|
|
مسرحية قطار الحياة للكاتبة المسرحية - حياة الشريف- : من ذَاكِرة النِّسيانِ إلى الذَّاكرة الْمُستعادة وتمثيل الهوية
سعيدة الرغوي
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 10:32
المحور:
الادب والفن
مسرحية قطار الحياة لحياة الشريف: ((من ذاكرة النِّسيان إلى الذَّاكرة المُستعادة وبناء الهُوِّية)) تقديم: تشكِّلُ الذَّاكرة Mémoire وعاء للتَّذكر، فهي تحتفظ للمرء بصور، وذكريات الماضي وتجاربه الإنسانية، وعندما نستدعي الذَّاكرة نقرنها بعملية التَّذكُّر، ونقابل التَّذكر بالنِّسيان L’oubli؛ لذلك ارتأيت أن أربط قراءتي لهذا المؤلف الإبداعي؛ " قطار الحياة " بالذَّاكرة والنِّسيان، من أجل تقريب المتلقي من لوحاته وهواجس الكاتبة/ المُؤلِّفة. فحياة الشريف، اخترت أن تجعل لنصِّها المسرحي الجديد؛ وهو الإبداع الثالث في مسيرتها الإبداعية؛ عنوان " قطار الحياة"، فبعد العمل الأول الموسوم بـ: " خيطانا شيطانة"، والعمل الثاني " الكأس "، تطلُّ على المتلقي / القارئ بهذه المسرحية التي اجترحت لها عنوان: " قطار الحياة " / train de la vie؛ وكما دأبها تشتغل مؤلفة هذه النُّصوص المسرحية الثلاثة على البعد الاجتماعي والإنساني؛ وهذا ما يلمسه المتتبع لمسيرتها الإبداعية في جنس الكتابة الإبداعية المسرحية. إنّنا أمام نصٍّ إبداعي انكتب بنبض مبدعة تشتغل بحس الوفاء لقضايا الإنسان في مجتمع بات يضج بالصُّور والمتناقضات، وبات فيه الإنسان يعيش موزعا بين ذاكرة الماضي والحاضر، واستشراف المستقبل الذي قد يفي بما كان يحلم به أو قد يكون مخيِّبًا لآماله ومطامحه. إنَّ هذا النَّص يتأسس انطلاقا من وعي الكاتبة ورؤيتها الخاصة لقضايا الإنسان والوجود، لا سيما أنَّ الإنسان المعاصر بات يعيش صراعاتٍ جامَّة. ناهيك عن كونِ فعل الكينونة والانوجاد بات محكوما بعوامل ذاتية وأخرى موضوعية، مرتبطة بالسِّياق الزماني والمكاني، واشتراطات؛ قد تكون وليدة ظروف خاصة (اقتصادية، اجتماعية، فكرية، ثقافية، نفسية ...الخ)، وعوامل أخرى خارج عن إرادة الإنسان وقدرته. وقد اخترت لهاته القراءة عنوانا رأيته الأقرب للوحات النَّص المسرحي، كما أنَّه يختزل العنوان الذي ارتضته المؤلِّفة " حياة الشريف"؛ فمن ذاكرة النِّسيان، واستعادة الماضي (الذَّاكرة المُستعادة)؛ يمكننا أن نصل إلى تشكُّلِ وبناء الهُوية؛ فماضي الإنسان المُقترِنِ بالنِّسيان، يجعل من الفرد كائنا بدونِ هوية، وبدون انتماء وماهية (جوهر الكائن الإنساني)، إلى حاضر يتشكَّلُ، وهوية تُبنى انطلاقا من فعل وعملية التَّذكر، وهذا ما يرجح أن الكاتبة اخترت عنوان نصها الإبداعي عن وعيٍ؛ بمنأى عن العبثية. وهذا ما سنتبيَّنه انطلاقا من قراءة وتلقي اللوحات الإحدى عشر التي يتألف منها العمل الإبداعي المسرحي. ومن خلال قراءتي للعمل المسرحي، انتهيت إلى أنَّ العمل الإبداعي يُضمر ثيمات عدة يمكن أن يصل إليها كل قارئ. وحسبي في هذي الورقة أن أركز على الجوانب التي اختزلتها في العنوان المقترح؛ في انتظار قراءات أخرى مستقبلا تكون أكثر عمقا، ودقة.
قراءة في عتبة العنوان: قطار الحياة / train de la vie
تستمرُّ حياة الشريف ، في كتابة نبضها الإبداعي" النََّّص المسرحي"؛ وقد اخترت له عنوان قطار الحياة « train de la vie » ؛ وكتبت المسرحية بلغة موليير " اللغة الفرنسية"؛ وأوَّل ما يقف عنده المتلقِّي، ويشدُّ انتباهه دُونما شكٍّ العنوان، فيحاول قراءته، وفهمه، وتأويله للإمساك بمضمونه والوصول إلى الثيمة / الموضوعة الأساس للنَّص الإبداعي (المسرحية). فالعنوان من النَّاحية التَّركيبية؛ جاء مركبا إضافيا، وبالانتقال إلى الجانب الدَّلالي أمكننا القول أنَّ الكاتبة قرنت بين القطار والحياة، في إشارة خفية إلى مسار الإنسان الحياتي، ومحطاته، وباستحضارنا لدلالة القطار؛ فهو وسيلة للسفر، أما الشِّق الثاني من العنوان" الحياة" ؛ فهي تحمل أبعادا فلسفية أنطولوجية؛ فالحياة ترمز إلى الوجود وفعل الكينونة، كما تقترن بالعمر الزَّمني للكائن الذي قد يكون قصيرا أو طويلا، وعندما نتحدث عن الحياة، فإننا نتحدَّث عن مسارات، ومحطات ،ووقفات ،وتجارب، وخبرات، كما يحضرنا نقيض الحياة ؛ الموت والفناء والزَّوال. يبقى العنوان نافذة أولى نطلُّ من خلالها على عالم النَّص المسرحي، فقد يتوافق مع المضمون ويحيلُ عليه بشكلٍ مُباشرٍ، وقد لا يُترجم المضمون؛ وإنَّما يكونُ فيه من المؤشرات الدَّالة التي تضيءُ بعض شفرات النَّص. إن الكاتبة حياة الشريف، تركت للقارئ نقط حذف غير معلنة لاكتشاف هذا القطار الحياتي، بُغية التَّعرف على مسار الرِّحلة الحياتية، واللوحات بمثابة إضاءات للعنوان. يفتح ستار النًّص المسرحي/ المسرحية لنلفي أنفسنا أمام لوحة أولى، تكشف عن الفضاء: (ساحة عمومية، على الرصيف)؛ الزمان: المساء، الشخصيات: (الرجل العجوز المتشرد، اللص الفرنسي، اللِّص العربي) وبالانفتاح على النص المسرحي؛ نجد أنَّ حياة الشريف جعلت هذا النَّص المسرحي على شكل لوحات مسرحية؛ وعددها إحدى عشرة لوحة (11 لوحة)، وفي كل لوحة تعرض مشاهد، يؤثثها الفضاء المكاني والزّمَني والشَّخصيات، إضافة إلى الوصف الذي يستتبع كل مشهد ولوحة لترسم بذلك عوالم النَّص المسرحي.
