أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زهير ياسين شليبه - بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لرحيله (17 أب 1990)















المزيد.....


بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لرحيله (17 أب 1990)


زهير ياسين شليبه

الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 16:12
المحور: الادب والفن
    


بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لرحيله: لقاء مع الكاتب الكبير غائب طعمه فرمان في معهد الاستشراق-موسكو
إن أهم ما يميز هذا الكاتب العربي هو الصدق والبساطة والهدوء والتواضع، فهو لا يحب لقاءات الصالونات الكبيرة الفخمة ولا يحب تسليط الأضواء عليه. ولقد لمست هذا بنفسي عندما أبلغته دعوة معهد الاستشراق... فلم يأخذه الغرور فيتكبر، كما يحدث لغيره من "الكتاب" العرب عشاق المحاضرات والأفكار المرتجلة السريعة بل استجاب للدعوة واحترمها، احترم مكان الدعوة معهد الاستشراق والعاملين فيه من المستعربين.
وهكذا فإن كاتبنا وصديقنا غائب طعمه فرمان لم يتخلف عن موعده المقرر، وكان بانتظاره مجموعة من المستعربين السوفييت إضافة إلى طلبة الدراسات العليا من بعض الدول العربية.
- في بداية اللقاء رحبت فاليريا نيكولايفنا كيربيتشينكو، المستعربة البارزة والمعروفة، والتي عرفت بأعمالها وأبحاثها النقدية الكبيرة المختلفة عن يوسف إدريس خاصة وعن الرواية المصرية بشكل عام، رحبت ترحيباً حاراً بالضيف وشكرته على تلبية الدعوة وعرفته بالحضور من المستشرقين الاخرين من أساتذة القسم العربي ومنهم إلميرا علي زاده وهي مختصة بالأدب المصري وبوريس تشوكوف المختص بالأدب العراقي وغيرهما من المستشرقين وطلبة الدراسات العليا من العرب والسوفييت ثم شكر كاتبنا العزيز أعضاء القسم على دعوتهم له الضيوف على حضورهم وبدأ حديثه قائلاً:
غائب طعمه فرمان:
سأتحدث إليكم عن الرواية العراقية بالذات. وهنا يجب الأخذ بنظر الاعتبار أن آرائي التي سأطرحها عن مختلف جوانب تطور الرواية ليست قاطعة، فأنا لست بناقد بقدر ما أنا قارئ وروائي في الوقت نفسه وأنظر إلى الكتاب الذي أقرأه من وجهة نظر روائي سأحدثكم عن انطباعاتي الشخصية فقط.
أقول لكم بأني كعراقي أعرف العراق أكثر من أي قطر عربي آخر ولأجل دراسة أي نتاج أدبي، لا بد من معرفة وتحليل الأوضاع السياسية التي مر ويمر بها العراق. فإن العراق يختلف كثيراً عن أي بلد عربي آخر في مجال التطور السياسي والتاريخي بشكل عام.
لنقارن بين العراق ومصر. مصر هي أول دولة عربية كونت جهازاً حكومياً راسخاً، لم يتضعضع أمام النكسات المختلفة على عكس الدول العربية الأخرى ومنها العراق فالدولة الدستورية بتقاليدها المعروفة تكاد تكون غير موجودة فعلياً في العراق.
والمقصود بالدولة هنا هو وجود وترسخ الأنظمة والقوانين والمؤسسات التي تشكل عمودها الفقري، أي ترسخ الدستور ومعرفة المواطن لحقوقه وواجباته. في مصر مثلاً توجد مثل هذه الحالة.
أقصد أن مصر تتسم إلى حد ما بترسخ النظم والقوانين والمؤسسات الدستورية، أما العراق فهو بعيد كل البعد عن حالة الاستقرار. في بداية الحكم الوطني في العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 مثلاً لم نلمس استخدام الدستور والاعتماد على نظمه وقوانينه، ولهذا السبب بالذات بقيت المؤسسات العراقية خاضعة لتأثيرات طارئة ولربما خارجية.
