سعد سوسه
الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 09:46
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ينتمي عزيز الحاج علي حيدر الى أسرة عراقية كردية فيلية ( 1 ) ،وهو عزيز الحاج بن الحاج علي حيدر بن علي بن حسين بن ملا محمد علي بن قمر بن قيطاس الفتوني من عشائر الكرد ، كان عمل والده الحاج علي حيدر، مقاولاً لعمال الشحن والنقل في كمرك الرصيف, والذي كان مكانه حينها في مبنى (المدرسة المستنصرية) التاريخي قبل ترميمه وتحويله الى متحف( 2 ) .
فالحاج هو أسمه الحقيقي, ولم يقم بزيارة مكة المكرمة لغرض اداء مناسك الحج, اما الحاج فهو اسم كردي اصله أجي أو حاجي ولهذا كان اصدقائه من العرب يلقبونه بـ (حجي), أو (الحجي) ( 3 ) .
فضلاً عن عمله كمتعهد في كمرك بغداد الرئيس, كان ملتزماً لمخازن (البوند) في منطقة باب المعظم جوار المستشفى الملكي (مدينة الطب حالياً), كان البوند ذا مساحة كبيرة إحتوى على مخازن عديدة, تابعة الى سكك الحديد, واستمر بعمله هذا حتى وصلت مقاولاته الى كمرك غربي بغداد مقابل المتحف العراقي حالياً, وامتدت اعماله في المقاولات الكمركية الى لواء الكوت أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية( 4 ) .
ولد الحاج علي في بغداد بمحلة العوينة ( 5 ) عام 1898 وحصل على شهادة تجنسه عام 1927, لم تذكر فيها تبعية عثمانية اي انه (عراقي اصلي) وانما عراقي بالتبعية, ويعني ذلك انه ايراني التبعية, ويعود السبب في ذلك الى تصاعد الدعوة الى التجنيد الالزامي في ذلك الوقت.
درس في مدارس بغداد حتى وصل الى المرحلة الثانوية التي لم يكملها, الا انه كانت له معرفة بعدة لغات منها, الفارسية, والانكليزية, وقليلاً من الفرنسية, وجاءت معرفته بهذه اللغات من خلال عمله في رصيف الكمرك واحتكاكه بالتجار الاجانب, فضلا عن ذلك احتوت مكتبته عشرات الكتب والمجلدات, ومنها مجلدات تاريخ الطبري, وقلب بغداد للريحاني, وديوان الجواهري, وكتاب مصور باللغة الفرنسية عن بلاد فارس في القرن التاسع عشر, فضلاً عن ذلك إحتوت على مخطوطات, ومؤلفات آخرى( 6 ) .
كان الحاج علي حيدر مولعاً بحب المطالعة والشعر, وقراءته وترديده ابياتاً للجواهري, وأبن زيدون الاندلسي( 7 ) .
حظي بأحترام أصدقائه والذين كانوا ينتمون الى مختلف الاديان, والمذاهب, والاتجاهات السياسية, والمناصب الحكومية, ومنهم الشاعر محمد مهدي الجواهري، الذي ارتبطت به صداقة تمتد منذ الثلاثينيات من القرن العشرين, وكان من زملاء سهراته, واحتفظ في غرفته الجانبية لمقر عمله في كمرك الرصيف بنسخ كثيرة من الديوان الاول للجواهري التي اشتراها من الشاعر نفسه, ليوزعها مجاناً على أصدقائه .
كما ارتبط بعلاقة حميمة مع جعفر أبو التمن, إذ قام بتأمين حارس كردي اسمه (أوجشمير) لحراسة داره, وكذلك من اصدقائه السياسيين, والمحامي عزيز جميل والشاعر محمد صالح بحر العلوم والقاضي عبد الوهاب الامين, والكاتب الساخر عبد الجبار وهبي( 8 ) .
ويعد الحاج علي حيدر من المساهمين بتأسيس الجمعية والمدرسة الفيلية والتي تم تأسيسها في العام 1946 ( 9 ) بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها .
ويتبين لنا أن مساهمته في تأسيس هذه الجمعية والمدرسة الفيلية ما هو الا دليل واضح على حبه للعلم والمعرفة والمساهمة الجادة في تطوير الجانب التربوي والتعليمي في العراق.