ونلفي أنَّ الشَّخصية المحورية في المسرحية يمثِّلها الرجل العجوز المتشرد في شوارع باريس، حيث يتَّخذُ من الرَّصيف فضاء للإقامة وللنَّوم والحياة، والذي يصرِّح في اللوحة الأولى بكنه الحياة وفلسفتها: " الحياة.. إمَّا أن تجعل منها حفرة ، أو تجعلها خطا مُتواصلا ممتدا، أنت من يملكُ حق تقرير المصير " أنت من يختار.. إمَّا أن تكون كاهنا أو شخصا خائنا.."، فالعجوز في حواره مع اللِّص الفرنسي والعربي يكشف عن تراجيديا الحياة، وعن فلسفته الخاصة إزاء الحياة والوجود الإنساني، فالقطار هو الزَّمن الذي يعيشه الفرد باحثا عن هويته وكينونته، حيث يكشف الحوار واللوحات اللاحقة عن هوية الرَّجل العجوز المتشرد، الذي لم ير فيه اللِّصَّيْن العربي والفرنسي إلا تلك الورقة المالية التي سلمتها إليه امرأة شابة..وهي حقيقة بعض البشر الذين لا يستوقفهم الإنسان، بقدر ما تستوقفهم الماديات والمال وبعض المُغريات. إنَّ اللَّوحة الأولى، جعلتها الكاتبة مدخلا للتعرُّف على فضاء الأحداث، وعلى الشَّخصيات، وبالانتقال إلى اللوحة الثانية نكون أمام صوت الرَّجل العجوز المشرد الذي يقدم ماهية للحياة بقوله: " إنََّّ الحياة تشبه رحلة في قطار: بعض الناس يصعدون معك، وبعضهم يصعد في منتصف الطَّريق، وكثيرون ينزلون قبل النِّهاية، وقلَّة هم الذين يواصلون معك الرِّحلة الحياتية إلى النِّهاية، وهذا ما يُستشفُّ من عبارة " المحطة الأخيرة".. الرجل العجوز من خلال كلامه عن الرحلة الحياتية، يبدو أنه خبر مسالك الحياة، فلا يمكن لمن لم يعارك معتركات الحياة أن يقدم وصفا عن رحلة الإنسان، ويشبهها بقطار الحياة، الذي ينطلق من محطة وينتهي في محطة أخرى، وفي كل محطة يصعد وينزل أناس.. ولعلَّ عبارة قلة من يواصلون معك الرِّحلة إلى النهاية ، عبارة عميقة تختزل دلالات كثيرة : ( الصَّبر، الكفاح، الثقة، التَّوافق، ...). هو مسار حياتي لا يستمرُّ فيه إلا من يتشارك معك نفس المصير، ومن يتوافقُ معك في الآراء والمواقف، فالرَّجل العجوز المتشرد له فلسفته الخاصة حول الحياة، وبتعقب اللوحات المسرحية، ستظهر في حياة الرجل العجوز المتشرد سيدة شابة ستترك له ورقة نقدية. ليتحول مسار الرجل من شخصية لا تثير اهتمام أحد إلى شخصية مثار اهتمام المرأة التي انصرفت لكنها ستجعل الرجل العجوز المشرد يتساءل عن سبب تقديمها المال له، والتي كشفت اللوحة الثالثة عن اسمها " كنزة"؛ ليدخل الرجل العجوز في حوار مع نفسه أفضى به إلى أنَّه لن يقبل بالورقة النقدية، من منطلق أن العالم الذي يعيه وخبِره ُ؛ قائم على المصلحة، وعلى مبدأ تبادل المصالح " اعطيني نعطيك "؛ فلا شيء دُون مقابلٍ. لتتناسل في ذهنه العديد من صور ردِّ العطاء متى عادت؛ إذ فكر في تلميع حذائها، حتَّى لا يبقى مدينًا لها. كما استحضر صور المرأة بشكل عام: " ..رائحتهن، نعومتهن، هذا إلى جانب وصف المرأة بالكائن دون قلب، وفي غمار استحضاره لصور المرأة يظهر أمامه رجل عجوز، ليدخل معه في حوار حول المرأة؛ إذ اعتبر أنَّ عُري الجسد لا يكشف عن حقيقة النَّاس، حكاياتهم وقصصهم، وحياتهم، بل هي الأرواح التي تسمح لك بمعرفة الآخر؛ وأنَّ معرفة الآخر أعمق من علاقة عابرة ( أن تحب وتعشق الآخر كما هو)، ويختفي الرَّجل العجوز الذي كشف عن حقيقة الآخر، فالرجل المتشرد لم يقتنع بكلام الرجل العجوز واعتبره مجرد هراء، ليعود للحلم بالدِّفء، لكونه يستحضر البرد القارس ويعيش في العراء دون مأوى ولا أمان. اللَّوحة الرابعة: الفضاء المكاني: ساحة عمومية، على الرصيف الزَّمان: المساء إن العجوز المتشرد في اللوحة الأولى والثانية والثالثة ما يزال يجهل هويته، وحضور كنزة في اللوحة الرابعة سيحمل للرجل العجوز المتشرد الأمل؛ حيث طلبت منه أن يسكر، والسُّكر هنا سكر معنوي؛ إذ يحيل ُعلى البحث عن سبب للحياة والاستمرار والعيش: ( اسكر بالخمر، أو بالفضيلة أو الشِّعر)؛ إنَّها تبعث الرجل العجوز على استدعاء الحياة الماضية، ليستحضر بودلير، ويستحضر فقدان العقل بالسُّم " الخمر". ومع استدعاء الرجل المتشرِّد لبودلير تتذكر كنزة أن المتشرد العجوز هو أستاذها للغة الفرنسية في المرحلة الثانوية " الأستاذ قاسمي". فننتقل في هذه اللَّوحة من تقديم الشَّخصية المحورية في النَّص المسرحي واختزالها في عجوز متشرد؛ لا يعرف اسمه، يعرف فقط الرَّصيف؛ فهو يقدم نفسه من خلال الانتماء المكاني: " هنا آكل، وهنا أنام ..."، فالعجوز جاهل لهويته ولحقيقته، فهو في نظر الآخرين، عجوز، متشرد، غريب الأطوار، شخص يعيش على الهامش. فالبطل يحضر في اللَّوحة الأولى دُونما اسم" دون هوية"، عار من كل وَصْمٍ اجتماعيٍّ. وفي اللَّوحات اللاحقة تظهر كنزة، فتحاول إنعاش ذاكرة العجوز المتشرِّد والتَّعرف عليه، وعلى ماضيه، إنها تمنحه هوية، وتقدمه على أنَّه أستاذ اللغة الفرنسية في المرحلة الثانوية، فننتقل من انتفاء الهوية إلى هوية واسم ووصم اجتماعي. فدَنتْ منه لكونها استشعرت أن وجهه مألوف لديها؛ لتكتشف أنه أستاذها وتذكره بالاسم " الأستاذ القاسمي"، ومن ثمَّ ننتقل من الهوية الغائبة إلى ذاكرة خارجية تجسدها " كنزة ". فالرجل العجوز سيرحب بكنزة المرأة العابرة التي صعدت قطار حياته. وهنا نصل إلى كون كنزة، تعتبر حلقة وصل بين الماضي