ولهذا السبب بالذات افتقرت حياة الأديب العراقي إلى الاستقرار، وانعكس ذلك على نتاجاته واتضح بالتالي تأثير هذه الحالة السلبية على الأدب العراقي كله الذي تأثر بدوره بحالة الفوضى واللامشروعية وهنا يكمن سبب التأثر السلبي لتطور الرواية في العراق، إضافة إلى أسباب اجتماعية وسياسية أخرى.
بينما نجد الرواية المصرية تطورت بشكل سريع نوعاً وكماً، لأن في مصر دستوراً وقانوناً (ولو كحد أدنى).
وحديثنا هنا يقتصر على الرواية والأنواع النثرية الأخرى ولا يشمل الشعر، لأن الشعر هو ذلك النوع الأدبي الذي يمكنه أن ينمو ويتطور في المنابر وباعتماد الشاعر على ذاته وملكته الشعرية وقدرته من صقل وتطوير هذه الموهبة، فيستطيع الشاعر أن يلقي قصيدته. أمام مجموعة كبيرة أو صغيرة من السامعين بعكس النثر، فالقاص بحاجة إلى دور نشر أكثر من حاجة الشاعر لها بكثير.
سبق وأن ذكرت أن العراق تميز بعدم احترام القوانين بغض النظر عن الاتجاهات السياسية التي اتخذتها الحكومات العراقية ولهذا نلاحظ أن أغلب الصحف (وهي كثيرة جداً) التي صدرت في العراق لم يحالفها الحظ في الاستمرار في الصدور. ورغم حالة الفوضى السياسية نجد علامات إيجابية بارزة في تاريخ العراق الثقافي فإن أول تجربة حقيقية خاضها الأديب العراقي كانت في الثلاثينات حيث ظهرت مجموعة من الديمقراطيين إن صح التعبير استطاعت أن تطالب بحد أدنى من الاستقرار، المقصود هنا جماعة "الأهالي" ولقد تأثر محمود أحمد السيد ذو التطلعات الديمقراطية بأفكار هذه الحركة الأصيلة. غير أن تأثير الأدب التركي على المثقفين العراقيين أكثر بكثير من تأثير ثقافة جماعة "الأهالي" قبل الثلاثينات.
ونجد أن تعرف محمود أحمد السيد على حسين الرحال أدى بالتالي إلى تعرفه على الآداب الأوروبية.
إن الآداب الأوروبية يزداد تأثيرها في أواخر الثلاثينات وظهرت القصة في الخمسينات كنتيجة لهذه التأثيرات، فظهر عبد الملك نوري خريج الجامعة الاميركية وذو الثقافة الأوروبية، في هذه الفترة بالذات"
(تجربة الحرب)
- ويستمر غائب طعمه فرمان في حديثه عن تجربة أخرى مر بها الأديب العراقي ألا وهي تجربة الحرب، غائب كعادته لا يتحدث عن الحرب بطريقة رومانسية، ولا بطريقة لا أبالية بعيدة عن الجدي ة، بل بطريقة تتسم بالموضوعية والذاتية على حد سواء، لأنه لمس الحرب وويلاتها التي انعكست في لؤلؤة أعماله الروائية "النخلة والجيران".
يقول غائب عن الحرب:
"كانت تجربة الحرب وما بعدها، تجربة مهمة ومتفردة في تطور الأدب العراقي، ففي هذه الفترة ولأول مرة في تاريخ العراق الثقافي كان ممثلو جيلي (أقصد عبد الملك نوري، وفؤاد التكرلي، بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري وغيرهم، على صلة وطيدة بثقافات عالمية أخرى، كالماركسية والوجودية وثقافة الديمقراطيين الروس. وإلخ إن الفترة الواقعة بين 1949 1955 هي من أخصب الفترات في تاريخ العراق الثقافي".
- وينتقل الكاتب غائب طعمه فرمان إلى علاقة السياسة بالأدب. فيقول:
إن الارتباط بين الأدب والسياسة قوي وهذا نابع من ضجة الأحداث السياسية وحدتها ولنرجع هنا إلى المقارنة بين العراق وشقيقته. ففي مصر لا يحدث الانقلاب السياسي ضجة كبيرة كما هو في العراق. ولهذا بالذات أنا أربط تطور الرواية بتطور الأحداث السياسية. ثورة 14 تموز 1958 لم تتمكن من القضاء على حالة التمزق والفوضى حيث لم تدم مدة الاستقرار النسبي بعد الثورة أكثر من ستة أشهر، هي فترة قصيرة للغاية. ولهذا لم يقدم النثر العراقي شيئاً جديداً، إذا ما نشر الكتاب انتاجاتهم الأدبية القديمة فما هي إلا مخلفات الماضي وجدت مجالاً للنشر فقط بعد حين. وهذا ينطبق على النتاج القصصي بالذات.
