أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سام منى - نفاق الغرب في سوريا: لماذا شيطن بشار الأسد وأعاد تأهيل أحمد الشرع (الجولاني)؟















المزيد.....

نفاق الغرب في سوريا: لماذا شيطن بشار الأسد وأعاد تأهيل أحمد الشرع (الجولاني)؟


سام منى

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 16:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تتجلى ازدواجية المعايير الغربية في تخلي الدول الغربية الكامل عن قيمها المعلنة، بل في انتقائيتها الفاضحة في تطبيقها. فالحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون تُرفع إلى مرتبة المبادئ الكونية عندما تخدم المصالح السياسية، ثم تُفرَّغ من معناها أو تُداس بلا تردد عندما تقف في طريق تلك المصالح. وقد تبين مرارًا أن القيم الإنسانية التي يتشدق بها الغرب ليلًا ونهارًا ليست، في كثير من الأحيان، سوى أداة سياسية يلوّح بها في وجه خصومه، وقناع أخلاقي يخفي به وجهًا قبيحًا تحكمه القوة والمنفعة. وهذا ليس اتهامًا إنشائيًا أو حكمًا عاطفيًا؛ فالأمثلة التي سنعرضها تقدم أدلة واضحة على أن المصلحة، لا القيم، هي التي تحدد متى يرتفع الصوت دفاعًا عن الإنسان، ومتى يصمت الغرب عن سحقه.

تقدم المقارنة بين طريقة تعامل الغرب مع نظام بشار الأسد وطريقة تعامله اللاحقة مع أحمد الشرع، المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني، مثالًا صارخًا على هذا التناقض. فعلى أحد جانبي المقارنة يقف بشار الأسد، الحاكم المستبد الذي ورث السلطة عن أبيه ضمن نظام جمهوري حُوّل عمليًا إلى حكم مافيوي. ارتبط عهده بالقمع ونهب ثروة البلاد، كما ارتبط عهد حافظ الأسد قبله ببناء دولة أمنية أُخضعت فيها مؤسسات الدولة لإرادة الحاكم وأجهزة المخابرات. كان بشار الأسد ديكتاتورًا مثل كثير من الحكام الديكتاتوريين في المنطقة، ولم يكن نظامه ديمقراطيًا ولا جديرًا بالدفاع عنه.

وعلى الجانب الآخر يقف الجولاني، الجهادي الذي قاد لسنوات جبهة النصرة، الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في سوريا، قبل أن يعيد تشكيل جماعته تحت اسم هيئة تحرير الشام ويعلن قطع علاقته بالقاعدة عام 2016. ومع ذلك، انتقل خلال مدة قصيرة من قائد تنظيم مصنف إرهابيًا إلى رئيس تستقبله الحكومات الغربية وتتعامل معه بوصفه شريكًا سياسيًا وأمنيًا. وهنا تبدأ المفارقة التي تكشف حقيقة المعيار الغربي: لماذا عُومل ديكتاتور باعتباره شرًا مطلقًا يجب إسقاطه، بينما أُعيد تأهيل قائد جهادي وفتحت أمامه أبواب العواصم الغربية؟
في الحقيقة إن الاستبداد وحده لم يكن المشكلة الحقيقية التي واجهها الغرب مع الأسد. فدول الخليج الحليفة للغرب تحكمها عائلات تتوارث السلطة، وتحتكر القرار السياسي والثروة والنفوذ. وبعضها لا يعرف برلمانًا منتخبًا يملك سلطة فعلية، ولا يسمح بقيام أحزاب سياسية أو بتداول السلطة، بينما لا تتجاوز الدساتير والمجالس القائمة في بعضها الآخر حدودًا رسمتها الأسر الحاكمة لنفسها. وهي، وفق أي مقياس ديمقراطي حقيقي، ليست أفضل من نظام الأسد، بل إن بعضها أشد انغلاقًا منه سياسيًا. ومع ذلك، لا يقدمها الغرب بوصفها أنظمة منبوذة يجب إسقاطها، بل يعاملها كدول طبيعية وشريكة، لأنها تنفذ ما يطلبه السيد الأميركي وتدور داخل فلكه السياسي والأمني.