نتيجة للقاءات التي عقدها في موقع عمله مع كثير من الشخصيات الوطنية العراقية منهم الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ومحمد صالح بحر العلوم لغرض الحوارات السياسية والاجتماعية وتحليل الواقع السياسي الذي كان يعيشه العراق في تلك المرحلة ( 10 ). فضلاً عن شعوره الوطني تجاه العراق بما في ذلك شعوره العميق لانتمائه للكرد الفيليين, ونتيجة لمواقفه الوطنية, اعتقل الحاج علي حيدر أسابيع عدة في اواخر 1952 في معسكر ابوغريب بتهمة التدبير لتهريب ابنه عزيز الحاج ورفاقه من السجن, ولم يكن اعتقاله بمعزل عن اعتقال مئات من السياسين والمثقفين ولاسيما الطلبة والعمال, ومن اهم السياسيين الذين كانوا معه في المعتقل ابرزهم كامل الجادرجي( 11 ) ، والشاعر محمد مهدي الجواهري اللذان اعتقلا إثر انتفاضة عام 1952 ( 12 ) , حتى وصل الامر بمدير المعتقل تهديده بأسقاط الجنسية العراقية عنه لكونه تبعية إيرانية .
كان من عادات وسلوكيات الحاج علي حيدر، ارتداؤه السترة ذات اللون الرماني والبنطال ذا اللون الرصاصي الغامق في فصل الشتاء، وفي الصيف كان يفضل ارتداء الطاقم الابيض ويفضل تدخين سجائر الكلانلاك، فضلاً عن تناوله وجبات الغداء في مطعم شريف وحداد، الواقع قرب جسر الاحرار عند مدخل شارع النهر، ويقضي ماتبقى من يومه في البيت للاستراحة ( 13 ) .
اقترن الحاج علي حيدر، للمرة الاولى من جيران بنت فتاح، وهي من اهالي بغداد، ولدت في منطقة باب الشيخ ( 14 ) في العام 1907، واسم جيران تعني الغزال، وهي ايضاً من الكرد الفيليين، كانت بوالدة عزيز الحاج تمتاز بالطيبة، والعطف، والحنان، لاسيما عطفها على الفقراء ومساعدتهم، فضلاً عن حبها لتربية الحيوانات الأليفة ومنها القطط ( 15 ) .
وانجبت له اربع اولاد توفي الاول من بعد ولادته مباشرة ، اما الثاني عبد الامير فقد توفي في مرض السل والثالث عزيز، اما الرابع بين أشقائه فهو عبد اللطيف، كما انجبت اربع بنات وهن "صفية، عادلة، لطيفة، فريدة" ( 16 ) .
فضلاً عن ذلك كانت طباخة ماهرة, وتتفنن بنوعيات الطبخ وبقيت على ذلك الحال حتى الثالثة والسبعين من عمرها, وعلى الرغم من مرضها الا انها كانت تحتفظ بمهارتها الممتازة في اعداد وجبات الطعام ( 17 ) .
وقد تعرضت والدة عزيز الحاج للاعتقال في نهاية العام 1948, من قبل الشرطة السرية الذي نصب كميناً للدار الذي اعتقل فيه ولدها عبد اللطيف, واطلق سراحها فيما بعد ( 18 ) .
توفي والد عزيز الحاج اواسط السبعينيات من القرن العشرين, نتيجة تدهور احواله المالية, ومشكلات العمل, وسبب ذلك بيعة الاراضي والعقارات التي كان يملكها .
أما والدته فقد توفيت في منتصف العام 1984, بعد معاناتها مع المرض وهي بعمر 77 عاماً, ولم تخلع عنها ملابس الحداد حتى وفاتها على ولدها عبداللطيف( 19 ) .