- وتسأل المستعربة فاليريا نيكولايفنا كيربيشينكو: وماذا عن دورك الأدبي في تلك الفترة.
- فيجيب غائب طعمه فرمان:
مجموعتي القصصية الثانية "مولود آخر" نشرتها بعد ثورة 14 تموز لكنني كتبت قصصها في العهد الملكي. وأذكر في حينها أن مسؤول الرقابة وكان ضابطاً قد قال لي معلقاً عليها:
قرأت القصص واعجبتني ولكنها كئيبة وحزينة ونحن بحاجة إلى كتابات متفائلة، كتابات عن الحاضر السعيد. فقلت له:
الحاضر ما زال يتبلور وقد نكتب عنه فيما بعد. وهكذا فإن العراقيين كانوا يتوقعون المكاسب الكثيرة بعد ثورة 14 تموز 1958 ولكنهم لم يجنوا غير المعارك الدموية الطاحنة والمستمرة والتي توجت بأحداث 1963 الدموية. ولهذا نشأ جيل الستينات على أرض مليئة باليأس والاحباط، جيل مر بمخاضات كثيرة وكبيرة، وأخذ هذا الجيل يكتب قصصه الصادقة بكل ما تحمل من مرارة وخيبة أمل ولكنها افتقرت إلى افق واضح المعالم.
وسألتُ (زهير ياسين شليبه) بدوري عن أصل الرواية العربية:
- فقال غائب طعمه فرمان:
هناك نظريتان حول هذا الموضوع، تؤمن الأولى بارتباط الرواية العربية المعاصرة بالتراث العربي القديم بينما ترى النظرية الثانية أن الرواية العربية ظهرت كنتيجة لتأثر العرب بالغرب أولاً ولتطور المجتمع العربي والعلاقات الثقافية التي نشأت فيه بذلك الوقت.
ويقول:
ثانياً... إنني مع النظرية الثانية فلا نجد في الرواية العربية الآن أي أثر للتراث العربي القديم، بل هي أقرب إلى المؤثرات الفنية الغربية. بالنسبة لطه حسين المسألة تختلف طبعاً لأنه متأثر بأسلوب السرد العربي التقليدي.
أما الرواية العراقية فأعتقد أنها لم تنشأ إلا في الستينات. ومن حسن حظ الأدب القصصي العراقي أنه بدأ من القصة القصيرة لأن القصة القصيرة كما هو معلوم لا تحب السرد الممل والكلام المنمق بل هي تصوير لحظة من اللحظات الانسانية.
- وطُرح سؤال: ماذا عن رواية الستينات؟
- فأجاب غائب طعمه فرمان:
لم يكن في الأدب العراقي قبل هذه الفترة روايات متكاملة تتوفر فيها كل سمات الرواية كنوع نثري مستقل فـ"مجنونان" مثلاً لعبد الحق فاضل ليست رواية بل قصة طويلة وينطبق نفس الرأي على أعمال الكاتب العراقي المعروف ذو النون أيوب.
ثم أكد الكاتب المحاضر على ضرورة تمتع الأديب بحياة مليئة بالاستقرار السياسي والاجتماعي فلا يمكن للرواية أن تظهر بدون الاستقرار السياسي، ولهذا لا نجد في الوقت الحاضر رواية عراقية.
فؤاد التكرلي على سبيل المثال أصدر روايته الرائعة "الرجع البعيد" في الفترة الأخيرة لكنها ليست رواية جديدة، بل بدأ بكتابتها منذ عهد عبد الكريم قاسم.
