نبيل نريمان عبد الله
الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 00:43
المحور:
الادب والفن
قراءة نقدية في رواية تمارا شاكر
ثمة بيوت لا تنتهي حكايتها بمغادرة سكانها، لأن الجدران تحتفظ بما لا تستطيع الذاكرة البشرية الاحتفاظ به طويلا مثلا أصوات العابرين، أفراحهم، مخاوفهم، خصوماتهم، موتهم، وما تركوه خلفهم من أثر. من هذه الفكرة تنطلق رواية (مذكرات بيت بغدادي) لتمارا شاكر، متخذة من بيت بغدادي راويا وشاهدا على تحولات مجتمع ومدينة ووطن عبر عقود متعاقبة حيث ركزت الكاتبة على الرؤية البصرية من خلال كتاب الغلاف المميز الذي يجسد البيت البغدادي المثالي خاصة البيوت التي تم بنائها في بدايات خمسينات القرن الماضي ولازالت قائمة لغاية الان.
الحيلة السردية التي تقوم عليها الرواية بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل إمكانات رمزية واسعة. فالبيت ليس مجرد إطار مكاني تجري داخله الأحداث، بل ذاكرة تتجاوز أعمار الشخصيات. يدخل إليه السكان ثم يغادرونه، يولد أطفال ويكبرون، تموت شخصيات وتهاجر أخرى، تتبدل الأفكار والأنظمة والظروف السياسية، بينما يبقى المكان محتفظا بما مر فيه. ومن هنا يتحول البيت تدريجيا إلى ما يشبه الذاكرة الجمعية للعراق، أو إلى عراق مصغر تتعاقب داخله العائلات مثلما تتعاقب على البلاد الأجيال والأحداث.
بغداد بوصفها شخصية
لا تظهر بغداد في الرواية بوصفها خلفية جغرافية محايدة، بل تكاد تكون شخصية موازية للبيت. دجلة، شارع الرشيد، المقاهي، المدارس، الأسواق، الحدائق، الأزقة والعلاقات بين الجيران، كلها تدخل في نسيج الحكاية وتمنحها هويتها.
إنها بغداد التي يمكن التعرف إليها من تفاصيل الحياة اليومية قبل التعرف إليها من أسماء الأمكنة. فالكاتبة تعنى بالأشياء الصغيرة: الطعام، الشاي، الخبز، الحديقة، الشرفة، الملابس، الزيارات العائلية، لعب الأطفال، المشي قرب النهر، وحديث الناس في بيوتهم. وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها لأنها تحول التاريخ من سلسلة من الوقائع الكبرى إلى حياة بشرية ملموسة.
وهذا أحد أهم عناصر نجاح الرواية. فالتاريخ هنا لا يمر من خلال البيانات الرسمية وتواريخ الانقلابات والحروب فقط، بل من خلال أثر تلك الأحداث في بيت وأسرة وأم تنتظر ابنها وأب يخشى على عائلته وطفل لا يفهم تماما لماذا تغير العالم من حوله.
ومع تقدم الزمن تتغير بغداد نفسها. المدينة القديمة التي تحتفظ بحدائقها وبيوتها وعلاقاتها الاجتماعية الحميمة تبدأ بفقد بعض ملامحها، مثلما يفقد البيت بعض سكانه. وهكذا تنشأ موازاة جميلة بين شيخوخة المكان وتحول المدينة.
عزرا ونورما: حين يصبح الوطن سؤالا
تشكل حكاية الأسرة اليهودية، ولا سيما عزرا ونورما وأبنائهما، واحدة من أكثر مراحل الرواية كثافة من الناحيتين الإنسانية والفكرية.
لا تتعامل الرواية مع اليهود العراقيين باعتبارهم كتلة واحدة ذات موقف سياسي موحد، وإنما تدخل الانقسام إلى قلب الأسرة نفسها. فهناك من يتمسك بالعراق بوصفه وطنا نهائيا، وهناك من يرى مستقبله في مكان آخر، بينما تتقاطع الصهيونية والشيوعية والوطنية العراقية والمخاوف الاجتماعية داخل البيت الواحد.
في شخصية عزرا يظهر الانتماء إلى بغداد باعتباره جزءا من الهوية الشخصية، لا مجرد إقامة في مكان. العراق بالنسبة إليه ليس بلدا يعيش فيه، بل أحد العناصر التي تحدد معنى ذاته. ولذلك يصبح التفكير في مغادرته أشبه باقتلاع جزء من النفس.
أما نورما، فإن علاقتها بالسؤال أكثر تعقيدا. الخوف على الأبناء يغير معنى الوطن لديها. عندما تصبح سلامة الأسرة مهددة، لا يعود السؤال: أين ولدنا؟ بل: أين نستطيع أن نعيش؟
وهنا تلامس الرواية واحدا من أصعب أسئلة الهجرة والمنفى: هل الوطن هو المكان الذي ننتمي إليه، أم المكان الذي يستطيع أن يحمينا؟
ولا تقدم الرواية إجابة سهلة، لأن كلا الموقفين يحمل منطقه الإنساني الخاص.