كانت مشكلة الأسد الأساسية أنه يحكم بلدًا تقع إسرائيل على حدوده الجنوبية، وأن سوريا في عهده ظلت الحليف الخلفي لحزب الله والقناة البرية التي تصل إيران من خلالها إلى الحزب، الذي تعتبره إسرائيل أخطر أعدائها وأكثرهم قدرة على تهديدها عسكريًا. فكانت الأراضي السورية ممرًا للسلاح الإيراني، ومخازن ومحطات عبور، وعمقًا لوجستيًا مكّن حزب الله طوال سنوات من بناء ترسانة ضخمة على الحدود الشمالية لإسرائيل.
وخلال حرب 2024 وجّهت إسرائيل ضربات قاصمة إلى قيادة حزب الله ومقاتليه ومخازن أسلحته، وقدرت معلومات استخباراتية أميركية أن الحزب خسر أكثر من نصف ترسانته. لكن إسرائيل كانت تدرك أن هذه الخسارة لن تكون نهائية ما دام طريق الإمداد الإيراني عبر سوريا مفتوحًا، ولذلك أصرت على حرمان حزب الله من فرصة إعادة بناء قوته. وفي 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وقبل سقوط الأسد بأيام، أعلن نتنياهو أن إسرائيل أحبطت محاولات إيران وحزب الله والجيش السوري إدخال السلاح إلى لبنان، ثم وجه إلى الأسد تهديدًا مباشرًا بقوله: «على الأسد أن يفهم أنه يلعب بالنار». كان يتحدث عن السلاح الذي يعبر سوريا إلى عدو إسرائيل.

وهنا تظهر حقيقة الصراع بوضوح: لو كانت الديكتاتورية هي المعيار الحاسم، لكانت الأنظمة العائلية الخليجية أيضاً هدفاً للغرب على الأقل بخطابه الأخلاقي. لكن تلك الأنظمة مقبولة لأنها حليفة للولايات المتحدة ولا تشكل تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل. أما الأسد فكان ديكتاتورًا له، فوق استبداده، موقع جغرافي وتحالفات تتعارض مع المصالح الإسرائيلية والغربية. ولذلك جرى تضخيم استبداده وتحويله إلى تجسيد مطلق للشر، لا لأن الغرب اكتشف فجأة مأساة الشعب السوري، بل لأن إسقاطه يقطع طريق إيران إلى حزب الله، ويزيل عقبة استراتيجية من أمام إسرائيل. وهذا لا يبرئ الأسد من جرائمه، لكنه يكشف أن الغرب لم يحاربه حبًا بالسوريين ولا دفاعًا عن الديمقراطية، بل لأن موقعه وتحالفاته أصبحا عائقًا أمام مشروعه ومصالحه في المنطقة.

ويصبح هذا التناقض أكثر فجاجة عند النظر إلى الرجل الذي فتح له الغرب أبوابه بعد سقوط الأسد. فإذا كان استبداد الأسد قد استُخدم مبررًا لعزله وشيطنته والمطالبة بإسقاطه، فكيف أمكن للغرب نفسه أن يتجاوز خلال أشهر قليلة ماضي الجولاني الجهادي والإرهابي؟ هنا لا ننتقل من ديكتاتور إلى ديمقراطي، كما يوحي الخطاب الغربي، بل من حاكم مستبد تعارضت تحالفاته مع المصالح الغربية إلى قائد جهادي أصبح موقعه الجديد أكثر ملاءمة لتلك المصالح.
إن تصنيف الجولاني إرهابيًا ليس مجرد حكم سياسي عابر يمكن محوه بتغيير الاسم والملابس. فقد كان جهاديًا قاتل في العراق ضمن البيئة المرتبطة بتنظيم القاعدة، ثم أُرسل إلى سوريا بدعم من تنظيم القاعدة في العراق ليؤسس جبهة النصرة ويقودها. وتحت قيادته أعلنت الجبهة مسؤوليتها عن نحو ستمئة هجوم خلال عامها الأول وحده، بينها أكثر من أربعين تفجيرًا انتحاريًا، فضلًا عن عبوات ناسفة زُرعت في مراكز المدن وأدت إلى مقتل مدنيين.

