يونس بوسعيد
الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 20:51
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ظل مصطلح "أُمِّي" في القرآن الكريم يترجم تقليديًا بمعنى "من لا يستطيع القراءة والكتابة"، ولا سيما حين يرد وصفًا للنبي محمد، كما يظهر في تفسير الطبري لسورة البقرة، الآية 78، ولسورة الأعراف، الآية 157 (الطبري، 2001). غير أن هذا المعنى، على الرغم من رسوخه في التراث التفسيري، لا يستنفد بالضرورة دلالة المصطلح في جميع السياقات القرآنية. فقد اقترح نيكولاي سيناي (Nicolai Sinai, 2023)، في معجمه النقدي الحديث للمفردات القرآنية، ترجمة "أمي" بـ "من لا كتاب له" أو "الذي لم يُمنح، حتى ذلك الحين، وحيًا كتابيًا" (-script-ureless, not hitherto endowed with a -script-ural revelation) بوصفها قراءة دلالية أكثر ملاءمة في عدد من المواضع (Sinai, 2023, pp. 94–99). وينطلق هذا الطرح، على وجه الخصوص، من التقابل الذي يقيمه القرآن نفسه بين أهل الكتاب والأميين. ففي سورة آل عمران، الآية 20، يرد التعبير "للَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ"، حيث يوضع الذين أوتوا الكتاب في مقابل الأُمِّيِّين بصورة واضحة؛ الأمر الذي يسمح بفهم الأُمِّيِّين بوصفهم جماعة لم تكن قد أُوتيت كتابًا أو وحيًا كتابيًا سابقًا، لا بوصفهم جماعة تتحدد بالضرورة على أساس القدرة الفردية على القراءة والكتابة. ويعزّز ذلك ما يورده سيناي في تفسير الدلالة السياقية للمصطلح، إذ يرى أن الأُمِّيِّين في هذا الاستعمال يمثلون الطرف المقابل لأهل الكتاب، أي أولئك الذين لم يكونوا، أو لم يكونوا بعد، من أصحاب تقليد كتابي موحى به (Sinai, 2023, pp. 94–99).
وتزداد أهمية هذا التفسير إذا نظرنا إلى جميع مواضع ورود أُمِّيّ وأُمِّيِّين في القرآن باعتبارها مجموعة دلالية واحدة، بدل إسقاط المعنى الحديث لكلمة "أُمِّي" عليها بصورة آلية. فالمصطلح يرد في السور المدنية، ومنها سورة البقرة، الآية 78؛ وسورة آل عمران، الآيتان 20 و75؛ وسورة الأعراف، الآيتان 157–158؛ وسورة الجمعة، الآية 2، وتختلف دلالته باختلاف السياق. ففي سورة آل عمران، الآية 20، يظهر الأُمِّيُّون في مقابل الذين أوتوا الكتاب، في حين تقول سورة الجمعة، الآية 2 "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ". ومن اللافت أن ابن كثير يفسر الأُمِّيِّين في هذا الموضع تفسيرًا جماعيًا صريحًا بقوله "الأميون هم العرب"، وهو ما يدل على أن المصطلح كان قادرًا على أداء وظيفة تسمية جماعة بشرية أو أمة، وليس مجرد وصف للقدرة الفردية على القراءة والكتابة (ابن كثير، 1999). وفي المقابل، يفسر ابن كثير الأُمِّيِّين في سورة البقرة، الآية 78، بأنهم أناس من أهل الكتاب لا يكتبون، ويربط لفظ أُمِّيّ بمن لا يكتب. وهذا الاختلاف نفسه مهم؛ لأنه يدل على أن التراث التفسيري القديم لم يكن يتعامل مع المصطلح باعتباره ذا دلالة واحدة ثابتة في جميع السياقات. ويتوافق ذلك مع ما يبينه غونتر (Günther, 2002) من أن وصف النبي محمد بـالنبي الأُمِّي أصبح مرتبطًا بقوة في التقليد الإسلامي اللاحق بمفهوم عدم القراءة والكتابة، مع استمرار وجود تفسيرات وقراءات أخرى للمصطلح في تاريخ التفسير.
