|
|
الثورة البرجوازية: الثورة الديمقرطية البرجوازية والثورة الوطنية الديمقراطية البرجوازية
شادي السمعلي
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 16:13
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الرفيق ستالين: " إذا كان حزبنا قد نجح في تكوين وحدته الداخلية، وتكوين التماسك الذي يسود صفوفه بصورة لم يسبق لها مثيل، فذلك يعود قبل كل شيء إلى أنه استطاع أن يطهر نفسه، في الوقت المناسب، من دنس الانتهازية، واستطاع أن يطرد من صفوفه دعاة التصفية والمنشفيك. إن الحزب يقوى بتطهير نفسه من العناصر الانتهازية."
في هذه الرسالة - تجميع لنصوص كتبت سلفا لتوضيح الموقف - الموجهة إلى أحد الرفاق الشيوعيين في المبادرة الشيوعية في الدولة الاسبانية على توضيح الموقف من الثورة البرجوازية وأزعم استعمال هذا المفهوم اللينيني باستخدام الكلمة (برجوازية) ودفاعا عن الثورة البرجوازية كمحطة تاريخية لا يمكن القفز عليها خلافا للتحريفيين التروتسكيين خاصة وقد ارتأيت أن أوضح الموقف انطلاقا من: هل يصح الحديث عن الثورة البرجوازية - المهام الوطنية - المهام الديمقراطية - اهمية الحريات السياسية؟ هل يمكن للماركسي اللينيني أن ينكر مهام الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية ذات الأفق الاشتراكي في الدول المستعمرة وأشباه المستعمرات؟ وهل التطور الاقتصادي في المغرب يغنيه عن هذه المهام الوطنية الديمقراطية ؟ سنفسر في ذلك لاحقا.
مقدمات أولية: مجرد الدفاع عن استخدام مفهوم الثورة البرجوازية
علمتنا الماركسية اللينينية أن الشعارات والمواقف مهما قد تكون لامعة ثورية راديكالية فهي إذا لم تكن علمية تنطلق من الشروط الموضوعية والذاتية فهي تظل مجرد عبارات جوفاء تروم الموقف الإصلاحي، ونعلم علم اليقين كيف تشتغل الصبيانية البرجوازية الصغيرة داخل الحركة العمالية وهي مصابة بمرضيات مزمنة تستدعي منا كشيوعيون عملا يوميا لإزالة العوالق المرضية التي قد تصيبنا في خظم عملنا النضالي الثوري، وذلك لكي تنتقل إلينا العدوى عدوى الشعارات ولنتشبت بوعي بالمفاهيم العلمية في الماركسية اللينينية دون ذلك سنكون في عداء لعلم الثورة للعلم الماركسي اللينيني.
وأنطلق في هذا الجزء الأول بتوضيح الموقف الذي لم نتفق عليه خلال دردشتنا، بل تم إنكار وجوده تماما في الأدبيات الماركسية اللينينية، وخلافا لهذا الإنكار أستحظر بعض النصوص للرفيق لينين.
في الطبعة العربية لدار التقدم موسكو، المجلد 3 الصفحة 13-14 ينتقد لينين ينتقد الشعبيين (النارودنيين) يقول: "إنهم يؤيدون القيام فورا بثورة اشتراكية .. انهم لا يقرون بأي حرية سياسية برجوازية" وعن حركة الفلاحين يشرحها لينين كونها "حركة ديمقراطية وهي الرفيقة الملازمة للثورة الديمقراطية، التي هي ثورة برجوازية من حيث مضمونها الاجتماعي". ويقول: إن انتصار الانتفاضة الفلاحية، التام لن يؤدي إلا ايجاد اساس لجمهورية برجوازية ديمقراطية يتطور فيها لأول مرة، نضال البروليتاريا ضد البرجوازية بكل نقاوته…
في الطبعة العربية لدار التقدم موسكو، المجلد 3 المجلد الصفحة 108 : أضواء على مسألة الثورة الوطنية العامة. يقول الرفيق لينين : ".. الثورة البرجوازية الروسية شأنها شأن كل ثورة برجوازية تبدأ حتما تحت الشعار العام «الحرية السياسية» «مصالح الشعب» علما بأن اهمية هذين الشعارين الملموسة لا تتضح للجماهير والطبقات إلا في سياق النضال ، إلا بقدر ما تقوم محاولة عملية لتطبيق هذه «الحرية» ، املاء هذا الشيء التافه ، وان كلام مثل «الديموقراطية» بمضمون محدد فقبل الثورة البرجوازية وفي بدايتها يتحرك الجميع باسم الديموقراطية البروليتاريا ، والفلاحون مع العناصر البرجوازية الصغيرة في المدن ، والبرجوازيون الليبيراليون مع الملاكين العقاريين الليبيراليين ولا يتكشف الفهم المختلف لهذه «الديموقراطية» من قبل مختلف الطبقات الا في سياق النضال الطبقي ، الا في سياق تطور الثورة تطورا تاريخيا مديدا الى هذا الحد او ذاك .
في الطبعة العربية لدار التقدم موسكو، المجلد 3: ملكية الأرض القروسطية والثورة البرجوازية. ص202، يتحدث لينين عن الظروف التي قد تجبر صغار المالكين على المطالبة بتأميم الأرض يشرح لينين في ورقة كاملة مستشهدا بماركس عن الظروف التي قد تؤدي إلى ما يسميه لينين الانقلاب البرجوازي الديمقراطي الزراعي الروسي.
