|
|
بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لرحيل غائب طعمه فرمان (17 أب 1990) الجزء الثاني من حوارات خاصة معه
زهير ياسين شليبه
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 18:47
المحور:
الادب والفن
د. زهير ياسين شليبه
بمناسبة الذكرى الستة والثلاثين لرحيله، غائب طعمه فرمان يتحدث عن الغربة ورواياته!
بعد أن نشرت الجزء الأول من الحوارات، أقدّم هنا القسم الثاني من حواراتي الأولى مع الكاتب العراقي الراحل غائب طعمه فرمان (1927-1990)
سؤال: في قصصك القصيرة الأولى تنبأت بمستقبلك فكتبت في إحداهن عن حياة شخص عاش في الغربة خمسة عشر عاماً. كيف تفسر هذا الأمر؟ يبدو أن الغربة كانت وما زالت بالنسبة لك أكثر من حدث حياتي. غائب طعمه فرمان: الحياة في الغربة هي عالم جديد، صفر، أمر مجهول بالنسبة للمغترب. في الغربة يشعر الإنسان كما لو أنه بدأ لتوه في الحياة، وهذا الأمر يجعله يخاف من الخطأ، يخاف أن تنقطع عنه الدنيا فيبقى لوحده. وهذا شيء مخيف ورهيب. والغربة تولد حالة الفردية فهو أمام مجتمع غريب عليه. ومهما بقي الانسان يعيش في بلاد غريبةٍ، فهو سيبقى غريباً وإن طالت مدة إقامته في الخارج، سيبقى غريباً وسيرجع إلى وطنه. إضافة إلى ذلك فإن السنة الأولى والثانية تتضح فيها مشاكل الغربة وتعقيداتها بشكل جلي. في الغربة لم يكن عندي أساس، كنت مهدداً اقتصاديا، كنت في حالة من العوز المادي باستمرار، وكنت قلقاً منها. من أدراك بأن هذه الغربة ستمتد إلى سنين طويلة. في إحدى قصصي الأولى التي أشرتَ إليها في دراستك، ذكر لي أحد قرائي بأن بطلها يطل برأسه من سطح البناية على البيوت الصغيرة، وكأنها حفر بالنسبة إليه، حفر كثيرة، وقال إنها رمز (أليغوريا كما تسميها) طريق الحياة. في الحقيقة هذا هو هاجس نفسي. في الحقيقة أن الغربة حالة وجدانية تبقى عند الانسان حتى بعد رجوعه إلى وطنه، إنها نوع من الاستمرارية في الغربة أو الاغتراب. سؤال: ولكن من الغريب أنك رجعت إلى الشكل نفسه في "المخاض"، روايتك الثالثة. غائب طعمه فرمان: عانيت من الغربة في وقت مبكر، وهذا هو سبب تأثيرها على كياني، وأنا أشبه الطفل المقطوع عن حليب أمه في فترة مبكرة. أنا طفل مفطوم قبل الموعد. هذا هو سبب ترسخ انطباعات الغربة في ذهني وفي مشاعري. انطباعات الغربة تنغرز في ذهني بسبب سفري المبكر. حتى أخطاء الغربة لها طعم خاص، أهمية خاصة. أذكر في إحدى المرات قالوا لي في مصر: رمضان كريم! فأجبتهم: أيوه، بينما كان المفرض أن أقول لهم: الله أكرم، وأنا أذكر هذا الخطأ. وأود أن أقول أيضاً، إن الغربة موضوع رومانتيكي عاطفي تتجسد فيه تجربة الموت، فالغربة تعني الارتباط بالمصير، تعني الانقطاع والتحول من حياة إلى أخرى جديدة. وأعتقد أن الغربة في تاريخ الأدب العربي القديم جرى تناولها، مثل قصص السندباد وغيرها التي تتحدث عن الأبطال الذين يسافرون إلى بلاد غريبة. للغربة عندنا مدلول شعبي في الأدب العربي. سؤال: أنا أعتقد أنك كنت متلبساً في الغربة قبل سفرك من العراق. غائب طعمه فرمان: هذا صحيح، أنا كنت أريد الدراسة في دار المعلمين العالية، ورفضت بسبب ضعف بصري بينما قبل عبد الوهاب البياتي. وأذكر أني شعرت بالغربة في قاعة كلية الحقوق الكبيرة. والشيء