وكأن للنقري معجمه الخاص في صياغة المفاهيم؛ فما الذي يعنيه مثلاً بـ «مربّع المصالح» و«البداهة الحيوية» و«قرآن القرآن» و«القرء الحيوي»، وغيرها من المصطلحات التي بدت في البداية غريبة عن اللغة الفكرية المألوفة؟ ومع تكرار الاستماع إلى محاضراته، بدأت أدرك أن هذا الاختلاف الاصطلاحي لم يكن مجرد اختلاف في أسلوب التعبير، بل كان مرتبطاً بمحاولة بناء لغة ومفاهيم جديدة لقراءة الإنسان والدين والسياسة والمجتمع من منظور حيوي. ومن هنا نشأ فضولي في معرفة المقصود بهذه المفاهيم، والنظام الفكري الذي تنتظم ضمنه
بعد ذلك، إنتقلت من الاستماع إلى المحاضرات إلى قراءة أعمال الدكتور النقري، رغبةً في فهم مصطلحاته ومنهجه بصورة أعمق، وعدم الاكتفاء بالعرض الشفهي لأفكاره. ومن بين الكتب التي اطلعت عليها برزت ثلاثة أعمال على وجه الخصوص: «الأيديولوجيا الحيوية»، و«فقه المصالح»، و«المهدي الحيوي المنتظر». وقد أتاحت لي قراءة هذه الأعمال الانتقال من التعرف الأولي إلى محاولة فهم البنية الداخلية للمشروع؛ إذ بدا أن «المنطق الحيوي» ليس مجرد مجموعة من الأفكار المتفرقة، وإنما محاولة لبناء إطار معرفي يمكن من خلاله إعادة قراءة الدين والسياسة والمجتمع والتاريخ، وكذلك أنماط التفكير التي تشكل الوعي الإنساني.
من ضفاف العاصي إلى عواصم الغرب
ولفهم هذا المشروع بصورة أفضل، كان من الضروري الرجوع إلى المسار الفكري لمؤسسه، إذ تشكل تجربة رائق النقري الفكرية جزءاً مهماً من السياق الذي تبلورت فيه النظرية التي طورها. سنة 1947، وُلد النقري في حمص مدينة ابن الوليد على ضفاف العاصي وبدأ في شبابه باهتمامات فنية وأدبية، قبل أن يتجه تدريجياً نحو الأسئلة الفكرية والسياسية. وتظهر سنة 1967 بوصفها محطة مركزية في هذا المسار؛ فقد كانت هزيمة حزيران بالنسبة إليه أكثر من مجرد هزيمة عسكرية. إذ نظر إليها بوصفها مؤشراً على أزمة أعمق في أنماط التفكير السياسي والفكري السائدة آنذاك، ولا سيما الأشكال الأحادية للقومية والماركسية والإسلام السياسي. وفي أعقاب الهزيمة، انخرط النقري إلى جانب مجموعة من المدنيين والعسكريين في مسار فكري وتنظيمي عُرف لاحقاً بـ«التنظيم الحيوي» أو «الحيويين»، والذي تطور منه مشروع مدرسة دمشق للفكر النقدي والمنهجي ثم مدرسة دمشق للمنطق الحيوي.
