|
|
فضفضة 3
شيرزاد همزاني
الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 18:15
المحور:
القضية الكردية
عزلة كردستان عن الحركة الفكرية العالمية قبل 1991 مرحباً أصدقائي الأعزاء، وقرائي الكرام، في «فضفضة» جديدة. هذه المرة أود أن أتحدث عن أحد الجوانب التي أعتقد أنها أسهمت في تأخر تبنّي نظام سياسي ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان في إقليم كردستان، وهو عزلة الحركة الكردية، وخصوصاً في كردستان العراق، عن الحركة الفكرية العالمية قبل عام 1991. من المعروف أن الأحزاب الكردية، تاريخياً، كانت أحزاباً ذات طابع عسكري وقومي وعشائري إلى حد كبير، أكثر من كونها أحزاباً فكرية بالمعنى المتعارف عليه. ويمكن ملاحظة ذلك عند قراءة تاريخ أي حزب كردي؛ إذ يحتل النضال العسكري مساحة واسعة جداً من تاريخه، بينما يأتي الجانب الفكري والثقافي في مرتبة متأخرة. وأنا أتحدث هنا من تجربة شخصية. ففي طفولتي، شاهدت إعدام بعض كوادر الحزب الديمقراطي الكردستاني على يد نظام البعث في عهد صدام حسين. وكان هناك آنذاك ما يُعرف بالتنظيمات الداخلية. وهنا يطرح الإنسان سؤالاً: ماذا كانت تفعل هذه التنظيمات؟ في الغالب، كان دورها تنظيم الناس وحثّ الشباب على الالتحاق بجبهات القتال أو بالمناطق المحررة، كما كنا نسميها آنذاك. وهذا يعكس، في رأيي، إحدى أهم مشكلات الحركة التحررية القومية الكردية، وهي إهمال الجانب الثقافي والفكري، سواء على المستوى العالمي أو حتى على المستوى الداخلي. عندما تقرأ، مثلاً، البرامج والمنهاج الحزبية للأحزاب الكردية قبل عام 1991، وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي، تجد أن كثيراً منها كان يتحدث عن العالمية والاشتراكية وغيرها من المفاهيم السياسية والفكرية. لكن لو سألت أحد الكوادر الحزبية، وخصوصاً من القواعد، عن معنى الأممية أو الاشتراكية، فمن الصعب القول إن الجميع كانوا يمتلكون معرفة حقيقية بهذه المفاهيم. وربما كان الحزب الشيوعي أكثر الأحزاب اهتماماً بهذا الجانب الفكري. في ظل الحركة التحررية الكردية قبل عام 1991، كانت كردستان، أو بالأحرى إقليم كردستان العراق، تعيش ما يمكن وصفه بفترة من العزلة الثقافية والفكرية. أتذكر من تلك المرحلة أن الحصول على كتاب يتحدث عن الكرد وتاريخ كردستان كان أمراً بالغ الصعوبة، فما بالك بالكتب والمقالات التي تتناول الحركات الفكرية والسياسية العالمية، سواء في كردستان أو في بقية العالم. وهناك سبب آخر لهذه العزلة، وهو ضعف العلاقات الدولية للحركة الكردية، لأسباب متعددة. فكردستان كانت محاطة بدول قوية ومعادية للمشروع القومي الكردي. وفي الوقت نفسه، كانت الساحة الدولية في مراحل طويلة خاضعة لنفوذ حركات وأحزاب ذات طابع أممي، مثل الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والعمالية، ولم يكن المشروع القومي يحظى دائماً بالترحيب نفسه. لكن هذا لا يعني أن الأحزاب القومية الكردية لم تكن مسؤولة عن جزء من هذا الضعف. فقد كانت الانقسامات الكردية عميقة، ولم يكن هناك