نفسه يمكن أن يقال عندما قدمت للدراسة في كلية الآداب في القاهرة، كانت هذه التجربة نوعاً من المغامرة، وتعهد أبي بإرسال خمسة دنانير شهرياً، لكنه لم يستطع أن يرسل لي فيما بعد، أذكر أنه أرسل لي النقود داخل رسالة! سؤال: "النخلة والجيران" واحدة من الروايات العربية النادرة، التي اهتمت بالتراث الشعبي وتفصيلات الحياة اليومية، ومن الغريب أن نهاية الستينات شهدت ظهور مقالات عديدة، في النقد المصري بخاصة، تنادي الكتّاب بالتوجه نحو التراث الشعبي والقومي. غائب طعمه فرمان: أنا في الحقيقة فكرت في كتابة روايتي الأولى "النخلة والجيران" عام 1956، وفي عام 1959 نشرت القسم الأول منها، أقصد قصة "سليمة الخبازة" وهي عملياً تشكل مضمون الرواية كلها. وكانت لميس زوجة نوري عبد الرزاق تلح عليّ لنشرها وكنت أتريث. بالنسبة للاهتمام بالفلكلور بالطريقة التي ذكرتها، فأنا لم يكن عندي وعي نقدي بالكتابة عن التراث. أنا هنا متأثر بكتاب "طفولتي" لغوركي. في الحقيقة أن الموضوع هو الذي فرض نفسه علي. أنا كنت أريد أن أصور الحي الشعبي الذي عشت فيه. لا يمكن كتابة "النخلة والجيران" بطريقة أخرى. هؤلاء الناس الصغار لا يعانون من أزمات نفسية بقدر ما هم يعانون من الصراع مع الطبيعة والحياة من أجل لقمة العيش، حتى الطقس كان يحاربهم، الأمطار كانت تهدد حياتهم بالجوع والمرض، هناك ناس كانوا يعيشون من بيع بضاعتهم المعروضة في الشارع كارثة كبيرة بالنسبة "لفتحية" بائعة الفول إذا أمطرت الدنيا، يعني أنها يجب أن تتوقف عن عملها، وهذا يعني الجوع. هذا كله ممزوج بجو القصة. لم تكن عندي أي فكرة، أو ضرورة بكتابة رواية "النخلة والجيران" بأسلوب آخر، غير الذي استخدمته. شخصيات "النخلة والجيران" ليست شخصيات تأملية، بمعنى أن الإنسان بسبب اللهاث من أجل تأمين كسرة الخبز، ليس لديه الوقت الكافي للتأمل. هذه هي الحقيقة، فهؤلاء الفقراء أبطال "النخلة والجيران" محرومون وليس لديهم الوقت ليستريحوا ويفكروا بأمور خارج النضال من أجل البقاء. فالموضوع هو الذي اختار الاسلوب. أنا تأثرت بالكاتب الإيطالي إينازيو سيلوني الذي كتب عن القرى. أما "زقاق المدق" لنجيب محفوظ، فلم أكن أفكر بها عندما كتبت "النخلة والجيران". كان المفكرون المصريون يعتبرون نجيب محفوظ كاتباً غير جدي على عكس الكتاب الآخرين. سؤال: في "النخلة والجيران" القوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، هل هو منطق الحياة أم هو تصورك الروائي؟ هل هناك علاقة لهذه الفكرة بنيتشه؟ غائب طعمه فرمان: لم أكن أفكر بالضعيف، كنت أفكر بالفقراء فقط. أنا محامٍ عنهم. "النخلة والجيران" هي صرخة. ضد مَن هذه الصرخة؟ غير محدد بالذات ضد مَنْ؟ ولكنها على أية حال صرخة ضد الواقع الذي تعيشه شخصيات هذه الرواية. أنا مقتنع بفكرة تقسيم الناس إلى فقراء وأغنياء، وليس لدي فكرة تقسيمهم إلى أقوياء وضعفاء. "المحتشمون" هم الأغنياء. أما بالنسبة لنيتشه وكتابه "هكذا تكلم زرادشت" فأنا كنت متأثراً به، وأذكر أني قرأته بترجمة دكتور بشير فارس واعجبت بأسلوب الكتابة وليس بالأفكار. أي إن المسألة شاعرية لا فلسفية لم أفكر سابقاً بمثل هذه الأمور. سؤال: في "المخاض" يشعر القارئ بوجود نهاية قسرية، أرادها الكاتب