التراث والقضية العربية المعاصرة
وتسأل فاليريا نيكولايفنا حول مدى تأثير التراث في القصة العربية المعاصرة؟
- فيجيب غائب طعمه:
يمكن أن نلمس مثل هذا التأثير في أعمال يوسف ادريس مثلاً، أنا أقصد هنا تأثير "الحدوته" الشعبية فهو كاتب محدث، أي كأنه يتحدث في مجلس شعبي أو في ندوة سمر وتبادل شجون، كأنه شاعر عربي قديم يرتل شعره على الربابة بالمعنى الشعبي لهذه العملية.
ونجيب محفوظ يختلف عن يوسف ادريس بكونه أكثر التزاماً من الأخير بضوابط القصة. فهو يقرأ ومن غير المستحسن أن تتلى قصص ليست فيها لهجة حديث السامر كما هو عند يوسف ادريس... طه حسين في قصته "المعذبون في الأرض" لا يختلف عن اسلوبه السردي التراثي.
- ف. ن. كيربتشينكو: أعتقد أن طه حسين متأثر بسرد الاصفهاني، ونجد في "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي تأثير المقامة العربية، ونلمس تأثير التاريخ التراثي في "الزيني بركات" للغيطاني، ونجيب محفوظ استفاد من كتب الطبقات والكتب التراثية الأخرى في روايته "المرايا".
- غائب طعمه فرمان: أزمة اليقين، ما زال الأدب العربي مصاباً بها، الجميع يرى أنه من الضروري إيجاد أساليب جديدة تختلف عن أساليب جويس وكافكا وهمنغواي، أما في العراق فقد بقي هذا الأمر معلقاً. لقد قرأت "ألف ليلة وليلتان" لهاني الراهب ولقد ذكرني هذا الكتاب برواية "الولايات المتحدة" لدوسباسوس لقد استخدم دوسباسوس اسلوب الانتقال. أي أنه ينتقل من فقرة إلى أخرى. مثلما ينتقل من موضوع إلى موضوع، إلى رسم لوحة في فقرات قصيرة. يصف في الفقرة الأولى مثلاً صورة معينة لا علاقة لها بصورة الفقرة الثانية لدرجة يصعب معها على القارئ أن يجد الصلة بين الفقرتين. هذا نوع من البحث عن اسلوب جديد، نوع من الضجر من الأساليب القديمة، والتطلع إلى معالجات أخرى وهذه حالة يشعر بها أكثر الكتاب.
الكاتب هنا يعاني ولكن معاناته تكون سطحية فيلجأ إلى استخدام الشكليات فقط، عبد الرحمن مجيد الربيعي مثلاً استخدم في روايته "خطوط الطول والعرض" الأسلوب نفسه.
إن أسلوب الاصوات الذي سبق وأن استخدمته في روايتي "خمسة أصوات" التي صدرت في عام 1967 وكذلك في ميرامار لنجيب محفوظ، وروايتي "السفينة" و "البحث عن وليد مسعود" جبرا ابراهيم جبرا، هو في الحقيقة جاء من الأدب الاميركي.
إن هذا الاسلوب أخذ من الكاتب الاميركي المعروف وليم فوكنر، وبالذات من ثلاثيته "القرية والمدينة وبيت الضيعة". يقدم فوكنر عناوين اشخاص واسمائهم، ويكتب عنهم فيما بعد. أنا أيضاً تأثرت بهذا الأسلوب ولكني استخدمت أسلوب الأصوات وكرست لكل صوت فصلاً كاملاً ومستقلاً. وأنا أنظر إلى الحدث من خلال الشخصية، لم التزم بتوالي الشخصيات فالمهم بالنسبة لي تكامل الصورة الفنية.
أي المهم عندي إبراز خمسة نماذج من المثقفين العراقيين ووضعت في مركز الرواية حدثاً كبيراً ألا وهو الفيضان في العراق ومشكلة شخصية لواحد من هؤلاء المثقفين الخمسة، وبينت وجهة نظر ورد فعل كل واحد منهم.
الموضوعية والذاتية:
- وتحدث الكاتب غائب طعمه فرمان عن الموضوعية والذاتية قائلاً:
الجانب الذاتي، أقصد موقف الفنان أقوى بكثير من الصورة الموضوعية. ولكل كاتب وجهة نظر خاصة به بغض النظر عما إذا كانت حسنة أو سيئة. ومن الصعب تحديد وجهة النظر هذه فيما إذا كانت موضوعية أو ذاتية.