المصادر
1 . الفيليون: إتفق اغلب اللغويين الكرد في العراق على انه تسمية (فيلي) تطلق على الكورد الذين يتكلمون اللهجة الارية والتي تسمى احياناً بالكردية الكرماشانية والتسمية الاخيرة غير صحيحة لان اللهجة اللرية تتفرع الى (اللكية واللرية) الفيلية, كذلك اختلفت الاراء في كلمة (فيلي) التي تطلق على جمهرة واسعة من الكورد, فهي تعني عند بعض الباحثين (الثورة) وعند آخرين تعني (المتمرد والعاصي), فيما اوردت المصادر التاريخية الكلمة على انها تعني الشجاع والفدائي الثائر ان مدلول كلمة (فيلي) وفي معناها العام ودلالته الاصطلاحية يشمل جميع القبائل الكردية التي تقيم في الاجزاء الجنوبية من كردستان على الجانب الايراني المسمى اقليم (لورستان) وتشمل تحديداً محافظتي ايلام وكرماشان والتي قسمت في السنوات الاخيرة الى محافظات (عيلام, لورستان, جوارمحل, وشهركورد) وفي العراق تطلق كلمة فيلي على الكرد القاطنين شرق دجلة والعاصمة بغداد، وبقية المدن من وسط وجنوب العراق, للمزيد ينظر: رزكار عبدالرحمن, الوجيز في تعلم اللغة الكوردية, دار الكتب, بغداد, 1987, ص8. ؛ احمد ناصر الفيلي, الفيليون الاصالة التاريخية والمواطنة المهدورة, دار آراس للطباعة والنشر, اربيل, 2012, ص 13-19.
2 . عزيز الحاج, راحلون وذكريات شخصيات في حياتي, دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع, بغداد, 2011, ص16.
3 .عزيز الحاج, بغداد ذلك الزمان، ط2، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2011، ص41.
4 . عزيز الحاج, بغداد ذلك الزمان, دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع, بغداد, 2011, ص42- 43.
5 . جمال بابان, اصول اسماء المدن والمواقع العراقية, ج2, مطبعة الشهيد آزاد هورامي, كركوك 2006, ص103, ؛عماد عبدالسلام رؤوف، الأصول التأريخية لمحلات بغداد, دار الكتب العلمية, بغداد, 2013, ص58.
6 . عزيز الحاج, بغداد ذلك الزمان, مصدر سابق, ص1949-50.
7 . عزيز الحاج, راحلون وذكريات, المصدر السابق, ص19.
8 . عزيز الحاج, بغداد ذلك الزمان, المصدر السابق, ص45-46.
9 . احمد ناصر الفيلي وآخرون، الفيليون ... الانتماء والمحنة، جريمة تهجير الكورد الفيليين، سلسلة اصدارات الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة، بغداد 2014، ص73.
10 . عزيز الحاج، راحلون وذكريات، المصدر السابق، ص17.
11 . كامل الجادرجي (1897- 1968): ولد في بغداد في 4 نيسان العام 1897 من عائلة ثرية كانت مقربة من السلطات العثمانية، أكمل دراسته في بغداد إذ دخل المدرسة الحميدية الابتدائية وفي عام 1907 دخل مدرسة الاعداد الملكي وحصل على شهادة الحقوق، فتولى مسؤولية (جريدة الاخاء الوطني). وبعد انقلاب بكر صدقي شغل الجادرجي منصب وزير الاشغال والمواصلات في وزارة حكمت سليمان من 29 تشرين الاول 1936 الى 17 آب 1937. وفي العام 1946 شكل (الحزب الوطني الديمقراطي وترأسه) وضم الحزب بداية تأسيسه عدداً من الشباب الماركسي المثقف، ونتيجة لمواقف الجادرجي الوطنية في الانتفاضات والمظاهرات الشعبية اعتقل عدة مرات وأصبح رئيس أول جمعية للصحفيين العراقيين للاعوام (1940- 1950)، واشترك في ثورة العشرين مع والده رفعت الجادرجي فتم نفيه من قبل البريطانيين الى اسطنبول.ينظر: حسن لطيف الزبيدي، موسوعة الاحزاب العراقية مؤسسة العارف للمطبوعات بيروت، 2007، ص259، ؛ جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق 1941- 1953 مطبعة النعمان، النجف الاشرف 1976، ص263 ،ومجلة الاحرار، مؤسسة السجناء السياسيين، العدد (20)، آذار، 2014، ص47.