لها. ويشعر القارئ أيضاً بوجود مغزى أدبي. في هذه النهاية: السائق نوري يحمل ياسين في المحكمة... في هذا الموقف يمارس الخيال حضوره، وهو، كما يرى قراؤك، يخالف منطق الحياة الواقعية في الشرق، وفي العراق بخاصة. غائب طعمه فرمان: وفي لقاء كريم داوود لابن محلته "عدنان" الجندي أيضاً (كأخيه)، يشعر القارئ بأنك تدخلت في الأحداث بشكل مفتعل... إنه موقفك. أنا مبررها نفسياً. مأساة شيخ يغادر الحياة ويجب أن يضع مكانه الشاب. إنه شاب فتى، حي. اقصد هنا تواصل الأجيال، إنه يحمل ضحيته بيده، كما لو أنه أجرم بحق جيل كامل، شباب كامل. هذا إحساس بقي يراودني، وهو أنني أجرمت في الحياة، ليس عندي قناعة بأنني عملت شيئاً في الحياة، إنني لم أقدم شيئاً، أنا متألم. أنت تقدم كل الاخفاقات، اخفاقاتك وجرائمك وظلمك للناس أمام محكمة غامضة لا تفهمك، بحيث تفرض حكمها عليك بقسوة. الإنسان يمكن له أن يتصالح مع نفسه، مع إخفاقاته، مع جرائمه، ولكن يبقى الحق العام. القاضي الذي لا يفهم الدافع أو السبب النفسي للمصالحة فيحكم عليك، الحق العام يحكم عليك ويجردك... هذا نوع من التجريد. وإضافة إلى ذلك فإن هذا الحدث له جذور واقعية، أعتقد أن هذا الأمر يمكن أن يحدث في الحياة. أنا أذكر أن الحاكم أجبرَ والدي، وهو من سائقي السيارات القدامى في بغداد، على أن يحمل شاباً في المحكمة. طبعاً لم يكن والدي آنذاك شيخاً كما هو الحال في رواية "المخاض". أما مسألة التقاء الجندي عدنان ببطل "المخاض" كريم، فأنا في الحقيقة أردت جندياً. كان عندي في ذلك الحين شعور بأن جنودنا هم عبارة عن دمى، وهم مسخرون للسلطات والحكام. ولهذا أردت من الجندي أن يقول كلمته. أما الاسم فلا يعني شيئاً هنا. ابن خالتي كان اسمه عدنان. أنا أتعذب في اختيار الأسماء. سؤال: وفي هذه المناسبة... يقول الناقد ياسين النصير بأن، هذه المحكمة هي محكمة التاريخ فالطبقات تحاكم بعضها هنا. غائب طعمه فرمان: أنا لا أؤمن بهذا الكلام. لم أفكر بمثل هذه الأمور. ولا أعتقد بوجود مبررات لها. لم تخطر ببالي مثل هذه الأفكار عندما كتبت "المخاض". أنا لا أحب مثل هذا النوع من النقد: برجوازية صغيرة وطبقة عاملة، قد يكون له أهمية تفسيرية ولكنه لا يؤثر على كتاباتي. سؤال: في "المخاض" تحاشيتَ ذكر الصين، فأشرتَ إليها بـ "الجنوب" أو "هناك". غائب طعمه فرمان: صحيح، هذا مجرد نوع من التعمية، بهذا الشكل تكون احداث الرواية أكثر تشويقية ورومانتيكية، أفضل من التشخيص. قد يكون السبب سياسياً لأنني لم أرد أن أشير إلى الصين بالذات. سؤال: من الواضح أن روايتك الرابعة "القربان" اتخذت الشكل الأليغوري (الاستعاري المجازي أو التورية) أسلوباً لها لطرح أفكار الروائي، وليست هي الرواية الوحيدة ولا الأولى وليست الأخيرة، وهناك روايات عديدة أخذت هذا الشكل، وتكون النهاية مطابقة لأفكار الكاتب، فإذا كان الكاتب متفائلاً عمد إلى استخدام النهاية السعيدة: التقاء الأخيار وانتصار الخير على الشر، والعكس صحيح وهذا نادراً ما يحدث في الآداب. وحسب مفاهيم هذا النمط من النتاجات الروائية فإن نهاية "القربان" يجب أن تكون سعيدة. هذه هي النهاية الوحيدة الملائمة لمسار الأحداث الروائية منذ بدايتها، والخيال الإبداعي يسمح لمثل هذه النهايات، فما هو سبب ترككم النهاية فريسة للغموض؟ غائب طعمه فرمان: في "القربان" وفي كل رواياتي الأخرى لم تكن عندي فكرة، أقصد لم تسيطر علي فكرة... فكرة الوصول إلى هدف، لأن بعد تحقيق هذا الهدف يحصل فراغ. الفكرة في الرواية عبارة عن تحرك، دفع، الحياة ليست راكدة، ليست آسنة، الحياة بكل صراعاتها وتناقضاتها تتحرك، والتحرك يكون صاعداً. كم هو صعود الخط؟ أنا لا أحدده، ولا الفكرة. الفضيلة تكتسب في وجود الخط الصاعد، والحركة الفّوارة في الحياة. وبالنسبة لوجود القناعة... إن البقاء على هذه الحال غير ممكن ويجب أن تتطور الحياة. حتى عبد الله، أحد أبطال "القربان" حاول أن يتطور رغم غبائه، ولكنه تطور شكلياً فنقل المقهى التي أصبح مالكاً لها بالصدفة، من محل خرِب إلى منطقة جيدة وجديدة على شاطئ نهر دجلة، أو يعمل على تغيير الأسماء، ويحاول أن يسيطر على الأشياء كلها. ومن خلاله تشاهد الحياة، ولكنه حكم على نفسه بالفشل والجنون، وأصابه مس من الجنون لأنه، كان منذ البداية لديه "خويطات (مجنون)!!" يضحك غائب طعمه فرمان. ياسر مخلص ومؤمن بالتطور ولكنه طيب أكثر من اللازم. إنه يحاول أن يجمع أطرافاً متناقضة، كأن يحب مظلومة، في حين يكره صباح حبيبها لأنه ينافسه. يتقرب من حسن العلوان، ونتيجة لهذه التناقضات قتل. من قتله؟ غير معلوم. هل عبد الله المجنون هو الذي قتله؟ غير معلوم! هل قتله شخص آخر؟ سؤال: أنت كاتب لصيق التجربة الشخصية، وعندما يؤلف الكاتب أعماله الأدبية عن تجاربه الحياتية فهو يلجأ في نهاية حياته الأدبية، أقصد بعد المرحلة الأولى من نشاطه الابداعي، يلجأ إلى موضوعات أخرى كي لا يتوقف عن الإبداع، مثل الرواية التاريخية وأدب الأطفال والبحث عن مضامين قصصية من الأصدقاء، من المحاكم وملفاتها، من الأرشيفات وإلخ. هل استعرت مضامين لقصصك من أصدقائك؟ غائب طعمه فرمان: سؤالك يذكرني ببعض الكتاب "الشنطرنجيين" هناك كاتب شطرنجي يكتب رواية في أسبوعين!! فالعمل الروائي بالنسبة له كالشطرنج، هو أيضاً يأخذ من حياته وتجاربه ما يريد، ولكنه يقنن كل شيء مسبقاً. وهذا النوع من الروائيين موجود في أوروبا واميركا بخاصة. هناك كاتب فرنسي ألف رواية بأسبوعين، وكاتب سويسري ألف رواية في فترة قصيرة. وأعتقد أن رواية "الجائزة" لأحد الكتاب السويسريين ينطبق عليها سؤالك فهي حصيلة معلومات مأخوذة من الملفات والارشيفات وإلخ. وهذه الطريقة من العمل تحتاج إلى تفرغ تام، وأنا كما تعلم لا يمكن لي أن أعمل هذا لأسباب أخرى، إضافة إلى أن الترجمة تأخذ كل وقتي. كتاباتي النابعة من الداخل هي التي لها اليد الطولى أنا بحاجة ماسة إلى الوقت، والترجمة تمتص كل الوقت أما بالنسبة للمضامين المستعارة من الأصدقاء. صحيح أنا أسمع ما يقترحه عليَّ الآخرون، لكني لم أحصل على معلومات نافعة دائماً. أنا التقط حكايات عفوية من أقاويل الناس. زهير الجزائري (*) مثلاً... قلت له: إحكِ لي عن شخصيات واقعية، فحدثني لمدة ساعتين عن شخصية لم أستفد منها إلا القليل. أستطيع أن أبني من شيء معين قصةً، وأجعل هذا الشيء منطلقاً لي في ذهني. الملامح آخذها من شخصيات عدة، أصدقاء، أقارب. من الصعب أن تقول إن أحداً ما أعطاني فكرة أو قصة لرواية. قد تكون "حشوات" حصلت عليها من آخرين فدونتها. الرواية