ـ وهنا علقت ف. ن. كيربتيشينكو قائلة:
ـ الأدب الأوروبي في القرن التاسع عشر يتسم بالموضوعية أما أدب القرن العشرين فيتسم بالذاتية، ولهذا نلاحظ أن الأول قدم صورة متكاملة للمجتمع الأوروبي تلك الحقبة الزمنية أما الأدب في القرن العشرين فلم يقدم مثل هذه البانوراما عن المجتمع الأوروبي فكيف تقيمون ذلك؟
يقول غائب طعمه فرمان:
ـ هذا صحيح ولكن الجانب الذاتي موجود في أدب القرن التاسع عشر أيضاً وكتابات بلزاك شاهد على ذلك.
ـ ثم وجه أحد الحضور سؤالاً للكاتب عن نسبة الموضوعية في عكس علاقة الجماهير بالسلطة في روايتين عراقيتين الأولى هي "المخاض" (وهي الرواية الثانية لغائب طعمه)، و"الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي.
فأجاب الكاتب غائب طعمه فرمان:
إني عالجت في المخاض فترة 1959، أي السنة الأولى بعد ثورة 14 تموز 1958، أما في "الرجع البعيد" فإن التكرلي يكتب عن أواخر أيام الثورة، عن المجتمع العراقي عشية 1963.
وهنا أود أن أشير إلى أن الكاتب العراقي فؤاد التكرلي مبدع موهوب ولكنه مشبع بالأفكار الوجودية ولهذا فهو يجعل الضحية شخصية لا علاقة لها بالسياسة فينتظر طلقة طائشة وتقتله. الموت بالنسبة له موضوع كبير وهام مستقل.
وأنا أميز بين مسألتين: الذاتي والموضوعي من ناحية وغاية الكاتب من ناحية أخرى. إن الكاتب في الأدب الأوربي الغربي الحديث لا يمتلك هدفاً معيناً فهو يطرح تساؤلات وكل شيء عنده سواء... سيان بالنسبة له إن انتحر زيد أو تزوج عمر، أما الكاتب الملتزم فهو يهتم اهتماماً كبيراً بمصير كل شخصية ولهذا فهو يحيط شخصياته كلها بعناية وبمزيد من التعاطف.
نهاية متشابهة.
أنهيت قبل فترة ترجمة قصة "عش النبلاء" لتورغينيف وراودتني فكرة مفادها أن أغلب الروائيين ينتهي بهم المطاف إلى أن يضعوا أبطالهم في مأزق والخاتمة مأساوية، لا يلجؤون إلى نهاية خيالية أو طارئة أو سهلة، بل كانوا يجعلون ابطالهم ينتحرون كما في "آنا كارنينا" لتولستوي أو يدخلون الدير كما في رواية "عش النبلاء" ولكن حتى هذه النهاية السهلة كما تبدو، لم تكن متيسرة لحل كل العقد، وذلك لسبب بسيط جداً، وهو أن الأديرة لا تستطيع أن تستقبل كل الذين ضاقت بهم الحياة، بل هي للنبلاء والميسورين فقط، أولئك الذين لم تنقطع بهم السبل إلا عاطفياً وفكرياً... أما وسائل العيش فهي متوفرة لهم. ترى كم من الآلاف في روسيا القيصرية من الواقعين في مآزق حياتية وعسر العيش كانوا يحلمون بأن يدخلوا الدير.. على الأقل لكي يجدوا المأوى والمأكل مجاناً.
عبد الكريم قاسم والمخاض:
- ورداً على سؤال آخر عن روايته "المخاض" مفاده أن شخصيات هذه الرواية تائهة، يقول غائب طعمه فرمان:
أعلنتُ رأيي منذ البداية حين رسمت في روايتي "المخاض" صورة لحكم فردي يعتمد على المفاجآت، والناس كانت تنتظر هذه المفاجآت المتعلقة بشخص واحد هو عبد الكريم قاسم. أنا شخصياً أعلنت موقفي ما بين السطور.
- وسأل أحد الحضور عن سبب كثرة تفاصيل الحياة اليومية في رواية "النخلة والجيران" وانعدامها في الروايات اللاحقة.