لم يبدأ النقري من سؤال فلسفي تجريدي منفصل عن الواقع، وإنما من محاولة تفسير لماذا عجزت أنماط التفكير القائمة عن إنتاج واقع مختلف. ومن هنا أخذ مشروعه يتجه تدريجياً نحو البحث عن منطق آخر يستطيع أن يفسر الإنسان والمجتمع والتاريخ انطلاقاً من مفهوم الحياة، وليس فقط من مفاهيم الجوهر أو الصراع أو الأيديولوجيا. وقد قاد هذا المسار إلى صدور أول كتبه الفكرية، «الأيديولوجيا الحيوية» سنة 1970، ثم توالت أعماله الفكرية التي أسهمت في تطوير المشروع تدريجياً من محاولة نقد الأيديولوجيات القائمة إلى بناء تصور أوسع في المعرفة والمنطق والمجتمع والسياسة. لكن مسار النقري لم يكن فكرياً وأكاديمياً فقط، بل ارتبط أيضاً بتجربة سياسية مباشرة. أدى نشاط التنظيم الحيوي إلى انكشافه في سورية في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، واعتقال عدد من أعضائه، الأمر الذي دفع النقري إلى مغادرة سورية، متوجهاً أولاً إلى العراق، ثم الجزائر، ثم باريس. وتكتسب هذه الرحلة أهمية في فهم تطور مشروعه؛ إذ انتقل من تجربة فكرية وسياسية نشأت في دمشق إلى فضاءات عربية وأوروبية مختلفة، ثم إلى المجال الأكاديمي والفلسفي. في بغداد والجزائر واصل النقري تطوير أفكاره، بينما مثلت باريس مرحلة نوعية في مساره، انتقل فيها المشروع الحيوي من التجربة السياسية والفكرية إلى البحث الفلسفي والأكاديمي. وفي هذه المرحلة ناقش النقري في جامعة باريس أطروحة في الفلسفة حول «المبادئ الحيوية في الفكر الفلسفي والسياسي العربي المعاصر وتطبيق القانون الحيوي على الدراسات الاجتماعية». وارتبطت مناقشة الأطروحة بأسماء فلسفية بارزة، من بينها روجيه غارودي وفرانسوا شاتليه ورنيه شيرر. وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن النقري سعى إلى نقل مفهوم «الحيوية» من مستوى التجربة السياسية والفكرية إلى مستوى أكثر تنظيماً في الفلسفة ونظرية المعرفة والقانون الاجتماعي.
بعد المرحلة الباريسية، انتقل النقري إلى الجزائر، ولا سيما قسنطينة، مدينة الجسور المعلقة وعاصمة الشرق الجزائري، حيث تابع تقديم مشروعه وتدريسه، ثم اتجه لاحقاً إلى الولايات المتحدة، وبخاصة واشنطن، حيث واصل نشاطه الأكاديمي والفكري. وهكذا يمكن النظر إلى مساره باعتباره انتقالاً متدرجاً من تجربة سياسية وفكرية في دمشق، إلى تجربة فلسفية وأكاديمية في باريس والجزائر، ثم إلى واشنطن. وهذا المسار مهم لفهم المنطق الحيوي، لأن النظرية نفسها نشأت وتطورت عند تقاطع التجربة السياسية، والسؤال الفلسفي، والبحث في المعرفة، وتطبيق هذه الرؤية على مجالات متعددة من المجتمع والسياسة والدين.
هل للمصلحة «فقه»؟
يمثل كتاب «فقه المصالح» بالنسبة إليّ نقطة فارقة في الانتقال من التعرف إلى المنطق الحيوي إلى محاولة فهم النظرية من داخل بنيتها الفكرية. فالكتاب لا يتعامل مع «المصلحة» باعتبارها مجرد منفعة مادية أو سياسية مباشرة، وإنما يجعلها مدخلاً لفهم تحولات الوعي وأنماط التفكير التي حكمت الإنسان ومؤسساته عبر التاريخ. ومن هنا يرتبط «فقه المصالح» بالسؤال الذي يقف وراء المنطق الحيوي: كيف تتحول طريقة فهم الإنسان للحياة إلى طريقة في تنظيم مصالحه وعلاقته بالآخر؟ وكيف تؤثر أنماط المصالح والقوى بدورها في إنتاج المعرفة والسياسة والدين؟
ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة بين المعرفة والسياسة عنصراً أساسياً في مشروع النقري. فالنمط المعرفي الذي ينظر إلى الذات باعتبارها جوهراً ثابتاً ومتعالياً عن الآخر يمكن أن يرتبط بأنماط سياسية واجتماعية تقوم على الإنغلاق والإقصاء، بينما يتيح منطق آخر النظر إلى الإختلاف بوصفه جزءاً من حركة الحياة وتعدد المصالح. لذلك لا يقتصر «فقه المصالح» على السؤال عن المصالح التي يسعى إليها الإنسان، بل يتجه إلى سؤال أعمق حول المنطق الذي يحكم إدراك هذه المصالح وتنظيمها وإدارتها. ومن هنا يصبح الانتقال من منطق الجوهر إلى منطق الشكل، ومن منطق الصراع والنفي إلى المنطق الحيوي، إنتقالاً في طريقة إنتاج النظر إلى المعرفة بقدر ما هو انتقال في طريقة تنظيم السياسة والدين والمجتمع.