والحاضر؛ بين الذَّاكرة الغائبة المرتبطة بالعجوز المشرد، والذَّاكرة الخارجية لكنزة التي تساعد على فعل التذكر واستدعاء الماضي " ماضي الأستاذ القاسمي"؛ الذي لا يعرفه الآخرون (اللِّص العربي، واللِّص الفرنسي، والعجوز). إنَّ البناء الدَّرامي للنص يجعلنا أمام نص قائم ٍعلى مقابلة بين فضاءين (مكانين)؛ وهذا ما سنستشفه من اللَّوحات اللاحقة؛ فاللوحات الأولى كانت تُظهر فضاء واحدا هو الرَّصيف والسَّاحة العمومية، بيْدَ أنه ابتداء من اللوحة يظهر فضاء آخر " البيت"، بيت كنزة، التي ستكشف الأحداث والمشاهد اللاحقة على أنها طبيبة ومعالجة نفسية، إذْ بمجرد إشعارها من صاحب الكشك بأن العجوز المشرد بات في وضعٍ صعب ستنتقل إلى عين المكان (الرَّصيف)؛ لتنقله للعلاج ببيتها بمعية مساعدها " توماس"، بعد نقله إلى المستشفى في بادئ الأمر. وبالعودة إلى اللَّوحة الثانية، تحاول السَّيدة العابرة التَّذكر عندما استوقفها مشهد الرجل العجوز المتشرد، بتقديم نفسها لها، بيد أنَّ العجوز المتشرد يتأفَّف من سؤالها عن هويته، فتعتذر عن ازعاجه، وهنا نكون أمام ذاكرة خارجية تمثلها كنزة، وذاكرة غائبة يُمثلها العجوز المتشرد الذي لا يتذكر الماضي. تعود كنزة عند الرجل العجوز المتشرد عند حلول اللَّيل، لتسلمه بعض الملابس وبطانية، ويتحول الحوار بينهما إلى مفتاح للتذكر والتعرف على هوية الرَّجل الذي رفض الأشياء التي أحضرتها له، وشكرها، وذكرها بأنه ما يزال مدينا لها بمئة أورو، بيد أنَّها تذكره أنها هي نفس السَّيدة، وأن تلك الورقة النقدية هدية له، فيذكرها بأنه ما يزال مخمورا، وأنه فقد عقله بالتمام، وفي استدعائه لبودلير تتذكره وتتعرف عليه. وبالانتقال إلى اللَّوحة الخامسة ننتقل إلى فضاء جديد، منزل السيدة كنزة، ويتغير الزمان من المساء إلى النَّهار، وهو انتقال وتحول في وضع العجوز المتشرد من الشَّارع (الرَّصيف) إلى منزل المعالجة النفسية (كنزة)؛ وهو تحول أتى بعد مكالمة هاتفية من صاحب الكشك؛ الذي أخبر السَّيدة كنزة بالوعكة الصحية التي ألمت بالعجوز المتشرد والتي نقل على إثرها صباحا إلى المستشفى. إن شخصية كنزة التي تمثل الذَّاكرة الخارجية، تُحاول أن تساعد أستاذها في الماضي على التَّعافي، حيث ستخضعه لجلسات علاجية وتنويم، وتدريجيا سيستعيد ماضيه؛ لكونه فقد ذاكرته، ومن ثمَّ فقد هويته وماضيه. إنَّ تواجد الرَّجل العجوز بمنزل السَّيدة كنزة (المعالجة النفسية)؛ التي تحاول أن تعيد له الأمان، برعايتها له، فالعلاج سيعيد له الماضي والذَّاكرة وسيستعيد معها ذاته الغائبة بفعل النِّسيان، فبعدما كان يعيش على الهامش (الرَّصيف)، ودونما هوية، ستساعده كنزة على ترميم ذاته، وتشكيل هويته الضائعة. فالفضاء المكان لم يحضر هنا عبثا؛ إنما هو عامل مساعد على استرجاع الماضي وتحفيز الذَّاكرة والتعرف على الذَّات. على سبيل التركيب: يأتي هذا النص المسرحي الموسوم بقطار الحياة للكاتبة المسرحية " حياة الشريف"، ليُحوِّل اللعبة الحياتية إلى مسار حياتي يتأرجح بين الصُّعود والنزول والنهاية، وليرسم مسار وهوية رجل فقد الذَّاكرة فعاش دُونما هوية، في الشارع، بيد أنه عندما استعادها بفعل الطبيبة النفسية " كنزة" ، سيعود إلى الماضي الذي يؤلمه؛ لأنه ماض يذكِّره برحيل زوجته " ماري كلير "؛ وابنته " جوزيفينا" على إثر حادثة سير، ليعود مجددا إلى الشارع رغبة في النِّسيان؛ وهنا أمكننا القول: " إنَّ النص المسرحي يحبل بالمفارقات والسخرية التي كشف عنها حوار الرجل العجوز المتشرد مع كنزة واللصين والعجوز في بداية اللوحات المسرحية.كما أنَّ النَّفس الدرامي يجعل من الفضاء الزماني والمكاني ذاكرة مبنية على الصِّراع بين زمن الحياة وزمن الذَّاكرة، ففقدان الذَّاكرة سؤال فلسفي كبير مُشرعٌ على أسئلة أخرى: أنَّ استعادة الذَّاكرة لم تستطع أن تعيد للعجوز المشرد ((الأستاذ القاسمي)) أسرته؛ ة فتحولت إلى ذاكرة ألم وحزن وشقاء، وأن كنزة بمساعدتها للعجوز المتشرِّد على الشِّفاء واستعادة الذَّاكرة، واستعادة الهوية، فإنها في الآن ذاته فتحت جِراح الماضي، وجعلت الماضي التعيس يعود ويظهر في الحاضر، وهنا نكون أمام مفارقة تراجيدية. الذاكرة = استعادة الزمن الماضي = التذكر =الألم = (فقدان الحبيبة الزوجة والابنة). غياب الذَّاكرة = فقدان الماضي= عيش الحاضر = غياب الهُوية = عدم معرفة الذات = غياب الألم= فقدان العقل والجنون. وقد أشارنا سابقا إلى أن العجوز المتشرد سيعود إلى الرَّصيف وإلى الشَّارع، وإلى العراء لأنه وجد فيه السَّلوى، ففي النِّسيان هدوء وطمأنينة وغياب الألم. وهنا، نكون أمام كوميديا سوداء، فعودة الذَّاكرة جعلته يستعيد الماضي بكل تفاصيله المُوجِعة؛ حيث تذكر أنه السَّبب في حادث زوجته وابنته، فقبل حضور الشُّرطة لبيته لإخباره بالحادث المأساوي، كان يتهم زوجته بأنَّ لها عشيقا وأنَّها خائنة. لذلك عاد الرَّجل العجوز إلى الرَّصيف، وإلى الخمر ليقاوم الألم وصدمة فقدان زوجته وابنته؛ وهي مفارقة كشف عنها النَّص المسرحي. إنَّ النص المسرحي أيضا من خلال لوحته يكشف عن انقسام في هوية الرَّجل العجوز المتشرد (الأستاذ القاسمي)؛ الذي ولد بالجزائر وأقام بفرنسا؛ وهنا نكون أمام ازدواجية في الانتماء (هوية مزدوجة).