في الطبعة العربية لدار التقدم موسكو، المجلد 5 ص 156، ينتقد لينين تصور روزا لوكسامبورغ التي تخلط بين البرامج الماركسية في البلدان الرأسمالية في الدول العصرية والبرامج الماركسية في الدول الأقل تطورا تاريخيا، يتحدث لينين بوضوح دائم عن عملية التحويل الديمقراطي البرجوازي، وفي مجال الزراعة يقول : إنه أمر لا مجال لبحثه اطلاقا في الأقطار الغربية. وعن مسألة القوميات مثلا يقول : فقد تم حلها في معظم البلدان الغربية منذ أزمان بعيدة ومن السخافة أن تطلب في برامج الغرب معالجة قضايا ليس لها وجود، وهنا غاب عن روزا الفارق بين البلدان التي تمت فيها تحولات البرجوازية الديمقراطية، وبين البلدان التي لم ينته فيها ذلك بعد… "لقد شمل عهد الثورات البرجوازية الديمقراطية في أوروبا الغربية، القارية، فترة معينة الى حد ما من الزمن تمتد تقريباً من عام ١٧٨٩ الى عام ١٨٧١ فكانت تلك الفترة هي الحقبة التي ظهرت فيها حركات قومية ونشأت خلالها دول قومية وقد تحولت أوروبا الغربية في نهاية تلك الحقبة الى نظام متكامل مؤلف من دول برجوازية، هي كقاعدة عامة، دول موحدة من الناحية القومية"... "أما في أوروبا الشرقية وآسيا فلم يبدأ عهد الثورات البرجوازية الديمقراطية إلا في عام ١٩٠٥ فالثورات التي نشبت في روسيا وايران وتركيا والصين والحروب التي وقعت في البلقان، تشكل سلسلة الاحداث العالمية التي شهدها عصرنا ، وكان «شرقنا» مسرحاً لها والاعمى وحده لا يرى في تلك السلسلة من الاحداث انطلاق طائفة كاملة من الحركات القومية البرجوازية الديمقراطية، وانبثاق الميول الرامية الى انشاء دول مستقلة وموحدة من الناحية القومية".
إن إنكار المهام التي يمسيها لينين حرفيا برجوازية هو إنكار مطلق ل ألف باء الماركسية اللينينية، وهو ما يروج بشكل خطير في الأوساط الشيوعية الأوروبية، تكون مهمتنا كشيوعيون هو الحسم النظري في العدة المفاهيمية للماركسية اللينينية متحلون بقدرة جبارة على القيام بنقد ذاتي كلما أدركنا أننا لسنا على صواب، وهو ما سأقوم به في الرسالة الثانية التي سأبعثها لك أيها الرفيق حول التصنيفات الطبقية - البروليتاريا -البروليتاريا الصناعية - البرجوازية الصغيرة- أدركت أني قتفوهت ببعض الأخطاء خلال الدردشة التي سأعمل على تصحيحها في الرسالة الثانية، وعودة إلى نقاشنا حول الثورة البرجوازية أرى من المهم أن أستمر في وضع بعض اللبنات الأساسية حول الفارق بين الثورة البرجوازية والثورة الاشتراكية، ولفهم هذا الفارق لابد من فهم الفارق بين الثورتين الثورة الديمقراطية البرجوازية والثورة الوطنية الديمقراطية - البرجوازية - ذات الأفق الاشتراكي.
أولا الفارق بين مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية ومرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي.
الثورة الديمقراطية البرجوازية
معلوم أن مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية، هي المرحلة التاريخية من تطور البشرية التي نشأت فيها العلاقات الرأسمالية وتطورت، وتشكلت فيها البرجوازية كطبقة اجتماعية - كما أوضحنا في بعض المقتطفات في النص أعلاه للرفيق لينين - وشرعت في خوض نضال سياسي ضد نظام القنانة الإقطاعي القروسطي، من أجل افتكاك السلطة السياسية بعد أن طورت وسائل الإنتاج والقوى المنتجة عموما، وسيطرت على شرايين الاقتصاد وقامت بثورة علمية وتكنولوجية وثقافية هائلة. ولكن البرجوازية وجدت أمامها عراقيل جمة تمثلت في سيطرة طبقة الاقطاعيين الماسكة بزمام السلط المدافعة بشكل مستميت على العلاقات الإقطاعية البائدة الرجعية السائدة والساعية بكل الطرق للتمديد في أنفاسها. إن هذا الوضع المعطل على جميع المستويات لتطور القوى المنتجة والعلاقات الرأسمالية المتشكلة في رحم النظام الاقطاعي هو الذي جعل موضوعيا البرجوازية تطرح المسالة الديمقراطية، ومن ضمنها مطلب الحريات السياسية كمهمة مركزية مباشرة يجب إنجازها، ولذلك سميت هذه الثورة بالثورة الديمقراطية البرجوازية. فشعار الحريات السياسية كما رفعته البرجوازية الناشئة في تلك الفترة يعتبر تكتيكا سليما لأنه ليس مطلبا برجوازيا فحسب بل وجماهيريا أيضا إضافة إلى مطلب توزيع الأرض على الفلاحين، ولأنه يندرج ضمن المهمة الرئيسية المباشرة المطروحة للتحقيق أي المسألة الديمقراطية بمعنى القضاء على الاستبداد الإقطاعي وبناء الدولة البرجوازية والقيام بالإصلاح الزراعي الخ.... إن الحريات السياسية كما طرحت في الثورة الديمقراطية البرجوازية كانت تعني بالنسبة إلى البرجوازية كما أشرنا إلى ذلك أعلاه حرية الملكية والاستغلال والتجارة وحرية التعبير والاجتماع والتنظم، وكل هذه الحريات تحتاج إليها البرجوازية من أجل توسيع نشاطها الاقتصادي والسياسي بهدف افتكاك السلطة وتركيز نظامها الرأسمالي وتعميمه بشكل نهائي في المستوى المحلي في مرحلة أولى وعلى الصعيد العالمي لاحقا. وكان مطلب إقرار الحريات السياسية آنذاك ممكن التحقيق لعدة أسباب نذكر منها: - إن البرجوازية التي رفعت ذلك الشعار كانت قد تغلغلت بشكل كبير في شرايين الاقتصاد داخل المجتمعات التي نشأت فيها وتطورت، وبالتالي فقد أصبحت قوة مادية لا يستهان بها قادرة على فرض عدة مطالب ومن بينها الحريات. - اندلاع انتفاضات الفلاحين آنذاك في مناطق عديدة من العالم وإفلاح البرجوازية في توظيفها من أجل الحصول على تنازلات من قبل طبقة الاقطاعيين الماسكة بزمام السلطة. - ضعف طبقة الاقطاعيين اقتصاديا وسياسيا باعتبارها طبقة آيلة - في مرحلة انهيار الإقطاعية- إلى الزوال أمام قوة البرجوازية الصاعدة الهائلة وأمام المد الثوري لحركة الجماهير الشعبية. وإن حالة الضعف والوهن التي أصبحت تعيشها هذه الطبقة أجبرتها على القيام بتنازلات أمام البرجوازية والجماهير الشعبية العمالية والفلاحية منها بالخصوص في محاولة للتمديد في أنفاسها. - استعداد البرجوازية الصاعدة الثورية آنذاك – في إطار خدمة مصالحها - للقيام بانتفاضات شعبية وحتى ثورات من أجل فرض الحريات السياسية، وهو ما تم بالفعل في مناطق عديد من العالم كفرنسا وألمانيا على سبيل الذكر.