وبناءً على ذلك، سأحاول في هذا المقال قراءة «فقه المصالح» من خلال مفهوم تحولات الوعي والأنماط المنطقية، وتتبع انتقال الإنسان بين أنماط مختلفة من التفكير والتعامل مع الآخر والمصلحة: من منطق الجوهر والانغلاق، إلى الجوهر الصوري، ثم إلى منطق الصراع والنفي، فالنفي البراغماتي، وصولاً إلى المنطق الحيوي الشامل. ولا تهدف هذه القراءة إلى تقديم نظرية النقري باعتبارها حقيقة مكتملة أو نهائية، وإنما إلى فهم بنيتها الداخلية، وكيف يحاول صاحبها أن يربط بين الحياة والمصلحة والمعرفة والسياسة والدين ضمن نسق فكري واحد.
ومن هذا المدخل يمكن فهم «المنطق الحيوي» لا بوصفه مرحلة منفصلة عن تاريخ الفكر، بل بوصفه محاولة لإعادة قراءة هذا التاريخ من خلال تحولات العلاقة بين الإنسان والحياة والمصلحة. ولذلك سأعتمد في قراءة «فقه المصالح» انتقالاً من السؤال التقليدي: ما الذي يؤمن به الإنسان؟ إلى سؤال أوسع: كيف يفكر؟ وكيف ينتج معرفته؟ وكيف تتحول هذه المعرفة إلى دين أو سياسة أو نظام اجتماعي؟ وما أثر ذلك كله في المصالح الحيوية للإنسان والمجتمع؟
الأطوار في «فقه المصالح»
تتقدم أطروحة «فقه المصالح» للدكتور رائق النقري بوصفها منهجاً نقدياً يحاول قراءة حركة الوعي الإنساني وتطور أنماطه المنطقية عبر مجالات مختلفة من الحياة، بدءاً من الرؤى الدينية والعقائدية، مروراً بالتنظيمات السياسية والاجتماعية، وصولاً إلى أنماط التفكير وإنتاج المعرفة. ولا يقدم الكتاب المنطق الحيوي بوصفه مذهباً مغلقاً أو مجرد منظومة اعتقادية، بل باعتباره «هندسة معرفية» وقياساً إجرائياً يقرأ انتقال الوعي بين أنماط منطقية متعاقبة: من الجوهرية العنصرية والانغلاق، إلى الجوهر الصوري، ثم منطق الصراع والنفي الديالكتيكي، فالنفي البراغماتي بوصفه أعلى مراحل هذا المسار، وصولاً إلى المنطق الحيوي الشامل.
وتنتظم هذه الأطوار، في قراءة الكتاب، حول تحولات العلاقة بين الإنسان والآخر والمصلحة؛ من العزلة إلى التعاون، ومن الصراع إلى التوحيد عبر التنوع. وبذلك لا تبدو هذه الأطوار مجرد تصنيف تاريخي لأنماط التفكير، وإنما تشكل مساراً يحاول النقري من خلاله تفسير كيفية انتقال الوعي ومؤسساته بين أنماط مختلفة من تنظيم الحياة والمصالح. وفيما يلي سأحاول تتبع هذه الأطوار واحداً بعد آخر، وبيان انعكاس كل منها على الدين والسياسة والمجتمع والمعرفة.