كما ارتبط اسم الجولاني وجبهة النصرة بعدد كبير من التفجيرات الدموية في سوريا والعراق. وتُنسب إليهما مسؤولية عمليات قُتل فيها آلاف الأشخاص، وإن كانت الأدلة المنشورة لا تسمح بإسناد جميع هذه العمليات والضحايا إلى الجولاني شخصيًا. ومن أبرز الجرائم التي نُسبت إلى جبهة النصرة تفجير مدرسة عكرمة المخزومي في حمص في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2014، الذي قتل عشرات الأشخاص، كان معظمهم من الأطفال.
وتنتشر كذلك صور يُقال إنها تُظهر الجولاني حاملًا رؤوسًا بشرية مقطوعة. ورغم انسجام هذه الصور في نظر كثيرين مع طبيعة الجماعات الجهادية التي انتمى إليها وقادها، فإنه لا يوجد تحقق مستقل كافٍ يثبت أن الشخص الظاهر فيها هو الجولاني نفسه. لكن عدم ثبوت هذه الصورة بعينها لا يمحو السجل الموثق لجبهة النصرة، ولا يلغي مسؤولية الجولاني السياسية والقيادية عن تنظيم اعتمد التفجيرات الانتحارية، وقتل المدنيين، وممارسة الخطف والاعتقال والتعذيب والإخفاء في المناطق التي خضعت لسلطته.

وفي عام 2017 أكد الجولاني بنفسه مسؤولية هيئة تحرير الشام عن هجمات انتحارية استهدفت مواقع في حمص، وصرح بأنها ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من العمليات التي استخدمت فيها جماعته «لغة القوة والدماء». لذلك فإن تقديمه اليوم بوصفه رجل دولة وطمس تاريخه لا يستندان إلى براءة قضائية، ولا إلى محاسبة حقيقية أو كشف كامل للجرائم التي ارتكبت تحت قيادته، بل إلى قرار سياسي غربي بإعادة تأهيل قائد جهادي بعدما أصبح وجوده في السلطة ملائمًا للمصالح الغربية.

وهكذا، انتقل الرجل خلال مدة قصيرة من موقع الإرهابيً المطلوب دولياً إلى موقع الرئيس الذي تستقبله الحكومات الغربية وتتعامل معه بوصفه شريكًا سياسيًا وأمنيًا. وفي يوليو/تموز 2025 ألغت الولايات المتحدة تصنيف هيئة تحرير الشام منظمةً إرهابية أجنبية، بعدما رفع الاتحاد الأوروبي خلال العام نفسه معظم عقوباته الاقتصادية عن سوريا.

