أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حمدي سليمان - المشهد الثقافي المصري من عصر المؤسسات إلى عصر الأذرع الخاصة















المزيد.....

المشهد الثقافي المصري من عصر المؤسسات إلى عصر الأذرع الخاصة


حمدي سليمان

الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 22:02
المحور: قضايا ثقافية
    


دوائر التشغيل والصيانة
لي دراسة بعنوان «الثقافة المصرية بين المركزية والتعدد»، منشورة منذ أكثر من عشرين عاما في كتاب بهيئة قصور الثقافة.. تناولت فيها دور دوائر التشغيل والصيانة داخل المؤسسات الثقافية الحكومية، وكيف كانت دوائر التشغيل "المؤسسات الثقافية" تستعين ببعض المثقفين للقيام بوظيفة الصيانة الثقافية: تجميل وجه المؤسسة، وترميم صورتها، ومنحها قدرا من الشرعية الثقافية، ومن ثم تجميل وجه النظام نفسه. وكان «حظيرة فاروق حسني» نموذجا واضحا لهذه الآلية، حيث جرى استقطاب عدد من المثقفين والفنانين إلى داخل المؤسسة، لا باعتبارهم شركاء في صناعة الثقافة، وإنما باعتبارهم جزءا من منظومة تعمل على إدارة المشهد وتجميل صورته.
.. الأذرع الثقافية وطلب الشرعية الناعمة
لكن المعادلة تغيرت الآن، بل انقلبت في بعض جوانبها. فالنظام لم يعد في حاجة إلى المؤسسات الثقافية الحكومية بالدرجة نفسها كي تؤدي هذا الدور؛ فقد أصبحت له أذرع ثقافية خاصة، تقوم بجزء كبير من الوظيفة التي كانت تؤديها المؤسسات الرسمية من قبل. وهذه الأذرع، بحكم طبيعتها وتركيبتها ومواقعها، معروفة للجميع بولائها للنظام وسياسات المرحلة، ولذلك لم تعد بحاجة إلى إخفاء انحيازها خلف مؤسسات الدولة أو شعاراتها الثقافية.
هنا تظهر المفارقة الجديدة: الأذرع الثقافية الموالية أصبحت هي نفسها في حاجة إلى دوائر صيانة من داخل الوسط الثقافي. لم يعد المطلوب من المثقف أن ينتج أو يبدع أو يمارس دوره النقدي فحسب، وإنما أن يمنح هذه الأجنحة قدرا من الوجاهة الثقافية، وأن يضفي عليها مسحة من التنوع والاستقلالية، وأن يوحي بأن المشهد أكثر انفتاحا وتعددا مما هو عليه في الواقع.
المشكلة إذن ليست في دوائر التشغيل وحدها. فدوائر التشغيل هي التي تدير المؤسسة، وتنتج قواعد اللعبة وتحافظ عليها، وتعرف كيف توزع الأدوار والمنافع وتعيد إنتاج المنظومة. وهي لا تريد أن تظهر بشكل مباشر في المشهد، بل تفضل أن تتوارى خلف ستارة ثقافية محكمة. أما دوائر الصيانة فهي أكثر نعومة، وربما أكثر التباسا؛ لأنها لا تبدو جزءا من آلية السلطة، بل تظهر في صورة نشاط ثقافي بريء: ندوة هنا، لقاء هناك، ورشة أدبية أو فنية، مسابقة، جائزة تحمل اسم مبدع معروف، صور جماعية، عناوين براقة، وتصريحات عن التنوير والإبداع.
دوائر الصيانة
وتتشكل هذه الدوائر غالبا من نوع خاص من البيروقراطية النشطة في المجال الثقافي؛ أشخاص يمتلكون رصيدا وظيفيا وشبكة واسعة من العلاقات، ويعرفون كيف يتحركون بين المؤسسات والفعاليات والمنصات والصالونات. وبفضل هذه العلاقات يستطيعون استدعاء أسماء تمنح المكان ما يحتاج إليه من وجاهة رمزية.
المسألة هنا ليست في النشاط الثقافي ذاته، ولا في كل شخص يشارك فيه، وإنما في الوظيفة التي يؤديها النشاط داخل مؤسسة موالية أو فاسدة. فعندما تستخدم المؤسسة أسماء ثقافية معروفة، أو تستعين بوجوه لها حضور ورصيد لدى الجمهور، فإنها لا تبحث فقط عن إقامة فعالية، وإنما عن غطاء ناعم يخفف من حدة صورتها ويمنحها شيئا من الثقة التي تفتقدها.
حين تصبح العلاقات الشخصية جواز مرور
والأكثر التباسا أن أصحاب دوائر الصيانة قد لا يكونون بالضرورة فاسدين بالمعنى المباشر. قد تكون علاقاتهم الشخصية والثقافية حقيقية، وقد يكون بينهم وبين كثير من المثقفين مودة واحترام قديمان. وهنا تحدث الخدعة الكبرى: يعرف البعض فساد المؤسسة أو طبيعة المنظومة التي تقف خلفها، لكنه يطمئن إلى الوجوه التي تتحرك داخلها، فيفصل بين نزاهة الشخص الذي يعرفه وبين طبيعة المكان الذي يعمل من خلاله.
وبذلك تصبح العلاقات الشخصية جواز مرور للمنظومة، ويصبح الرصيد الثقافي وسيلة لتبييض صورتها من دون أن يشعر أصحاب هذا الرصيد بالضرورة أنهم يؤدون هذه الوظيفة.
فالفساد لا يحتاج دائما إلى من يدافع عنه؛ أحيانا يكفيه من يخفف رؤيته.
صيانة الصورة لا إصلاح الواقع
لا أحد يطلب منك أن تقول إن المؤسسة نظيفة. يكفي أن تجلس في ندوتها، وأن تشارك في فعالية تنظمها، وأن تلتقط صورة في قاعتها، وأن تكتب عن جمال اللقاء، حتى تبدأ الصورة القديمة في التراجع لحساب صورة جديدة أكثر نعومة.
إنها ليست عملية تبرئة، وإنما عملية تشويش. فبدلا من أن يسأل الناس: ماذا يفعل صاحب المؤسسة؟ كيف يديرها؟ ومن يستفيد منها؟ ولماذا تستمر الاختلالات؟ يصبح السؤال: من حضر الندوة؟ ومن تحدث؟ وكيف كان الحوار؟ ومن فاز بالجائزة؟
وهكذا ينجح صاحب المؤسسة في الاختفاء خلف النشاط الثقافي، ويصبح المثقف، من حيث لا يقصد، جزءا من الديكور الذي يخفي الرجل والمنظومة التي تقف خلفه.
وهنا يجب أن نميز بوضوح بين المشاركة في نشاط ثقافي وبين التحول إلى وظيفة داخل ماكينة الصيانة. ليست المشكلة في أن تقام ندوة جيدة داخل مؤسسة سيئة، ولا في أن يشارك مثقف محترم في فعالية، وإنما في أن يتحول النشاط الثقافي إلى ستارة دائمة تحجب السؤال عن المؤسسة وصاحبها وطريقة إدارتها ومصالحها وعلاقاتها.
دوائر الصيانة لا تصلح النظام؛ هي فقط تمنحه قدرة أكبر على الاستمرار. لا تغير طبيعة المؤسسة، وإنما تغير طريقة ظهورها. لا تزيل الفساد، بل تضع فوقه طبقة من النشاط والضوء والأسماء اللامعة، بحيث يبدو المشهد من الخارج حيا ومتحركا، بينما تظل البنية نفسها في مكانها.
ولهذا فإن الحكم على النشاط الثقافي لا ينبغي أن يتوقف عند أسماء المشاركين أو جودة الحوار أو جمال الصور المنشورة بعد الفعالية. السؤال الأهم هو: من ينتج هذا النشاط؟ ولماذا؟ وما الذي تضيفه الفعالية إلى المؤسسة؟ وهل هي فعل ثقافي مستقل، أم جزء من عملية أكبر لإعادة تدوير صورتها؟
حين تغيرت أدوات السلطة
لقد انتقلنا إذن من مرحلة كانت فيها دوائر الصيانة تعمل داخل المؤسسة الحكومية لتجميل وجه السلطة، إلى مرحلة قد تعمل فيها خارج المؤسسة لتجميل وجه أذرعها الثقافية. تغيرت الواجهة، وتغيرت الأدوات، لكن الوظيفة الأساسية لم تتغير كثيرا: إنتاج صورة ثقافية أكثر قبولا من الواقع الذي تقف خلفها.
وهذه هي خطورة دوائر الصيانة: أنها لا تطلب منك أن تحب الفساد، ولا حتى أن تدافع عنه؛ يكفي أن تنشغـل عنه للحظة بالثقافة التي وضعتها المؤسسة أمامك.
فالمؤسسة الموالية لا تحتاج دائما إلى إسكات الثقافة؛ أحيانا يكون الأكثر فاعلية أن تستضيفها. لا تحتاج إلى محاربة المثقفين، بل إلى استدعاء بعضهم إلى الواجهة. فالثقافة حين تدخل من الباب الكبير قد تجد نفسها، من حيث لا تدري، تؤدي وظيفة في غرفة صغيرة خلف الكواليس: صيانة صورة الواقع لا إصلاحه.
وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما تفعله المؤسسات هو أن تكذب على الناس، وإنما أن تستعين بمن يثق بهم الناس لكي تبدو أقل كذبا.



