سمير نعمة مهدي
الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 13:29
المحور:
الادب والفن
لا مراء في أن الأناشيد الوطنية ليست مجرد كلمات تُصطف، ولا قوافي تُنظم؛ بل هي الهوية الصوتية للشعوب، والوثيقة الباقية التي تختزل جغرافية الأوطان، وعمقها التاريخي، ومجدها الحضاري. وحين يُطرح نص ليكون بديلاً للنشيد الوطني العراقي، فإننا نقف أمام استحقاق مهيب وخطير في آنٍ معاً؛ فالعراق ليس طارئاً على الأدب، بل هو موطن الخليل بن أحمد الفراهيدي، ومسقط رأس النحو، وأرض السواد التي أنجبت أساطين الشعر من المتنبي إلى الجواهري والسياب، ولا يقبل من الشعر إلا ما استقام وزنه، ونفذ بيانه، واكتملت بلاغته.
وقبل أن نُشرع مباضع النقد الأكاديمي لتشريح النص المقترح للشيخ فرحان الساعدي، فإن الإنصاف يقتضي منا تسجيل حسنة كبرى تُحسب له، ولعلها من أهم منجزات هذه القصيدة؛ ألا وهي شجاعته في "تحريك المياه الراكدة". فلطالما تعالت الأصوات والمطالبات على مر السنوات السابقة بضرورة تغيير النشيد الوطني الحالي (موطني) واستبداله بنشيد ينبع من صميم الجغرافيا العراقية والتاريخ الرافديني الخالص. لقد استطاع الشيخ الساعدي بمبادرته هذه أن يوقد شعلة النقاش من جديد، وأن يكسر حاجز الصمت، دافعاً النخب الثقافية والمجتمعية للالتفات إلى هذه القضية الوطنية الملحة. إن هذا الجهد الاستنهاضي يُعد نقطة مضيئة تُسجل في رصيده الوطني بلا ريب.
أما وقد منحنا الرجل حقه في نبل الغاية وصدق المبادرة، فإن النص الشعري متى ما عُرض على ميزان الأمة، سقطت عنه حصانة النوايا، وبات مُلكاً للنقد الصارم. وبقراءة فاحصة، نجد أن الأبيات، رغم زخمها العاطفي واستدعائها الباذخ لرموز الهوية العراقية (الرافدين، النخلة، الجبال، لوح الوصايا، القلم)، قد عانت من اختلالات هيكلية، ونحوية، وعروضية، ودلالية، لا تليق بنص يُراد له أن يكون واجهة لغوية لبلد كالعراق. ونضع هذه المثالب بين يدي القارئ المثقف في المحاور الآتية:
أولاً: تمزق النسق التركيبي والقطيعة النحوية
القصيدة المحكمة هي التي تتآلف أجزاؤها لتصنع نسيجاً متماسكاً، لكننا نجد في المقطع الأول فجوات نحوية تصيب المعنى بالاضطراب:
1. كبوة المطابقة بين الفعل والمنادى: في مستهل القصيدة "رسّخ الوحدة فينا يا مياه الرافدين"، نلحظ مفارقة تركيبية قاسية؛ إذ جاء فعل الأمر (رَسِّخْ) بصيغة التذكير، في حين أن المنادى (مياه) جمع تكسير لغير العاقل يُعامل معاملة المؤنث المجازي. وكان حرياً بالناظم، لغةً وسياقاً، تأنيث الفعل ليطابق المنادى، فيقول: "رسّخي"، وإلا فإن الأذن اللغوية تنفر من هذا التنافر.
2. التخبط الإعرابي في العطف: يقول الناظم: (نخلةً فيها غرسنا.. وجبالٌ راسياتٌ). إن كلمة (نخلةً) جاءت منصوبة، ومسوغ نصبها أنها مفعول به مقدم للفعل (غرسنا). ولكن المفاجأة تأتي في الشطر الذي يليه بعطف كلمة (وجبالٌ) بالرفع! فإذا كانت الجبال معطوفة على النخلة، كان يجب أن تُنصب (وجبالاً راسياتٍ)، وإذا كانت مبتدأ لجملة جديدة، فأين الخبر؟ هذا القطع الإعرابي المفاجئ يُحدث شرخاً في بنية المعنى ويوقع المتلقي في حيرة نحوية لا مبرر لها.
ثانياً: الاضطراب العروضي والانفلات الإيقاعي
حاول الناظم أن يسكب قصيدته في قالب (بحر الرمل)، وتفعيلته (فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن). إلا أن النص عانى من هشاشة إيقاعية مبكرة:
1. الكسر في المطلع: الشطر الأول (رسّخ الوحدة فينا يا مياه الرافدين) يتمرد كلياً على تفعيلة الرمل، إذ يبدأ بوزن أقرب إلى (مستفعلن)، مما يكسر الإيقاع من اللحظة الأولى التي يفترض أن تجذب انتباه السامع.