حين يدخل التاريخ إلى البيت
تبلغ العلاقة بين الخاص والعام ذروة واضحة مع أحداث الفرهود. ففي هذه المرحلة لا يعود التاريخ محيطا بالشخصيات، بل يقتحم حياتها مباشرة.
وتنجح الرواية حين تصور الحدث من مستوى الإنسان العادي. فالقيمة الأدبية لا تكمن في إعادة سرد الواقعة التاريخية بقدر ما تكمن في إظهار اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن المدينة التي يعرفها لم تعد آمنة بالطريقة التي اعتادها.
الخوف هنا ليس مفهوما سياسيا مجردا. إنه باب يغلق، وأم تخشى على أبنائها، وأسرة تعيد حساب مستقبلها، وعلاقة بالجيران والمجتمع والوطن تدخل فجأة منطقة الشك.
وهنا ينبغي التمييز بين الرواية والوثيقة التاريخية فـي (مذكرات بيت بغدادي) تستعين بالتاريخ وتعيد تمثيله من خلال شخصياتها، لكنها لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها مرجعا تاريخيا أكاديميا. الشخصيات ترى الأحداث من مواقعها ومخاوفها ومعتقداتها، وتلك المحدودية ليست بالضرورة عيبا؛ إنها جزء من طبيعة الرواية.
فالأدب لا يخبرنا فقط بما حدث، وإنما يحاول أن يجعلنا ندرك كيف كان يمكن أن يشعر إنسان عاش ما حدث.
السياسة داخل العائلة
من العناصر اللافتة في الرواية اختلاف أرميا وأشعيا في الاتجاه السياسي. أحدهما يجد نفسه قريبا من الفكر الشيوعي، والآخر ينجذب إلى الحركة الصهيونية. وبهذا تنتقل الصراعات السياسية الكبرى من الشارع إلى مائدة الأسرة.
تكتسب هذه الثنائية أهميتها لأنها تكسر الصورة المبسطة عن الجماعات الاجتماعية والدينية. فلا وجود داخل الرواية لجماعة تفكر بصوت واحد؛ ثمة أفراد تتنازعهم تصورات مختلفة للمستقبل.
لكن السياسة، حين تدخل البيت، تفقد شيئا من تجريدها. بالنسبة إلى الأم، لا يمثل الابنان نظريتين سياسيتين متعارضتين؛ إنهما ابناها. وحين يتعرض أحدهما للخطر لا تكون القضية صراعا بين أيديولوجيتين بقدر ما تصبح خوف أم من أن تفقد ولدها.
في مثل هذه المواضع تحقق الرواية بعض أفضل لحظاتها، لأنها تسمح للتاريخ بأن يظهر من خلال مصير الإنسان بدلا من أن تشرحه مباشرة.
سر البيت والمعرفة الخارجة لأسواره
على المستوى الواقعي هناك شيئا غير منطقي يملكه البيت فأن اختيار البيت راويا وان يعتبر من أهم عناصر تميز الرواية، لكنه في الوقت نفسه يثير إشكالات سردية من خلال امتلاكه لمعرفة تتجاوز اسواره ، فالبيت، وفقا للمنطق الذي أسسته الرواية، قادر على مشاهدة ما يحدث داخله وسماع أحاديث سكانه والاحتفاظ بذكرياتهم فهم قد سكنوا في داخله ، لكن الغريب ان السرد يتجاوز أحيانا هذه الحدود، فيعرف الراوي وهو البيت في الرواية ما يجري في أماكن بعيدة عنه وكأن للبيت قدرات خارقة خاصة او انه ينبض بالحياة بطريقة مجهولة ، وهنا تتسع معرفة الراوي حتى تقترب من الراوي العليم التقليدي.
كان يمكن المحافظة الصارمة على حدود معرفة البيت أن تمنح البناء الفني تماسكا أكبر؛ كأن تصل الأحداث الخارجية إليه من خلال ما يرويه السكان عند عودتهم، أو عبر الرسائل والأخبار والأحاديث عندئذ يصبح المكان شاهدا حقيقيا له حدود معرفية واضحة.
أما حين يعرف البيت كل شيء، فإن الحيلة السردية تفقد شيئا من فرادتها، ويصبح البيت أحيانا راويا عليما يرتدي هيئة المكان، ومع ذلك لا يلغي هذا المأخذ القيمة الرمزية الكبيرة لاختيار البيت راويا، بل ربما يكشف صعوبة المهمة التي اختارتها الكاتبة لنفسها منذ البداية مع اشادتنا بانها فكرة ميزت الرواية كون ان الكاتبة ركزت على وجود البيت وتاريخه.