أولاً: طور منطق الجوهر العنصري (تحويات العزلة أو الإنغلاق) «فقه المصالح»، ص 58، 104
يمثل هذا الطور، في تصور النقري، أكثر أنماط الوعي انغلاقاً؛ إذ يقوم على تثبيت الذات في جوهر مغلق، والنظر إليها باعتبارها حاملة لصفة ثابتة تمنحها التفوق أو المشروعية، في مقابل اختزال الآخر في صفات سلبية أو دونية. ومن ثم تتحول العلاقة بالآخر من علاقة تفاعل وتبادل إلى علاقة إقصاء وهيمنة، ويغدو الحفاظ على هوية الجماعة مرتبطاً بعزلها عن غيرها.
البنية المعرفية: تقوم على اعتبار الذات جوهراً ثابتاً ومتعالياً، بحيث تُقرأ هوية الفرد أو الجماعة من خلال انتماء جوهري سابق على التجربة والتفاعل، بينما يُختزل الآخر في صورة خارجية أو سلبية تبرر إقصاءه. المجال السياسي والاجتماعي: يظهر هذا النمط في الانغلاق ضمن العصبيات الضيقة، كالعشائرية والقبلية والطائفية والقوميات المنغلقة، حيث تتحول رابطة الانتماء إلى أساس لتوزيع الحقوق والسلطة، ويصبح احتكار القوة وإقصاء المختلف امتداداً لمنطق التفوق الجوهري.
المجال الديني والمعرفي: يتجلى في تحويل الاعتقاد أو الانتماء الديني إلى جوهر مغلق يحتكر الحقيقة، بحيث تُقاس مشروعية الآخر وفق انتمائه لا وفق أفعاله أو علاقته بالحياة والمصلحة. وبهذا يمكن أن يتحول الاختلاف الديني أو الفكري إلى آلية للتكفير أو التخوين والإقصاء.
وبهذا المعنى، لا يقتصر منطق الجوهر العنصري على موقف سياسي أو ديني بعينه، بل يشير إلى نمط من إنتاج المعرفة يجعل الاختلاف قائماً على ثنائيات ثابتة بين «نحن» و«هم»، ويحدّ من إمكانية التعاون أو إعادة تعريف المصالح المشتركة. ومن هنا تأتي صلته بـتحويات العزلة والانغلاق في قراءة النقري، حيث تصبح المحافظة على الذات غاية تتقدم على إمكانات التفاعل الحيوي معها ومع محيطها.
ثانياً: طور منطق الجوهر الصوري (تحويات التعاون والتكامل) «فقه المصالح»، ص 73، 74، 86
يمثل منطق الجوهر الصوري انتقالاً من المستوى الحسي المباشر إلى مستوى أكثر تجريداً، لكن هذا التجريد، في قراءة النقري، يظل أسير الشكل والرمز والمظهر. فإذا كان الجوهر العنصري يقوم على الانغلاق حول ذات أو هوية محددة، فإن الجوهر الصوري يسمح بقدر أكبر من التعايش والتكامل، لكن ضمن حدود شكلية لا تصل بالضرورة إلى التفاعل الحيوي العميق. ومن هنا يرتبط هذا الطور بما يسميه النقري «تحويات التعاون والتكامل»، حيث يصبح الآخر مقبولاً ما دام الاختلاف قابلاً للإدارة ضمن صيغ ورموز وأشكال محددة.
الترميز والاختزال المعرفي: يعتمد هذا النمط على ما يسميه النقري «الترميز الاختزالي»؛ أي تحويل المعاني المركبة إلى رموز وأشكال محددة، مثل الأيقونات والشمس والقمر والهلال والصليب، بحيث تصبح العلامة الشكلية وسيلة للتعريف بالهوية والانتماء. والمشكلة هنا ليست في وجود الرمز بحد ذاته، وإنما في اختزال المعنى الحيوي في الرمز والوقوف عند ظاهره دون النفاذ إلى ما يرتبط به من مصالح وغايات.
المجال الديني: يظهر ذلك في تغليب الطقوس والمظاهر والرموز على الغايات التي يفترض أن تحققها الممارسة الدينية في حياة الإنسان. فحين يتحول الشكل الديني إلى غاية مستقلة عن مقاصده الحيوية، يصبح الاهتمام منصباً على المحافظة على المظهر أكثر من فهم الوظيفة التي يؤديها في حياة الإنسان والمجتمع.