فأجاب الكاتب غائب طعمه فرمان:
إن السبب يكمن في القراءات المختلفة. فلقد أثرت هذه القراءات علي، ولعبت الغربة كذلك دوراً هاماً في ابتعادي عن وصف تفصيلات الحياة اليومية في المجتمع العراقي فأنا تركت عراقنا الحبيب منذ فترة طويلة لدرجة أني الآن لا أمتلك المادة الحياتية التي تمكنني من كتابة رواية كرواية "النخلة والجيران".
"ظلال على النافذة" هي آخر رواية كتبتها عن حي بغدادي، إلا أن معلوماتي عن تفاصيل الحياة كانت قليلة بحيث انتقدها البعض بحجة أنها لم تعكس المد الثوري في العراق عام 1967.
ورداً على سؤال عن سبب توجه الكتاب نحو الرواية لا نحو الأنواع النثرية الأخرى؟
- قال الكاتب العراقي غائب طعمه فرمان:
أعتقد أن السبب الرئيس يكمن في تطور دور النشر في البلدان العربية، إضافة إلى أن الكاتب يستطيع أن يصور في الرواية حياته بشكل متكامل، كذلك يجب ألّا ننسى تأثير الغرب على الشرق حيث تبوأت الرواية هناك مركز الصدارة في نظام الأنواع الأدبية.
ففي الرواية الأميركية "الجائزة" لأحد الكتاب الأمريكان نجد المؤلف المحترف يدرس حالة معينة، يتابع فيها حياة الحائزين على جائزة نوبل في سنة من السنين، ويصورهم ويكشف النقاب عن حياتهم والاماكن التي زاروها، ثم يطلع على القراء برواية جاهزة وناجحة بعد بحث مثابر وكبير.
أين الكاتب العربي الذي يمتلك إمكانية التفرع ليصور حالة، موضوعاً، مشكلة من مشاكلنا العربية الشاملة ويطلع بكتاب فني ناجح. أقصد بأسلوب روائي متدفق حار، مشبع بصدق الواقع وتصوير الظروف.
- ويرد غائب طعمه فرمان على سؤال آخر حول تفكك الأدب العربي قائلاً:
إن الأديب العربي ما زال حتى وقتنا الحاضر يعيش على دخله الذي يحصل عليه من وظيفته ويكتب في أوقات فراغه. يجب أن نحرره من وظيفته ونفسح له المجال ليسافر إلى الدول العربية ويعيش فيها بدون مضايقات مادية أو معنوية ليكتب عن أهل البلد الذي يعيش فيه، البلد العربي الذي يزوره ويتعرف على أشقاء له فيه، يجب فسح المجال امام تنقل الأديب العربي في وطنه العربي الكبير لكيلا تقتصر كتاباته على مواضيع خاصة بالمجتمع الذي ينتمي إليه فقط.
ولا يمكن أن يوجد أدب عربي موحد ما دامت الحواجز المصطنعة كبيرة وكثيرة.. إن العربي يعاني أيضاً من حالة اللا استقرار مما يؤثر كثيراً على نوعية أعماله الفنية وكميتها.
التراث والظروف السياسية
- وسأل أحد الحضور عن سبب لجوء بعض الكتاب الشباب إلى التراث العربي القديم؟
- فأجاب الروائي غائب طعمه فرمان قائلاً:
أعتقد أن الشباب التجأوا إلى التراث بسبب الظروف السياسية، أي أنهم أخذوا حالات من التاريخ العربي مشابهة للأوضاع العربية المعاصرة، كأساليب الأمن والارهاب السياسي. أنا مثلاً كتبت عن الارهاب في قصتي الطويلة الأخيرة (آلام السيد معروف) ولكنني لم أحدد مكان الأحداث وزمانها، ومع ذلك فإن القارئ يفهم أن هذه الأحداث يمكن أن تقع في أي بلد عربي.
مختصر القول إن هؤلاء الكتاب الشباب أرادوا أن يقولوا لنا: إن لتاريخنا المعاصر صلة بالماضي. وهنا تجدر الاشارة الى أن أخذ حالات من التاريخ القديم كمادة للروايات المعاصرة لا يعني أبداً التأثر بالتراث، إذ إن التأثر بالتراث يعني طريقة الكتابة والأسلوب واللغة.