الجديدة التي اكتبها الآن (يقصد المرتجى والمؤجل) أعاني من مشاكل كثيرة فيها، وكلما أسأل الأصدقاء عن بعضها وهي تخص المضمون وعلاقته بالحياة يقدمون لي أجوبةً لا أقتنع بها. فيما يخص شخصية المعلم في رواية "القربان" لا أنكر أن رشيد رشدي (*) حدثني عن حادثة "فشل" (سرقة) حبوب الإسهال، قد يكون أنه حدثني عنها... أما البطل كله فأنا جمعته من أبطال معينين، وجمعته، وصورت هذه الشخصية بشكل أدبي، لمحة معينة واحدة ابني عليها شخصية أدبية أخرى. مرة سألت ضياء نافع (*)، وكان وقتها قادماً من العراق، من هو جارك؟ إحكِ لي عنه فقال لي: هذا كذا وهذا كذا وإلخ...، وحدثني عن واحد مجنون يدق جرس الجيران ويهرب. في روايتي الأخيرة جعلت هذا الشخص تائهاً ومفلساً والناس يضجرون منه، طورت هذه الشخصية واصبحت لدي ذات بعد آخر. في سياق الرواية يأتي إليه أحد المدمنين على لعب الريسِز ويقول له: تعال، أنت مجنون ومفلس والناس تكرهك، تعال معي، في الريسِز ستجد فرصة للربح... استفدت من تفصيلات أعطاني إياها ضياء نافع. كان المجنون يعيش عند جدته، يسرق النقود التي كانت تجمعها (تكاليف دفنها)، ويستخدمها في الريسِز ويصبح عنده ستمائة ديناراً، يصبح أنيقاً، يلبس الملابس الجديدة، ولكنه يبقى يدق الجرس ويهرب متخفياً كالأطفال إلا أن الناس لا يملّون منه، بل بالعكس يطلبون منه المزيد، وفيما بعد أصبح يكره دق الجرس. سؤال: هل تفكر بموقف النقاد والقراء والفئات والجماعات السياسية قبل الكتابة؟ هل توجه عملك الأدبي إلى مجموعة معينة من الناس؟ غائب طعمه فرمان: في الحقيقة أن للرأي النقدي تأثيره على وأنا لا أسخر من الآراء النقدية، ولكني عندما أكتب رواية لا أفكر برد فعل الجماعات والأحزاب والنقاد. المهم عندي أن أكون صادقاً بفكرتي. أنا أضع القناعة أولاً، وأعتقد أن الفكرة يجب أن تحدث فعلها. أنا طبعاً لا أضع أمامي أن أكون أديباً منتمياً بالمفهوم الضيق، منتمياً لحزب معين... المهم أن أكون صادقاً للفكرة التي أطرحها وهي تبرر نفسها ويجب أن تدافع عن نفسها. أنا لا أهتم بموقف أي حزب مع احترامي الكبير للأحزاب الوطنية. وإذا كان العمل الأدبي مفتعلاً فسيلقى رد فعل سلبيّاً وتظهر احتجاجات ويُصدم الناس، أما إذا كان النتاج واقعياً وحقيقياً فإن رد الفعل من قبل الأحزاب سيكون طبيعياً وهادئاً وحتى إذا كان التصوير الأدبي غير منسجم مع مواقفها. أنا أريد أن أخلق رجّةً عند الناس ولكن لا أريد أن استغل عواطفهم، عواطف الجماهير السياسية والحزبية... هذا لا يخطر علي. وكتاباتي غير مرتبطة بالموضات والبدعات الجديدة... أنا بطبيعتي لا أميل إلى هذا النوع من الكتابة. أنا كاتب سياسي ولكن ليس بالمعنى الضيق، بالمعنى اليومي. أنا مع الفكرة الاجتماعية والسياسية. الأدب مرتبط بالحالة الاجتماعية، بالفكرة السياسية التي لها لبوس سياسي، ولا يمكن أن تنتج أدباً إذا لم تكن مقتنعاً بالمدلول الاجتماعي للظواهر السياسية. وأحياناً تكون الظاهرة الاجتماعية هي بحد ذاتها فكرةً سياسيةً وانعكاساً للظاهرة السياسية. سؤال: في أعمالك الروائية يعاني الأبطال من الإحباط السياسي: كريم بطل "المخاض"، ماجد في "ظلال على النافذة" معروف في "آلام السيد معروف" وغيرهم. غائب طعمه فرمان: هذا السؤال