|
|
المزاحمية» لسمير الأمير: رواية المكان والذاكرة وصراع الإنسان مع الغربة والسلطة
عبد الباسط السرسي
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 09:50
المحور:
الادب والفن
«
تأتي رواية «المزاحمية» للكاتب والشاعر سمير الأمير بوصفها نصًا سرديًا يتجاوز الحكاية المباشرة إلى مساءلة الإنسان في علاقته بالمكان والذاكرة والمجتمع. فالمكان في الرواية ليس مجرد إطار تجري فيه الأحداث، وإنما يتحول إلى كائن حي يترك أثره في الشخصيات، ويعيد تشكيل وعيها، ويستدعي الماضي بكل ما يحمله من تجارب وذكريات وانكسارات وأحلام. ومنذ العنوان، يضعنا الكاتب أمام مكان محدد، غير أن هذا التحديد الجغرافي سرعان ما يتسع ليصبح دلالة إنسانية ونفسية؛ فالمزاحمية ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل فضاء تتقاطع فيه حيوات البشر، وتتجاور فيه الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجمعية، وتغدو الرحلة إليها رحلة في المكان بقدر ما هي رحلة في أعماق الذات.
تبدأ الرواية مع علي محمود المالكي، مدرس اللغة الإنجليزية والشاعر والمثقف، وهو يقف أمام لجنة اختبار المتقدمين للعمل في المملكة العربية السعودية. وتتوالى عليه أسئلة متباينة عن الخديو إسماعيل، وعن الله، وعن بعض المسائل الفقهية، ثم سؤال طريف عن سجود السهو في صلاة الجنازة. ولا تبدو هذه البداية مجرد مشهد تمهيدي، بل تؤسس لطبيعة الشخصية؛ فعلي رجل مثقف، سريع البديهة، ساخر، يواجه المواقف الحرجة بذكاء، ولا يستسلم بسهولة لهيبة السلطة أو سطوة الامتحان. ومنذ اللحظة الأولى يبدو أن الحياة عنده سلسلة من الاختبارات، وأن الإنسان لا يُمتحن في معلوماته وحدها، بل في قدرته على الاحتفاظ بكرامته وحضوره وسط الظروف الضاغطة.
ولا يسير السرد في «المزاحمية» وفق منطق الحكاية الخطية وحده، وإنما يعتمد على استدعاء الذاكرة والتنقل بين الحاضر والماضي. فكلما اقترب السارد من لحظة راهنة، انفتح أمامه باب إلى زمن سابق، لتظهر تفاصيل من الطفولة والأسرة والتعليم والعمل والجيش والعلاقات الإنسانية. وكأن الماضي لا يعيش خلف الشخصية، وإنما يسكن داخلها، ويعيد إنتاج نفسه كلما استدعى الحاضر ذاكرة الأمس. ولهذا فإن الزمن الروائي ليس مستقيمًا، بل متعرج، تتحكم فيه الذاكرة، وتعيد ترتيب الوقائع وفق ما تثيره اللحظة من مشاعر وأسئلة.
ويعود علي إلى سنوات المدرسة الثانوية العسكرية في الزقازيق عام 1976، مستحضرًا صورة معلم اللغة الإنجليزية القاسي الذي مزق ورقته، فيتحول الموقف العابر إلى جرح عميق يتصل بالكرامة والعنف الرمزي وسلطة من يمتلك حق التقييم. ثم تمتد الذاكرة إلى سنوات التجنيد والهايكستب والصحراء، حيث قسوة المعسكر والانضباط العسكري والعقاب والمراقبة، وتظهر وجوه مثل هلال العبذد وعبد المولى وغيرهما من الشخصيات التي تركت أثرًا في وجدانه. ولا تأتي هذه الذكريات لمجرد استكمال السيرة، وإنما تكشف عن الجذر النفسي لعلاقة علي بالسلطة؛ فهو رجل خبر السلطة في صورتها المدرسية والعسكرية والإدارية، ولذلك يصبح شديد الحساسية تجاه كل سلطة تنقلب من التنظيم إلى القهر، ومن المسؤولية إلى الإهانة.