على سبيل الخَــتم:
أمكننا القول؛ أن الكاتبة حياة الشريف؛ تستقي مواضيعها المسرحية من الواقع الاجتماعي الضَّاج بالمفارقات، فمن خلال نصِّها المسرحي الذي عنونته بـ: " قطار الحياة " « Le train de la vie » ؛ استطاعت أن ترسم مسار البطل " الشَّخصية المحورية"، الذي يظهر في اللوحة الأولى والثانية، دون اسم، وهوية؛ إذ تم الاقتصار على تقديمه على أنه رجل عجوز ومتشرد، يعيش على الرَّصيف، إذ حاولت الكاتبة من خلال البناء الدرامي إعادة تشكيل هوية الرجل العجوز المتشرد الذي ستكشف اللوحات اللاحقة عن هويته " الأستاذ يحيى قاسمي "؛ أستاذ اللغة الفرنسية للمرحلة الثانوية، الذي فقد ذاكرته، وستطلع السَّيدة " كنزة " بمهمة إعادة تشكيل هوية الرجل العجوز المتشرد؛ من خلال تذكيره بأنه أستاذها في الثانوية، مع ذكر اسمه؛ الشَّيء الذي يشي بأنَّ كنزة تمثل ذاكرة خارجية تساعد العجوز المتشرد على التذكر واستعادة الماضي؛ حيث تكشف اللوحات اللاحقة أن الماضي الغائب هو ماضٍ به وجع وألم. ليكشف المتلقي للنص / اللَّوحات، أن الذَّاكرة المستعادة تمثل الألم والوجع بالنِّسبة للرجل المتشرد، بينما تشكل لكنزة ذاكرة اعتراف بهوية الرجل، فتحاول معالجته ومساعدته على التَّذكر. ويمكن أن نصل إلى أنَّ النص المسرحي ينطوي على مفارقة أساسية يمكن أن نجسدها وَفْق الآتي:
- العيش في الرَّصيف = غياب الهوية = التَّشرد - النِّسيان وعدم التّذكر = عدم تذكر الماضي وصوره وألمه = عيش واقع التشرد. - التَّذكر واستعادة الذَّاكرة = استعادةُ الماضي بصوره ووجعه وآلامه. - رفض الواقع الجديد (علاج كنزة) = عودة الذَّاكرة = تذكر الماضي بكل صوره المؤلمة - العودة إلى الرَّصيف = الهروب من الألم = النِّسيان = العزلة = التَّشرد - الموت = تذكير كنزة الآخرين بهويته واسمه.
وهنا؛ نكون أمام مفارقة جد مهمة؛ تكمن في أنَّ الموت ربَّما يكون خلاصًا للبطل من ذاكرة الماضي الأليمة، المتمثلة في وفاة زوجته وابنته، بيد أنَّه في ذاتِ الآن لم يستطع الموت أن يمحوَ هويته (أستاذ الفرنسية؛ يحيى قاسمي/ أستاذ كنزة في المرحلة الثانوية). فكنزة؛ هنا تقوم مقام الذَّاكرة الغائبة وتعمل على تذكير الآخرين بهويته بعد موته؛ وهذا ما يستشف من نهاية النَّص المسرحي: " أنا طبيبة، وهذا الرَّجل الطيِّب كان أستاذي"، وبهذا يتحوَّلُ الغياب إلى حضور عن طريق شاهد على سيرة الرَّجل في الماضي. إنَّ الماضي يُستعاد من خلال شخصية " كنزة "؛ حيث تنحني أمامه وتتعهَّد بالوفاء لسِيرته، وبالعناية به حتَّى مثواهُ الأخير. فنلفي أنفسنا أمام نهاية القطار الحياتي، فالقطار وصل المحطة الأخيرة " وصول قطار الحياة إلى نهايته"؛ بكتابة فصل الوفاء بإثبات هوية الرَّجل العجوز الذي لفظ أنفاسه أمام الجميع كمشرد، بيْدَ أنَّ تلميذته (الطبيبة النفسية كنزة)، توقِّع ُعلى أوراقه الثُّبوتية، وتعلن أنه أستاذها، ومن تمَّ تصير للرَّجل المشرد العجوز هوية ، واسم ،ووصم اجتماعي يُعرفُ بهِ رغم موتهِ. وهوية مزدوجة، حيث أنَّه ولد في الجزائر عام 1940، وحلَّ بفرنسا صغيرا رفقة عائلته، كما درس فيها، ليصبح أستاذا للغة الفرنسية في باريس، وذكر هاته التََّّفاصيل ليس عبثا، إنَّما تمَّ إيراده للإشارة إلى أن الشخصية المركزية مدار النَّص منقسمة بين ذاكرتين، وثقافتين متباينتين ( الجزائر / فرنسا – العربية / الفرنسية).ولعلَّ الاختلاف الهوياتي والثَّقافي كان له دور في ما آلت إليه شخصية البطل في المسرحية ؛ فانتماءه إلى بلد عربي سيؤثر حتما على ثقافته؛ إذ نجدُ أنَّ السَّبب الأساس في فقدان الذَّاكرة ،وصدمة الرجل العجوز المشرد يعزى إلى اتهام زوجته الأجنبية " ماري كلير" بالخِيانة ، كما عنَّفها وصفعها؛وهذا ما توحي به العبارة التالية : " " اذهبي إلى عشيقك...اُتركي الطِّفلة وغادري.."؛ وهنا نكون أمام شخصية اتَّسمت في الماضي بالغضب والعنف؛ فهو لم يكن شخصية مثالية؛ إذ رسمته اللوحة شخصا عنيفا، غاضبا، مدمنا على الكحول ومن ثمَّ فنحن أمام ماض رجل لم يكن لطيفا أو طيبا؛ الشَّيء الذي جعله يعود إلى عزلته وتشرده في نهاية المسرحية؛ لأنه استشعر ما اقترفه في الماضي تُجاه زوجته وابنته؛ وبذلك نكون أمام شخصية رافضة لماضيها، نادمة على سِيرتها. ومن ثمَّ أمكننا القول؛ أنه في استعادة الذَّاكرة ألمٌ وندمٌ، لذلك سيفضل العودة إلى الماضي / النِّسيان؛ ليحمي ذاته من الشُّعور بالنَّدمِ ومن ألمِ فقد زوجته وابنته. إننا أمام شخصية فضَّلت العودة إلى الرَّصيف " النسيان"؛ لكون النسيان يجعله في مأمن من ذاكرة الألم والنَّدم، لقد فضل النِّسيان، لأنه طوق خلاصٍ. بيد أنَّ كنزة تستعيد ذاكرته أمام الناس " الآخر"، لتحفظ كرامة الرَّجل، فهو ليس كما يبدو لهم مشردا، عجوزا، متسخا، وحيدا؛ هو أستاذها في المرحلة الثانوية؛ أستاذ اللغة الفرنسية" أستاذي يحيى محمد قاسمي". ومن ثمَّ ترسم نهاية تنصف على الأقل كرامة الرجل وهويته وإنسانيته. فقطار الحياة، يمثل استعارة للزَّمن، فالبطل لم يستطع أن يعيش الحاضر بسبب عودة ذكريات الماضي الأليمة (الذَّاكرة المُستعادة)؛ فالتجأ مجدَّدا إلى حياة التَّشرُّد (الرَّصيف)، ليحتميَ بها. وبذلك نكون أمام مفارقة مهمةٍ؛ فالبطل فضَّل العيش في كنفِ التَّشرد ليحتمي من صور الماضي الأليمة (وفاة ابنته وزوجته في حادث سير وشعوره بالذَّنب لأنه كان سببا في هاته النهاية المأسوية؛ لاتهامه زوجته بالخيانة ولصفعها)‘ فالنَّص المسرحي يرسم خطا يُعيد البطل إلى ماضيه الذي نسيَهُ بسبب فقدان الذَّاكرة، كما يعرضُ لعودة الذَّاكرة والتَّعرف على الرجل المشرد ( تشكيل هوية الرَّجل من جديد)، وانتهاء رحلة الحياة في الرَّصيف.