- لاتوجد في تلك المرحلة معرقلات خارجية ذات شأن يمكن أن تعطل إضافة إلى العامل الداخلي (النظام الإقطاعي) تحقيق شعار الحريات السياسية، عامل خارجي كالذي تمثله اليوم الامبريالية العالمية.
- كانت البرجوازية في تلك الفترة طبقة تقدمية بإمكانها إقرار الحريات العامة والفردية من وجهة نظرها وبالخصوص تحت ضغط الجماهير الثوري.
واعتبارا لكل ذلك فإن الثورات الديمقراطية البرجوازية هذه، وهي ثورات ديمقراطية برجوازية من النمط القديم، لم تقم تقريبا إلا في البلدان الرأسمالية التقليدية أي تلك التي عاشت تحولا اجتماعيا طبيعيا من الإقطاعية إلى الرأسمالية بمرحلتيها التنافسية الحرة أو الاحتكارية الامبريالية كانجلترا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان الخ.. وقد أفلحت الجماهير الشعبية المنتفضة في تلك الأقطار بقيادة البرجوازية في إقرار الحريات العامة والفردية في مفهومها ومحتواها البرجوازيين والتي تبقى دائما حريات شكلية بالنسبة إلى الجماهير الكادحة والمفقرة وحريات فعلية بالنسبة إلى البرجوازية والأغنياء عموما. ولذلك يوجد اليوم في تلك البلدان هامشا محدودا من الحريات التي تمكن الجماهير إلى حد ما من التعبير والتجمع والتظاهر والتنظم ولكن ذلك مشروط بعدم المساس بالملكية الخاصة وبالنظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي القائم، بمعنى عدم الشروع في التغيير الفعلي للسائد الذي يخدم مصالح الأغنياء. فعندما تبقى الحريات في تلك المجتمعات في حدود الشكليات، أي عندما تبقى الشعارات والمطالب الديمقراطية أو الاشتراكية معزولة عن الحركة المادية الثورية الفعلية، غير مقرونة بالتغيير المادي الفعلي للمجتمع، فإن البرجوازية "تسمح" إلى حد ما بذلك لامتصاص الغضب الشعبي، أما إذا تعلق الأمر بتغيير السائد تغييرا ثوريا فعندها تقمع الحريات الشكلية منها قمعا وحشيّا يمكن أن يتطوّر إلى الحرب الأهلية.
الثورة الوطنية الديمقراطية نمط جديد من الثورة الديمقراطية البرجوازية
لقد ظهرت هذه الاستراتيجية الثورية مع ظهور الاستعمار في شكله المباشر وغير المباشر وتطوره، وأصبحت طريقة التغيير الثوري الوحيدة للوضع الاجتماعي الواجب إتباعها في المستعمرات وأشباهها. فبإحكام الاستعمار القديم أو الجديد وعملائه قبضتهم الحديدية على البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة برز إلى الوجود تناقض جديد لم يكن موجودا في مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية التقليدية، هو التناقض بين الامبريالية ووكلائها المحليين من جهة والشعب بمختلف طبقاته المستغلة والمضطهدة وفي مقدمته الطبقة العاملة من جهة أخرى. إن هذا التناقض أصبح عائقا يحول دون تحقيق المهام الديمقراطية التي جوهرها الإصلاح الزراعي والقضاء على بقايا العلاقات الإقطاعية ثم تحرير المرأة والمساواة التامة بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات، وفي آخر المرحلة الديمقراطية إطلاق الحريات العامة والفردية بالنسبة إلى الجماهير الشعبية. وبالتالي فان المسألة الديمقراطية في ظل الوضع الاستعماري لم تعد المهمة المركزية المباشرة المطروحة للإنجاز كما هو الحال في الثورة الديمقراطية البرجوازية، لقد أصبحت المهمة الرئيسية تتمثل في إنجاز المسألة الوطنية أي مهمة القضاء على الاستعمار وعملائه (طبقة الكمبرادور والإقطاعيين) في المستعمرات وأشباهها، أو بمعنى آخر حل التناقض الرئيسي الذي يشق المجتمع المستعمر أو شبه المستعمر بين الامبريالية من جهة والشعب من جهة ثانية. لقد أصبحت مهمة التحرر الوطني في الظروف الجديدة شرطا لا غنى عنه لإنجاز المهام الديمقراطية. إن المطالبة بإقرار الحريات العامة والفردية في المستعمرات وأشباهها - وهي جزء من المسألة الديمقراطية- واعتبارها مهمة مركزية مباشرة يعني موضوعيا في المستوى النظري والعملي تسبيق المهام الديمقراطية على المهام الوطنية وهذا أمر غير قابل للتحقيق لأن الاستعمار والأنظمة الرجعية العميلة الحاكمة في تلك الأقطار ستمنع بكل الوسائل الديماغوجية منها والبوليسية والعسكرية إنجاز المهام الديمقراطية وسترفض بالتالي إقرار الحريات السياسية حفاظا على وجودها وعلى مصالحها. فإقرار الحريات السياسية بمعنى حرية التعبير والصحافة والتنظم والتجمع والتظاهر الخ.. من قبل الامبريالية التي تستغل الشعب وتنهب خيراته وثرواته الطبيعية وتوظف المجتمع لتصدير رؤوس أموالها وبضائعها يعني بالضرورة تمكين جماهير الشعب وقواها الثورية المناضلة من سلاح فعال للنضال ضدها من أجل الإطاحة بها وهو أمر لا يمكن أن يقبله إنسان مناضل لم يفقد بوصلته الطبقية والثورية ولم يتخل عن قناعاته الماركسية اللينينية المنحازة للجماهير الشعبية ولم يخالج فكره يوما ما وهم حول طبيعة الامبريالية والأنظمة العميلة القمعية الدموية الحاكمة في المستعمرات وأشباهها.