لكن المثال الأشد فجاجة اليوم هو تلميع أحمد الشرع، أو الجولاني، كما عرفه السوريون والعالم طوال سنوات. لقد استقبل الغرب الجولاني في عواصمه، ودعاه إلى المؤتمرات، وفتح له أبوابه، لا لأنه أصبح ديمقراطيًا أو مؤمنًا بحقوق الإنسان، بل لأن المصلحة الغربية اقتضت إعادة تأهيله. ومنذ البداية، التقت المصلحة الإسرائيلية مع إسقاط الأسد وقطع طريق الإمداد الإيراني إلى حزب الله عبر سوريا، بينما طغت رغبة الحكومات الأوروبية في إعادة اللاجئين السوريين والتخلص من عبئهم السياسي والاقتصادي على كل اعتبار أخلاقي آخر.
وعندما قررت هذه الدول قبول الجولاني رئيسًا لسوريا ومنحه الشرعية الدولية، لم تتوقف طويلًا أمام حقيقة أنها تتعامل مع جهادي عتيد، خريج تنظيم القاعدة وقائد جبهة النصرة، وقائد تنظيم اشتهر أفراده بقطع الرؤوس وارتكاب الفظائع. تناست الحكومات الغربية تاريخه وصوره وخطابه القديم، كما تناست أنها كانت تصنفه إرهابيًا وتعرض مكافأة مالية مقابل معلومات تقود إليه. فجأة، لم يعد الماضي مهمًا؛ تغيرت الأسماء والملابس والخطابات، فتحول «الإرهابي المطلوب» إلى «رجل دولة» تُفتح له أبواب العواصم والمنظمات الدولية.

والأسوأ أن الغرب لم يتجاهل ماضي الجولاني فحسب، بل واصل دعمه والتعاون معه بعدما استمرت الجرائم في ظل سلطته. ففي مارس/آذار 2025، ارتكبت قوات تابعة للسلطة ومجموعات مسلحة متحالفة معها مجازر بحق العلويين في الساحل السوري. ووثّق تحقيق موسع لوكالة رويترز مقتل نحو 1500 علوي خلال ثلاثة أيام فقط، بينهم نساء وأطفال وعائلات كاملة، في أربعين موقعًا على الأقل. ولم تكن هذه تجاوزات فردية محدودة، بل عمليات قتل ونهب وحرق وإذلال طائفي شاركت فيها تشكيلات مرتبطة بسلسلة قيادة تصل إلى مؤسسات السلطة في دمشق.

لكن رقم 1500 لا يمثل بالضرورة الحصيلة النهائية لجميع من قُتلوا أو اختفوا في الساحل؛ فهو حصيلة الحالات التي استطاع تحقيق رويترز توثيقها ضمن مواقع وأيام محددة. كما أن رقم 1426 الذي أعلنته لجنة التحقيق التابعة للسلطة، والأرقام التي نشرتها جهات حقوقية أخرى، لا يمكن اعتبارها تعدادًا شاملًا لكل الضحايا، في ظل دفن بعض القتلى سريعًا أو في مقابر جماعية، واختفاء آخرين، وفرار عائلات كاملة، وعدم اكتمال قوائم القرى المتضررة.
وتتحدث شهادات ومصادر أهلية علوية عن حصيلة قد تتجاوز عشرة آلاف قتيل، غير أن هذا الرقم لم يُدعّم حتى الآن بقائمة أسماء كاملة أو بتحقيق مستقل يثبت حجمه. لذلك لا يجوز إسقاطه لمجرد أنه أعلى من الأرقام الدولية المعلنة، كما لا يجوز تقديمه باعتباره رقمًا نهائيًا مثبتًا. إن الفارق الواسع بين التقديرات دليل بحد ذاته على أن ملف الضحايا لم يُغلق، وأن الحصيلة النهائية لا تزال مجهولة. ويجب أن يبقى احتمال كون العدد الحقيقي أعلى بكثير قائمًا إلى أن تُنشر قوائم شاملة بأسماء القتلى والمفقودين، وتُفحص المقابر ومواقع الجرائم، ويُتاح للضحايا وذويهم الإدلاء بشهاداتهم من دون خوف.