وفي الرياض يلتقي علي بعبد الله رز ق وعبد العظيم القريشي، ثم يُوجَّه إلى العمل في مدرسة بالمزاحمية. وحتى الاسم نفسه يتحول إلى مدخل ساخر إلى المكان، إذ ينطقه علي على نحو مختلف، وكأن اللسان القادم من مصر يحتاج إلى وقت كي يتصالح مع الجغرافيا الجديدة. ويساعده صديقه محمود سليمان، الذي يفتح له بيته وقلبه، وتظهر زوجته منى، وهي مدرسة للغة العربية، ضمن شبكة العلاقات التي ستمنح الغربة بعض دفئها الإنساني. ثم ينتقل علي إلى بيت الشيخ عبد الله السعديش١، صاحب البيت والمسجد، الذي يتيح له السكن بأجر متواضع، ويمنحه شيئًا من الأمان في المكان الجديد. ويظهر الشيخ عبد الله بوصفه شخصية مركبة، تجمع بين التدين والسلطة الاجتماعية والعمل والكفاح، فلا يقدمه الكاتب في صورة نمطية مغلقة، بل يترك له تناقضاته الإنسانية ومساحته الخاصة من الضعف والقوة.
وتكتسب المدرسة حضورًا مركزيًا في تشكيل التجربة السردية؛ فهي ليست مكانًا للتعليم بالمعنى التقليدي فحسب، وإنما فضاء للصراع بين الأجيال، وبين السلطة والرغبة في التمرد، وبين المعلم والتلميذ، وبين الرسالة المهنية والحاجة إلى الرزق. ففيها المدير أبو ناصر، والسكرتير أبو فهد، والمعلمون المصريون والسعوديون، وفيها الطلاب والدروس الخصوصية والامتحانات والمفتشون والتحقيقات والمجاملات والشكوك. ومن خلال المدرسة يكشف الكاتب تحولات عميقة في مفهوم السلطة؛ فالتلميذ لم يعد دائمًا متلقيًا سلبيًا، بل قد يصبح في بعض المواقف صاحب تأثير وضغط، وقد تتحول جماعة التلاميذ إلى قوة قادرة على إخضاع المعلم أو ابتزازه أو تهديد مكانته.
ويحتك علي بعوض الله، وتنشأ بينهما خلافات تتصل بالطلاب والعمل والمعمل والدروس، بينما يظهر إبراهيم الإسكندراني، مدرس الفيزياء، بحضوره الساخر وتقليده للآخرين، فيضفي على عالم المدرسة بعدًا فكاهيًا يخفف من وطأة الصراع دون أن يلغي مرارته. أما أبو حسين، المدرس الصعيدي، فيحضر بشخصيته المحبة للطعام والمرح، لكنه يجد نفسه في قلب وقائع أكثر تعقيدًا تتصل بالدروس الخصوصية وتسريب الامتحانات والتحقيقات، وبعلاقته بسعد العامل. وهنا لا يكتفي الكاتب بتسجيل الحوادث، بل يجعلها كاشفة عن شبكة المصالح والضغوط التي تحيط بالمعلم، وعن التناقض بين الصورة المثالية للمؤسسة التعليمية وما يجري داخلها من صراعات بشرية.
أما أبو ناصر، مدير المدرسة، فتتطور علاقته بعلي من علاقة إدارية تقليدية إلى علاقة إنسانية أكثر عمقًا؛ إذ يكتشف أن أمامه مدرسًا لا يريد تحويل التعليم إلى تجارة، ولا يقبل أن تكون كرامته ثمنًا للاستقرار الوظيفي. وحين يفكر علي في الرحيل، يحاول أبو ناصر إقناعه بالبقاء، بما يكشف أن السلطة ليست دائمًا وجهًا واحدًا، وأن ممثل المؤسسة قد يتحول، في لحظة إنسانية، إلى صديق يشعر بفقدان شخص كان يضيف إلى المكان قيمة لا توفرها اللوائح.
ويظهر حمود المسعد، المدرس السعودي المثقف، ليكسر الصورة النمطية بين المصري والسعودي؛ فهو ينتقد بعض المصريين، لكنه يحب الأدب والفن المصريين، ويقلد عادل إمام وتوفيق الدقن، فتغدو علاقته بعلي نموذجًا على أن الاختلاف الثقافي لا يحول دون التلاقي الإنساني. كما تتسع دائرة الشخصيات لتشمل الشيخ نواف المروّع والشيخ وليد والشيخ فتحي وغيرهم من الشخصيات الدينية والاجتماعية التي تكشف طبيعة المجتمع وتوتراته، لا بوصفه مجتمعًا مغلقًا أو متجانسًا، وإنما باعتباره فضاءً تتصارع داخله الرؤى والمصالح والتقاليد والتأويلات.