خلاصة: ففي المجتمعات الإقطاعية طرحت الثورة الديمقراطية البرجوازية، وكانت المهام الثورية الرئيسية المطروحة للإنجاز هي المهام الديمقراطية ومنها الحريات السياسية. أما الثورة الوطنية الديمقراطية فطرحت في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة وقد احتلت مهمة التحرر الوطني وافتكاك السلطة السياسية صدارة اهتمامات الحركات الوطنية التحررية لأنه دون التحرر الوطني لا يمكن حتى مجرد الحديث لا عن الحريات ولا عن الديمقراطية، ولذلك سميت هذه الثورة بالثورة الوطنية الديمقراطية، وكل من يعمل على جر الجماهير إلى الانخراط في معزوفة ما يسمى بالنضال من أجل إقرار الحريات العامة والفردية في مرحلة التحرر الوطني كشرط للعمل السياسي التنظيمي الهادف إلى التغيير الاجتماعي فإنه لا يفعل سوى المساهمة في تضليل الجماهير شأنه شأن من يريد القفز على هذه الثورة نحو الثورة الاشتراكية و دفعها في طريق مسدود ينتهي بجرها إلى فلك النظام اللاوطني اللاديمقراطي اللاشعبي والامبريالية.
البروليتاريا تقود الثورة البرجوازية
إن الثورة الوطنية الديمقراطية كما أكدنا سابقا باعتبارها نمط جديد من الثورة البرجوازية في عصر الامبريالية لن تنجز تحت قيادة البرجوازية المحلية عكس ما حدث في الثورات الديمقراطية السابقة لأن هذه الشريحة انتهى دورها في التاريخ بحكم ارتباطها بألف خيط بالإمبريالية العالمية ومن بين هذه الخيوط تمسكها ودفاعها على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ومنتوج العمل والخوف من المد الثوري العمالي الذي سيقضي على هذه الملكية. لقد أصبحت الطبقة العاملة، باعتبارها الطبقة الوحيدة الثورية للنهاية، هي المخولة تاريخيا لقيادة الثورة الوطنية الديمقراطية والسير بها نحو الاشتراكية ولذلك يقوم الماركسيون اللينينيون الدعاية للثورة الوطنية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي.
الفرق الكمي بين مرحلة التنافس الحر والرأسمالية في مرحلة الاحتكار يحدد الفرق بين مضموني الثورتين البرجوازيين: الديمقراطية البرجوازية والوطنية الديمقراطية
يقول لينين: الامبريالية هي عهد الرأسمال المالي والاحتكارات التي تحمل في كل مكان النزعة إلى السيطرة، لا إلى الحرية. ونتائج هذه النزعة هي الرجعية على طول الخط في ظل جميع النظم السياسية وتفاقم التناقضات لأقصى حد كذلك في هذا الحقل. يشتد بوجه خاص كذلك الظلم القومي والميل إلى الإلحاق، أي الاعتداء على الاستقلال الوطني... فالامبريالية هي اقتصاديا أعلى درجة لتطور الرأسمالية، وهي بالذات تلك الدرجة التي أصبح فيها الإنتاج كبيرا وكبيرا جدا لحد حلول الاحتكار محل حرية المنافسة. وبذلك يتجلى الجوهر الاقتصادي للإمبريالية. ويتجلى الاحتكار على حد السواء في التروت ساتو السنديكات والخ، وفي جبروت البنوك وفي شراء مصادر الخامات والخ، وفي تركز الرأسمال المالي وهلم جرا. فالأمر كله مقتصر على الاحتكار الاقتصادي.
إن البناء الفوقي السياسي على الاقتصاد الجديد، أي على الرأسمالية الاحتكارية هو انعطاف من الديمقراطية إلى الرجعية السياسية. فالديمقراطية تقابل المنافسة الحرة والرجعية السياسية تقابل الاحتكار. ففي السياسة الخارجية والداخلية على حد السواء تسعى الامبريالية إلى خرق الديمقراطية والى الرجعية. ومما لا جدال فيه بهذا المعنى أن الامبريالية هي "نفي" الديمقراطية عموما، والديمقراطية بكاملها، وليست أبدا نفيا لواحد من متطلبات الديمقراطية، ألا وهو تقرير المصير.
في الطبعة العربية لدار التقدم موسكو، المجلد 6، ص 37 يقول لينين: ...ومن فادح الخطأ الاعتقاد أن النضال في سبيل الديمقراطية يمكن أن يصرف البروليتاريا عن الثورة الاشتراكية أو أن يكشف هذه الثورة أو يحجبها... إلخ، بل الأمر على العكس. فكما أنه يستحيل انتصار الاشتراكية إذا لم تحقق الديمقراطية الكاملة، كذلك لا تستطيع البروليتاريا أن تستعد للتغلب على البرجوازية إذا لم تشن نضالا ثوريا شاملا، دائبا، صادقا، في سبيل الديمقراطية. ومن فادح الخطأ أيضاً حذف فقرة من فقرات البرنامج الديمقراطي كفقرة حق الأمم في تقرير مصيرها، مثلا، بحجة أن هذا الحق كما يزعم "غير قابل للتحقيق" أو "وهمي" في ظل الإمبريالية. فالزعم أن حق الأمم في تقرير مصيرها غير قابل للتحقيق في نطاق الرأسمالية، يمكن فهمه إما بمعناه المطلق، الاقتصادي، وإما بمعناه الاصطلاحي، السياسي".