#حمدي_سليمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الموت في الثقافة المصرية
- لماذا نقتل بعضنا بسبب الأديان ؟


المزيد.....




- السعر والمميزات.. كل ما تريد معرفته عن هواتف آيفون الجديدة
- فيديو متداول لـ-استسلام مقاتلين حوثيين في الجوف باليمن-.. هذ ...
- مؤتمر استثنائي للجمهوريين .. اختبار صعب لترامب قبل التجديد ا ...
- بعد اتهام موسكو باستهداف مطار لايبزيغ .. كيف ستتحرك برلين؟
- مدفيديف: نرغب في انتهاء النزاع في أوكرانيا بأسرع ما يمكن ولك ...
- -الليكود- يتهم محمد دحلان ويائير غولان بـ-التدخل الأجنبي- في ...
- خلال 12 ساعة الدفاع الجوي يدمر 108 طائرات مسيرة فوق مناطق رو ...
- مصادر: مدير وكالة الاستخبارات المركزية قد يتولى دورا أكبر في ...
- -ثورة في جيبك-! آبل تكشف عن آيفون 18 برو بأطول بطارية في الت ...
- الدفاع السورية تصدر بيانا حول انفجار سرمدا الدامي


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حمدي سليمان - المشهد الثقافي المصري من عصر المؤسسات إلى عصر الأذرع الخاصة