المجال السياسي والاجتماعي: يظهر منطق الجوهر الصوري في الاكتفاء بأشكال المؤسسات والشعارات والقواعد الرسمية، بحيث قد تبدو المشاركة والتعددية والتعايش قائمة من الناحية الشكلية، بينما تظل العلاقات الفعلية بين الجماعات محكومة بالانفصال أو التراتب. وهنا يصبح التعايش شكلياً أكثر منه اندماجاً حيوياً قائماً على المصالح المشتركة والتفاعل المتبادل.
النموذج الروماني والتعايش الصوري: يستحضر النقري النموذج الروماني في سياق حديثه عن هذا النمط، بوصفه مثالاً على إدارة التنوع من خلال الأشكال والرموز. فالسماح بتعدد المعتقدات والهويات داخل الإمبراطورية لا يعني بالضرورة تحقق اندماج حيوي بينها؛ إذ يمكن أن يبقى التنوع مقبولاً ما دام لا يتجاوز الإطار الذي تفرضه السلطة. وبذلك يصبح التعايش وسيلة لإدارة الاختلاف أكثر من كونه انتقالاً إلى وحدة قائمة على المصالح الحيوية المشتركة.
هولاكو والرمزية الاختزالية: ويستحضر النقري كذلك شخصية هولاكو والغزو المغولي في سياق إبراز وظيفة الرموز والأشكال في تنظيم العلاقة بين السلطة والجماعات الخاضعة لها. فاختزال علاقة الدولة أو الجماعة بالسلطة في رموز وأختام ومظاهر خارجية للطاعة يكشف، في هذا التصور، عن أولوية الشكل على القيمة الحيوية للإنسان ومصالحه.
وعليه، فإن الفرق بين الجوهر العنصري والجوهر الصوري لا يكمن في اختفاء الانغلاق كلياً، وإنما في تغير صورته: ففي الأول يكون الآخر مرفوضاً بسبب اختلافه الجوهري، بينما يصبح في الثاني مقبولاً ضمن صيغة شكلية محددة. وهذا يفتح الطريق إلى الطور التالي، حيث لا يعود الاختلاف مجرد تنوع يمكن إدارته، بل يتحول إلى تناقض وصراع ونفي للآخر.
ثالثاً: طور منطق الجوهر النافي الديالكتيكي (تحويات الصراع والتناقض) «فقه المصالح»، ص 62، 64، 74
يمثل منطق الجوهر النافي الديالكتيكي، في قراءة النقري، انتقالاً من مجرد الانغلاق أو التعايش الشكلي إلى بناء العلاقة مع الآخر على أساس الصراع والتناقض والنفي. فبدلاً من اعتبار الاختلاف تنوعاً يمكن استيعابه، يصبح التناقض جزءاً من بنية الوعي نفسها، وتغدو صحة الذات مرتبطة بإثبات خطأ الآخر أو إقصائه. ومن هنا يقوم هذا النمط على الاستقطاب وعلى تصور الصراع بوصفه آلية أساسية في تنظيم العلاقات السياسية والاجتماعية والفكرية.
الأيديولوجيات الحدية: يتجلى هذا المنطق في الصيغ الفكرية التي تحول الاختلاف إلى ثنائيات حادة ونهائية، مثل: «قومية خالدة»، «طائفة ناجية»، «طبقة إلهية»، «الحداثة ضد الرجعية»، و«العلمية ضد السحر». وفي مثل هذه الصيغ لا يعود الآخر مجرد مختلف، بل يتحول إلى نقيض ينبغي تجاوزه أو نفيه من أجل تثبيت حقيقة الذات.
التوسع الإمبراطوري والاستعمار: يربط النقري هذا الطور تاريخياً بأشكال من التوسع الإمبراطوري والاستعماري، حيث تتحول علاقة القوى المختلفة إلى علاقة هيمنة ونفي. وفي هذا السياق يستحضر نماذج الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية، بما فيها الفرنسية والبريطانية والبرتغالية والإيطالية، لبيان كيف يمكن أن يتحول التفوق السياسي والعسكري إلى وسيلة لإخضاع الشعوب والسيطرة على مواردها. ووفق قراءة النقري، يتأسس ذلك على منطق يثبت الذات من خلال إضعاف الآخر أو إخضاعه.