ومن أكثر العلاقات دلالة في الرواية علاقة علي بشعبان، مدرس اللغة العربية ذي الخلفية الفكرية الإسلامية، في مقابل الخلفية اليسارية لعلي. ومع ذلك تنشأ بينهما صداقة عميقة تتجاوز الاختلاف، وتؤكد أن التطابق في الأفكار ليس شرطًا للمحبة، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة. وتأتي حكاية السيارة التي اشتراها علي لشعبان باسمه، ثم نسي شعبان مكانها حتى عُثر عليها في إحدى المزارع، لتمنح هذه العلاقة مسحة فكاهية محببة، وتكشف في الوقت نفسه عن عمق الثقة والمودة بين الرجلين.
وتتجلى القيمة النقدية للرواية في حكاية سامر الفلسطيني، الطالب الهادئ الذي يجلس في الخلف، ثم تنكشف معاناته وما تعرض له من اعتداء وإذلال على يد مجموعة من الطلاب، وما ترتب على ذلك من تدخل ولي الأمر ووصول الأمر إلى السجن. هنا يتجاوز الحدث حدود المدرسة ليصبح سؤالًا أخلاقيًا واجتماعيًا عن العنف، واستقواء الجماعة على الفرد، وصمت الضعيف، وعجز المؤسسة عن حماية من يحتاج إلى الحماية. فالمدرسة في هذا المشهد تتحول إلى صورة مصغرة للمجتمع، حيث تتكرر علاقات القوة، ويصبح من لا يملك النفوذ أكثر عرضة للتهميش والانتهاك.
وفي مقابل هذه الصراعات تحضر الأسرة بوصفها الجذر الأول للوجود الإنساني. فنادية، زوجة علي، ليست شخصية هامشية أو مجرد امتداد للبطل، بل امرأة ذات شخصية مستقلة، عانت في حياتها، وتعلمت رغم صعوبات الظروف وفقدان الأب، وتخوض بدورها معركة الحصول على عمل في السعودية وسط الإجراءات والفحوصات والانتظار، حتى تستقر في مجال تعليم البنات. ومع حملها وولادة ابنتهما سلوى في المزاحمية أثناء عاصفة رملية، بمساعدة الطبيبة الهندية سليمة، يتحول المكان إلى جزء من ذاكرة الأسرة. ويكبر أحمد في حضن الغربة، فتتداخل تجربة العمل مع تجربة الأبوة، ويصبح قرار الرحيل أكثر تعقيدًا؛ لأن المكان لم يعد مجرد محطة مهنية، بل صار موضع ولادة وذكريات وخوف ونجاة.
وتستثمر الرواية تفاصيل الحياة اليومية، من الكبسة والتقلية والمحشي إلى الولائم والسيارات والجلسات والنكات، لتصنع عالمًا نابضًا بالحياة. فالتفاصيل ليست زوائد سردية، وإنما أدوات للكشف عن الشخصيات والأماكن والأزمنة. وقد يحمل التفصيل الصغير دلالة أكبر من الحدث الكبير، لأنه يكشف طريقة رؤية الشخصية للعالم، ويمنح القارئ فرصة للدخول إلى التجربة بدل الاكتفاء بمعرفة نتائجها. كما أن الفكاهة في الرواية ليست مجرد زينة أسلوبية، بل وسيلة دفاعية في مواجهة الغربة والضغط والسلطة والموت.
وتتسع دائرة العلاقات لتشمل السودانيين والفلسطينيين وغيرهم من العرب، مثل يوسف البقال وحامد الفلسطيني وسامر الفلسطيني، فتغدو المزاحمية فضاءً تتقاطع فيه جنسيات وثقافات ولهجات متعددة. ومن خلال هذه العلاقات يختبر الكاتب الفكرة المثالية عن الأخوة العربية، ويضعها أمام الحياة الواقعية بكل ما فيها من تفاوت وسوء فهم ومودة وصراع. فلا يقدم المجتمع السعودي باعتباره كتلة واحدة، ولا المصريين باعتبارهم ملائكة أو شياطين، وإنما يترك الشخصيات تتحرك وفق طبيعتها الإنسانية، بما لها وما عليها.