سعيدة الرغيوي- مكناس بتاريخ: 01-09-2026
مسرحية قطار الحياة لحياة الشريف: ((من ذاكرة النِّسيان إلى الذَّاكرة المُستعادة وبناء الهُوِّية)) تقديم: تشكِّلُ الذَّاكرة Mémoire وعاء للتَّذكر، فهي تحتفظ للمرء بصور، وذكريات الماضي وتجاربه الإنسانية، وعندما نستدعي الذَّاكرة نقرنها بعملية التَّذكُّر، ونقابل التَّذكر بالنِّسيان L’oubli؛ لذلك ارتأيت أن أربط قراءتي لهذا المؤلف الإبداعي؛ " قطار الحياة " بالذَّاكرة والنِّسيان، من أجل تقريب المتلقي من لوحاته وهواجس الكاتبة/ المُؤلِّفة. فحياة الشريف، اخترت أن تجعل لنصِّها المسرحي الجديد؛ وهو الإبداع الثالث في مسيرتها الإبداعية؛ عنوان " قطار الحياة"، فبعد العمل الأول الموسوم بـ: " خيطانا شيطانة"، والعمل الثاني " الكأس "، تطلُّ على المتلقي / القارئ بهذه المسرحية التي اجترحت لها عنوان: " قطار الحياة " / train de la vie؛ وكما دأبها تشتغل مؤلفة هذه النُّصوص المسرحية الثلاثة على البعد الاجتماعي والإنساني؛ وهذا ما يلمسه المتتبع لمسيرتها الإبداعية في جنس الكتابة الإبداعية المسرحية. إنّنا أمام نصٍّ إبداعي انكتب بنبض مبدعة تشتغل بحس الوفاء لقضايا الإنسان في مجتمع بات يضج بالصُّور والمتناقضات، وبات فيه الإنسان يعيش موزعا بين ذاكرة الماضي والحاضر، واستشراف المستقبل الذي قد يفي بما كان يحلم به أو قد يكون مخيِّبًا لآماله ومطامحه. إنَّ هذا النَّص يتأسس انطلاقا من وعي الكاتبة ورؤيتها الخاصة لقضايا الإنسان والوجود، لا سيما أنَّ الإنسان المعاصر بات يعيش صراعاتٍ جامَّة. ناهيك عن كونِ فعل الكينونة والانوجاد بات محكوما بعوامل ذاتية وأخرى موضوعية، مرتبطة بالسِّياق الزماني والمكاني، واشتراطات؛ قد تكون وليدة ظروف خاصة (اقتصادية، اجتماعية، فكرية، ثقافية، نفسية ...الخ)، وعوامل أخرى خارج عن إرادة الإنسان وقدرته. وقد اخترت لهاته القراءة عنوانا رأيته الأقرب للوحات النَّص المسرحي، كما أنَّه يختزل العنوان الذي ارتضته المؤلِّفة " حياة الشريف"؛ فمن ذاكرة النِّسيان، واستعادة الماضي (الذَّاكرة المُستعادة)؛ يمكننا أن نصل إلى تشكُّلِ وبناء الهُوية؛ فماضي الإنسان المُقترِنِ بالنِّسيان، يجعل من الفرد كائنا بدونِ هوية، وبدون انتماء وماهية (جوهر الكائن الإنساني)، إلى حاضر يتشكَّلُ، وهوية تُبنى انطلاقا من فعل وعملية التَّذكر، وهذا ما يرجح أن الكاتبة اخترت عنوان نصها الإبداعي عن وعيٍ؛ بمنأى عن العبثية. وهذا ما سنتبيَّنه انطلاقا من قراءة وتلقي اللوحات الإحدى عشر التي يتألف منها العمل الإبداعي المسرحي. ومن خلال قراءتي للعمل المسرحي، انتهيت إلى أنَّ العمل الإبداعي يُضمر ثيمات عدة يمكن أن يصل إليها كل قارئ. وحسبي في هذي الورقة أن أركز على الجوانب التي اختزلتها في العنوان المقترح؛ في انتظار قراءات أخرى مستقبلا تكون أكثر عمقا، ودقة.
قراءة في عتبة العنوان: قطار الحياة / train de la vie
تستمرُّ حياة الشريف ، في كتابة نبضها الإبداعي" النََّّص المسرحي"؛ وقد اخترت له عنوان قطار الحياة « train de la vie » ؛ وكتبت المسرحية بلغة موليير " اللغة الفرنسية"؛ وأوَّل ما يقف عنده المتلقِّي، ويشدُّ انتباهه دُونما شكٍّ العنوان، فيحاول قراءته، وفهمه، وتأويله للإمساك بمضمونه والوصول إلى الثيمة / الموضوعة الأساس للنَّص الإبداعي (المسرحية). فالعنوان من النَّاحية التَّركيبية؛ جاء مركبا إضافيا، وبالانتقال إلى الجانب الدَّلالي أمكننا القول أنَّ الكاتبة قرنت بين القطار والحياة، في إشارة خفية إلى مسار الإنسان الحياتي، ومحطاته، وباستحضارنا لدلالة القطار؛ فهو وسيلة للسفر، أما الشِّق الثاني من العنوان" الحياة" ؛ فهي تحمل أبعادا فلسفية أنطولوجية؛ فالحياة ترمز إلى الوجود وفعل الكينونة، كما تقترن بالعمر الزَّمني للكائن الذي قد يكون قصيرا أو طويلا، وعندما نتحدث عن الحياة، فإننا نتحدَّث عن مسارات، ومحطات ،ووقفات ،وتجارب، وخبرات، كما يحضرنا نقيض الحياة ؛ الموت والفناء والزَّوال. يبقى العنوان نافذة أولى نطلُّ من خلالها على عالم النَّص المسرحي، فقد يتوافق مع المضمون ويحيلُ عليه بشكلٍ مُباشرٍ، وقد لا يُترجم المضمون؛ وإنَّما يكونُ فيه من المؤشرات الدَّالة التي تضيءُ بعض شفرات النَّص. إن الكاتبة حياة الشريف، تركت للقارئ نقط حذف غير معلنة لاكتشاف هذا القطار الحياتي، بُغية التَّعرف على مسار الرِّحلة الحياتية، واللوحات بمثابة إضاءات للعنوان. يفتح ستار النًّص المسرحي/ المسرحية لنلفي أنفسنا أمام لوحة أولى، تكشف عن الفضاء: (ساحة عمومية، على الرصيف)؛ الزمان: المساء، الشخصيات: (الرجل العجوز المتشرد، اللص الفرنسي، اللِّص العربي) وبالانفتاح على النص المسرحي؛ نجد أنَّ حياة الشريف جعلت هذا النَّص المسرحي على شكل لوحات مسرحية؛ وعددها إحدى عشرة لوحة (11 لوحة)، وفي كل لوحة تعرض مشاهد، يؤثثها الفضاء المكاني والزّمَني والشَّخصيات، إضافة إلى الوصف الذي يستتبع كل مشهد ولوحة لترسم بذلك عوالم النَّص المسرحي.