التناحر السياسي والاجتماعي: يظهر هذا المنطق كذلك في الصراعات الحادة بين التيارات القومية والماركسية والتنظيمات الفئوية، عندما تتحول المنافسة السياسية إلى علاقة إقصاء متبادل. وفي هذه الحالة لا تعود السياسة مجالاً لإدارة تعدد المصالح، بل تصبح ساحة لإثبات شرعية طرف من خلال نفي شرعية الطرف الآخر، بما قد يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية وتصاعد الصراعات الداخلية.
وبذلك يمثل هذا الطور، مقارنةً بالجوهر الصوري، انتقالاً من التعايش الشكلي إلى التناقض الفعلي. فالآخر لم يعد مقبولاً ما دام يحافظ على موقعه الشكلي، بل أصبح وجوده نفسه موضع صراع. ومن هنا يمهد هذا المنطق للطور التالي، الذي لا يتخلى عن النفي، ولكنه يتخلى تدريجياً عن الحاجة إلى تغطيته بأيديولوجيا أو مبدأ معلن.
رابعاً: طور النفي البراغماتي (أعلى مراحل الديالكتيك) «فقه المصالح»، ص 65
يخصص النقري للنفي البراغماتي طوراً مستقلاً، ويصفه بأنه «أعلى مراحل الديالكتيك». وفي هذا الطور يستمر منطق النفي، لكن من دون الحاجة بالضرورة إلى الاستناد إلى منظومة أيديولوجية متماسكة تبرره. فالمصلحة المباشرة تصبح أكثر حضوراً، ويصبح التعامل مع المبادئ والقيم أكثر مرونة تبعاً للنتيجة المراد تحقيقها.
البنية المعرفية: ينتقل النفي هنا من الاستناد إلى عقيدة أو أيديولوجيا معلنة إلى توظيف أكثر مباشرة للوسائل التي تحقق المصلحة. وبذلك يمكن أن تتراجع الشعارات والمبادئ المعلنة أمام الحساب العملي للقوة والمنفعة والكلفة.
المجال السياسي: تصبح المصلحة الخاصة المباشرة محوراً أساسياً في تفسير السلوك السياسي والدولي، بحيث يمكن للقوة والنفوذ والمناورة أن تحل محل الالتزام بمبدأ ثابت. ومن منظور النقري، يكمن الخطر في أن يتحول هذا النمط إلى قدرة على تحقيق المصلحة بأقل كلفة، مع استمرار نفي مصالح الآخرين.
التحول من الأيديولوجيا إلى البراغماتية: إذا كان النفي الديالكتيكي يحتاج إلى تبرير نفسه من خلال صراع بين مبادئ أو هويات متعارضة، فإن النفي البراغماتي يستطيع أن يتجاوز هذه الحاجة، فيستخدم المبدأ حين يخدم المصلحة ويتخلى عنه حين يصبح عائقاً أمامها. وهنا تصبح المرونة الأداتية جزءاً من بنية النفي نفسها.
ومن ثم، فإن الانتقال من الجوهر النافي الديالكتيكي إلى النفي البراغماتي لا يعني اختفاء الصراع، بل تغير طريقة ممارسته: من صراع يستند إلى هويات وأيديولوجيات ومبادئ معلنة، إلى صراع أكثر مباشرة تحكمه حسابات المصلحة والقوة والنتيجة. وهذا التمييز يمهد في مشروع النقري للانتقال إلى الطور الذي يقترحه بديلاً عن هذه الأنماط، أي المنطق الحيوي الشامل، حيث لا تكون المصلحة مجرد أداة لنفي الآخر، وإنما تصبح موضوعاً لإدارة التعدد والتعاون والصراع ضمن حركة الحياة.