ثم تكررت الجرائم بحق الدروز في السويداء في يوليو/تموز 2025، عندما دخلت القوات الحكومية ومجموعات متحالفة معها المحافظة، ووقعت عمليات إعدام ميداني ونهب وحرق وإذلال طائفي وقتل للمدنيين. وقد أثبت التحقيق الأممي مقتل أكثر من 1700 شخص ونزوح نحو مئتي ألف خلال أسبوع من العنف، معظم القتلى من المدنيين الدروز، مع وجود ضحايا من البدو وجرائم ارتكبتها جماعات مسلحة من أطراف أخرى أيضًا.
وتتداول مصادر محلية وأهلية في السويداء تقديرات أعلى بكثير، تشمل آلاف القتلى والمفقودين والمصابين، وتصل في بعض الروايات إلى أكثر من خمسة آلاف ضحية. لكن يجب التمييز هنا بين «الضحايا» بمعنى القتلى والجرحى والمفقودين والمهجرين، وبين عدد القتلى وحدهم. وحتى اليوم لا يوجد توثيق مستقل يسمح بتأكيد سقوط خمسة آلاف قتيل. ومع ذلك، فإن عدم اكتمال الحصيلة لا يخفف من حجم الجريمة، ولا يعفي سلطة الجولاني من مسؤوليتها عن القوات التي دخلت المحافظة، وعن الجرائم التي وقعت بعد دخولها، وعن عجزها أو عدم رغبتها في حماية السوريين من القتل الطائفي.

وما تزال النساء والفتيات العلويات يتعرضن للاختطاف والاختفاء والاستغلال الجنسي. ولم تعد القضية مجرد منشورات مجهولة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ ففي تحقيق استقصائي نشرته وكالة رويترز في 27 يونيو/حزيران 2025 بعنوان «لن تعود: نساء علويات يُختطفن من شوارع سوريا»، جمعت الوكالة شهادات عائلات ما لا يقل عن 33 امرأة وفتاة علوية اختُطفن أو اختفين في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، وراجعت تسجيلات صوتية ورسائل وطلبات فدية وإيصالات تحويل مالي ومقاطع أرسلها بعض الخاطفين والمختطفات. كما أفادت بأن حالات جديدة كانت تظهر بصورة شبه يومية على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولا يمثل رقم 33 العدد الحقيقي لجميع الحالات، بل الحد الأدنى الذي استطاع تحقيق صحفي واحد الوصول إليه. وفي إحدى الحالات التي حققت فيها رويترز، راجعت الوكالة مكالمات ورسائل هدد فيها الخاطفون بقتل امرأة علوية أو بيعها في العبودية إن لم تدفع عائلتها فدية. ثم أبلغت المختطفة عائلتها، في اتصال مسجل، بأنها نُقلت إلى خارج سوريا، قبل أن ينقطع الاتصال بها رغم دفع الفدية.
أما أخطر الوقائع، فقد وردت في تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، تحت الرقم A/HRC/59/CRP.4. فقد وثقت اللجنة حالات اختطاف بقصد الزواج القسري، بينها حالة امرأة اختطفها رجال ملثمون واغتصبوها جماعيًا، ثم باعوها لرجل أُجبرت على الزواج منه. وهذه ليست روايات مجهولة المصدر، بل نتائج تحقيق رسمي أجرته لجنة أممية مستقلة.

ولا تزال معرفة الحجم الحقيقي لهذه الظاهرة متعذرة بسبب خوف كثير من الأسر من الأجهزة الأمنية التي تهددهم إن أعلنوا الأمر أو من انتقام الخاطفين. ويضاف إلى ذلك غياب تحقيق مستقل وشامل وشفاف يغطي جميع المناطق والحالات، وعدم نشر سجل رسمي بأسماء المفقودات أو نتائج التحقيق في مصيرهن. وبدل التعامل مع البلاغات باعتبارها مؤشرًا إلى جريمة واسعة ومنظمة، عمد مسؤولون تابعون لسلطة الجولاني إلى إنكار وجود استهداف طائفي، وردّ كثير منها إلى «هروب الفتيات» أو «الخلافات العائلية»، بما يوحي برغبة في إنكار الظاهرة والتغطية عليها أكثر مما يدل على إرادة حقيقية لكشفها.