في كتاب عن الامبريالية والامبرياليين. نصوص مجمعة للرفيق لينين. طبعة دار التقدم موسكو 1974 الصفحة (84 / 90 / 91 /92 / 95 / 96 / 97 / 87.) "ولأن الامبريالية تنكر الديمقراطية في المسألة القومية: وتعني أن الامبريالية تسعى إلى خرق هذه الديمقراطية، إن تحقيق الديمقراطية في ظل الامبريالية صعب بنفس قدر وبنفس معنى صعوبة تحقيق الجمهورية والمليشيا وانتخاب الشعب للموظفين وهلم جرا في ظل الإمبريالية بالمقارنة مع رأسمالية ما قبل الاحتكار.. إن التناقض بين الامبريالية والجمهورية هو تناقض بين اقتصاد الرأسمالية الحديثة الاحتكارية بالذات وبين الديمقراطية السياسية عموما، الامبريالية تناقض مجمل الديمقراطية السياسية.. إن الجمهورية الديمقراطية تناقض الرأسمالية "منطقيا"، إذ أنّها تساوي "رسميا" بين الغني والفقير. وذلك هو التناقض بين النظام الاقتصادي والبناء الفوقي السياسي. ولدى الجمهورية مع الامبريالية نفس التناقض معمقا أو مشددا بكون حلول الاحتكار محلّ المنافسة الحرة يخلق "صعوبات" أكبر أمام تحقيق أية حريات سياسية.. إن كافة مطالب الديمقراطية "مستحيلة التحقيق" في ظل الامبريالية بمعنى صعوبة التحقيق سياسيا أو استحالته دون جملة من الثورات."
يشير لينين إلى أن الرأسمالية مرت بمرحلتين:
- المرحلة التقدمية التي وصلت فيها البرجوازية إلى السلطة السياسية وقامت فيها بدور ثوري في التاريخ حيث قامت بتغييرات جذرية للعلاقات الإقطاعية السائدة في المجتمعات التي حكمتها الأنظمة الاستبدادية المبنية على القنانة لمدة طويلة. في تلك الفترة التقدمية من تاريخ البرجوازية والتي عرفت بمرحلة التنافس الحر في المستوى الاقتصادي وبالجمهورية الديمقراطية في المستوى السياسي دافعت البرجوازية - في إطار مقاومة الاستبداد الإقطاعي وفي حدود الدفاع على مصالحها - على الحريات السياسية والديمقراطية عموما و"كرستها" - بعد استيلائها على السلطة السياسية - في مضمونها الشكلي باعتبارها رفعت شعار المساواة بين الناس ولكنها لم تمارسه عمليا. لقد حافظت البرجوازية على الفوارق الطبقية والاجتماعية عموما في الملكية والثروة، وهي بذلك غلقت الباب عمليا أمام المساواة الفعلية (بمعنى إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ومنتوج العمل أي إلغاء الطبقات) وبالتالي أمام الحريات الفعلية وأمام الديمقراطية الحقيقية، وإن أقرتها في مستوى الشعار بالنسبة إلى الشعب واحتكرتها للأغنياء في المستوى العملي. ففي هذه المرحلة مرحلة نشوء البرجوازية وتطورها فرض هامش من الحريات السياسية تحت تأثير نضالات الطبقة العاملة وانتفاضات الفلاحين وحركة البرجوازية الثورية الصاعدة التي تصدرت قيادة الثورات الديمقراطية من أجل الإطاحة بالأنظمة الإقطاعية المعرقلة لنمو القوى المنتجة والعلاقات الرأسمالية، حيث وقع إقرار حرية التعبير والتجمع والتظاهر والتنظم وحق الانتخاب، الحريات البرجوازية بصفة عامة ولكن في حدود عدم المساس بنظام الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ولمنتوج العمل وبالتالي في إطار المحافظة على السائد الذي أرسته البرجوازية والذي يخدم مصالحها على حساب الطبقة العاملة وعموم الكادحين، في هذه المرحلة كان النضال من أجل إقرار الحريات السياسية أمرا ممكنا إذ كانت الظروف التاريخية المحلية والعالمية تسمح بذلك في الأقطار التي عاشت الثورة الديمقراطية البرجوازية من النمط القديم.
- المرحلة الرجعية من تاريخ البرجوازية في المجتمعات الرأسمالية وهي مرحلة سيطرة الاحتكارات والطغم المالية وتحول الرأسمالية إلى امبريالية وإحكام السيطرة على العمال والشعوب المضطهدة في العالم. إن هذا يعني في المستوى السياسي إحياء كل ما هو رجعي ومتخلف والتراجع حتى عن الحريات الشكلية التي وقع إقرارها داخل البلدان الرأسمالية وتضييقها إلى أبعد الحدود وصل حد قمع المظاهرات بوحشية . في ألمانيا فقد قضت النازية منذ ثلاثينات القرن الماضي على كل حركة سياسية واتخذت من الإرهاب المكشوف ضد الطبقة العاملة وسيلة للحكم وللسيطرة السياسية، وتزييف الانتخابات (تدليس نيكسون الرئيس الأمريكي للانتخابات الرئاسية فيما عرف بقضية "واترقايت"). وكذلك قمع التحركات الشعبية الداعمة لشعبنا في فلسطين في كل من أوروبا والولايات المتحدة إثر حرب الإبادة الأخيرة التي انطلقت منذ 2023. أما في المستعمرات وأشباهها فإن الامبريالية وعملاءها المحليين منعوا بوسائل مختلفة أبسط الحريات والحقوق ولجأوا إلى القمع البوليسي والعسكري الوحشي والإرهاب والاغتيالات وتدبير الانقلابات العسكرية ... كلما قامت في تلك الأقطار حركة وطنية ديمقراطية نيرة مهما كانت بسيطة وقاموا بحل حتى أحزاب الديكور السياسي التي أنشأوها وكذلك المنظمات والجمعيات الإصلاحية والحقوقية. ففي المستعمرات وأشباهها لم ولن تسمح الامبريالية - والأنظمة العميلة الحاكمة هناك - من منطلق الدفاع على وجودها ومصالحها بوجود الحريات السياسية حتى في حدها الأدنى الشكلي الذي وجد في المجتمعات الرأسمالية لأن أي هامش من الحريات يمكن أن يفسح المجال أمام الحركات الثورية المناهضة للامبريالية والرجعية ويوفر لها الظروف الملائمة من أجل خوض النضال وتوسيعه ليشمل كل مجالات النشاط الثوري وبناء قاعدتها الجماهيرية الواسعة من أجل انفصال تلك الأقطار عن الامبريالية العالمية وحصولها على الاستقلال الوطني الفعلي. وإن استقلال المستعمرات وأشباهها في مرحلة الامبريالية المبني على أسس الاشتراكية العلمية يعني بالضرورة انهيار النظام الرأسمالي برمته وموت البرجوازية العالمية. وهذا أمر لم ولن يسمح به معسكر الامبريالية العالمية الذي لن يتردد لحظة واحدة ليس فقط في منع وجود ظروف سياسية واجتماعية تسهل عملية التحرر الوطني بل وفي إبادة شعوب بأكملها من أجل منع تلك الشعوب من الحصول على حقها في الانفصال وتقرير المصير،وهذا ما أكدته على سبيل الذكر تجربة الجزائر، مذابح النازية والفاشية في جل مناطق العالم وهذا ما تؤكده أيضا حرب الإبادة الجماعية في فلسطين والحروب المفتعلة في العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا والتشاد والانقلابات بدول الساحل..