بين الرواية والتوثيق
تطمح (مذكرات بيت بغدادي) إلى مساحة زمنية واسعة، وهذا يمنحها ثراء واضحا، لكنه يضعها أمام مشكلة أخرى: كيف يمكن ضغط عقود من تاريخ العراق وتحولات مجتمعه داخل عمل روائي واحد من دون أن يتحول السرد إلى استعراض تاريخي.
تنجح الرواية في مواضع كثيرة، خصوصا عندما تسمح للتفاصيل اليومية بأن تحمل التاريخ، لكنها تميل في مواضع أخرى إلى الشرح المباشر، ولا سيما عندما تدخل الشخصيات في حوارات سياسية طويلة.
عندها يبدو بعضها أحيانا وكأنه يتحدث بلسان الأفكار أكثر مما يتحدث بلسان الشخصية، والفارق دقيق لكنه جوهري. فعندما نرى الخوف في تصرفات نورما لا نحتاج إلى تفسير طويل للخوف، وعندما يتمسك عزرا ببغداد يصبح سلوكه نفسه تعبيرا عن معنى الانتماء حيث ان الأدب يكون أكثر قوة عندما يجعل القارئ يرى الفكرة قبل أن يشرحها له.
لغة قريبة من القارئ
اختارت تمارا شاكر لغة تميل إلى المباشرة وتمنح الحكاية أولوية على الزخرفة الأسلوبية، وهو اختيار يساعدها على إدارة انتقالاتها الكثيرة بين الأزمنة والشخصيات، لكن السرد يميل أحيانا إلى رفع مستوى الانفعال؛ تتكرر مشاهد البكاء والصراخ والخوف والفقد والانهيار، حتى تقترب بعض المقاطع من الميلودراما مما يدل على تركيز الكاتبة على الجانب العاطفي خاصة انها وقد بدءت هذا الجانب عندما عملت البيت كشخص حي لكن المفارقة أن أكثر مشاهد الرواية تأثيرا ليست دائما الأعلى صوتا، بل الأكثر هدوءا.
ويتجسد ذلك في رغيف خبز، حديقة، أم تنتظر، غرفة فارغة، مقعد اعتاد شخص الجلوس عليه، أو بيت يتذكر إنسانا لم يعد موجودا؛ هذه الصور البسيطة قادرة على إنتاج حزن أعمق من الوصف المباشر للحزن.
فالذاكرة في جوهرها لا تعمل بالصراخ، وإنما بالأشياء الصغيرة.
الإنسان عابر والمكان باق
وراء تعدد الشخصيات والأحداث يظل البيت هو الرابط الحقيقي بين أجزاء الرواية، فالذين يظنون أنهم يمتلكون البيت ليسوا في النهاية إلا سكانا مؤقتين فيه. يرحلون واحدا بعد آخر، بينما يبقى هو حاملا آثارهم، ومن هنا يمكن قراءة البيت على ثلاثة مستويات متداخلة: بوصفه مكانا ماديا تسكنه العائلات، وذاكرة تحفظ آثار الغائبين، ورمزا لوطن تتغير وجوه أبنائه بينما يبقى هو حاملا طبقات متراكمة من تاريخهم، وهذه القراءة تمنح عنوان الرواية دقته.
إنها ليست (مذكرات عائلة بغدادية)، لأن العائلة ستغادر، وليست (مذكرات شخص بغدادي)، لأن الإنسان سيموت. بل إنها (مذكرات بيت بغدادي) لأن المكان وحده قادر على عبور الأزمنة التي تريد الرواية سردها.
في النهاية، لا تكمن القيمة الأساسية للرواية في تقديم تاريخ شامل للعراق، ولا في ابتكار تقنية سردية خالية من الثغرات، وإنما في محاولتها استعادة التاريخ من مستوى الأحداث الكبرى إلى مستوى الحياة اليومية.
إنها رواية عن الذين عاشوا التاريخ من دون أن يكونوا هم الذين يكتبونه: الآباء والأمهات والأبناء والجيران، أولئك الذين وجدوا أنفسهم وسط أحداث أكبر منهم، فحاولوا أن يحبوا ويتزوجوا ويربوا أبناءهم ويحافظوا على بيوتهم بينما كان العالم من حولهم يتغير.
ويبقى السؤال الذي تتركه الرواية أبعد من مصير أي شخصية بعينها:
ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله
تقترح (مذكرات بيت بغدادي) إجابة هادئة: ربما لا يبقى الإنسان كما كان، ولكن يبقى شيء منه في المكان الذي عاش فيه، في غرفة، وشجرة، وباب، وذاكرة شخص آخر.
وبذلك تنقلب العلاقة المألوفة بين الإنسان وبيته. فنحن نعتقد أننا نسكن البيوت، لكن رواية تمارا شاكر توحي بأن البيوت، في النهاية، هي التي تسكننا وتحفظ ما يتبقى منا واعتقد بأن ذلك هو الفكرة التي ارادت الروائية ان تصل الى القارئ في النهاية وهي الثيمة الأساسية للرواية.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