خامساً: طور المنطق الموحد للشكل الحيوي (تحويات العولمة والتوحيد عبر التنوع) «فقه المصالح»، ص 43، 74، 78، 99، 104
يمثل المنطق الموحد للشكل الحيوي، في تصور النقري، انتقالاً إلى نمط أكثر شمولاً في تنظيم العلاقة بين الإنسان والآخر والمصلحة. فهو لا يقوم على إلغاء الاختلاف أو إنكار وجود الصراع، وإنما يتجاوز منطق الأحادية والنفي من خلال استيعاب التنوع والصيرورة وتعدد المصالح ضمن إطار حيوي شامل. ومن هنا يصبح الهدف ليس القضاء على الاختلاف، بل القدرة على إدارته وتحويله إلى إمكان للتعاون والتكامل والتوحيد عبر التنوع.
إدارة دارات المصالح: يقوم المنطق الحيوي على القدرة على إدارة الدارات المختلفة للمصلحة: العزلة، والتعاون، والصراع، والتوحيد. فهو لا يلغي الصراع باعتباره واقعاً من وقائع الحياة، لكنه يرفض تحويله إلى قاعدة وحيدة لتنظيم العلاقات. ويصبح التعاون والتضامن أساساً لبناء المصالح المشتركة، بينما يمكن اللجوء إلى العزلة أو الحياد عند الضرورة لدرء المفاسد، وإدارة الصراع ضمن حدوده التي تقتضيها حماية المصالح والحقوق، دون تحويله إلى وسيلة دائمة لنفي الآخر. وبذلك يسعى المنطق الحيوي إلى تحقيق التوازن بين هذه الدارات بدلاً من اختزال الحياة في واحدة منها.
المجال السياسي والمواطنة: ينعكس هذا المنطق في تصور سياسي يقوم على التعددية والمشاركة الديمقراطية وحرية التعبير والمبادرة السلمية، وعلى توسيع مفهوم المواطنة ليشمل مختلف الفئات دون إخضاعها لتصنيفات جوهرية مغلقة. كما يرتبط بتأكيد حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق المرأة والطفل والشعوب، في مقابل النماذج السياسية التي تقوم على الشمولية واحتكار السلطة وإقصاء الاختلاف.
ألمجال الديني والمعرفي: ينظر النقري إلى العبادات والرسالات من منظور حيوي يتجاوز الاقتصار على أشكالها الخارجية، ويربطها بمفهوم «الحي القيوم» وبإمكان تجديد الصلة بالخالق بعيداً عن الوساطات والأشكال الصورية الجامدة. كما يمتد هذا المنظور إلى المعرفة والتقنية، حيث تصبح المعلوماتية والتقنيات الحديثة والأتمتة أدوات يمكن توظيفها في إعمار الأرض وتحقيق ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
وبذلك لا يمثل المنطق الحيوي مجرد مرحلة خامسة تضاف إلى المراحل السابقة، بل يمثل إعادة تنظيم للعلاقة بينها: فالعزلة لا تختفي، والتعاون لا يصبح مطلقاً، والصراع لا يُنكر، وإنما تتحول هذه الأشكال إلى إمكانات يمكن إدارتها بحسب طبيعة المصلحة والظرف. ومن هنا تكمن خصوصية «الشكل الحيوي الشامل» في أنه يحاول الانتقال من منطق يفرض شكلاً واحداً للحياة إلى منطق يستطيع استيعاب تعدد الأشكال وتغيرها وتفاعلها ضمن حركة الحياة.
الخاتمة
يقدم كتاب «فقه المصالح» الانتقال من أنماط الجوهر العنصري والجوهر الصوري والديالكتيك النافي، بما في ذلك النفي البراغماتي، إلى المنطق الحيوي الشامل بوصفه تحولاً في طريقة فهم الإنسان للمصلحة والعلاقة بالآخر وتنظيم الحياة. فالمنطق الحيوي، في تصور النقري، لا يلغي دارات العزلة والتعاون والصراع، وإنما يسعى إلى إدارتها ضمن رؤية أكثر شمولاً، تتجاوز اختزال الحياة في شكل واحد من أشكال العلاقة، وتفتح المجال أمام التعددية والتعاون وعمارة الأرض.