وبذلك لا يعود رقم 33 سقفًا للضحايا، بل نافذة ضيقة على ظاهرة مستمرة لا تزال أعداد ضحاياها الحقيقية مجهولة بسبب الخوف والإنكار وغياب المحاسبة.

وفي الوقت نفسه، بقي حضور هذه الجرائم في الإعلام الغربي أقل بكثير من حجمها وخطورتها. يصعب إثبات وجود «قرار غربي معلن» بمنع التغطية، لكن النتيجة العملية واضحة: لم تتحول مجازر الساحل والسويداء وخطف النساء العلويات إلى حملة سياسية وإعلامية تضاهي الحملات التي أطلقها الغرب ضد نظام الأسد. لقد اتُّخذ القرار السياسي بإعادة تأهيل الجولاني والتعامل معه بوصفه شريكًا، ثم أصبحت جرائم سلطته أخبارًا ثانوية لا تعطل التعاون معه ولا تغلق أبواب العواصم في وجهه.

ومع كل ذلك، ما يزال الغرب يستقبل الجولاني ويتعاون معه بمنتهى الصفاقة، ثم يتشدق بالقيم الغربية وحقوق الإنسان وحماية الأقليات. لم تؤد مجازر العلويين ولا جرائم السويداء ولا خطف النساء وبيع بعضهن في الزواج القسري والعبودية إلى عزله. فالمطلوب منه ليس أن يكون ديمقراطيًا أو أن يحترم حياة السوريين؛ المطلوب أن يؤدي الدور السياسي والأمني الذي يخدم مصالح الغرب وإسرائيل، وأن يساعد أوروبا على إعادة اللاجئين. وعندما تتعارض دماء السوريين مع هذه المصالح، تغض الحكومات الغربية الطرف، وتستبدل الإدانة والعقوبات بعبارات جوفاء عن القلق والتحقيق والمحاسبة.

إن الشعارات التي رفعها الغرب طويلًا عن قيمه وحقوق الإنسان لم تكن تعبيرًا عن سياسة أخلاقية تعثرت في بعض التفاصيل، بل غطاءً لسياسة مصالح تستخدم الأخلاق بصورة انتقائية. فعندما يكون القاتل خصمًا، تتحول دماء ضحاياه إلى قضية عالمية وتُفرض العقوبات باسمه. أما عندما يكون القاتل حليفًا أو أداة نافعة، فإن المجازر تصبح «أحداثًا مؤسفة»، والضحايا يتحولون إلى أرقام، ويُمنح المسؤولون مزيدًا من الوقت والدعم والشرعية. تلك هي حقيقة القيم الغربية عندما تصطدم بالمصلحة: تُرفع في وجه الخصوم، وتُدفن مع ضحايا الحلفاء.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- ترامب ورئيس الصين يتفقان على إنشاء خط ساخن خاص بالذكاء الاصط ...
- بالجلد الأسود والشعر المبلل.. جورجينا رودريغيز في عرض -غوتشي ...
- لحظة استهداف مسيرة روسية لمبنى مكاتب على مرأى من أعين المارة ...
- عاجل: مقتل 11 شخصاً في هجوم بسيارة مفخخة استهدف نقطة أمنية ف ...
- طهران تنتظر رد واشنطن بعد تقرير عن رفض ترامب مقترحها لإنهاء ...
- دمشق.. لصان على دراجة نارية ينتزعان سلسلة ذهبية من عنق فتاة ...
- مصر تودع المستشار أحمد الزند
- إسرائيل تتابع مصير 3 شبان من بدو النقب فُقدوا في مصر منذ مار ...
- دراسة تكشف مرحلتين رئيسيتين لتغيرات الدماغ خلال حياة الإنسان ...
- بعد أن وصفه بـ-الطاغية-.. أردوغان يرد على نتنياهو


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سام منى - نفاق الغرب في سوريا: لماذا شيطن بشار الأسد وأعاد تأهيل أحمد الشرع (الجولاني)؟