صوت كردي موحد. بل إن الأحزاب والحركات الكردية كثيراً ما كانت تتقاتل فيما بينها في أجزاء مختلفة من كردستان، بما في ذلك إقليم كردستان العراق. حتى في المناطق المحررة، كان الصراع في أحيان كثيرة يدور حول السيطرة الجغرافية والنفوذ، ومن يمتلك أكبر قدر من الأراضي والموارد. وربما لا تزال آثار هذه العقلية حاضرة إلى اليوم، في ظل الانقسام السياسي والإداري الذي عاشه الإقليم لسنوات طويلة. قد أكون ابتعدت قليلاً عن الموضوع، لكنني أرى أن كل هذه الأمور ترتبط بفكرة واحدة: عزلة الحركة القومية الكردية عن الفكر العالمي، وضعف قدرتها على إنتاج مشروع سياسي وفكري موحد. وهنا نصل إلى «الداء الأبدي» في قضيتنا: الخلاف حول المال والموارد. كان لدي صديق من السليمانية اسمه فرهاد، وكان يردد عبارة ساخرة مفادها ( کورد وو پارە وو خیانەت ) أن المشكلة الكردية مرتبطة دائماً بـ«الخيانة». وبغض النظر عن قسوة العبارة، أعتقد أن فيها جانباً يستحق النقاش. فالقضية الكردية، تاريخياً، وجدت نفسها في كثير من الأحيان رهينة للتوازنات الإقليمية والدولية، ولمن يمتلك القدرة على تقديم الدعم السياسي أو العسكري أو المالي. فالأحزاب الكردية، منذ مراحل مختلفة من تاريخ الحركة الكردية، اضطرت إلى الاستفادة من التناقضات والصراعات بين دول المنطقة. ومن الأمثلة التاريخية على ذلك استفادة بعض الحركات الكردية من الخلافات بين إيران والعراق للحصول على السلاح والدعم، وهي ظاهرة تكررت بأشكال مختلفة في مراحل لاحقة، حيث استفادت حركات كردية أخرى من التناقضات الإقليمية القائمة. وهنا تكمن المشكلة الأعمق: عندما تكون الحركة السياسية ضعيفة اقتصادياً، فإنها تصبح أكثر اعتماداً على الخارج. ولم تكن لدى الحركة الكردية، في مراحل طويلة، إمكانات اقتصادية مستقلة تكفي حتى لإدارة حربها، ولذلك أصبح الاعتماد على الدعم الخارجي جزءاً من الواقع السياسي. وهذا الاعتماد لم يكن بلا ثمن؛ إذ كان يضع القرار الكردي أحياناً أمام ضغوط ومصالح الدول التي تقدم الدعم. أما اليوم، فالوضع في إقليم كردستان مختلف من ناحية الانفتاح الثقافي والإعلامي. هناك قنصليات، ومكاتب إعلامية، وصحف، وقنوات تلفزيونية، وحركة ثقافية أكثر نشاطاً، وأصبح بإمكان المواطن الكردي، إذا أراد وكان لديه وعي وضمير نقدي، أن يتصل بالعالم الخارجي وأن يطّلع على تجارب الشعوب الأخرى. وهذا الانفتاح مهم جداً؛ لأنه يساعد الإنسان على معرفة حقوقه وواجباته، وعلى إدراك أن أموال الدولة والثروات العامة ليست ملكاً للأحزاب، وأن المواطن من حقه أن يسأل: أين تذهب هذه الأموال؟ وكيف تُدار ثروات الإقليم؟ وما هي حدود سلطة الأحزاب؟ قد يقول قائل: لماذا تركز دائماً على المال والاقتصاد؟ والجواب بالنسبة لي هو أن الصراع السياسي الكردي كان، منذ مراحل مبكرة، مرتبطاً بشكل وثيق بالموارد الاقتصادية وبالنفوذ وبالقدرة على السيطرة على المجتمع. فالاقتصاد ليس مجرد مسألة مالية؛ إنه جزء أساسي من القوة السياسية والاستقلال في اتخاذ القرار. وحتى في مسألة تقسيم كردستان والمنطقة، لعبت عوامل اقتصادية وديموغرافية وجيوسياسية دوراً مهماً في رسم الحدود والكيانات السياسية التي نعرفها اليوم. ولذلك لا يمكن فهم القضية الكردية بعيداً عن الاقتصاد والنفط والموارد والسكان والمصالح الإقليمية والدولية. وربما كانت هذه «الفضفضة» اليوم أقل تنظيماً من سابقاتها، لأن المعلومات التي كانت متاحة لي في ذلك الوقت كانت محدودة. حاولت لاحقاً البحث عن بعض هذه القضايا عبر الإنترنت، لكنني أتذكر جيداً تجربة شخصية حدثت عام 1996 ، عندما ذهبت إلى دورة للكوادر في الحزب الديمقراطي الكردستاني. كان البرنامج السياسي في تلك الدورة يركز بدرجة كبيرة على تاريخ الملا مصطفى البارزاني، ومسعود البارزاني، والثورات الكردية، والنضال العسكري. ولم يكن هناك، بالقدر نفسه، اهتمام واضح بالجانب الفكري والفلسفي والسياسي للحركات والثورات. وهنا أعود إلى الفكرة الأساسية التي بدأت بها: لا يمكن لأي حركة تحرر أو مشروع قومي أن ينجح اعتماداً على البندقية وحدها. الحركة تحتاج إلى فكر، وثقافة، ومؤسسات، ووعي سياسي، ومعرفة بالتجارب العالمية، وقبل كل شيء تحتاج إلى إنسان يعرف حقوقه وواجباته. لقد دفع الكرد ثمناً باهظاً بسبب الحروب والانقسامات والعزلة. وربما آن الأوان لأن نقرأ تاريخنا ليس فقط من زاوية المعارك والثورات، وإنما أيضاً من زاوية الفكر والثقافة والاقتصاد وبناء المؤسسات. إلى اللقاء في «فضفضة» قادمة، أصدقائي وقرائي الأعزاء.
#شيرزاد_همزاني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فأنت بين ناهبٍ وجحود
-
في ذكرى شرارة ثورة شعبٍ حيّْ
-
إنما النجاح محيطات هادئة ,فيها يملك الانسان سفينة
-
اليوم يوم انتخابات
-
مُصابٌ أنا ببقعة نور
-
لك وجّهت وجهي للصلاة
-
من أجتهد نال , ومن عرف باح
-
قالوا لستِ ,لكن ,هناك ربٌّ ,كفرت به
-
لا يؤتمن على وطنٍ
-
لاجل عشقك وُجِدت الكتابة
-
فضفضة 2
-
من الالم اعبق عبيرا
-
جنية الحكايا تكتب قدراً
-
يا عرب عدنا وطنّه
-
فأنت مريضٌ, تُعالَج بخازوق
-
عن قشّهٍ , طالما تمسك بها الغريق
-
ان تشعر بنبض قلبك,, جريمة ضد الله وعباده
-
فضفضة ١
-
عدا رضاك ,كل أمنياتي. إسفاف
-
اليست حياة الطيف, الأفضل
المزيد.....
-
وكالة فارس: الرئيس الإيراني يتوجه إلى نيويورك خلال أيام لحضو
...
-
بن غفير يطالب بإعدام منفذ هجوم نفيه تسوف وسط الضفة
-
نتنياهو يوجه الجيش والشاباك بتنفيذ عمليات هجومية واعتقالات ب
...
-
جيش الاحتلال يعلن اعتقال منفذ عملية إطلاق النار قرب رام الله
...
-
تزايد أعداد النازحين في مخيمات مأرب نتيجة استمرار المعارك
-
أقفاص معدنية وخنق وضرب.. ماذا وجد مفتشون أمريكيون بمراكز احت
...
-
مفوضية اللاجئين ترصد الانتهاكات بحق السودانيين على طرق الهجر
...
-
النائب مصطفي البهي: إجراءات حماية الأطفال على منصات التواصل
...
-
حول قرار منع الرئيس من المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأ
...
-
رئيسة تشيلي السابقة خارج السباق لمنصب الأمين العام للأمم الم
...
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|