وفي المغرب حيث يقوم النظام اللاوطني اللاديمقراطي اللاشعبي العميل ومن ورائه الامبريالية بعرقلة كل الظروف والإمكانيات التي تسهل أمام الجماهير الشعبية وقواها الثورية المناضلة تحقيق تحررها الوطني وبناء الاشتراكية، من خلال مصادرة أبسط الحريات وقمع كل نفس وطني وحركة نضالية مهما كانت محدودة بوسائل مختلفة البوليسية منها والعسكرية وبالوسائل المخابرتية و"القانونية كما أشرنا إلى ذلك أعلاه. ففي المستعمرات وأشباهها يضيق، بل ينعدم مجال الحريات لان الاستعمار في شكله المباشر وغير المباشر لايمكن أن يتيح الإمكانية للقوى المضادة له كي تنشط من أجل طرده. وقد تمكنت بعض الأحزاب البرجوازية الصغيرة الإصلاحية من تأشيرة النشاط السياسي القانوني ضمن القوانين السائدة والحدود التي تسمح بها الأنظمة العميلة الحاكمة، مثل حزب (النهج الديمقراطي العمالي) وتحل هذه الأحزاب بالضرورة إذا اندرج نشاطها في إطار التنطع. وقد "يسمح" لتلك الأحزاب بانتقاد تلك السلطة في أطار الدمغجة على الجماهير ولتضليلها سياسيا وللتغطية على عمالة تلك الأنظمة التي تقودها تلك السلطة، ولكن دون أن يصل ذلك حد المساس بمصالح الامبريالية والطبقات الرجعية العميلة لها. إن ما هو مسموح به لتلك الأحزاب لا يعدو أن يكون شكلا للاحتواء والتدجين من نوع منحها التأشيرة القانونية أو السماح لها بإصدار جريدة أو مجلة. إن هذه الأحزاب لا تعادي الامبريالية والأنظمة العميلة، بل هي تتفق معها في جوهر سياستها و"تختلف" معها اختلافا ثانويا حول مسائل تتعلق بالحريات أو بعض التجاوزات أو سوء التصرف أو حول الكراسي في البرلمانات الرجعية أو الحقائب الوزارية، وغالبا ما تستفيد الدوائر الامبريالية من وجود تلك الأحزاب في أطار ما يسمى بالتعددية السياسية من أجل إضفاء طابع ديمقراطي مزيف على الأنظمة العميلة لها وتلميع صورتها السوداء المظلمة القبيحة.
وعلى عكس المرحلة السابقة مرحلة رأسمالية المنافسة الحرة فإن المرحلة الحالية من تطور الرأسمالية، مرحلة سيطرة الاحتكارات، مرحلة الامبريالية وتحول الرأسمالية من مضمونها الاقتصادي والسياسي التقدمي إلى الاحتكار والرجعية السياسية على طول الخط، لم يعد ممكنا في المستعمرات وأشباهها إنجاز المهام الديمقراطية ومن بينها الحريات السياسية كمسألة مركزية مباشرة، لم يعد انجاز المهام الديمقراطية ممكنا قبل انجاز المهام الوطنية المتمثلة أساسا في الإطاحة الثورية بالامبريالية وعملائها وافتكاك السلطة السياسية. في هذه المرحلة يصبح انجاز التحرر الوطني من ربقة الاستعمار بمختلف أشكاله ومن عملائه عبر الانتفاضات والثورات شرط لإنجاز المهام الديمقراطية وإقرار الحريات السياسية من منظور الطبقة العاملة.
عودة إلى الثورة الديمقراطية البرجوازية والثورة الوطنية الديمقراطية البرجوازية
لقد طرح البلاشفة شعار الحريات السياسية خلال الثورات الديمقراطية البرجوازية في سنة 1905 وفي فيفري سنة 1917 وهي ثورات ديمقراطية برجوازية من النمط القديم وقعت في ظل نظام قيصري أوتوقراطي استبدادي وجد فيه مزيج من علاقات الإنتاج الإقطاعية والرأسمالية وحتى العبودية. إن النظام القيصري الحاكم في روسيا آنذاك كان نظاما إمبراطوريا له استقلاليته الاقتصادية والسياسية بمعنى لم يكن خاضعا للسيطرة الاستعمارية للدول الامبريالية التقليدية كما كان الحال ولا يزال بالنسبة إلى المستعمرات وأشباهها، وبالتالي فان الحركة الديمقراطية البرجوازية الثورية المدعومة من قبل حركة الطبقة العاملة والفلاحين كانت تهدف بالدرجة الأولي في ظل عدم خضوع روسيا للسيطرة الاستعمارية للدول الامبريالية إلى تحقيق المهام الديمقراطية ومنها إقرار الحريات السياسية. وكان لكل طبقة من طبقات المجتمع الروسي المستغلة والمضطهدة أهدافها الخاصة من عملية انجاز المهام الديمقراطية. فالهدف المشترك يتمثل في الإطاحة بالأطوقراطية القيصرية التي تعيق تطور المجتمع نحو الرأسمالية والاشتراكية. أما البرجوازية الثورية فتهدف من وراء الدفاع عن الديمقراطية إلى السيطرة على السوق المحلية وتعميم تركيز العلاقات الرأسمالية وبناء نظام الملكية الخاصة الرأسمالية والسعي إلى توظيف حركة الفلاحين والطبقة العاملة من أجل بلوغ ذلك الهدف مع العمل بكل الوسائل على التحكم في تلك الحركات حتى لا تهدد السيطرة البرجوازية، ويفلت زمام الأمور من يديها ويقع منعها من الوصول إلى السلطة السياسية أو إزاحتها منها.