الفصحى واللهجة:
ـ ويختم أحد الحضور اللقاء بسؤال عن اللهجة المحلية واللغة العربية الفصحى؟
- فيجيب الكاتب المحاضر غائب طعمه فرمان:
أنا ممزق بين أمرين، إما أن اكون عراقياً فاكتب باللهجة العراقية، (أقصد الحوار باللهجة) أو أكون مقروءاً على مستوى العالم العربي فأكتب باللغة العربية الفصحى ولكن بشكل عام وبغض النظر عما ذكرته فإن هوية الشخصية الأدبية انتماءها الطبقي والاجتماعي وتطورها الشخصي تفرض في كثير من الأحيان لغتها الخاصة، مفرداتها، على الكاتب.
فإذا كان الكاتب يتحدث عن عامل أو فلاح فيجب عليه أن يدير الحوار ويكتبه باللهجات المحلية، أما إذا كان الحديث في العمل الأدبي لشخصية متعلمة فيجب أن يكون بلغة أقرب إلى الفصحى وهذا هو ما يسمى بتسلل العامية في العمل الأدبي.
ـ وأخيراً تشكره المستعربة فاليريانيكولايفنا كيربيتشينكو على تلبيته دعوة قسم الآداب الشرقية وتفضله بإلقاء المحاضرة والاجابة عن الأسئلة المطروحة ثم تحول اللقاء إلى جلسة ودية حول فناجين القهوة دارت خلالها أحاديث شخصية طريفة مفعمة بالدفء والمحبة والحبور.
زهير ياسين شليبه
معهد الاستشراق القسم العربي، موسكو 1981-1983






























































































الكاتب العراقي الكبير غائب طعمة فرمان ويقف إلى جانبه







زهير ياسين شليبه، يقرأ له تدوينه لبعض حواراتهما التلقائية، موسكو 1983-1982



#زهير_ياسين_شليبه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لرحيل غائب طعمه فرمان 17 آب ...
- حوار مع الروائي العراقي غائب طعمه فرمان * في الذكرى السادسة ...
- وداعاً أيها العراقي الأصيل شاكر الناصري (1963-2026)
- الفنان التشكيلي العراقي هادي الصكر! خمسة عقود من الغربة!
- -شظايا البوح- للمغربية زكية خيرهم: بين القصة والرواية!
- قراءة في رواية -المسرات والأوجاع-
- اللغة البربرية في حوار مع البروفيسور الدنمركي كارل براسّه ال ...
- اللغة البربرية في حوار مع البروفيسور الدنمركي كارل براسه الم ...
- بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لرحيل الكاتب العراقي غائب ط ...
- بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لرحيل الكاتب العراقي غائب ط ...
- الغرباء وغسل العار
- موعد ترجمه
- موعد ترجمة
- مسودَن العراق
- حمام الدار للكويتي سعود السنعوسي: المضمون والبنية وطرق السرد


المزيد.....




- أكثر من مائة مدير متحف روسي وبيلاروسي يلتقون في منتدى الثقاف ...
- إعادة افتتاح الجناح الإيطالي في قصر أوستانكينو بموسكو بعد تر ...
- بالشموع والصورة.. ماليكوف يقترح طريقة جديدة لجذب الشباب إلى ...
-  نجم بوب مصري يخطف الأضواء في إسرائيل
- فرنسا ترشح فيلما بإخراج ولسان روسي لتمثيلها في سباق -الأوسكا ...
- بريتني سبيرز مع الثعبان والنمر.. قصة العرض الموسيقي الذي هزّ ...
- لماذا يخيف فيلم نازا دولة إسرائيل؟
- رواية -المنصرمون- تقتنص الدورة الثانية لجائزة خالد خليفة
- منظومة عسكرية متكاملة.. كشف أثري في دلتا مصر يوثق يوميات الج ...
- من زنوبيا إلى كاترين الثانية.. كيف أصبحت بطرسبورغ -بالميرا ا ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زهير ياسين شليبه - بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لرحيله (17 أب 1990)