ونلفي أنَّ الشَّخصية المحورية في المسرحية يمثِّلها الرجل العجوز المتشرد في شوارع باريس، حيث يتَّخذُ من الرَّصيف فضاء للإقامة وللنَّوم والحياة، والذي يصرِّح في اللوحة الأولى بكنه الحياة وفلسفتها: " الحياة.. إمَّا أن تجعل منها حفرة ، أو تجعلها خطا مُتواصلا ممتدا، أنت من يملكُ حق تقرير المصير " أنت من يختار.. إمَّا أن تكون كاهنا أو شخصا خائنا.."، فالعجوز في حواره مع اللِّص الفرنسي والعربي يكشف عن تراجيديا الحياة، وعن فلسفته الخاصة إزاء الحياة والوجود الإنساني، فالقطار هو الزَّمن الذي يعيشه الفرد باحثا عن هويته وكينونته، حيث يكشف الحوار واللوحات اللاحقة عن هوية الرَّجل العجوز المتشرد، الذي لم ير فيه اللِّصَّيْن العربي والفرنسي إلا تلك الورقة المالية التي سلمتها إليه امرأة شابة..وهي حقيقة بعض البشر الذين لا يستوقفهم الإنسان، بقدر ما تستوقفهم الماديات والمال وبعض المُغريات. إنَّ اللَّوحة الأولى، جعلتها الكاتبة مدخلا للتعرُّف على فضاء الأحداث، وعلى الشَّخصيات، وبالانتقال إلى اللوحة الثانية نكون أمام صوت الرَّجل العجوز المشرد الذي يقدم ماهية للحياة بقوله: " إنََّّ الحياة تشبه رحلة في قطار: بعض الناس يصعدون معك، وبعضهم يصعد في منتصف الطَّريق، وكثيرون ينزلون قبل النِّهاية، وقلَّة هم الذين يواصلون معك الرِّحلة الحياتية إلى النِّهاية، وهذا ما يُستشفُّ من عبارة " المحطة الأخيرة".. الرجل العجوز من خلال كلامه عن الرحلة الحياتية، يبدو أنه خبر مسالك الحياة، فلا يمكن لمن لم يعارك معتركات الحياة أن يقدم وصفا عن رحلة الإنسان، ويشبهها بقطار الحياة، الذي ينطلق من محطة وينتهي في محطة أخرى، وفي كل محطة يصعد وينزل أناس.. ولعلَّ عبارة قلة من يواصلون معك الرِّحلة إلى النهاية ، عبارة عميقة تختزل دلالات كثيرة : ( الصَّبر، الكفاح، الثقة، التَّوافق، ...). هو مسار حياتي لا يستمرُّ فيه إلا من يتشارك معك نفس المصير، ومن يتوافقُ معك في الآراء والمواقف، فالرَّجل العجوز المتشرد له فلسفته الخاصة حول الحياة، وبتعقب اللوحات المسرحية، ستظهر في حياة الرجل العجوز المتشرد سيدة شابة ستترك له ورقة نقدية. ليتحول مسار الرجل من شخصية لا تثير اهتمام أحد إلى شخصية مثار اهتمام المرأة التي انصرفت لكنها ستجعل الرجل العجوز المشرد يتساءل عن سبب تقديمها المال له، والتي كشفت اللوحة الثالثة عن اسمها " كنزة"؛ ليدخل الرجل العجوز في حوار مع نفسه أفضى به إلى أنَّه لن يقبل بالورقة النقدية، من منطلق أن العالم الذي يعيه وخبِره ُ؛ قائم على المصلحة، وعلى مبدأ تبادل المصالح " اعطيني نعطيك "؛ فلا شيء دُون مقابلٍ. لتتناسل في ذهنه العديد من صور ردِّ العطاء متى عادت؛ إذ فكر في تلميع حذائها، حتَّى لا يبقى مدينًا لها. كما استحضر صور المرأة بشكل عام: " ..رائحتهن، نعومتهن، هذا إلى جانب وصف المرأة بالكائن دون قلب، وفي غمار استحضاره لصور المرأة يظهر أمامه رجل عجوز، ليدخل معه في حوار حول المرأة؛ إذ اعتبر أنَّ عُري الجسد لا يكشف عن حقيقة النَّاس، حكاياتهم وقصصهم، وحياتهم، بل هي الأرواح التي تسمح لك بمعرفة الآخر؛ وأنَّ معرفة الآخر أعمق من علاقة عابرة ( أن تحب وتعشق الآخر كما هو)، ويختفي الرَّجل العجوز الذي كشف عن حقيقة الآخر، فالرجل المتشرد لم يقتنع بكلام الرجل العجوز واعتبره مجرد هراء، ليعود للحلم بالدِّفء، لكونه يستحضر البرد القارس ويعيش في العراء دون مأوى ولا أمان. اللَّوحة الرابعة: الفضاء المكاني: ساحة عمومية، على الرصيف الزَّمان: المساء إن العجوز المتشرد في اللوحة الأولى والثانية والثالثة ما يزال يجهل هويته، وحضور كنزة في اللوحة الرابعة سيحمل للرجل العجوز المتشرد الأمل؛ حيث طلبت منه أن يسكر، والسُّكر هنا سكر معنوي؛ إذ يحيل ُعلى البحث عن سبب للحياة والاستمرار والعيش: ( اسكر بالخمر، أو بالفضيلة أو الشِّعر)؛ إنَّها تبعث الرجل العجوز على استدعاء الحياة الماضية، ليستحضر بودلير، ويستحضر فقدان العقل بالسُّم " الخمر". ومع استدعاء الرجل المتشرِّد لبودلير تتذكر كنزة أن المتشرد العجوز هو أستاذها للغة الفرنسية في المرحلة الثانوية " الأستاذ قاسمي". فننتقل في هذه اللَّوحة من تقديم الشَّخصية المحورية في النَّص المسرحي واختزالها في عجوز متشرد؛ لا يعرف اسمه، يعرف فقط الرَّصيف؛ فهو يقدم نفسه من خلال الانتماء المكاني: " هنا آكل، وهنا أنام ..."، فالعجوز جاهل لهويته ولحقيقته، فهو في نظر الآخرين، عجوز، متشرد، غريب الأطوار، شخص يعيش على الهامش. فالبطل يحضر في اللَّوحة الأولى دُونما اسم" دون هوية"، عار من كل وَصْمٍ اجتماعيٍّ. وفي اللَّوحات اللاحقة تظهر كنزة، فتحاول إنعاش ذاكرة العجوز المتشرِّد والتَّعرف عليه، وعلى ماضيه، إنها تمنحه هوية، وتقدمه على أنَّه أستاذ اللغة الفرنسية في المرحلة الثانوية، فننتقل من انتفاء الهوية إلى هوية واسم ووصم اجتماعي. فدَنتْ منه لكونها استشعرت أن وجهه مألوف لديها؛ لتكتشف أنه أستاذها وتذكره بالاسم " الأستاذ القاسمي"، ومن ثمَّ ننتقل من الهوية الغائبة إلى ذاكرة خارجية تجسدها " كنزة ". فالرجل العجوز سيرحب بكنزة المرأة العابرة التي صعدت قطار حياته. وهنا نصل إلى كون كنزة، تعتبر حلقة وصل بين الماضي والحاضر؛ بين الذَّاكرة الغائبة المرتبطة بالعجوز المشرد، والذَّاكرة الخارجية لكنزة التي تساعد على فعل التذكر واستدعاء الماضي " ماضي الأستاذ القاسمي"؛ الذي لا يعرفه الآخرون (اللِّص العربي، واللِّص الفرنسي، والعجوز). إنَّ البناء الدَّرامي للنص يجعلنا أمام نص قائم ٍعلى مقابلة بين فضاءين (مكانين)؛ وهذا ما سنستشفه من اللَّوحات اللاحقة؛ فاللوحات الأولى كانت تُظهر فضاء واحدا هو الرَّصيف والسَّاحة العمومية، بيْدَ أنه ابتداء من اللوحة يظهر فضاء آخر " البيت"، بيت كنزة، التي ستكشف الأحداث والمشاهد اللاحقة على أنها طبيبة ومعالجة نفسية، إذْ بمجرد إشعارها من صاحب الكشك بأن العجوز المشرد بات في وضعٍ صعب ستنتقل إلى عين المكان (الرَّصيف)؛ لتنقله للعلاج ببيتها بمعية مساعدها " توماس"، بعد نقله إلى المستشفى في بادئ الأمر. وبالعودة إلى اللَّوحة الثانية، تحاول