ويأتي حادث العاصفة الرملية ليضع علي ونادية وأحمد أمام الموت لحظة خاطفة؛ إذ تنعدم الرؤية، ويصبح الطريق فضاءً للخطر، قبل أن تنقذهم دورية يقودها حمد. ثم تأتي أخبار استهداف موقع أمريكي في الرياض، فتتأكد لعلي هشاشة الحياة وسرعة انتقالها من الطمأنينة إلى الخوف. وفي هذا السياق تظهر بعض شكوكه السياسية تجاه الوجود الأمريكي والخبراء الأجانب، لكنها تبقى في دائرة رؤيته وتأملاته الشخصية، وتكشف عن وعيه السياسي وتكوينه الفكري دون أن تتحول إلى أحكام قطعية يفرضها السرد على القارئ.
وتخوض الرواية كذلك تجربتها الدينية من خلال رحلة علي إلى مكة والمدينة. فهو لا يذهب إلى العمرة باعتباره مؤديًا لطقوس محفوظة فحسب، وإنما يحمل معه أسئلته الإنسانية ورغبته في الوصول إلى المعنى. يخطئ في اتجاه الطواف ثم يصحح له الآخرون، فتغدو الواقعة الصغيرة دالة على طبيعة الرحلة كلها؛ فالإنسان قد يظن أنه يعرف الطريق، ثم يكتشف أنه يحتاج إلى من يصحح له المسار. وفي المدينة يلتقي بنساء مصريات تائهات، فتتحول المشاهد إلى استعادة لمعنى الوطن والأمومة والغربة، ويظهر الحنين لا بوصفه ضعفًا، وإنما بوصفه ذاكرة حية تقاوم النسيان.
ومن أهم ما يميز الرواية أن الكاتب لا يتعامل مع المكان باعتباره خلفية محايدة؛ فالمكان يغير الشخصيات كما تتغير الأمكنة في ذاكرتها. والمزاحمية، بما فيها من مدرسة وبيت ومسجد وصحراء وطرقات ووجوه، تصبح تجربة تضاف إلى تكوين علي، وتعيد تشكيل نظرته إلى ذاته وإلى الآخرين. كما أن الرواية تحمل ملمحًا واضحًا من السيرة الذاتية، غير أن هذا البعد لا يعني أنها سيرة مباشرة أو تسجيل حرفي للحياة؛ فالتجربة الشخصية تتحول إلى تجربة إنسانية عامة، و«أنا» الكاتب تتسع لتصبح «نحن» الإنسانية.
واللافت أن علي لا يظل في موقع القاضي الذي يملك الحقيقة دائمًا، بل يعود في لحظة تأمل ليسأل نفسه إن كان قد ظلم إبراهيم وعو الله وأبا حسين وعبد الشهيد وغيرهم في أحكامه ومواقفه. وهذه المراجعة الذاتية تمنح النص عمقه الأخلاقي، إذ لا تتحول الرواية إلى محاكمة للآخرين فقط، وإنما يصبح الراوي نفسه طرفًا في المحاكمة. وهنا تتجاوز الرواية حدود التسجيل إلى النقد، وتتجاوز الاعتراف إلى مساءلة الذات.
ومع تراكم الصراعات داخل المدرسة، وقضية سامر، وضغوط الإدارة، وتداخل السلطة والشكوك والإهانات، يبدأ علي التفكير في الاستقالة. يتردد في البداية، ويحاول أبو ناصر وعبد العظيم القريشي إقناعه بالبقاء، لكن القرار يتبلور داخله بوصفه استردادًا لحقه في اختيار حياته. وتأتي رغبة نادية في الرحيل، وحنينه إلى ابنه أحمد، وإلى أبيه المريض، وإلى مصر والبيت والأرض، لتمنح القرار بعده الإنساني؛ فالمغادرة هنا ليست فرارًا من المكان، وإنما عودة إلى الذات والجذور.
ثم يبلغ السرد ذروته حين يمرض الدكتور كريم، خال علي وطبيبه وسنده في السعودية، ويدخل في غيبوبة قبل أن يرحل عن الدنيا. وتتحول وفاته إلى صدمة عميقة في نفس علي، خصوصًا مع وصيته بأن يدفن في البقيع. ويقف شعبان إلى جوار علي في هذه المحنة، فتنتصر الصداقة مرة أخرى على اختلاف الفكر. وفي مواجهة الموت يقول علي ما يكشف جوهر تجربته كلها: إذا أدركه الموت قبل العودة، فإنه يريد أن يدفن في مصر. وهنا تتضح الدلالة النهائية للرواية؛ فالإنسان يستطيع أن يعمل بعيدًا عن وطنه، وأن يكوّن صداقات في أرض أخرى، وأن يحب مكانًا جديدًا، لكنه لا يستطيع أن يقتلع الوطن من داخله.