وتساعد المقارنة مع اللغات السامية، ولا سيما العبرية، على توضيح هذه المسألة بصورة أعمق. فالكلمة العبرية גּוֹי (goy) تعني في أصل استعمالها الكتابي "أُمّة" أو "شعب"، ولم تكن في بدايتها مقصورة على غير اليهود. والدليل الواضح على ذلك أن إسرائيل نفسها توصف في سفر الخروج بأنها גּוֹי קָדוֹשׁ (goy qadosh)، أي " أُمّة مقدسة" (الخروج 19:6). كما تسجل المعاجم العبرية أن goy يمكن أن تشير إلى إسرائيل وإلى الأمم والشعوب الأخرى على السواء (Brown et al., 1907). غير أن الكلمة شهدت، في تطور استعمالها الديني والتاريخي، تخصيصًا دلاليًا تدريجيًا؛ فبعد أن كانت تعني "أمة/شعبًا" بمعنى عام، أصبحت تُستخدم بصورة متزايدة للإشارة إلى الأمم الواقعة خارج الجماعة الإسرائيلية، ثم اكتسبت في الاستعمال اليهودي اللاحق معنى "الأُممي" أو "غير اليهودي". ومن هنا تبرز أهمية العلاقة الدلالية مع العربية أُمّة. فكلمة أُمّة نفسها تدل على جماعة أو شعب، وهي بهذا المعنى تقابل من حيث المجال الدلالي العام الكلمة العبرية goy التي تعني "أمة/شعبًا". وإذا كان كلمة goy قد انتقل من الدلالة العامة على "الأمة" إلى دلالة أكثر تخصيصًا هي "الأمم الأخرى" في مقابل الجماعة الإسرائيلية ذات العهد والكتاب، فإن هذا التطور يقدم نموذجًا مقارنًا مهمًا لفهم اشتقاق أُمِّي من أُمّة؛ إذ يمكن أن تكون كلمة " أُمِّي" قد اكتسبت بدورها دلالة دينية-اجتماعية تشير إلى الفرد أو الجماعة المنتمية إلى "الأمة" التي لم تُمنح كتابًا، في مقابل أهل الكتاب. وهذا هو المقصود من المقارنة مع goy: ليس القول إن الكلمة العربية "أُمِّي" مشتقة من العبرية גוי، ولا أن إحدى الكلمتين اقترضت من الأخرى، وإنما إن كليهما يمكن أن يُظهر تطورًا دلاليًا مشابهًا من معنى جماعي عام، هو "الأمة/الشعب"، إلى معنى ديني أكثر تخصيصًا يحدد الجماعة الواقعة خارج جماعة الكتاب أو العهد.
وعليه، فإن النتيجة الأكثر تحفظًا وقابلية للدفاع عنها علميًا ليست القول إن "أُمِّي" لا تعني "من لا يستطيع القراءة والكتابة" مطلقًا، وإنما إن معنى "من لا يستطيع القراءة والكتابة" لا ينبغي افتراضه بوصفه المعنى الوحيد أو الشامل في جميع مواضع ورود المصطلح القرآني. فالمعنى التقليدي ثابت بالفعل في المصادر الإسلامية؛ ففي صحيح البخاري يَرد الحديث "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ"، كما يفسر ابن كثير الأُمِّي في سورة البقرة، الآية 78، بأنه من لا يكتب. غير أن هذه الدلالة لا تمنع وجود دلالة أخرى ذات طابع جماعي وديني وكتابي، ولا سيما حين يضع القرآن الأُمِّيِّين في مقابل أهل الكتاب. ومن ثم، فإن ترجمة وتفسير الأُمِّي بـ"من لا كتاب له" أو "من لم يُمنح كتابًا سماويًا سابقًا" تبدو أكثر دقة في السياقات التي يكون فيها التقابل بين أهل الكتاب والأُمِّيِّين هو المحور الدلالي، بينما يظل "من لا يستطيع القراءة والكتابة" تفسيرًا تقليديًا مهمًا في سياقات أخرى. وبهذا المنهج يمكن فهم "أُمِّي" بوصفها لفظة متعددة الدلالة تشكلت معانيها داخل سياقات لغوية ودينية مختلفة، بدل اختزالها في معنى واحد مستمد من الاستعمال العربي اللاحق. والأهم من ذلك أن المقارنة بين "أُمّة" و "גּוֹי" (goy) تكشف أن الانتقال من معنى "الأمة/الشعب" إلى معنى "الجماعة الدينية الواقعة خارج جماعة الكتاب" ليس أمرًا مستبعدًا من الناحية الدلالية، بل له نظير واضح في تاريخ المصطلح العبري نفسه؛ وهو ما يجعل قراءة " أُمِّي" في ضوء مفهوم "الأمة التي لم تُمنح كتابًا" احتمالًا تاريخيًا ولغويًا جديًا، دون الحاجة إلى إنكار المعنى التقليدي أو افتراض اشتقاق مباشر من العبرية.
المراجع
ابن كثير، إسماعيل بن عمر. (1999). تفسير القرآن العظيم (سامي بن محمد السلامة، المحقق). دار طيبة للنشر والتوزيع.
سفر الخروج، الإصحاح 19، الآية 6. (د.ت .(. موقع الأنبا تكلا هيمانوت. تم الاسترجاع في 5 سبتمبر 2026 من https://st-takla.org
الطبري، محمد بن جرير. (2001). تفسير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن (عبد الله بن عبد المحسن التركي، محقق؛ الطبعة الأولى). دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان.
Brown, F., Driver, S. R., & Briggs, C. A. (1907). A Hebrew and English lexicon of the Old Testament. Clarendon Press.
Günther, S. (2002). Muḥammad, the illiterate prophet: An Islamic creed in the Qur an and Qur anic exegesis. Journal of Qur anic Studies, 4(1), 1–26. https://doi.org/10.3366/jqs.2002.4.1.1
Ibn Kathīr, I. (n.d.). Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm. Tafsīr of Q. 2:78 and Q. 62:2.
Sinai, N. (2023). Key terms of the Qur an: A critical dictionary. Princeton University Press. https://doi.org/10.1515/9780691241326
#يونس_بوسعيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