12 . إن انتفاضة 1952 حدثت احتجاجاً على تعديل نظام كلية الصيدلة في 26 تشرين الاول 1952، مما ادى الى اضراب طلاب الكلية، ونتج عن ذلك حدوث تظاهرات في كليات اخرى منها كلية الطب وكلية التجارة وكلية المملكة العالمية وادر المعلمين العالية وبعض المدارس الثانوية فضلا عن مشاركة العمال في التظاهرات وكان اضراب طلاب كلية الصيدلة القشة التي قصمت ظهر البعير، وهي التي اججت الانتفاضة ولكنها ليست السبب الوحيد لقيامها فمنذ تسلم نوري السعيد وزارته الحادية عشر في ايلول 1950 بدأت المفاوضات حول النفط وتعديل امتياز النفط، لاسيما عندما امم النفط في ايران، اثر ذلك بدأت الاحزاب السياسية في العراق والقوى السياسية تطالب بأجراءات مماثلة، وعندها تقدمت وزارة نوري السعيد بلائمة اتفاقية النفط فعارضتها الاحزاب وعدتها قصاصة ورق أملتها الشركات على الوزارة القائمة املاءا لخداع الشعب كذلك مجيء وزارة مصطفى العمري في تموز 1952 التي لاتتمتع بثقة الشعب وإمكانية منهم مطاليبهم، وبذلك استغلت الاحزاب السياسية هذا الاضراب من أجل قيام انتفاضة جماهيرية واقالة الوزارة, وادى ذلك الى صدامات مع رجال الشرطة ادت الى مقتل احد المتظاهرين وجرح عدد آخر منهم, وقد توقفت الدراسة في الكليات والمدارس, لكن المظاهرات استمرت مطالبة بالانتخابات المباشرة واجراء الاصلاحات الداخلية وشملت التظاهرات معظم الالوية, مما ادى الى استقالة وزارة مصطفى العمري وقبلت الاستقالة في 22 تشرين الثاني 1952, وهذه الانتفاضة قد ارعبت الوصي عبدالاله الذي كان خائقاً من تجاوب الجيش مع المتظاهرين. للمزيد ينظر: جعفر عباس حميدي, التطورات السياسية في العراق 1941- 1953، المصدر السابق، ص711، ؛ طارق الناصري, عبدالاله الوصي على عرش العراق 1939-1958 حياته ودوره السياسي, ج1، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ص465.
13 . عزيز الحاج، راحلون وذكريات، المصدر السابق، ص13.
14 . باب الشيخ: محله من محلات بغداد الكبيرة تقع في الجانب الشرقي من بغداد، وفي القسم الشرقي من باب الشرقي، تحدها من الشرق (قهوة شكر وراس القرية)، ومن الجنوب منطقة السنك ومن الشمال اراضي ناحية الاعظمية، وعرفت قديماً بمحلة باب الازج، ثم غلب عليها هذا الاسم نسبة الى باب حضرة الشيخ عبد القادر الكيلاني المدفون فيها سنة 561 هـ، وقد اكتسبت المحلة اهميتها لامرين الاول وجود هذا الجامع، والثاني اتخاذها مقراً لنقابة الاشراف، ومن ابرز المعالم الاثرية الموجوده فيها، باب الحلبة المعروف في العصور المتأخرة بباب الطلسم، ومن معالمها تكية او مسجد الشيخ احمد المكي الشيبي، للمزيد ينظر: عماد عبد السلام رؤوف، المصدر السابق، ص 61- 63. يلاحظ جمال بابان، المصدرالسابق، ص35- 36.
15 . عزيز الحاج، بغداد ذلك الزمان، المصدر السابق، ص55.
16 . صفية وهي الاخت الكبرى خريجة كلية التجارة, وفريدة طبيبة عيون تخرجت من جامعة الاسكندرية بمصر وعملت في مستشفيات بغداد وبعض الدول العربية, حتى حل بها المطاف واقيمت في فرنسا, عادلة طبيبة, اما لطيفة فهي اختصاصية في كيمياء التربة. ينظر: عزيز الحاج، راحلون وذكريات، المصدر السابق، ص15- 17.
17 . عزيز الحاج، دفاتر الشخص الاخر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1985، ص31.
( ) 18 . عزيز الحاج، مع الاعوام، صفحات من تاريخ الحركة الشيوعية في العراق بين 1958- 1969، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1981، ص116- 117.
19 . وهو من الذين تم اعدامهم عام 1963م بسبب انتمائه الى الحزب الشيوعي العراقي، وكونه مسؤول تنظيمات الخط العسكري في الحزب حينها، ينظر: الكتاب الاسود، اعترافات الشيوعين، ط1، وزارة الارشاد، بغداد، 1963، ص9.
#سعد_سوسه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