إن «المزاحمية» في جوهرها رواية الرحيل والعودة، ورواية المكان الذي يتحول إلى ذاكرة، والذاكرة التي تتحول إلى سؤال. وهي لا تنتهي بانتصار علي أو هزيمته، بل تنتهي وهو أكثر وعيًا بأن الإنسان قد يبتعد عن وطنه، لكنه لا يستطيع أن يلغي انتماءه إليه، وأن الاختلاف مع الآخرين لا يمنع محبتهم، وأن النجاة من قسوة المكان لا تعني الخلاص من آثاره.
وتقوم جمالية الرواية على المزج بين السرد والوصف والتأمل، وبين الطرافة والألم، وبين الواقعي والرمزي. فلا يظل الكاتب أسير الحدث، ولا يغرق في التأمل على حساب الحكاية، بل يجعل الأحداث مناسبة للتفكير، والذكريات مادة لإعادة اكتشاف الذات، والمكان ذاكرة، والذاكرة سردًا. كما أن اللغة، رغم ميلها إلى البساطة والوضوح، تكتسب قوتها من صدق المشهد وعمق التجربة، لا من الزخرفة اللفظية وحدها.
ومن ثم يمكن القول إن «المزاحمية» رواية تقوم على تفاعل ثلاثة عناصر مركزية: المكان والذاكرة والإنسان. فالمكان يمنح الذاكرة مادتها، والذاكرة تمنح المكان معناه، والإنسان هو الذي يحمل الاثنين معًا. فذكريات المدرسة تتحول إلى سؤال عن التربية والسلطة، وذكريات الجيش إلى سؤال عن المسؤولية والانضباط، وذكريات الأسرة إلى سؤال عن الجذور والانتماء، والغربة إلى سؤال عن الكرامة والحرية، والموت إلى سؤال عن الوطن الأخير.
لهذا لا يكتب سمير الأمير عن السعودية وحدها، ولا عن المصريين المغتربين وحدهم، وإنما يكتب عن الإنسان حين يوضع بين الحاجة إلى الاستقرار والرغبة في الحرية، وبين سلطة المؤسسة وحق الكرامة، وبين غواية البقاء ونداء العودة. فالمزاحمية ليست مجرد مكان يصل إليه الإنسان أو يغادره، وإنما تجربة تضاف إلى تكوينه، وتصبح جزءًا من ذاكرته الشخصية. وفي نهاية الرحلة يتضح أن كل الأمكنة التي مر بها علي كانت تقوده إلى سؤال واحد: ما الذي يبقى للإنسان حين تسقط الوظيفة، وتنتهي الغربة، ويرحل الأصدقاء، ويقترب الموت؟ ويبقى الجواب الذي تمنحه الرواية دون أن تصوغه في عبارة مباشرة: تبقى الذاكرة، وتبقى الأسرة، وتبقى الكرامة، ويبقى الوطن بوصفه المكان الذي يسكن الإنسان قبل أن يسكنه.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بعد غياب 10 سنوات.. مهرجان دبي السينمائي الدولي يعود في ديسم
...
-
بحلة جديدة.. مهرجان دبي السينمائي يعود في 2027
-
-رجعت عالشام-.. أصالة تفتح دفتر المدن السورية على خشبة مسرح
...
-
الفنان الأمريكي مكلمور يتبرع بمليون دولار لإغاثة الفلسطينيين
...
-
-ملكة القطن- في الدوحة.. عرض الفيلم السوداني بعد رحلة حافلة
...
-
الداخلية السورية تحسم الجدل حول توقيف شقيق الفنان لجين إسماع
...
-
بعد أشهر من التكهنات.. نجمان مصريان يعلنان اقترانهما رسميا (
...
-
-لؤلؤ لا يقدر بذهب-.. نجاة مكتبة بحمص بعد 15 عاما تفتح جراح
...
-
-مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس
...
-
-أقف مع فلسطين وشعبها-.. انسحاب جميع الفنانين من جولة إد شير
...
المزيد.....
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
المزيد.....
|