السَّيدة العابرة التَّذكر عندما استوقفها مشهد الرجل العجوز المتشرد، بتقديم نفسها لها، بيد أنَّ العجوز المتشرد يتأفَّف من سؤالها عن هويته، فتعتذر عن ازعاجه، وهنا نكون أمام ذاكرة خارجية تمثلها كنزة، وذاكرة غائبة يُمثلها العجوز المتشرد الذي لا يتذكر الماضي. تعود كنزة عند الرجل العجوز المتشرد عند حلول اللَّيل، لتسلمه بعض الملابس وبطانية، ويتحول الحوار بينهما إلى مفتاح للتذكر والتعرف على هوية الرَّجل الذي رفض الأشياء التي أحضرتها له، وشكرها، وذكرها بأنه ما يزال مدينا لها بمئة أورو، بيد أنَّها تذكره أنها هي نفس السَّيدة، وأن تلك الورقة النقدية هدية له، فيذكرها بأنه ما يزال مخمورا، وأنه فقد عقله بالتمام، وفي استدعائه لبودلير تتذكره وتتعرف عليه. وبالانتقال إلى اللَّوحة الخامسة ننتقل إلى فضاء جديد، منزل السيدة كنزة، ويتغير الزمان من المساء إلى النَّهار، وهو انتقال وتحول في وضع العجوز المتشرد من الشَّارع (الرَّصيف) إلى منزل المعالجة النفسية (كنزة)؛ وهو تحول أتى بعد مكالمة هاتفية من صاحب الكشك؛ الذي أخبر السَّيدة كنزة بالوعكة الصحية التي ألمت بالعجوز المتشرد والتي نقل على إثرها صباحا إلى المستشفى. إن شخصية كنزة التي تمثل الذَّاكرة الخارجية، تُحاول أن تساعد أستاذها في الماضي على التَّعافي، حيث ستخضعه لجلسات علاجية وتنويم، وتدريجيا سيستعيد ماضيه؛ لكونه فقد ذاكرته، ومن ثمَّ فقد هويته وماضيه. إنَّ تواجد الرَّجل العجوز بمنزل السَّيدة كنزة (المعالجة النفسية)؛ التي تحاول أن تعيد له الأمان، برعايتها له، فالعلاج سيعيد له الماضي والذَّاكرة وسيستعيد معها ذاته الغائبة بفعل النِّسيان، فبعدما كان يعيش على الهامش (الرَّصيف)، ودونما هوية، ستساعده كنزة على ترميم ذاته، وتشكيل هويته الضائعة. فالفضاء المكان لم يحضر هنا عبثا؛ إنما هو عامل مساعد على استرجاع الماضي وتحفيز الذَّاكرة والتعرف على الذَّات. على سبيل التركيب: يأتي هذا النص المسرحي الموسوم بقطار الحياة للكاتبة المسرحية " حياة الشريف"، ليُحوِّل اللعبة الحياتية إلى مسار حياتي يتأرجح بين الصُّعود والنزول والنهاية، وليرسم مسار وهوية رجل فقد الذَّاكرة فعاش دُونما هوية، في الشارع، بيد أنه عندما استعادها بفعل الطبيبة النفسية " كنزة" ، سيعود إلى الماضي الذي يؤلمه؛ لأنه ماض يذكِّره برحيل زوجته " ماري كلير "؛ وابنته " جوزيفينا" على إثر حادثة سير، ليعود مجددا إلى الشارع رغبة في النِّسيان؛ وهنا أمكننا القول: " إنَّ النص المسرحي يحبل بالمفارقات والسخرية التي كشف عنها حوار الرجل العجوز المتشرد مع كنزة واللصين والعجوز في بداية اللوحات المسرحية.كما أنَّ النَّفس الدرامي يجعل من الفضاء الزماني والمكاني ذاكرة مبنية على الصِّراع بين زمن الحياة وزمن الذَّاكرة، ففقدان الذَّاكرة سؤال فلسفي كبير مُشرعٌ على أسئلة أخرى: أنَّ استعادة الذَّاكرة لم تستطع أن تعيد للعجوز المشرد ((الأستاذ القاسمي)) أسرته؛ ة فتحولت إلى ذاكرة ألم وحزن وشقاء، وأن كنزة بمساعدتها للعجوز المتشرِّد على الشِّفاء واستعادة الذَّاكرة، واستعادة الهوية، فإنها في الآن ذاته فتحت جِراح الماضي، وجعلت الماضي التعيس يعود ويظهر في الحاضر، وهنا نكون أمام مفارقة تراجيدية. الذاكرة = استعادة الزمن الماضي = التذكر =الألم = (فقدان الحبيبة الزوجة والابنة). غياب الذَّاكرة = فقدان الماضي= عيش الحاضر = غياب الهُوية = عدم معرفة الذات = غياب الألم= فقدان العقل والجنون. وقد أشارنا سابقا إلى أن العجوز المتشرد سيعود إلى الرَّصيف وإلى الشَّارع، وإلى العراء لأنه وجد فيه السَّلوى، ففي النِّسيان هدوء وطمأنينة وغياب الألم. وهنا، نكون أمام كوميديا سوداء، فعودة الذَّاكرة جعلته يستعيد الماضي بكل تفاصيله المُوجِعة؛ حيث تذكر أنه السَّبب في حادث زوجته وابنته، فقبل حضور الشُّرطة لبيته لإخباره بالحادث المأساوي، كان يتهم زوجته بأنَّ لها عشيقا وأنَّها خائنة. لذلك عاد الرَّجل العجوز إلى الرَّصيف، وإلى الخمر ليقاوم الألم وصدمة فقدان زوجته وابنته؛ وهي مفارقة كشف عنها النَّص المسرحي. إنَّ النص المسرحي أيضا من خلال لوحته يكشف عن انقسام في هوية الرَّجل العجوز المتشرد (الأستاذ القاسمي)؛ الذي ولد بالجزائر وأقام بفرنسا؛ وهنا نكون أمام ازدواجية في الانتماء (هوية مزدوجة).
على سبيل الخَــتم:
أمكننا القول؛ أن الكاتبة حياة الشريف؛ تستقي مواضيعها المسرحية من الواقع الاجتماعي الضَّاج بالمفارقات، فمن خلال نصِّها المسرحي الذي عنونته بـ: " قطار الحياة " « Le train de la vie » ؛ استطاعت أن ترسم مسار البطل " الشَّخصية المحورية"، الذي يظهر في اللوحة الأولى والثانية، دون اسم، وهوية؛ إذ تم الاقتصار على تقديمه على أنه رجل عجوز ومتشرد، يعيش على الرَّصيف، إذ حاولت الكاتبة من خلال البناء الدرامي إعادة تشكيل هوية الرجل العجوز المتشرد الذي ستكشف اللوحات اللاحقة عن هويته " الأستاذ يحيى قاسمي "؛ أستاذ اللغة الفرنسية للمرحلة الثانوية، الذي فقد ذاكرته، وستطلع السَّيدة " كنزة " بمهمة إعادة تشكيل هوية الرجل العجوز المتشرد؛ من خلال تذكيره بأنه أستاذها في الثانوية، مع ذكر اسمه؛ الشَّيء الذي يشي بأنَّ كنزة تمثل ذاكرة خارجية تساعد العجوز المتشرد على التذكر واستعادة الماضي؛ حيث تكشف اللوحات اللاحقة أن الماضي الغائب هو ماضٍ به وجع وألم. ليكشف المتلقي للنص / اللَّوحات، أن الذَّاكرة المستعادة تمثل الألم والوجع بالنِّسبة للرجل المتشرد، بينما تشكل لكنزة ذاكرة اعتراف بهوية الرجل، فتحاول معالجته ومساعدته على التَّذكر. ويمكن أن نصل إلى أنَّ النص المسرحي ينطوي على مفارقة أساسية يمكن أن نجسدها وَفْق الآتي:
- العيش في الرَّصيف = غياب الهوية = التَّشرد - النِّسيان وعدم التّذكر = عدم تذكر الماضي وصوره وألمه = عيش واقع التشرد. - التَّذكر واستعادة الذَّاكرة = استعادةُ الماضي بصوره ووجعه وآلامه. - رفض الواقع الجديد (علاج كنزة) = عودة الذَّاكرة = تذكر الماضي بكل صوره المؤلمة - العودة إلى الرَّصيف = الهروب من الألم = النِّسيان = العزلة = التَّشرد - الموت = تذكير كنزة الآخرين بهويته واسمه.