إن النضال من أجل الحريات السياسية كان يعني بالنسبة إلى البرجوازية حرية الملكية والاستغلال والتجارة وتوظيف رؤوس الأموال وهذا لن يتم إلا بحرية التعبير والتنظم وبالقضاء على النظام القيصري الممثل لطبقة النبلاء بالدرجة الأولى. وبالنسبة إلى الفلاحين تعني الديمقراطية بالأساس وضع حد للاستبداد الإقطاعي ولنظام القنانة والحصول على ملكية الأرض وتطوير وسائل وأشكال استغلالها وتحسين ظروف الحياة عموما. وترمي الطبقة العاملة من وراء رفع شعار الحريات السياسية إلى تسهيل عملية القضاء على النظام الإقطاعي الذي يعرقل تطور المجتمع نحو الرأسمالية ومن ثم نحوالاشتراكية والى توظيف هامش الحريات الذي سيحقق بالثورة الديمقراطية البرجوازية من أجل تحسين ظروف وشروط نضال البروليتاريا ضد البرجوازية والنظام الرأسمالي بهدف التحويل الثوري للمجتمع من العلاقات الرأسمالية الاستغلالية النهابة إلى العلاقات الاشتراكية.
وبالرغم من توفر جملة من الشروط التي تسهل ذلك، فان إقرار الحريات السياسية آنذاك لم يكن ممكنا إلا بواسطة الانتفاضات الشعبية وتحولها إلى ثورات عارمة، وذلك ما تم بالفعل من خلال ثورة فيفري 1917 التي أوصلت البرجوازية إلى السلطة بقيادة حكومة لافوف في مرحلة أولى ثم حكومة كيرنسكي كامتداد للأولى. فالمرحلة التي مرت بها روسيا في بداية القرن العشرين باعتبارها مرحلة ثورة ديمقراطية برجوازية تستهدف الإطاحة بالنظام القيصري الذي يمثل أساسا كبار الملاكين العقاريين النبلاء من أجل انجاز المهام الديمقراطية. ثم إن طبيعة النظام الحاكم القيصري الامبراطوري الأوتوقراطي الاستبدادي وعدم خضوع روسيا للسيطرة الاستعمارية للدول الامبريالية بالإضافة إلى سيطرة البرجوازية المحلية على شرايين الاقتصاد الروسي إلى درجة جعلتها قاب قوسين من الثورة الاجتماعية الديمقراطية البرجوازية التي لا مرد لها في ذلك الحين وتأهلها لتسلم السلطة السياسية، ووجود طبقة عاملة قوية ومنظمة في حزب سياسي ثوري بمعنى الحزب البلشفي، كل هذه العوامل المجمعة والمتداخلة جعلت البلاشفة وعلى رأسهم لينين يستغلون الوضع الثوري الذي عاشته روسيا آنذاك ويدفعون في اتجاه تحقيق مطالب الحركة الديمقراطية التي تزعمتها البرجوازية ودافعت عنها الطبقة العاملة والطبقات المضطهدة الأخرى ومنها الحريات السياسية وتوزيع الأرض على الفلاحين ( وفي هذا الصدد تبنى البلاشفة البرنامج الزراعي للحزب الاشتراكي الثوري - حزب الفلاحين -). وكان الظرف التاريخي في روسيا آنذاك مناسبا لتحقيق الحريات السياسية البرجوازية (طبيعة الثورة في روسيا ديمقراطية برجوازية، النظام القيصري الحاكم هو نظام أوتوقراطي في حالة انهيار، ولم يكن نظاما عميلا، لم تكن هناك سيطرة استعمارية على روسيا وضعف العامل الخارجي المعرقل للثورة، البرجوازية المحلية على أبواب الوصول إلى السلطة السياسية بعد سيطرتها على الاقتصاد، انشغال الدول الامبريالية في الحرب العالمية اللصوصية الأولى الخ..). لقد ساعد البلاشفة - وهم يحافظون على استقلاليتهم الفكرية والسياسية والتنظيمية- على انجاز المهام الديمقراطية التي كانت ضرورية جدا من أجل تسهيل الانتقال إلى المرحلة الاشتراكية من الثورة، لأن تحقيق الديمقراطية سيقضي على الإقطاعية المعرقل الأساسي لتطور المجتمع نحو الرأسمالية، وهذه تعتبر خطوة في اتجاه حركة التاريخ الثورية وستستفيد الطبقة العاملة من هامش الحريات السياسية الذي سيتحقق لتنظيم نفسها وتطوير وعيها السياسي والاستعداد للنضال ضد البرجوازية التي سترتد حتما عن الثورة بعد الوصول إلى السلطة السياسية، ولتنظيم جبهتها الثورية من أجل المرور إلى انجاز الثورة الاشتراكية وهو ما تم بالفعل في أكتوبر 1917، أضف إلى كل ذلك أن المرور بالمرحلة الديمقراطية كان في تلك الفترة ضروريا لكشف انتهازية البرجوازية وحقيقة نظامها البرلماني المبني على الديمقراطية المزيفة أمام الجماهير، ولجعل العمال يتأكدون بتجربتهم الخاصّة زيف وعود البرجوازية وخداع شعاراتها وعدم قدرتها على المضي بالمهام الديمقراطية إلى النهاية. فلم يكن النضال – في تلك الظروف الخاصة التي عاشتها روسيا- من أجل إقرار الحريات السياسية أمرا ممكنا فحسب بل وضروريا أيضا.