صريح. أنا عاشرت سياسيين حزبيين وملتزمين، ولكني لم أنفذ إلى أعماقهم. إنهم مغلقون ولم يفتحوا قلبهم لي. عالمهم الداخلي مغلق بالنسبة لي. صحيح أنهم أبطال لكني لم أعرف مشاكلهم النفسية، لم أعرف عالمهم الداخلي تماماً، هنا تكمن الصعوبة. بينما كان بعض السياسيين المحبطين الذين يشعرون بضغط الأحداث، ويشعرون بأنهم غير منسجمين مع الحالة العامة، كانوا يفتحون قلوبهم إلي وأفهمهم أكثر من غيرهم. وفي الحقيقة أن هذا هو خطي الفكري العام. أنا أطرح قضيةً اجتماعيةً عامة، وكان بعض السياسيين يناضلون أيضاً من أجل تحقيق هذه الفكرة وهم أصدقائي ولو نتحدث عن المنحدرات الطبقية والسياسية لأصدقائي فهم من البرجوازيين الصغار والمثقفين الديمقراطيين وغيرهم من أصحاب المبادئ والمواقف وهم معذبون في حياتهم بسبب هذه المبادئ. *** الصحفي والروائي زهير الجزائري والمترجم رشيد رشدي والأستاذ الجامعي ضياء نافع شخصيات أدبية معروفة في الأوساط الأدبية العراقية أجري الحوار في الفترة الواقعة بين: 1984- 1980 صحيفة الحياة 1/9/1990 لندن
الصورة الأولى: غائب طعمه فرمان وإلى يمينه زهير ياسين شليبه
الصورة الثانية: الكاتب العراقي الكبير غائب طعمة فرمان ويقف إلى جانبه زهير ياسين شليبه، يقرأ له تدوينه لبعض حواراتهما التلقائية، موسكو 1983-1982
#زهير_ياسين_شليبه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لرحيله (17 أب 1990)
-
بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لرحيل غائب طعمه فرمان 17 آب
...
-
حوار مع الروائي العراقي غائب طعمه فرمان * في الذكرى السادسة
...
-
وداعاً أيها العراقي الأصيل شاكر الناصري (1963-2026)
-
الفنان التشكيلي العراقي هادي الصكر! خمسة عقود من الغربة!
-
-شظايا البوح- للمغربية زكية خيرهم: بين القصة والرواية!
-
قراءة في رواية -المسرات والأوجاع-
-
اللغة البربرية في حوار مع البروفيسور الدنمركي كارل براسّه ال
...
-
اللغة البربرية في حوار مع البروفيسور الدنمركي كارل براسه الم
...
-
بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لرحيل الكاتب العراقي غائب ط
...
-
بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لرحيل الكاتب العراقي غائب ط
...
-
الغرباء وغسل العار
-
موعد ترجمه
-
موعد ترجمة
-
مسودَن العراق
-
حمام الدار للكويتي سعود السنعوسي: المضمون والبنية وطرق السرد
المزيد.....
-
أصالة تعود إلى سوريا.. وصول أشعل الترند وبروفات تسبق ليلة دم
...
-
سيلين ديون تعود إلى المسرح الباريسي
-
تايلاند تهدي المكتبة الوطنية الروسية في بطرسبورغ نسخة من -تي
...
-
راستوغويف يستبعد أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الملحنين
-
كشف أثري تاريخي في مصر يحل لغز حماية الحدود الغربية
-
مصر تنجح في استرداد قناع ذهبي أثري من سويسرا
-
التعليم العالي: فتح باب تقليل الاغتراب لطلاب الشهادات الفنية
...
-
روسيا.. مديرة معرض تريتياكوف تعلن إحياء المجلة الفنية
-
95 عاما من سحر العرائس.. مسرح أوبرازتسوف وصاحب العرض القياسي
...
-
فنانون ينسحبون من جولة المغني إد شيران احتجاجا على استبعاد م
...
المزيد.....
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
المزيد.....
|