ومن هذا المنظور، يمكن العودة إلى ما بدا في بداية هذه الرحلة من غرابة في لغة النقري ومصطلحاته، مثل «مربّع المصالح» و«قرآن القرآن» وغيرها، بوصفه جزءاً من محاولة أوسع لإعادة بناء أدوات النظر إلى الإنسان والدين والسياسة والمجتمع. فهذه المصطلحات لا تأتي منفصلة عن مشروعه، وإنما تنتظم ضمن تصور يسعى إلى الانتقال من منطق يقوم على تثبيت الجوهر أو تنظيم العلاقة بالآخر من خلال التناقض والصراع، إلى منطق يقرأ الظواهر من خلال حيويتها وقدرتها على التفاعل والتجدد. ومن هنا، فإن قراءة «فقه المصالح» لا تقتصر على تتبع مفهوم المصلحة، بل تفتح المجال لفهم مشروع النقري بوصفه محاولة لإعادة صياغة الوعي نفسه وأدواته، والبحث عن منطق أكثر قدرة على استيعاب تعدد الحياة وتحولاتها.
المصادر والمراجع
أولاً: المصادر الأساسية
النقري، رائق. الإيديولوجيا الحيوية. دمشق، 1970. النقري، رائق. فقه المصالح ومنهج الحيوية الإسلامية السياسية. القاهرة: دار الأمين، 1999. النقري، رائق. المهدي الحيوي المنتظر! ونقر الملَك قبل مذهب الخصيبي وبعد دين ماركسَ!. مخطوط.
ثانياً: المراجع والدراسات
رستناوي، حمزة. «المنطق الحيوي: الموقف غير الحيوي لرائق النقري؟». موقع الحوار المتمدن، 24 حزيران/يونيو 2012. رستناوي، حمزة. «هندسة معرفية سورية جديدة: مدرسة دمشق للمنطق الحيوي». موقع مدرسة دمشق للمنطق الحيوي. «لقاء الفكر والسياسة مع د. رائق النقري، مؤسس مدرسة دمشق للمنطق الحيوي». موقع مدرسة دمشق للمنطق الحيوي. عثمان، أحمد شكري. «رائق النقري تحت مجهر المنطق الحيوي». موقع الحوار المتمدن. «القرآن الكريم والمنطق الحيوي (1/2): د. رائق النقري ومدرسة دمشق في المنطق الحيوي». موقع مكتبة منصور. «رائق النقري.. يكتب ما يشبه السيرة الذاتية له ولـ"المنطق الحيوي"». موقع فينيكس. «رائق علي النقري – الإيديولوجيا الحيوية». موقع فيلسوف.
#حسين_جمعة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ثورة اكتوبر الاشتراكية وحركات التحرر الوطني
المزيد.....
-
إقالة 2 من كبار عملاء FBI بسبب تحقيق يرتبط بزوجة مستشار ترام
...
-
ترامب يصعّد هجومه ضد نائب جمهورية بعد انتقادها سياساته بشأن
...
-
هل موّلت الدوحة الجناح العسكري لحماس فعلًا؟ رئيس وزراء قطر ي
...
-
موسكو: الممر الشمالي آمن من القرصنة وأسرع من قناة السويس
-
الانتخابات الإسرائيلية.. آيزنكوت يتعهد بإقصاء قائمة -رعام- و
...
-
Honor تطلق أحد أفضل الهواتف قريبا
-
تجاهل تململ الساقين يؤدي إلى الأرق المزمن وأمراض القلب
-
هل تتعاون الصين مع ترامب أن تتلاعب به؟
-
الأمريكيون يتجاهلون اقتراحات روسيا النووية والعالم في خطر
-
اليابان تحتال لاستعادة جزر الكوريل
المزيد.....
-
من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية
/ غازي الصوراني
-
التطوع الرقمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
العمل التطوعى نماذج وتطبيقات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
المزيد.....
|