أما الوضع في أشباه المستعمرات اليوم فيختلف تماما عن الوضع في روسيا القيصرية. ما يعني أنها تخضع كليا لسيطرة القوى الامبريالية ومؤسساتها الاحتكارية المالية منها والاقتصادية خضوعا تاما و الأنظمة الحاكمة هي أنظمة عميلة لأسيادها الامبرياليين. ومن هذا المنطلق فإن الثورة المطروحة ارتباطا بطبيعة المجتمع في القطر الشبه المستعمر ليست ثورة ديمقراطية برجوازية من النمط القديم بل ثورة وطنية ديمقراطية أي ثورة ديمقراطية برجوازية من النمط الجديد ذات الأفق الاشتراكي وهي تتميز بالأساس ببروز مرحلة جديدة من النضال الثوري ارتباطا بظهور الامبريالية وتعميم السيطرة الاستعمارية على العالم، هي مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار ووكلائه المحليين. ولا تسبق هذه المرحلة زمنيا مرحلة الثورة الديمقراطية فحسب بل أصبح إنجازها شرطا لتحقيق المهام الديمقراطية ولذلك فان السياسة التي تقوم بالدعاية إلى "العمل" من أجل إقرار الحريات العامة والفردية قبل إنجاز مهمة التحرر الوطني بالتخلص من الامبريالية والنظام الحاكم العميل أو القفز على المراحل والدعاية لإنجاز الثورة الاشتراكية هي سياسة تسبق المهام الديمقراطية على المهام الوطنية في الحالة الأولى وفي الثانية فهي تسبق المهام الاشتراكية على المهام الديمقراطية ولذلك فهي إصلاحية تلعب أدوارا رجعية وهي تخدم الأنظمة الحاكمة والامبريالية وتؤبد عبودية الجماهير لأعدائها، لمصاصي دمائها.
حول نشوء رأس مال مالي في أشباه المستعمرات التابعة: المغرب نموذجا
بنك "التجاري وفا بنك": مرتبط بمجموعة al mada وهي واحدة من أكبر الهولدينغات الاستثمارية في المغرب، هذه الكثلة المالية تتحكم في wafa assurance وهي من أكبر شركات التأمين في المغرب، لهذا البنك فروع مثل attijari invest, attijari finance , wafa gestion, يشارك البنك في الرساميل الكبرى عن طريق الاستثمار وشراء الأسهم، تمويل الشركات، وعمليات الاندماج والاستحواد. وفي ما يتعلق بالعقار، فالبنك يمول ويستثمر صناعيا في التوزيع التجاري، الطاقة، المناجم، الصناعة الغذائية، الإسمنت… إلخ. وهذا ينطبق على banc of africa و banque centrale populaire.
وسننطلق من ما سبق أن تم عرضه في الصفحات أعلاه حول المهام الوطنية والديمقراطية الضرورية من أجل الثورة الاشتراكية، وخلافا للطروحات التحريفية التروتسكية في المغرب، والتي نادت بتداخل المهام الديمقراطية والاشتراكية، معللة بذلك بالتطور الصناعي والاقتصادي ونشوء الراسمال المالي، لكنهم ينكرون مسائل هامة وقد سبق أن ذكرنا البعض منها: حل المسألة الزراعية، انجاز المهام الديمقراطية التي تشترط انجاز المهام الوطنية، السيادة الاقتصادية، تفكيك التبعية للرأسمال الأجنبي…إلخ، وبدون ذلك يصبح المغرب وغيره من الدول التابعة التي قد تتطور اقتصاديا هي وكلاء للإمبريالية، بمعنى أن التحالف الطبقي المسيطر المشكل من بقايا الإقطاع والبرجوازية الكومبرادورية في هذه الدول يخدم مصالح الإمبريالية في الوطن، ما يؤدي دون إنكار إلى تطور العلاقات الرأسمالية جراء تصدير الرساميل إليها، وعودة على مثال "التجاري وفا بنك" فإنه قد اشترى بنك سينيغالي واستحود على أبناك في مالي، الكوت ديفوار، الكاميرون… الخ. وبحلول 2015 كان حاضرا في 15 دولة أفريقية. والأمر وفق المعطيات المتوفرة فإنه يسري على بنك أفريقيا و البنك المركزي الشعبي، ورغم ذلك فوجود تصدير للرساميل المغربية نحو أفريقيا، لا يسقط تلقائيا المهام الوطنية الديمقراطية، فيمكن لبلد تابع أن يملك برجوازية مالية قوية، وتوسعا إقليميا، ولكن تبقى التبعية البنيوية قائمة، ومن دون قرار اقتصادي مستقل أولا عن البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، من دون القطع مع امدادات التمويل الخارجي، فالرأسمال المالي في المغرب يصبح عائقا أمام التحول الوطني الديمقراطي، فمصالحه مرتبطة بالاستمارات الخارجية، وبكونه في ذيل القوى الامبريالية، لا يشكل أبدا تحالفا معهم اعتبارا لكون موازين القوى بينه وبينهم جد سحيقة، وبالتالي يصبح العميل والوكيل المنفذ للسياسات الإمبريالية في ارض الوطن وفي المنطقة والذي يشارك في حروب الوكالة دفاعا عن الثالوث الإمبريالي الصهيوني الرجعي. ما يجعل الموقف الماركسي اللينيني انطلاقا من ما سبق ومن هذا وذاك أنه لا يوجد أي بديل عن الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية ذات الأفق الاشتراكي إجابة عن التناقض الرئيس بين مصالح حركة التحرر الوطني وبين مصالح الثالوث الإمبريالي الصهيوني الرجعي. يتبع ...
الرفيق شادي السمعلي.
#شادي_السمعلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مدخل لفهم الصراع الطبقي عند ماركس وانجلس
المزيد.....
-
استطلاع مثير للجدل: خمس الشعب الألماني مستعد للمغادرة في حال
...
-
ولاية ساكسونيا-أنهالت..من مهد الإصلاح الديني إلى اختبار اليم
...
-
When the Mountain Broke: Inside Nepal’s Deadliest Himalayan
...
-
فرنسا: اليمين المتطرف يتهم اليسار بتهديد السلم الأهلي قبيل ا
...
-
اضطرابات في معسكر نتنياهو بسبب التوتر داخل اليمين المتطرف
-
محافظة القاهرة.. حزب التجمع ينتخب لجان أقسام المطرية وبولاق
...
-
The USS Lincoln’s -Leisure Trip’ to Thailand: A Port Call of
...
-
بيان بمناسبة اليوم العالمي لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء ا
...
-
Brazil Must Not Surrender Its Critical Minerals
-
How the US is Driving the Rise of the Businessmen-Politician
...
المزيد.....
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
المزيد.....
|