وهنا؛ نكون أمام مفارقة جد مهمة؛ تكمن في أنَّ الموت ربَّما يكون خلاصًا للبطل من ذاكرة الماضي الأليمة، المتمثلة في وفاة زوجته وابنته، بيد أنَّه في ذاتِ الآن لم يستطع الموت أن يمحوَ هويته (أستاذ الفرنسية؛ يحيى قاسمي/ أستاذ كنزة في المرحلة الثانوية). فكنزة؛ هنا تقوم مقام الذَّاكرة الغائبة وتعمل على تذكير الآخرين بهويته بعد موته؛ وهذا ما يستشف من نهاية النَّص المسرحي: " أنا طبيبة، وهذا الرَّجل الطيِّب كان أستاذي"، وبهذا يتحوَّلُ الغياب إلى حضور عن طريق شاهد على سيرة الرَّجل في الماضي. إنَّ الماضي يُستعاد من خلال شخصية " كنزة "؛ حيث تنحني أمامه وتتعهَّد بالوفاء لسِيرته، وبالعناية به حتَّى مثواهُ الأخير. فنلفي أنفسنا أمام نهاية القطار الحياتي، فالقطار وصل المحطة الأخيرة " وصول قطار الحياة إلى نهايته"؛ بكتابة فصل الوفاء بإثبات هوية الرَّجل العجوز الذي لفظ أنفاسه أمام الجميع كمشرد، بيْدَ أنَّ تلميذته (الطبيبة النفسية كنزة)، توقِّع ُعلى أوراقه الثُّبوتية، وتعلن أنه أستاذها، ومن تمَّ تصير للرَّجل المشرد العجوز هوية ، واسم ،ووصم اجتماعي يُعرفُ بهِ رغم موتهِ. وهوية مزدوجة، حيث أنَّه ولد في الجزائر عام 1940، وحلَّ بفرنسا صغيرا رفقة عائلته، كما درس فيها، ليصبح أستاذا للغة الفرنسية في باريس، وذكر هاته التََّّفاصيل ليس عبثا، إنَّما تمَّ إيراده للإشارة إلى أن الشخصية المركزية مدار النَّص منقسمة بين ذاكرتين، وثقافتين متباينتين ( الجزائر / فرنسا – العربية / الفرنسية).ولعلَّ الاختلاف الهوياتي والثَّقافي كان له دور في ما آلت إليه شخصية البطل في المسرحية ؛ فانتماءه إلى بلد عربي سيؤثر حتما على ثقافته؛ إذ نجدُ أنَّ السَّبب الأساس في فقدان الذَّاكرة ،وصدمة الرجل العجوز المشرد يعزى إلى اتهام زوجته الأجنبية " ماري كلير" بالخِيانة ، كما عنَّفها وصفعها؛وهذا ما توحي به العبارة التالية : " " اذهبي إلى عشيقك...اُتركي الطِّفلة وغادري.."؛ وهنا نكون أمام شخصية اتَّسمت في الماضي بالغضب والعنف؛ فهو لم يكن شخصية مثالية؛ إذ رسمته اللوحة شخصا عنيفا، غاضبا، مدمنا على الكحول ومن ثمَّ فنحن أمام ماض رجل لم يكن لطيفا أو طيبا؛ الشَّيء الذي جعله يعود إلى عزلته وتشرده في نهاية المسرحية؛ لأنه استشعر ما اقترفه في الماضي تُجاه زوجته وابنته؛ وبذلك نكون أمام شخصية رافضة لماضيها، نادمة على سِيرتها. ومن ثمَّ أمكننا القول؛ أنه في استعادة الذَّاكرة ألمٌ وندمٌ، لذلك سيفضل العودة إلى الماضي / النِّسيان؛ ليحمي ذاته من الشُّعور بالنَّدمِ ومن ألمِ فقد زوجته وابنته. إننا أمام شخصية فضَّلت العودة إلى الرَّصيف " النسيان"؛ لكون النسيان يجعله في مأمن من ذاكرة الألم والنَّدم، لقد فضل النِّسيان، لأنه طوق خلاصٍ. بيد أنَّ كنزة تستعيد ذاكرته أمام الناس " الآخر"، لتحفظ كرامة الرَّجل، فهو ليس كما يبدو لهم مشردا، عجوزا، متسخا، وحيدا؛ هو أستاذها في المرحلة الثانوية؛ أستاذ اللغة الفرنسية" أستاذي يحيى محمد قاسمي". ومن ثمَّ ترسم نهاية تنصف على الأقل كرامة الرجل وهويته وإنسانيته. فقطار الحياة، يمثل استعارة للزَّمن، فالبطل لم يستطع أن يعيش الحاضر بسبب عودة ذكريات الماضي الأليمة (الذَّاكرة المُستعادة)؛ فالتجأ مجدَّدا إلى حياة التَّشرُّد (الرَّصيف)، ليحتميَ بها. وبذلك نكون أمام مفارقة مهمةٍ؛ فالبطل فضَّل العيش في كنفِ التَّشرد ليحتمي من صور الماضي الأليمة (وفاة ابنته وزوجته في حادث سير وشعوره بالذَّنب لأنه كان سببا في هاته النهاية المأسوية؛ لاتهامه زوجته بالخيانة ولصفعها)‘ فالنَّص المسرحي يرسم خطا يُعيد البطل إلى ماضيه الذي نسيَهُ بسبب فقدان الذَّاكرة، كما يعرضُ لعودة الذَّاكرة والتَّعرف على الرجل المشرد ( تشكيل هوية الرَّجل من جديد)، وانتهاء رحلة الحياة في الرَّصيف.
سعيدة الرغيوي- مكناس بتاريخ: 01-09-2026
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كيف يبرز -كونغرس العربية والصناعات الإبداعية- مستقبل اللغة ا
...
-
الموسيقى تتصدر نقاشات منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ
-
معرض -سلالة- يوثق إرث عائلة ارتبطت بمسرح موسكو للفنون
-
الأمير هاري يخطط لإنتاج فيلم وثائقي عن والدته ديانا تكريما ل
...
-
بحضور 1600 مشارك.. مؤسسة قطر تختتم النسخة الثانية من ملتقى -
...
-
سبتة في مخيلة ألفونسو العاشر: كيف صاغ -الملك الحكيم- أحلام ا
...
-
كاظم الساهر: بعد سن الـ50 أصبحت أرى الأشياء بعمق
-
بمشاركة عربية وأجنبية.. بدء الاستعداد للدورة الـ13 لمهرجان د
...
-
جهود لإدراج -المقدمة- لابن خلدون في سجل ذاكرة العالم لليونسك
...
-
مهرجان الجونة السينمائي يكشف عن شعاره الجديد ويكرم منى زكي ف
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|