2. فوضى القوافي وحرف الروي: في المقطع الأول، التزم الناظم بقافية تنتهي بحرف النون الساكن المسبوق بحرف مد (فاعلان) في: (رافدَين، عالمِين، مؤمنِين، سنِين). لكنه حين انتقل إلى المقطع الثاني، غيّر القافية فجأة إلى الميم الساكنة (أممْ، قلمْ، قدمْ) بتفعيلة (فاعلن)، ثم عاد في الشطر الأخير ليختم بـ (دينْ) بتفعيلة (فاعلان)! هذا التذبذب العشوائي بين القوافي والتفعيلات لا يُعد تنويعاً موشحياً، بل هو عجز عن ضبط معمار القصيدة، مما يورث الأذن الموسيقية تنافراً يشتت جلال الإنشاد ويستعصي على أي ملحنٍ محترف.
ثالثاً: الترهل الأسلوبي والحشو اللفظي
النشيد الوطني يجب أن يكون مكتنزاً، لا فضلة فيه ولا حشو، وكل كلمة فيه تحمل ثقلاً دلالياً.
في الشطر: "إننا كنا ابتدأنا منذ فجر العالمين"، وقع النص في فخ الترهل اللفظي الفادح. فالجمع بين الفعل الناقص (كنا) والفعل (ابتدأنا) لا يضيف أي طائل للمعنى، بل يثقل كاهل البيت بحشو أضعف رشاقته، وكان الأجدر الاستغناء عن أحدهما لسبك العبارة بقوة وصرامة تتناسب مع الموقف الملحمي.
رابعاً: التنافر البلاغي والقصور الدلالي
الشعر بلاغة وصورة، وهنا واجه النص عثرات في توظيف المجاز وتشكيل الصورة الذهنية:
1. الصورة المتناقضة: في قوله (رسّخ الوحدة فينا يا مياه)، استخدم فعل (الترسيخ) الذي يُطلق على الأشياء الثابتة العميقة كالجذور والجبال الممتدة، وأسنده إلى (المياه) التي طبعها الجريان والتدفق والسيولة! كان الأولى أن يطلب من المياه (الريّ) أو (الإرواء) أو (التدفق)، وأن يترك (الترسيخ) للجبال. هذا الخلط أفسد الصورة البلاغية (الاستعارة).
2. القصور المعرفي لحجم التاريخ: في وصفه الجبال الراسيات بأنها كانت "منذ آلاف السنين". هذا الوصف ينطوي على انكماش في الدلالة؛ فالجبال، جيولوجياً وتاريخياً، شواخص ضاربة بملايين السنين، وحصرها بـ "الآلاف" يحجّم من هيبتها ويضعف من فخامة قِدَمها الذي أراد الشاعر تعظيمه.
3. تضييق الأفق الوطني: في قوله "نخلةً فيها غرسنا لسلام المؤمنين". الأناشيد الوطنية هي مظلات مدنية شاملة، تجمع المواطنين كافة باختلاف معتقداتهم وأديانهم ومذاهبهم وحتى من لا دين لهم. تخصيص "السلام" بـ "المؤمنين" يضيق واسعاً، ويُخرج النشيد من كونه راية وطنية جامعة إلى فضاء فئوي لا يتسق مع فلسفة الأناشيد الدستورية.
إننا مدينون للشيخ الساعدي بشجاعة المبادرة وصدق النبض ووطنية الروح التي حركت ركود هذا الملف الحساس. غير أن النص المقترح، بشكله الحالي، عبارة عن خامة وطنية دافئة أُفرغت في قالب لغوي وعروضي مكسور. النشيد الوطني لا يُبنى بالنوايا الحسنة وحدها، ولا بالرموز المتناثرة دون رابط متين؛ بل بسبك لغوي لا يأتيه الكسر من بين يديه ولا من خلفه. إن وطناً كالعراق، ينام ويستيقظ على إرث حضاري يمتد من ألواح سومر إلى منابر بغداد، يستحق نشيداً معافىً من كل علة، وشامخاً بلا عكاكيز.. نشيداً تهتز له الروح قبل أن تنطق به الشفاه. فما رأيكم أيها القراء الأكارم في هذه المفارقة بين شموخ الفكرة ووهن صياغتها؟ وهل تتفقون على أن صرامة التمحيص اللغوي شرط لا مساومة فيه للنصوص التي تُمثل هوية الأوطان؟
سمير نعمة مهدي - مملكة السويد/ Växjö
[email protected]
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